بين اللوحات الفنية لفقراء إحدى القرى بجنوب الصين، والمعالم التاريخية لمدينة هيرات الأفغانية، ومناجم الملح الصخري في إقليم البنجاب الباكستاني، تجولت حلقة هذا الأسبوع من برنامج "مراسلو الجزيرة".

وتعد قرية "دافن" الصينية أكبر منتج للوحات الزيتية في العالم، وتغطي ما نسبته 60% من الطلب العالمي. والملفت أن رسامي هذه القرية هم من الفلاحين الفقراء الذين لم يترددوا على معاهد ولا مدارس، ولكنهم يرسمون بل يقلّدون لوحات شهيرة من أمثال "الموناليزا" للرسام الإيطالي ليوناردو فينشي.

فلوحة الموناليزا على سبيل المثال يبلغ سعرها ملايين الدولارات في المزادات العالمية، غير أن سعرها في دافن لا يتجاوز 50 دولارا، وهي طبعا لوحة مقلدة، حيث يركز رسامو القرية على تقليد اللوحات الشهيرة مع حفظ الملكية ثم يبيعونها للناس بأسعار رخيصة.

ويدير الرسام خوان جيانغ مركزا لهواة الرسم في القرية، حيث تعلّم على يديه مئات الفلاحين فن الرسم، وينصح الرسامين في القرية بعدم تقليد الرسومات العالمية وإنما رسم لوحات خاصة بهم.

ومن "دافن" انتقلت كاميرا "مراسلو الجزيرة" إلى هيرات، ثاني مدينة أفغانية من حيث الأهمية الاقتصادية والثقافية، وهناك سلطت الضوء على معالم هذه المدينة التي يقول المؤرخ الأفغاني نصر الدين عنبري إن تاريخها يعود إلى أربعة آلاف سنة.

تشتهر "هيرات العتيقة" كما يسميها أهلها والواقعة شمال غرب أفغانستان، بأسواقها وبازاراتها القديمة، وأيضا بمساجدها على غرار مسجد هيرات الذي يعد تحفة إسلامية خالصة، وأيضا بمناراتها المنقوشة وعددها خمس.

أما في باكستان فكانت الرحلة إلى داخل مناجم الملح "كيورا" الواقعة في إقليم البنجاب الشهير بأراضيه الخضراء.

فالسائحون من الداخل والخارج -وعددهم ربع مليون- يزورون سنويا سلسلة من الممرات المتشعبة داخل المناجم للاستمتاع بما تحويه من منحوتات بلورية ولوحات فنية.

وتعبر إحدى السائحات عن إعجابها الشديد بالمكان، وتدعو السلطات الباكستانية إلى تطويره لجذب المزيد من الناس.

وتنتج مناجم كيورا أطنانا من الملح سنويا، وتتم عملية استخراجه من خلال حفر الكهوف بأدوات يدوية بسيطة، ثم يقومون في خارج المناجم بفصل أنواع الملح الصخري من أجل نقله إلى المعامل الخاصة بالطحن وغيرها.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: لوحات فقراء الصين.. ومنحوتات مناجم الملح بباكستان

مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 28/4/2015

المحاور:

-   لوحات فنية بأنامل فلاحين بسطاء

-   هيرات.. المدينة الأفغانية العريقة في التاريخ

-   مناجم الملح الصخري في باكستان

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة: قرية دافن الصينية أكبر سوقٍ لنسخ وتقليد الرسوم الزيتية لمشاهير الفنانين العالميين، هيرات الأفغانية قصة مدينةٍ كانت حاضرةً علمية ومركزاً تجارياً على مدى قرونٍ عديدة، جولةٌ داخل مناجم الملح الصخري في إقليم البنجاب بباكستان.

