معاناة سكان جزيرة مادا في تركيا، ولعبة البوزكشي المشهورة في أفغانستان، وولع الموريتانيين بشرب الشاي؛ هي مواضيع تناولتها حلقة "مراسلو الجزيرة".

يقول سكان جزيرة مادا إنهم" أيتام منسيون وسط بحيرة". إنها بحيرة "باي شهير" القابعة في حضن جبال طوروس في تركيا، والتي تعد أكبر بحيرة مياه عذبة، وتحتوي على 33 جزيرة تشكل أكبر محمية طبيعية في البلاد.

وجزيرة مادا الواقعة بين محافظتي قونيا وإسبرطة هي الجزيرة الوحيدة التي تقع في بحيرة ويسكنها بشر، ورغم أنها توصف بأنها من أجمل مناطق تركيا، فإن سكانها يعانون من عدة مشاكل.

يقطن في الجزيرة ثلاثمائة شخص، يعيشون أوضاعا معيشية صعبة، ولكن أهم مشكلاتهم تكمن في عدم توفر وسيلة نقل آمنة من أجل تحركاتهم.

ويقول عمر غورار مختار قرية غيديكلي، وهي الأقرب إلى الجزيرة وتتبعها إداريا، إن الأمور زادت تعقيدا بعد قرار وضع البحيرة ضمن المحميات الطبيعية.

البوزكشي
ومن تركيا إلى أفغانستان، حيث لعبة البوزكشي التي تتمتع بشعبية كبيرة في أفغانستان، وتقام لها منافسة أسبوعية في مدينة مزار شريف بمشاركة ثلاثمائة شخص من مختلف الفئات، فلا فرق بين الغني والفقير في هذه اللعبة.

وتبدو البوزكشي مثل لعبة البولو المشهورة، إلا أن للأمير الحق في المشاركة بالعدد الذي يشاء من الفرسان، كما يمكنه تغيير الخيل والفرسان والدخول في أي لحظة من زمن المنافسة الذي عادة ما يتجاوز أربع ساعات.

ولا توجد قوانين تحكم هذه اللعبة، كما أنها تكثر في فصل الربيع.

يملك حاج مقيم، وهو من وجهاء مزار شريف، عشرات الأحصنة المدربة على خوض مسابقة  البوزكشي، وهو نفسه كان قد تعلم هذه اللعبة منذ صغره ويحرص على تعليمها أبناءه، لأنه يريد أن يحافظ عليها كنوع من هوية بلاده أفغانستان.   

جلسات الشاي
أما موريتانيا، فإن هويتها تظهر في الشاي الذي جلبه التجار قديما من الصين، لكن الموريتانيين منحوه هوية خاصة بهم، وهو يعد عنوان الكرم والضيافة لديهم، وهو ملهم الشعراء والفنانين.

ويحضر الشاي في كل الجلسات بما في ذلك الولائم والأعراس، وله طقوس خاصة، حيث تشرب منه ثلاث كؤوس خلال الجلسة الواحدة، وتحرص الفنانة الموريتانية مونى بنت دندني على أن يكون الشاي مصاحبا لجلسة الطرب التي تقدمها، وتتولى تحضيره على الفحم وعلى نار هادئة، مع نعناع طازج بطبيعة الحال.

وتتغنى المطربة بالشاي، وتقول كلمات إحدى أغنياتها إن الشاي لا يقدر بثمن.

ويوجد في موريتانيا سوق خاص بالشاي، ويتزايد الإقبال على شرائه وشراء الأواني الفخمة الخاصة باستعماله رغم أسعارها المرتفعة.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: من البوزكشي بأفغانستان إلى جلسات الشاي بموريتانيا
مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 31/3/2015

المحاور:

-  جزيرة مادا التركية طبيعة خلابة وظروف عيش قاسية

-  لعبة البوزكشي رياضة الأفغان المفضلة

-  جلسات شاي دافئة ومميزة في موريتانيا

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة جزيرة مادا الجزيرة الوحيدة المأهولة في تركيا طبيعةٌ خلابةٌ وظروف عيشٍ صعبة، البوزكشي اللعبة التقليدية الأكثر شعبيةً في أفغانستان، الشاي في موريتانيا عنوان الكرم وحسن الضيافة ومصدر إلهامٍ للشعراء والفنانين.

أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، تعتبر جزيرة مادا الواقعة بين محافظتي قونيا واسبرطة الجزيرة الوحيدة من نوعها في تركيا التي يقطنها بشر، ورغم أن هذه البحيرة توصف بأنها من أجمل مناطق تركيا إلا أن سكان الجزيرة يعيشون قصة معاناة لا تنتهي ويصفون أنفسهم بالمنسيين وسط البحيرة، الزميل عامر لافي زار الجزيرة وعاد ليروي لنا الحكاية في التقرير التالي.

]تقرير مسجل[

جزيرة مادا التركية طبيعة خلابة وظروف عيش قاسية

عامر لافي: لا شك أن هذا المكان قطعةٌ من الجنة أو أن الجنة تقع أسفل هذه البحيرة، يُقال أنه بهذه الكلمات عبر السُلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد عن انبهاره بجمال بحيرة بيشهير القابعة في حضن جبال طوروس، إنها أكبر بحيرة مياهٍ عذبةٍ في تركيا وتحتوي على 33 جزيرةً يُشكلن أكبر محميةٍ طبيعيةٍ في البلاد لكن وسط هذا الجمال ربما لا يخطر ببال أحد أن ثمة قصة معاناةٍ حقيقية تعيش هنا على جزيرة مادا، الجزيرة الوحيدة في تركيا التي تقع في بحيرة ويسكنها بشر، في طريقنا إلى هناك وصلنا إلى قرية غيديكلي أقرب القرى إلى الجزيرة والتي تتبعها إدارياً فوجدنا أن معظم الخدمات الأساسية متوافرةٌ هنا في الوقت الذي يصف سكان الجزيرة أنفسهم بالأيتام المنسيين وسط البحيرة.

عمر غورار/مختار قرية غيديكلي: المواصلات إلى الجزيرة صعبة ونقل المعدات إلى هناك معقد وعدد الناس كان قليلاً جداً ولهذا لم تهتم بهم الحكومات، اليوم ازداد عددهم كثيراً لكنه يبقى مع ذلك قليلاً بالنسبة للدولة، ثم جاء قرار جعل الجزيرة محميةً طبيعيةً ليزيد الأمور تعقيداً، فاتخاذ أي قرارٍ يتعلق بالجزيرة لا بد أن يحصل على موافقة العديد من الجهات الرسمية.

عامر لافي: على ضفاف البحيرة التقينا بمتين الذي جاء بواسطة قاربه الصغير في رحلته اليومية ليعيد بناته إلى الجزيرة بعد انتهاء يومهن الدراسي، طلبنا مرافقته فوافق على أن نصحبه إلى جزيرة مادا، يقول متين إن عدم وجود مدرسةٍ في الجزيرة أجبر بعض سكانها على استئجار بيوتٍ لأسرهم في قرية غيديكلي ليتمكن الأبناء من مواصلة تعليمهم، أما بالنسبة له وللكثيرين في مادا فهذا عبءٌ ماديٌ لا يمكن تحمله فيضطرون إلى تحمل معاناة الرحلة اليومية ذهاباً وإياباً.

متين كراسو/أحد سكان جزيرة مادا: الضباب من أكبر المشاكل التي تواجهنا فهو كثيفٌ جداً كما أنه ضيفٌ شبه دائم وفي كثيرٍ من الأحيان يستحيل علينا عبور البحيرة فيُحبس أبناؤنا في الطرف الثاني، اليوم الجو جيد لكن قبل أسبوع كانت أجزاءٌ كبيرةٌ من البحيرة متجمدة وهذه مشكلةٌ أخرى أعقد وأخطر، أما في الصيف فالعواصف لا تكاد تتوقف.

