تشتهر مدينة تشانقيري في وسط تركيا بالملح الصخري الذي يعد عصب الحياة، ففي مغارة تاريخية يستخرج هذا الملح حتى على عمق 250م، وينقل بالشاحنات عبر أنفاق داخل المغارة، ثم يتم تصديره إلى الخارج.

وتضم المغارة أكبر مخزون لهذا النوع من الملح، ويبلغ احتياطها ملياري طن، وهناك مخطط لتحويل مدينة تشانقيري إلى مرفق سياحي، وقد افتتحت السلطات هناك معرضا لتماثيل من الملح.

وبحسب المهندس المشرف على مغارة الملح مراد طناجي، ينتج الملح في هذه المغارة منذ آلاف السنين.

في إسبانيا، قررت 28 أسرة الاستقرار في إحدى القرى لتعيش بأسلوب يحترم البيئة ويبتعد عن سلبيات الحياة العصرية في المدن، وحتى البيوت التي يقطنونها مصممة وفق مواصفات بيئية.

ويستفيد سكان القرية من المساحات الخضراء التي تسمح لهم بزراعة الخضروات التي تؤمن 10% من احتياجات القرية، وهي خضروات عالية الجودة وخالية من المواد الكيميائية.

ألثينا نونييت (من سكان القرية البيئية) تقول إنهم اختاروا نباتا وأشجارا اعتمادا على تقنية الزراعة المستدامة، وقد زرعوا أشجار اللوز التي توفر الظل الوافر وتمنح الثمار.

وانتقلت حلقة برنامج "مراسلو الجزيرة" إلى اليابان، حيث تعثرت خطط إعادة إعمار القرى المنكوبة بعد تسونامي عام 2011، إذ ما زال أكثر من مائة ألف يعيشون في مراكز الإيواء.

في أوناغاوا شمال شرق اليابان، كانت عشرات القرى والبلدات تزخر بأزهى ألوان الحياة، لكنها اليوم يطغى عليها الحزن الذي خلفته كارثة تسونامي قبل أربع سنوات.  

وتعتبر أوناغاوا أكثر المناطق تضررا، حيث كان يقطنها عشرة آلاف شخص، وقتل وفقد منها ألف، وأهاليها ما يزالون يعيشون النزوح.

إيكوو فوجيانكا، أحد النازحين بسبب التسونامي، كان يعيش مع أسرته المكونة من ستة أفراد في بيت كبير، وكانت له مدرسة، لكن عائلته تفرقت، ويقول إن السلطات قدمت لهم وعودا لكنها لم تف بها، حيث تأخرت كثيرا عمليات إعادة الإعمار.

وترد السلطات من جهتها بأنها ترغب في بناء مساكن تحمي السكان من مخاطر تكرار تسونامي.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: الملح الصخري بتركيا وبيوت صديقة للبيئة بإسبانيا

مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 7/4/2015

المحاور:

-  عصب الحياة في مدينة تشانقيري التركية

-  بيوت صديقة للبيئة في إسبانيا

-  تعثر إعادة الإعمار في اليابان

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة، الملح الصخري عصب الحياة في مدينة تشانقيري التركية والمادة الأساسية لصناعتها وتجارتها وسياحتها، بيوتٌ صديقةٌ للبيئة في إسبانيا وتصاميم تُحقق أقصى استفادة من العوامل المناخية والمواد الطبيعية، بعد 4 سنوات على كارثة تسونامي في اليابان أهالي إحدى القرى المنكوبة ما زالوا يعيشون حياة النزوح.

أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، يرتبط اسم مدينة تشانقيري التركية بالملح الصخري ففي هذه المدينة توجد مغارةٌ تضم أكبر مخزونٍ لهذا النوع من الملح في تركيا، وهناك الآن مخططٌ لتحويل المغارة إلى مرفقٍ سياحي واستثماره لأغراض السياحة العلاجية، الآن الزميل عمر خشرم يحدثنا عن هذه المغارة وعن الفوائد العديدة للملح الصخري.

عصب الحياة في مدينة تشانقيري التركية

]تقرير مسجل[

عمر خشرم: أشكالٌ غريبةٌ ظهرت خلال عمليات استخراج الملح الصخري التي تمت طوال عصورٍ مضت وما زالت متواصلة على عمق 150 متراً تحت سطح الأرض، في هذه المغارة التاريخية بمدينة تشانقيري وسط تركيا والتي تُعتبر من بين أكبر مصادر الملح الصخري في العالم، إذ يُقدر احتياطي الملح فيها بملياري طن ويمكن استخراج الملح حتى عمق 250 متراً في هذه المغارة.