لوحات فنية بأنامل فلاحين بسطاء

أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، تشتهر قرية دافن الواقعة جنوب الصين بتقليد ونسخ أشهر الأعمال الفنية لرسامين عالميين مرموقين حتى باتت أكبر مركزٍ في العالم لإنتاج اللوحات الفنية الزيتية، فقد صدّرت في السنوات الأخيرة 60% من الرسومات الزيتية الرخيصة المباعة في العالم ويحصل الفنانون الصينيون المقلدون على أجورٍ زهيدةٍ لكل لوحةٍ فنية ينجزونها، الزميل ناصر عبد الحق زار القرية وعاد لنا بهذا التقرير.

[تقرير مسجل]

ناصر عبد الحق: يتجول في ممرات القرية كل يوم؛ ترتسم في مخيلته ذكريات عقودٍ 3 مرّت منذ أن أطلق العنان للوحاته الفنية في دافن، من زقاقٍ لآخر يتنقل خوانغ جيانغ متفقداً تلاميذه، فعلى يده تعلم المئات من الفلاحين البسطاء هنا فن التشكيل بالألوان الزيتية، اليوم وبعد أنّ لونت الأيام رأسه بالشيب يدير مركزاً أسّسه في دافن لتدريب هواة الرسم من الشبان كي يلتحقوا بركب رسامي قرية الفن.

[شريط مسجل]

خوانغ جيانغ/رسام صيني: قدمت من هونغ كونغ في أواخر الثمانينات من القرن الماضي مع بدايات الإصلاح والانفتاح في الصين، وقتها زاد الطلب الخارجي على لوحاتي فجئت إلى قرية دافن لأنّ الأجور فيها كانت رخيصةً آنذاك ودربت الفلاحين هنا على الرسم لتلقى لوحاتنا رواجاً بعد ذلك.

ناصر عبد الحق: بعد أن بات اسمه في جنوب الصين أشهر من نارٍ على علم كان لا بد من البدء في الحفاظ على قدرٍ من شرف المهنة، وذلك بمراعاة الملكية الفكرية لمشاهير الرسامين في العالم.

[شريط مسجل]

خوانغ جيانغ: في البداية كان معظم التركيز والطلب على اللوحات العالمية المقلدة لأنها تُباع بسعرٍ أفضل، لكننا اليوم أنشأنا رابطةً لرسامي القرية وننصحهم بعدم التقليد وإبداع أعمالٍ خاصةً بهم.

ناصر عبد الحق: كل ما في دافن يزهو بألوانٍ تفتح الشهية للرسم وتجعل من زوايا القرية بعينها مادةً لإخراج عملٍ فني خاصةً بالنسبة للمبتدئين من هواة الرسم، يتوقف المرء هنا ليشاهد ويبحر للوراء عميقاً في تاريخ الفن التشكيلي فقد أعاد رسامو القرية تشكيل لوحاتٍ لعباقرةٍ تركوا أعمالاً خالدة، لوحاتٌ تدفع بجمالها وإتقانها ورخص أسعارها الزائر للقرية إلى اقتناء العديد منها، لوحة الموناليزا للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي والتي يصل سعرها في المزادات الدولية إلى ملايين الدولارات يمكن شراء نسخةٍ عنها مقلدةٍ بكل حرفية من قرية دافن بمبلغٍ لا يتجاوز 50 دولار، على مساحةٍ لا تتجاوز نصف كيلومتر مربع تُشكل دافن بيتاً لما يزيد على 1200 محلٍ لبيع الرسومات، رسوماتٌ يقوم بتشكيلها نحو 8 آلاف من رسامين عصاميين لم يدخلوا جامعاتٍ أو معاهد، بل هي مدرسة زقاق قرية الألوان الزيتية، مدرسةٌ لا يحتاج مرتادوها لدفع رسوم الدراسة بل هي من يمنح التلاميذ أسرار مهنةٍ تُدرُّ عليهم بعض المال.