عامر لافي: عند وصولنا إلى الجزيرة كان مشهد القوارب الصغيرة المتناثرة في كل مكان وأصحابها المنهمكين في صيانة وتجهيز القوارب أكثر شيءٍ لفت انتباهنا، قالوا لنا إن قواربهم بسيطةٌ وغير آمنةٍ إطلاقاً وكثيراً ما كانت سبباً في مضاعفة معاناتهم إلا أنهم أردفوا قائلين: لكنها يجب أن تبقى صالحةً لكي نبقى نحن على قيد الحياة.

أحمد يلدرم/أحد سكان جزيرة مادا: هذا القارب هو وسيلة مواصلاتنا التي تربطنا بالعالم الخارجي وبه نصيد السمك وبه ننقل مرضانا وطلابنا وطعامنا وشرابنا وكل شيء، القارب هو كل شيءٍ في حياتنا.

عامر لافي: يسكن الجزيرة نحو 300 شخصٍ جُلهم أقارب من عائلةٍ واحدة ومعظمهم يعيشون أوضاعاً اقتصادية صعبة، أوصلت لهم السُلطات الماء والكهرباء قبل عدة سنوات وكان هذا آخر عهدهم بالدولة كما يقولون بعد أن حُرموا من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ولا توجد لديهم طرقٌ معبدةٌ ولا مخفرٌ للشرطة ولا مركزٌ لإطفاء الحرائق، لكنهم يعتبرون أن أهم مشكلهم والسبب الرئيسي في الكثير من معاناتهم هو عدم توفر وسيلة نقلٍ آمنة عبر البحيرة.

حسين كراسو/أحد سكان جزيرة مادا: في العام الماضي مرض والدي ولم نتمكن من نقله إلى المستشفى إلا بعد يومين لكنه كان قد فارق الحياة، أخبرنا الأطباء أننا تأخرنا كثيراً وهكذا بهذه البساطة نفقد أحبتنا في هذه الجزيرة.

عامر لافي: تعتبر الزراعة أحد أهم مصادر الرزق هنا وإلى جانب المشكلة المزمنة بالنسبة لأهالي الجزيرة المتمثلة في صعوبة نقل احتياجاتهم وبضائعهم جاء قرار جعل المنطقة محميةٌ طبيعية ليُضيق الأراضي الزراعية ويقلص أيضاً من مساحة المراعي الخصبة مما أثر سلباً على أحوال مربي الماشية كما مُنعت تربية الماعز لما تسببه من أضرارٍ لأشجار المحمية فتعثر مصدرٌ آخر لكسب الرزق على الجزيرة.

زينب يلدرم/من سكان جزيرة مادا: لدي عدة رؤوسٍ من الماشية أعتمد عليها في معيشتي لكن توفير الطعام لها صعبٌ جداً فلا بد من نقله عبر البحيرة والمراعي هنا ضيقة جداً ومحدودة فقد أصبحت محميةً طبيعية لا يُسمح بالرعي فيها.

عامر لافي: الحاجة صِديقة كانت آخر من التقيناهم في الجزيرة لم تطلب من الدولة سوى طرقٍ أفضل حالاً علها تكون أرأف بأقدامها من تلك الطرق الموحلة سألتها وسألت كثيرين من القرويين هنا، ما الذي يبقيكم على هذه الجزيرة؟ فسمعت منهم ما لخصه أمير الشعراء بقوله:

وطني لو شُغلت بالخُلد عنه     نازعتني إليه في الخُلد نفسي

رغم التطور الكبير الذي شهدته مدن وقرى تركيا في السنوات الأخيرة يبدو أن الجغرافيا وقسوة الطبيعة قد فرضتا واقعاً صعباً على أهالي هذه القرية المعزولة.  عامر لافي لبرنامج مراسلو الجزيرة، اسبرطة.

]نهاية التقرير[

لعبة البوزكشي رياضة الأفغان المفضلة

ناصر الحسيني: تتمتع لعبة البوزكشي بشعبية كبيرة في أفغانستان ورغم انعدام الأمن وتراجع اهتمام الحكومة بها ما يزال الكثيرون يُقبلون على ميادين المنافسة لمتابعة أخبار هذه اللعبة ونتائجها ويُغدقوا مالكو الخيول على الفارس هدايا كثيرة تفوق قيمتها قيمة الجائزة الرسمية، الآن الزميل سعيد بوخفة يشرح لنا أصول وقواعد هذه اللعبة في التقرير التالي.