مراد ضاناجي/المهندس المُشرف على مغارة الملح: يتم إنتاج الملح منذ 5 آلاف عام في هذه المغارة أي منذ عهد الحرثيين الذين كانوا أول من استخرج الملح الصخري في هذه المنطقة وهذه المغارة هي أكبر مُصدرٍ للملح الصخري في تركيا .

عمر خشرم: تتم عمليات استخراج الملح الصخري عن طريق التفجير ويُنقل بشاحناتٍ عبر أنفاقٍ يصل طولها إلى 10 كيلومترات داخل المغارة وسعياً لاستغلالها سياحياً واستشفائياً افتتحت السُلطات معرضاً لتماثيل من الملح صنعها فنانون محليون وأجانب، ومتحفاً للموجودات التي عثر عليها داخل المغارة يُقدر عمرها بمئات السنين وأبرزها حمارٌ وأرنب تحولت جثتاهما إلى مومياء بتأثير الملح الذي حال دون تحللهما، ويقول محافظ المدينة إنه عازمٌ على استثمار هذه الثروة بشكلٍ جيد.

وحدالدين أوزجان/محافظ مدينة تشانقيري: سنفتتح نفقين في المغارة ونخصصها للسياحة العلاجية وسنخصص أجنحةً للمنتجات التقليدية بالمدينة كما سنفتتح مطاعم واستراحات وصالات اجتماعات ومركزاً ثقافياً داخل المغارة.

عمر خشرم: يُنقل الملح الصخري المُستخرج من المغارة إلى مصانع في تشانقيري تقوم بتكسير الملح الخام ومعالجته بشكلٍ يتناسب مع ماهية المنتجات الصناعية أو الغذائية أو الطبية أو السياحية التي سيدخل في إنتاجها، ولذلك أقيمت عدة مصانع في المدينة يُعد واحدٌ منها من بين أفضل 5 مصانع للملح الصخري في العالم حسب المسؤولين، تنتج المصانع أنواعاً ذات جودةٍ عالية من الملح الطبي والصناعي تُصدر إلى كندا وأميركا والدنمرك وهولندا وبريطانيا ودولٍ أخرى كثيرة وتُلبي حاجة تركيا بالكامل من الملح الصخري.

محمد الأقرع/رئيس مجلس إدارة شركة إنتاج الملح الصخري: ننتج هنا الملح الطبي وملح المائدة وملح الأقراص وملح الصناعات الغذائية والملح الصناعي والملح المُذيب للثلوج وأنواعاً أخرى من الأملاح المستخرجة من المغارة.

عمر خشرم: وتنتشر في شوارع تشانقيري محلاتٌ متواضعةٌ وكبيرة تبيع الملح الصخري بأنواعه وأشكاله وفق هدف الاستعمال وبأسعارٍ تناسب الجميع وكذلك تنتشر أيضاً محالٌ تبيع مواد وأدوات الزينة المنتجة من الملح إلى جانب محلاتٍ تبيع مستحضرات التجميل والصابون التي تُنتج من الملح الصخري وبدأت في المدينة استثمارات ترتكز على السياحة العلاجية من بينها فنادق مجهزةٌ بغرفٍ خاصة مليئةٍ بالملح الصخري.

عثمان أقباك/مدير فندق للعلاج بالملح:  أعددنا غرفاً مليئةً بالملح الصخري استعملنا فيها حوالي 25 طناً من الملح واستخدمنا الملح في كل أنحاء الفندق في مدخله وفي كل غرفه ومرافقه إضافةً إلى استخدامه في المأكولات التي نُقدمها.

عمر خشرم: غرف الملح يقصدها سياحٌ من مختلف أنحاء تركيا والهدف استقطاب سياحٌ من الخارج بغرض العلاج والاستشفاء والراحة من تأثيرات حياة العمل المُرهقة.

أحد نُزلاء الفندق (1): جئت من السفر مرهقاً لكن وبشكلٍ غريب أشعر براحةٍ وهدوء وكأن الملح سحب من جسمي كل المشاعر السلبية كنت أشعر بصداعٍ لكنه اختفى بعدما دخلت غرفة الملح وانفتحت جيوبي الأنفية بعدما كانت مسدودة.