[شريط مسجل]

تان شيونغ جيون/رسام: كنت أعمل على خط إنتاجٍ في إحدى الشركات ولم يكن الدخل كافياً، وبعد أن ازدادت الضغوط الاقتصادية قررت أن آتي إلى هنا، كوني أعشق الرسم تعلمت بسرعة واخترت رسومات الفنان فان جوخ  لإعادة رسمها، هي تُباع بسعرٍ جيد.

ناصر عبد الحق: في دافن لا يجد هواة الرسم صعوبةٍ في تعلم سر المهنة، وخلال فترةٍ قصيرة يشرعون في تقليد لوحاتٍ فنية شهيرة ثم تجدهم بعد ذلك وقد أتقنوا أدق التفاصيل، حاولت هنا أن أستعيد موهبةً في الرسم كانت متواضعة لعل عملي هذا يلقى استحساناً لدى أحد الزبائن فيُباع بمبلغٍ ليس بالزهيد، تُعرف هذه القرية بأنها أكبر منتجٍ للوحات الزيتية في العالم وهي تلبي نحو 60% من الطلب العالمي، وقد صدّرت لوحات تُقدر قيمتها بنحو 200 مليون دولار بين عامي 2006 و2008 قبل أن تعصف الأزمة المالية العالمية بالاقتصاد الدولي وتخفض عدد الزبائن، يجد الفنانون هنا كل مستلزماتهم بالقرب منهم من الريشة إلى الألوان الزيتية بكل أنواعها وأشكالها، فينسنت فان جوخ  ليوناردو دافنشي وغيرهم أعمالهم الفنية ما زالت تزين أشهر المتاحف في العالم، وما نُسخ عنها بأيدي رسامي قرية دافن بات ُزيّن معظم معارض بيع اللوحات في الصين، ناصر عبد الحق لبرنامج مراسلو الجزيرة، من قرية دافن جنوب الصين.

[نهاية التقرير]

هيرات.. المدينة الأفغانية العريقة في التاريخ

ناصر الحسيني: من قرية دافن الصينية إلى هيرات ثاني مدينةٍ في أفغانستان من حيث الأهمية الاقتصادية والتجارية والثقافية، وقد اكتسبت هذه الأهمية بسبب موقعها على طريق تجارة الحرير القديمة وبسبب تاريخها أيضاً إذ يُعتقد بأنها تأسست في القرن الرابع قبل الميلاد على يد الاسكندر الأكبر، كما جعلها القائد المغولي تيمور لنك عاصمةً لدولته في القرن الـ14 الميلادي، توجد فيها مبانٍ تاريخية عديدة دُمّر كثير منها ولا يزال بعضها شاهداً على مكانتها، الزميل عدنان البوريني يُعرفنا الآن على أهم المعالم المتبقية من هذه المدينة.

[تقرير مسجل]

عدنان بوريني: هيرات العتيقة هكذا اعتاد الأفغان على تسمية المدينة التي يُقال أنّ عهدها بدأ في حكم الاسكندر المقدوني مروراً باتخاذها عاصمةً بدل سمرقند من قبل أبناء تيمور لنك بعد وفاة أبيهم، هنا تشتم أثر من مروا بطريق الحرير قبل أن يكملوا دربهم إلى الهند، فيما تتفاوت أبنية البازار في أعمارها وشهادتها.

[شريط مسجل]

غلام نبي/تاجر توابل: توارثنا هذه المهنة عن أجدادنا ومنذ كان عمري  6 سنواتٍ وأنا أتردد على هذا المكان، هذا الشارع له تاريخٌ بعيد والأسواق كلها تاريخية والبازار بقي على حاله لأنه موقعٌ أثري.