]تقرير مسجل[

سعيد بوخفة: أفغانستان تتغير، ليس في الأمر مبالغة، تستقبلك شوارع العاصمة كابول كما تتوقع أن تستقبلك أي عاصمة، وإذا كانت سِحنتك قريبة من سِحنة أهل البلاد فلن تشعر بالفرق سوى في نظرتهم الأولى إليك قبل أن تألفهم ويألفوك، البساطة والعفوية طبعٌ لن تخطئه عينك أينما حللت وارتحلت في ربوع البلاد الواسعة، مزار شريف ليست المدينة الاقتصادية وكبرى المدن في الشمال الأفغاني فحسب وإنما هي موطن لعبة البوزكشي أو حمل الماعز وسعة الانتشار في آسيا الوسطى، لم نشغل أنفسنا كثيراً في السؤال عن تاريخ اللعبة وموطنها الأصلي خشية أن تفوتنا فرصة اللقاء ببطل قصتنا وهو يستعد ليومٍ غير عادي، حاجي مقيم يكفي أن تذكر اسمه ليدلك أول من يصادفك بالمدينة، الرجل من وجهاء المدينة وأثريائها يملك عشرات الأحصنة المدربة على لعبة البوزكشي وككل يوم جمعة فالموعد أشبه بيوم عيدٍ لجميع أفراد أسرته.

حاجي مقيم/مالك خيول: كان الملك الراحل ظاهر شاه يهتم كثيراً بلعبة البوزكشي وبعد الاجتياح السوفييتي وما تلاه من حروبٍ تأثرت اللعبة ولم نعد نشارك في المسابقات التي تُجرى خارج أفغانستان، العام الماضي لم تتمكن اللجنة الأولمبية من إرسال الفرسان الأفغان إلى قرغيزيا للمشاركة في المسابقة بسبب الشُح الميزاني، ولا أخفيك أن اللجنة لا تهتم بهذه اللعبة والأفراد لم يصمدوا كثيراً للحفاظ عليها.

سعيد بوخفة: تربية الخيل أتقنها وهو صبي ويحرص على تلقينها لأبنائه أيضاً، حضرنا حصة الإحماء الصباحية للخيل والتي كانت أقرب إلى حصةٍ تدريبيةٍ لفريق كرة قدم كل عضوٍ فيه يعرف دوره جيداً ويؤديه دون توجيهاتٍ من المالك، قيل لنا إن فترة الشتاء كانت طويلة والخيل قليلاً ما كانت تغادر هذا الإسطبل استعداداً لفصل الربيع الذي تكثر فيه منافسات البوزكشي.

عنايت خان/سائس خيول: يجب أن تبقى الخيول مستيقظةً ليلة المسابقة حتى الخامسة صباحاً لأنها إذا نامت لن تستطيع الجري في الميدان وقُبيل الظهر نضع السروج على الأحصنة ونقدمها إلى الفارس وهي جاهزةٌ للمشاركة.

سعيد بوخفة: يأخذ الخيل نصيباً وافراً من أشعة الشمس التي ستُعينه خلال التحدي، التقينا حياة الله خان الذي لا تقل شهرته في هذه القرية عن شهرة مُشغله حاجي مقيم، هو ابن هذه القرية وسبب شهرته تمكنه من جميع تفاصيل لعبة البوزكشي، يستعرض هنا مهاراته في الفروسية قبل أن يعود لغرفته ويضع آخر اللمسات على شكله ليتوجه إلى ميدان المنافسة وسط المدينة، يتقاطر مالكو الخيول على الميدان في سياراتهم الفخمة التي غالباً ما تكون أرخص من سعر الخيل التي يربونها كما أخبرنا حاجي مقيم، تُعطى الانطلاقة للمنافسة التي تدوم أكثر من 4 ساعات، الجابنداز أو الفارس باللغة المحلية حياة الله خان هو من كان له شرف افتتاح المنافسة، ليس للعبة قوانينٌ بالمعنى السطحي للكلمة، إذ ليس هناك وقتٌ معين لدخول أي فارس للمنافسة كما يحق للأمير أن يُغير الأحصنة والفرسان في أي وقت وبالعدد الذي يشاء.