عمر خشرم: يُسمح للزائر بدخول غرف الملح مرتين في اليوم كأقصى حد ولمدة ربع ساعةٍ كل مرة لكن يجب ألا يبقى فيها مدةً تزيد عن 40 دقيقة.

أحد نُزلاء الفندق (2): غرف الملح في تشانقيري الملح فيها يمنح الإنسان شعوراً غريباً لأنه يسحب الطاقة السلبية من جسم الإنسان ويجعله يشعر براحةٍ كبيرة.

عمر خشرم: ورغم تأكيد الخبراء على أن الملح الصخري في تشانقيري من أنقى أنواع الملح في العالم وفوائده مؤكدةٌ حسب العديد من الأبحاث في معالجة الكثير الأمراض التنفسية والجلدية خاصةً مرض الربو وضيق التنفس وانخفاض الضغط، إلا أنهم يحذرون من ضرورة الإشراف الطبي على هذا النوع من العلاج.

إبراهيم دميرطاش/خبير في الطب البديل: أثبتت أبحاثنا أن جزيئات الملح الصخري التي يتم استنشاقها تساهم في الشفاء من أمراض الجهاز التنفسي بينما ملح الطعام يضر الجسم لأن الإنسان يأخذ ما يكفي حاجته من الملح في الأطعمة اليومية.

عمر خشرم: وهناك تقليدٌ آخر في إطار فوائد الملح الصخري في مدينة تشانقيري إنها وجبات السمك والدجاج واللحوم التي توضع داخل كومةٍ من الملح الصخري ويتم إعدادها بشكلٍ يسمح بطهيها في أفران الحطب ما يُعطيها طعماً ونكهةً ومنظراً يفتح الشهية، ويلقى هذا النوع من المأكولات الذي يحتاج لمهارةٍ كبيرة ودقةٍ في العمل رواجاً محلياً كما يجذب السياح الراغبين في تناول مذاقٍ مختلف من الأكلات الشعبية المطهية داخل الملح.  تُسمى تشانقيري مدينة الملح الصخري لأنه يُشكل عصب الحياة فيها فهو المادة الأساسية في صناعتها وتجارتها وسياحتها ويُستخدم أيضاً في الصناعات التجميلية والطبية، أما الأطعمة التي تُطهى في داخله فلها مذاقٌ لا مثيل له.  عمر خشرم لبرنامج مراسلو الجزيرة، تشانقيري.

]نهاية التقرير[

بيوت صديقة للبيئة في إسبانيا

ناصر الحسيني: من تركيا إلى إسبانيا الآن على بُعد حوالي 50 كيلومتر من العاصمة مدريد تقع قريةٌ تُعرف باسم القرية البيئية يقطنها مواطنون قرروا استعادة روح العمل الجماعي والإحساس بالانتماء إلى مجتمعٍ يحترم البيئة ويُطور اقتصادا مُستداماً يحقق لهم الاكتفاء الذاتي ويساعدهم أيضاً على تفادي آثار الأزمة الاقتصادية، التفاصيل في هذا التقرير لمراسلنا أيمن الزبير.

]تقرير مسجل[

أيمن الزبير: بعيداً عن ضوضاء العاصمة الإسبانية مدريد قررت 28 أسرةً الاستقرار في هذه البلدة بحثاً عن أسلوب حياةٍ يحترم البيئة ويبتعد عن سلبيات الحياة العصرية في المدن، هنا لم يُترك شيءٌ للصدفة خاصةً في الجانب المتعلق بالرهان على تقنيات البناء التي تراعي البيئة في المواد المستخدمة واستهلاك الطاقة.

فيكتور طوري/متقاعد إسباني: أهم ما يُميز هذه المساكن هو طريقة تصميمها، كل المنازل مُوجهةٌ نحو الجنوب الشرقي وخط العرض مما يسمح بدخول أشعة الشمس من النوافذ إلى الصالون والمطبخ وهذا يجنبنا استخدام التدفئة أما فيما يخص المواد المستعملة في البناء فكل المواد ايكولوجية كخشب الأبواب والنوافذ ومواد الصباغة.