عدنان بوريني: في بازا هيرات تُذكرك الوجوه والأزقة بنكباتٍ حلّت بالمدينة تعاقبت على مدى أكثر من 700 عام وغيّبتها عن مسامع الكثيرين، لكن الأمر في هذه المدينة أيضاً يختلف عما يحدث في كافة أنحاء أفغانستان إذ يُصر الناس على إبقاء المكان حيًّا، ليس مجرد طريقاً عادي فمنذ مئات السنين كان هذا الشارع جزءاً من طريق الحرير الواصل إلى الهند حاملاً معه بضائع التجار المسلمين ورسائلهم، لا يبتعد كتف السوق كثيراً عن أماكن أكثر قدماً هنا تُطل قلعة اختيار الدين بعمرٍ يناهز 4 آلاف عام بعد أن تعاقب عليها الحكام وكذلك الأساطير المروية، لا يقتصر الأمر على الحجر فالطقوس ما زالت على حالها يسارع الناس إلى صلاة الجمعة ومسجد هيرات هو الأكثر استقبالا لهم تحفةً معماريةٌ بدأت رحلتها قبل الإسلام كمعبدٍ زرادشتي لتتحول إلى مسجدٍ في عهد الخليفة عثمان بن عفان، لكن ملامحه تغيّرت بعد أن تعاقبت عليه منذ ذلك الحين أيدي الصُنّاع والحرفيين.

[شريط مسجل]

هبة الله فاضلي/إمام مسجد هيرات: يرجع تاريخ المسجد إلى زمن سيدنا عثمان بن عفان، ومن خصائصه أنه يتسع لأكثر من 50 ألف مصلٍ في نفس الوقت، المواد التي استخدمت للزينة نفيسةٌ جداً، يعود السيراميك الموجود على الجدران إلى عهد الغوريين من 750 عاماً وهذا كان سبقاً للهيراتيين في ذلك الزمن.

عدنان بوريني: يختار بعض الهيراتيين زيارة مقام عبد الله الأنصاري نجل الصحابي أبو أيوب الأنصاري كما يقولون ويقيمون طقوساً صوفية ويأتي الزوار من كافة أنحاء المدينة.

[شريط مسجل]

نصر الدين عنبري/مؤرّخ أفغاني: هيرات مدينةً عريقة وبحسب الوثائق يصل تاريخها لـ4 آلاف عام، كان لدينا أكثر من ألف موقعٍ أثري وللأسف الشديد وبسبب الحروب الأهلية وعدم خبرة الولاة الجدد ومعرفتهم بأهمية التاريخ أُتلف كل شيء ولم يبق إلا ما يُعد على أصابع اليد.

عدنان بوريني: يصعب على أي زائرٍ أن يحيط بأماكن هيرات كلها لكن الأصعب أن لا يمر على مناراتها الخمس وهنّ الأشهر فيها، خلال 6 قرونٍ صمدت في وجه عاتيات الزمن والحروب وإن نالها بعض الأثر وخسرت أختاً سادسة، بعض النقوش ما زالت حاضرةً بلونها الأزرق السماوي لتؤكد أنها لم تكن مجرد أعمدةٍ حجرية فيما يُطل عليك من بعض الأعمدة مقام العلامة فخر الدين الرازي ليزيد من ألق المكان، هنا يبدو التاريخ مكثفاً في بقعةٍ جغرافيةٍ ليست بالكبيرة كل طريقٍ أو حي أو بناءٍ يخبرك بقصصٍ مختلفة بعضها اختلط بالأساطير، لكن لا خلاف على أنّ المدينة كانت يوماً ما حاضرةً ذاع صيتها في المشرق والمغرب، عدنان بوريني لبرنامج مراسلو الجزيرة من ولاية هيرات غربي أفغانستان.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل: جولةٌ داخل مناجم الملح الصخري في إقليم البنجاب بباكستان.

[فاصل إعلاني]

مناجم الملح الصخري في باكستان

ناصر الحسيني: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، تُعرف باكستان بسلسةٍ مناجم الملح الصخري التي تقع في إقليم البنجاب شرقي البلاد، تحوي هذه المناجم مخزوناً هائلاً جعل من باكستان الدولة الثانية في العالم من حيث ضخامة حجم احتياطي الملح، الآن الزميل عبد الرحمن مطر يصحبنا في جولةٍ داخل كهوف الملح الصخري الذي تحول عبر آلاف السنين إلى منحوتاتٍ بلورية ولوحاتٍ فنية تجذب إليها الزوار من كل مكان.