ميرويس هوتخيل/حكم لعبة البوزكشي: هذه مسابقةً أسبوعيةٌ في مدينة مزار شريف، ويشارك فيها نحو 300 فارس والجميع يحاول أن يُبرز قوته ويتمكن من أخذ العجل إلى الدائرة المخصصة في الميدان ولدينا فرسان مشهورون في هذه اللعبة.

سعيد بوخفة: غالباً ما يشارك كل أمير باثنين أو ثلاثة من الجابنداز أما البقية من أعضاء الفريق فيعملون على فتح الفريق للفارس حتى يُكمل دورةً كاملة على الميدان ويضع العجل في الدائرة الذي إن حصل فسيكون هو الفائز أو حلال باللغة المحلية، أعضاء الفريق يعملون أيضا على عرقلة حامل العجل المنافس ومنعه من الوصول إلى الدائرة أما العجل الذي غالباً ما يُستبدل بالماعز فيوضع في المياه ويضاف إليه الملح يومين قبل المنافسة حتى يثقل وزنه وتصعب مهمة رفعه على الجابنداز، بين المتابعين للمنافسة لا فرق بين الأثرياء والفقراء الذين عادةً ما يشاركون في الجوائز إلا أن الأثرياء من الأمراء يجلسون على مقاعد مريحة بينما البقية يتقاسمون مدرجات الاسمنت الباردة، تابعنا بطلنا بلهفةٍ أملاً في تحقيق الفوز بإحدى الجوائز التي عادةً ما تكون أكثر قيمةً مع اقتراب موعد النهاية وبعد أن يكون التعب أخذ ما أخذه من الخيل والجابنداز على حدٍ سواء، للأسف لم يفز الجابنداز بطل قصتنا واكتفينا بشرف المحاولة. سعيد بوخفة لبرنامج مراسل الجزيرة، مزار شريف- شمال أفغانستان.

]نهاية التقرير[

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نتابع معكم الآن هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل، "الشاي في موريتانيا عنوان الكرم وحُسن الضيافة ومصدر إلهامٍ للشعراء والفنانين".

]فاصل إعلاني[

جلسات شاي دافئة ومميزة في موريتانيا

ناصر الحسيني: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، يعتبر الشاي الأخضر مشهداً لا تخطئه العين في حياة الموريتانيين حتى بات بمثابة منبهٍ يضبط أيامهم التي تسير على إيقاعه، ويُقدم الموريتانيون الشاي بسخاء لكل الزوار تعبيراً عن الكرم وحُسن الضيافة كما يرتبط ارتباطاً وثيقاً أيضا بهويتهم وتاريخهم وحضارتهم، لذلك تتميز جلسات الشاي بطقوسٍ خاصة تمنح طابعاً محلياً لا يخلو من الفلكلورية والاستعراض، الآن الزميلة زينب بنت أربيه تُطلعنا في التقرير التالي على بعض هذه الطقوس.

]تقرير مسجل[

زينب بنت أربيه: تحرص الفنانة الموريتانية المشهورة منى بنت دندني على اختيار نوعية الشاي الذي تستخدمه بعنايةٍ فائقة ذات العناية التي توليها لكلمات أغانيها وألحانها، فكما عُرفت بالتأني عند اتخاذ قرارٍ بشأن أغانيها والتجديد والجرأة عند اختيار الكلمات والتمسك بالأصالة الممزوجة بالحداثة فهي قد تُمضي ساعاتٍ لتقارن أنواعاً من الشاي تحار أمامها العيون، هي هنا في رحلة بحثٍ عن صنفٍ يمزج بين الأصالة والحداثة والابتكار

منى بنت دندني/فنانة موريتانية: حصلت على الورقة اللي نرتاح لها وعندي أنا شخصياً نختار الشاي من حيث النكهة ومن حيث الشكل ومن حيث الرائحة وعندي خليط نعده من أشكاله الورقية كي دائماً نكتشف نكهة جديدة.