أيمن الزبير: لكن خيار الاستقرار هنا لا يستند فقط إلى الاعتماد على المواد المستدامة لتشييد المنازل فالمحيط الطبيعي يُمّكن أيضاً سكان البلدة من الاستفادة من المساحات الخضراء لزراعة الخضروات التي تُؤمن 10% من احتياجات القرية، خضراواتٍ طازجةٍ وذات جودةٍ عالية لأنها خاليةٌ من المواد الكيماوية.

ألفارو نييطو/متقاعد إسباني: جئنا من المدينة ولم تكن لدينا علاقةٌ بعالم الزراعة لذلك اضطررنا إلى أخذ بعض الدورات التدريبية والتعلم من سكان هذه المنطقة للتعرف على طريقة عملهم والخضروات التي يمكن زرعها هنا تجنباً لوقوع بعض الأخطاء.

أيمن الزبير: ولأن المساحات الخضراء لا تُستغل فقط لزرع الخضروات تم تخصيص هذا الفضاء المشترك للنزهة والاستراحة، أعشابٌ طبيعية وأشجارٌ لا يتطلب ريها سوى قليلٍ من الماء.

ألثيا نونييث/مقيمة في القرية البيئية: اخترنا بعض النباتات والأشجار اعتمادا على تقنية الزراعة المُستدامة هذه التقنية تفرض على مستخدميها انتقاء نباتاتٍ وأشجار لها فوائد متعددة لذلك زرعنا أشجار اللوز فهي من جهةٍ توفر ظلاً وارفاً ومن جهةٍ أخرى تمنحنا الثمار.

أيمن الزبير: ثمارٌ وخضرواتٌ تنتهي غالباً على موائد أحد سكان القرية فالعيش في هذا المكان يهدف أيضاً إلى زرع بعض القِيم الإيجابية كحسن الجوار وتقاسم المهام فضلاً عن أهمية العمل الجماعي، من كل بيتٍ يخرج طبقٌ طازجٌ يُفضل أن يكون نباتياً ومُعداً بمواد طبيعية.

لورينثا بيالبا/مقيمة في القرية البيئية: مشاغل الحياة اليومية تُبعدنا عن بعضنا البعض وهذا أمر عادي لأن معظم سكان البلدة يعملون في مدريد ولذلك نحاول تنظيم غذاءٍ كهذا لتبادل الآراء وتعزيز الروابط بيننا فضلاً عن تقاسم لحظات الفرح.

أيمن الزبير: بالإضافة إلى توعية الزوار بأهمية الاعتماد على المنتجات الإيكولوجية يحاول سكان هذه البلدة تعزيز التعايش عبر تنظيم أنشطةٍ ترفيهية واجتماعية تُسَخر أيضاً لبحث مبادراتٍ جديدة، مبادراتٌ كتلك التي أطلقتها خوسيفا غتيريث التي أعدت ورشةً خاصةً لجيرانها لتدربيهم على طريقة صنع صابونٍ طبيعي خالٍ من المواد الكيماوية، في الأفق تحقيق اكتفاء ذاتي يُجنب سكان البلدة استخدام الصابون الصناعي الذي يُعد من أكثر المواد تلويثاً للمياه أما الوصفة فسهلةٌ للغاية، حليبٌ وزيت زيتونٍ بالإضافة إلى نبتة الخُزامة وقليلٍ من الطين.

خوسيفا غتيريث/مستشارة جماعية: لا أريد تسويق هذه المنتجات هدفي هو أن ينشر المشاركون هذه الفلسفة أن يُعلموا أصدقائهم وأقاربهم طريقة التصنيع، لدي بعض الأصدقاء الذين تدربوا على صنع الصابون الطبيعي ويبيعونه لمساعدة بعض المنظمات غير الحكومية.

أيمن الزبير: في هذه القرية ثمة أيضاً فضاءاتٌ للأطفال بعد عودتهم من المدرسة لا مجال للجلوس أمام شاشات التلفزيون، عروضٌ مسرحية وقصصٌ لتنمية ذكائهم وقدرتهم على التركيز، تلك واحدةٌ من المبادرات الكثيرة التي تهدف إلى ملئ أوقات الفراغ، رغم ارتياحهم وإيمانهم بضرورة العودة إلى الطبيعة، يُقر سكان هذه البلدة بصعوبة رهانهم فهم في نظر الرأي العام يقاومون مجرى التاريخ وجهات نظرٍ يقولون أنها لن تثنيهم عن مواصلة جهودهم لتوعية محيطهم بضرورة احترام الطبيعة والتخلي عن نمط الحياة السائد في كبريات المدن. أيمن الزبير لبرنامج مراسلو الجزيرة من بلدة فالديبلياجو شمالي مدريد.