[تقرير مسجل]

عبد الرحمن مطر: وسط إقليم البنجاب المشهور بأراضيه المنبسطة والخصبة تبرز منطقة كيورا الجبلية التي لا يوجد فيها إلا الملح، 300 كيلومترٍ مربعٍ من الملح الصخري المغطى بترابٍ جبلي أحمر اللون هي فقط المساحة المكتشفة من خزانٍ ضخم يمتد نحو 6 آلاف كيلومترٍ مربع، فما هي القصة؟

[شريط مسجل]

عرفان شاه/مدير مناجم كيورا: الدراسات الجيولوجية الموثقة تؤكد أنه  قبل عدة ملايين من السنين كان هنا بحرٌ عُرف ببحر تيتيان وبسبب عدة تغييرات طبيعية حوصر البحر ومع تناوب العصور المختلفة جفّت مياهه ثم تبخرت وترسّب الملح وتشكلت فوق ذلك هذه الجبال، واكتشاف المنطقة يعود للقرن الـ7 قبل الميلاد عندما توقفت خيول جيش الاسكندر المقدوني هنا وبدأت بلعق الصخور الملحية ومع مرور الوقت بدأ استخراج الملح.

عبد الرحمن مطر: أثناء استعدادنا للدخول إلى كهوف ومناجم الملح الصخري لاحظنا أنّ الحياة الطبيعية هنا لها صورتها المختلفة، إلى الداخل الآن للتعرف أكثر على تفاصيل وطبيعة هذه المنطقة التي تحوي الكثير من العجائب وأولها بالمناسبة هذا القطار الذي قيل لنا أنه لا يزال يعمل بالكهرباء، بصعوبةٍ ينطلق القطار في رحلةٍ بطيئةٍ ورتيبة عبر ممرٍ جداري ضاربٍ في القدم، قليلةٌ هي المشاهد التي يمكن للسياح رؤيتها هنا ومع ذلك فهي مبهرة بكل معنى الكلمة، هنا كل ما يحيط بك في عتمةٍ مطبقة هو في الحقيقة من الملح ما يجعلك تعتقد وكأنك بالفعل داخل أعماق تجويفٍ ملحي صخري متكامل وموحش توقف معه الزمن إلا من حركةٍ بسيطة، في أنحاءٍ أخرى وبعد الانتقال في سلسلةٍ من ممرات متشعبة تجد بعضاً من المجسمات المصنعة يدوياً وهي كلها أيضاً من الملح وفي هذا الجانب تحديداً تدرك مدى روعة ألوان الملح ونقاء صخوره.

[شريط مسجل]

سائحة: المكان في عمقه مدهشٌ للغاية وأعتقد أنّ كل ما نراه هنا بالفعل مدهش، وأظن أنه لا بد من تطوير الموقع أكثر وإضافة المزيد من التفاصيل لجذب عددٍ أكبر من السياح.

عابد/مرشد سياحي: كل من يعمل داخل هذه الكهوف والمناجم يتعيّن عليه أن يحمل مصباحاً كهذا الذي أحمله، صحيحاً أنّ معظم الممرات مضاءة لكن أحياناً ينقطع التيار الكهربائي ويصبح من الصعوبة علينا نحن العاملين هنا أن نرى طريقنا، والمشكلة قد تقع عندما نُضلُّ طريقنا ونسلك ممراً خاطئاً وحينها قد لا نستطيع العودة بسهولة.