]نهاية التقرير[

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل، خطط إعادة إعمار القرى المنكوبة في اليابان تتعثر الآن بعد 4 سنواتٍ على كارثة التسونامي.

]فاصل إعلاني[

تعثر إعادة الإعمار في اليابان

ناصر الحسيني: أهلاً بكم من جديد، ما زال أكثر من 100 ألف ياباني يعيشون في مراكز الإيواء منذ كارثة تسونامي عام 2011 وقد تأخرت عملية إعادة إعمار القرى المُدمرة بسبب ضخامة المشاريع وأيضاً الخلافات حول خطة إعادة الإعمار، بعض السكان يطالبون ببناء قراهم في مواقعها السابقة وإقامة حواجز لحمايتها من تسونامي بينما تخطط الحكومة لنقلها إلى أماكن أخرى بعيدةٍ عن حزام الخطر المُحاذي للبحر، هذا الآن فادي سلامة ينقل لنا صورةً عن حياة هؤلاء النازحين ومعاناتهم.

]تقرير مسجل[

فادي سلامة: هدأت الأمواج في خليج ماتسوشيما وعادت أصوات الطيور تصدح في أرجاء المنطقة لكن عشرات القرى والبلدات التي كانت نزخر بأزهى ألوان الحياة ما زال يطغى عليها لون الحزن الذي خلفته كارثة تسونامي الهائلة قبل 4 سنوات، عشرات القرى اليابانية المطلة على المحيط الهادئ مُسحت بشكلٍ كامل ولم تتبقى سوى أنقاض بعض المباني التي تُذكر بالكارثة كندبة جرحٍ عميق، قرية أوناغاوا أحدى أكثر القرى تضرراً بتسونامي، عدد سكانها كان يُناهز 10 آلاف شخص لكن ألفاً منهم لقوا حتفهم أو فُقدوا في الكارثة، أهالي القرية الذين ما زالوا يعيشون حياة النزوح يزورون ما تبقى من أطلال قريتهم للصلاة على أرواح أبنائهم وربما كان وقع الكارثة عليهم أخف لولا استمرار أوضاعهم المعيشية الصعبة منذ وقوع التسونامي في عام 2011، مرت 4 سنواتٍ على كارثة الزلزال والتسونامي وما زالت الكثير من المناطق المدمرة في بلدة أوناغاوا على حالها وقد تحتاج عملية إعادة الإعمار لـ 4 سنواتٍ إضافية. في منطقة توهوكو التي ضربها التسونامي يعيش 230 ألف شخص من الناجين حياة النزوح، 80 ألفاً منهم يعيشون في هذه المساكن التي جُهزت بعد الكارثة مباشرةً لتأوي الناجين لبضعة أشهر كما قيل لهم حينها لكنهم ما زالوا عالقين فيها، السيد فوجيناكا كان يعيش مع أسرته المكونة من 6 أفرادٍ في بيتٍ كبيرٍ قبل الكارثة وكان يملك مدرسةً لتعليم مادة الرياضيات لطلاب المنطقة لكن عائلته تفرقت وبات يعيش بمفرده في غرفةٍ واحدةٍ بها مطبخٌ صغير.

إيكوو فوجيناكا/أحد النازحين بسبب التسونامي: تلقينا وعودا بأن إقامتنا في هذه الملاجئ لن تزيد عن أشهرٍ قليلة لكنها امتدت لـ 4 سنوات وأنا لا أستطيع التحمل أكثر جسدياً ونفسياً لقد تأخرت كثيراً عمليات إعادة الإعمار.

فادي سلامة: استغرق وضع خطط إعادة الإعمار 3 سنواتٍ بعد تسونامي بسبب حجم الدمار الهائل ورغبة الحكومة بنقل القرى إلى مواقع مرتفعةٍ بعيدة عن حزام الخطر المُحاذي للبحر لتفادي وقوع كارثة تسونامي جديدة، لكن تلك الخطط اصطدمت بإصرار بعض الأهالي على أن تتم إعادة بناء منازلهم في نفس مواقعها السابقة وأن تبني الحكومة حواجز لحمايتهم من أمواج تسونامي، وتحولت إعادة الإعمار التي تشرف عليها الإدارات المحلية إلى معادلةٍ معقدةٍ جداً أطرافها ثلاثة، سكانٌ يرغبون بالعودة إلى حياتهم ومساكنهم السابقة، وحكومةٌ مركزيةٌ تضع خططاً لحماية السكان لكنها تتطلب تغيير نمط حياتهم بشكلٍ كامل, والطرف الثالث هو الإدارات المحلية نفسها التي لا تمتلك الخبرة الكافية والمناسبة للتعامل مع مشكلةٍ بهذا الحجم.