عبد الرحمن مطر: طلاب المدارس والجامعات يشكلون نسبةً لا بأس بها من زوار المكان الذين يزيد عددهم عن ربع مليون سنوياً إضافةً لبعض الأجانب وبعض الأهالي الذين تدفعهم الرغبة في المغامرة لزيارة المكان والتعرف عن قرب على كل ما بداخله، سننتقل الآن إلى مواقع العمل الجاد داخل هذه الكهوف والمناجم وحيث يتم إنتاج أطنانٍ من الملح الصخري سنوياً، ولكن قبل ذلك أعتقد أنه لا بد من التوقف عند مشهدٍ شدّني كثيراً ويؤكد حقيقةً ذكرها لي المسؤولون هنا وهي أنّ الملح لا يزال يتشكل هنا يومياً وفي كل ساعةٍ ولحظة، حيث تتساقط قطراتٍ من المياه شديدة الملوحة من بين أعماق هذه الجبال، وعند تساقطها المستمر وبسبب عوامل الحرارة والضغط تتبخر بالتدريج فيبقى ما كانت تحمله من ملح، الطريق إلى مواقع العمل في كهوف مناجم الملح الصخري طويلةٌ ومظلمة وكثيرة التشعب، ولكن ما إن تصل حتى تفاجئ بحجم المكان وبأسلوب العمل، يدوياً أو باستخدام أدواتٍ غايةٍ في التواضع يحفر أبناء المنطقة الكهوف ويكشطون جدرانها لاستخراج الملح هكذا ببساطة.

[شريط مسجل]

محمد نعيم/مهندس مناجم كيورا: العمل هنا يتم بطرقٍ يدويةٍ متوارثة منذ القدم، لكنها طرقٌ علميةٌ تعتمد ما يُعرف بمبدأ طريقة الحفر الرومانية التي تعني حفر غرفٍ أو كهوفٍ بنسبة 50% وترك عواميد بنسبة 50%، ومسموحٌ فقط لمن هم من أهل المنطقة بالعمل، وبالمناسبة هذان الأمران يخدمان مصالح أهل المنطقة فبدون العمل اليدوي سيعاني معظم السكان من البطالة.

عبد الرحمن مطر: إلى خارج الكهوف الآن وحيث يستمر العمل طيلة ساعات النهار وبطريقةٍ يدويةٍ أيضاً في مسعى متواصل لفصل أنواع الملح الصخري قدر الإمكان وبسرعة استعداداً لبيعه ومن ثم نقله إلى معامل الطحن والتكرير ومصانع الكيماويات.

[شريط مسجل]

ملك قيصر/تاجر ملح صخري: العاملون هنا قادرون على التفريق بين الصخور الملحية من ألوانها، فالصخور البيضاء ملحها نقي جداً نشحنها مباشرة إلى معامل الطحن وتغليف ملح الطعام، أما الصخور الغامقة فتنقل إلى مصانع الكيماويات لفصل المعادن ولاستخراج كربونات الصوديوم الذي يستخدم في تصنيع مسحوق الغسيل.

عبد الرحمن مطر: بالقرب من موقع فرز الصخور الملحية وبيعها ونقلها تُقطّع صخورٌ أخرى زهرية اللون تمهيداً لاستخدامها إما في حظائر الماشية لتمنح البهائم ما تحتاجه من أملاحٍ ومعادن وإما لتُصنّع يدوياً أيضاً بأشكالٍ وأحجامٍ متنوعة يتوقف عندها الزوار لشراء ما يعجبهم للاحتفاظ به كذكرى، أعتقد أنه سيكون صعباً علينا أن نغادر المنطقة دون الحصول على ذكرى نحتفظ بها وتخلد هذه الزيارة، وبما أنه لا يوجد هنا إلا الملح فأعتقد بأنه لا بأس من شراء أي من هذه المجسمات، عبد الرحمن مطر لبرنامج مراسلو الجزيرة، كيورا بإقليم البنجاب.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: بهذا التقرير من باكستان عن مناجم الملح الصخري نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من مراسلو الجزيرة وموعدنا يتجدد الأسبوع المقبل أيضاً، دمتم بخير وإلى اللقاء.