تاكيجو أوغاتا/عمدة بلدة أوناغاوا: كان بإمكاننا أن نبني منازل بشكلٍ فوري ونعيد الناس إليها لكن الأمر ليس مجرد إقامة الأبنية فعلينا أن نُراعي في خططنا نمط حياة الأهالي قبل كارثة تسونامي وكيف نتجنب وقوع كارثةٍ جديدة لذلك وجدنا أنفسنا أمام خياراتٍ صعبة.

فادي سلامة: خططٌ مشرقةٌ وواعدةٌ طرحتها البلدية تضمنت رفع مستوى البلدة 6 أمتار عن سطح البحر لكن الخبراء قالوا أن ذلك لن يكون كافياً لمنع تكرارا كارثة تسونامي فتم تعديل الخطط من جديد ونُقلت مواقع البناء إلى مناطق قريبة من سفوح الجبال، ضيق المساحات وصعوبة البناء في الجبال ترك المسؤولين والأهالي أمام خيارٍ واحد وهو التخلي عن فكرة بناء المنازل المنعزلة المحاطة بالحدائق التي اعتاد السكان العيش فيها إلى مبدأ الأبنية العالية كما هو الحال في المدن الكبيرة وخلق ذلك مشكلةً جديدة تتعلق بنمط الحياة الجديد.

هيروشي سوزوكي/أحد سكان بلدة أوناغاوا:  فجأة وجدنا أنفسنا أمام نمطٍ جديدٍ للحياة كسكان المدن لكن لم يكن لدينا أي خيارٍ آخر سوى البقاء في مساكن الإيواء الضيقة أو الانتقال إلى هنا لكن الأمر قد يكون صعباً جداً بالنسبة لنا.

فادي سلامة: تم إنجاز 20% فقط من خطط إعادة الإعمار وسيكون على الـ 80 ألف شخصٍ أن ينتظروا 4 سنواتٍ أخرى حتى يحصلوا على مساكن دائمة وإلى أن يحين ذلك الوقت يحاول النازحون التأقلم مع وضعهم المزمن وتقبل فكرة أن يكون كل شيءٍ في حياتهم مؤقتاً، فأسواقهم مؤقتة وبيوتهم مؤقتة وحتى أماكن عملهم مؤقتة، السيد فوجيناكا أدرك أيضاً أنه يجب ألا يقضي حياته منتظراً المساكن الدائمة فقرر استئجار محلٍ في هذه السوق المؤقتة وتحويله إلى مدرسةٍ صغيرة، أستاذ الرياضيات المخضرم لم يكن من الصعب عليه أن  يتوصل إلى حلٍ لمعادلة إعادة الإعمار الصعبة وهو يتلقى في كل يومٍ اتصالا من أحد سكان البلدة ممن يريدون أن يشاركوه في تطبيق الحل الذي توصل إليه، إنه زراعة أشجار الساكورا التي كانت تُشتهر بها البلدة قبل أن تجرفها أمواج التسونامي، فأهم خطوةٍ لإعادة الإعمار ليست إقامة الأبنية فقط بل إعادة إعمار القلوب بإخراج الحزن منها، في قطعة أرضٍ صغيرةٍ تُطل على خليج أوناغاوا زرع فوجيناكا ورفاقه عدة شجيرات الساكورا في انتظار تفتحها وكلهم أملٌ بأن يتمكنوا من نقلها عندما يشتد عودها إلى مساكنهم الجديدة لعلها تعيد لما تبقى من قريتهم ألوان الحياة الزاهية التي كانت تزخر بها. فادي سلامة لبرنامج مراسلو الجزيرة، أوناغاوا.

]نهاية التقرير[

ناصر الحسيني: بهذا التقرير مشاهدينا عن خطة إعادة الإعمار المتعثرة في القرى اليابانية المنكوبة نأتي الآن إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدد بالطبع الأسبوع المقبل، دمتم بخير وإلى اللقاء.