زينب بنت أربيه: بالنسبة للفنانة منى بنت دندني لا يحلو سمرٌ ولا يكتمل مجلسٌ ولا تولد أغنيةٌ أو يُتقن لحنٌ إلا في حضور كؤوس الشاي لتُواكب ميلاد الفكرة وتُسهل انسيابيتها وتُحرر أوتار الآلات الموسيقية وتُطلق العنان للإبداع، لذلك فهي لا تُغفل أياً من التفاصيل المتعلقة بطقوس الشاي وأولها أن يُعد أمام الحاضرين على الفحم وعلى نارٍ هادئة وأن يُختار له أجود أنواع النعناع الذي يمنحه نكهةً خاصة، كذلك ينبغي أن يكون المحيط عبقاً برائحة البخور الموريتاني ولا بأس بقدحٍ تقليديٍ من حليب النوق، في التقاليد الموريتانية تُحتسى 3 كؤوس من الشاي خلال الجلسة الواحدة لكن في مثل هذه الحالة يتواصل الشاي ليواكب المجهود الذهني.

منى بنت دندني: الشاي هو مصدر إلهام هو محور الجماعة الموريتانية وأنا شخصياً كفنانة موريتانية يمثل لي الكثير للموسيقى الموريتانية لأنها تتألف من 5 مقامات وما زال الشاي متواصل نقدمه في عطاء إلى المقام الأخير هو مقام البتيت ويتوقف عنده إلى أن يتوقف المقام الأخير وهو مقام البتيت .

زينب بنت أربيه: وقد قيل عن الشاي أو أتاي كما يُسميه الموريتانيون الكثير شعراً ونثرا، وأُلفت فيه كتبٌ ودواوين، تتبلور الأفكار ويتفتق الذهن عادةً بعد تناول الكأس الأولى وكلما حرصت مُعدة الشاي على تناغم مكوناته وتفننت في تزيينه زاد حماس المجتمعين حوله، ولع الموريتانيين بالشاي لا جدال فيه فقّل ما تخلو مجالسهم من ذكرياتهم بشأنه خاصةً عندما يفتقدونه في الغُربة وقد اختزلت بن دندني هذا الوله في أغنيةٍ خاصة تقول كلماتها إنه لا يُقدر بثمن، أغنيةٌ عززها الشاعر المبُدع الدوه ولد بنيوك بكلماتٍ تحمل ذات المعنى من وحي الساعة، يكاد الشاي يحتل رتبة سفيرٍ فوق العادة وكامل السُلطة في موريتانيا فهو مصدر إلهامٍ بالنسبة للشعراء والمطربين كما شاهدنا في هذه الجلسة الفنية ويُستخدم في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء كما يساعد على لمّ الشمل والتواصل بين الأُسر وهو شاهدٌ على مناسبات الموريتانيين الاجتماعية، لذلك فهم لا يترددون في الإنفاق بسخاء عندما يتعلق الأمر بالشاي ومستلزماته، واحتراما لعلاقتهم التاريخية به وبما أنه يتقاسم مع الموريتانيين حياتهم بحلوها ومرها ويضبط إيقاعها يتزايد إقبالهم على اقتناء الأواني الفخمة التي تُستخدم في إعداده، وكأنهم يعبرون له عن تقديرهم بمعاملته معاملةً تليق بمقامه ولا تُشكل الأسعار الباهظة التي قد تصل آلاف الدولارات في بعض الأحيان لمعداتٍ مكتملةٍ ومنوعة عائقاً دون اقتنائها لأن الأمر يتعلق برد الجميل للمحبوب الذي لا يرضون به بدلا، من أكبر الأسواق في موريتانيا سوقٌ خاصٌ بالشاي فقد بات المشروب الأول في البلد دون منازع فرض حضوره في المشهد جلبه التجار قديماً من الصين ثم تفننوا في تعليبه وتنويعه ومنحه هويةً موريتانية فأطلقوا عليه أسماء أبنائهم ومناطق سكنهم ومدنهم التاريخية ومحيطهم الجغرافي.

المختار ولد أحمد تلمود/تاجر: الموريتانيين استطاعوا من مهارتهم في الشاي التاي الموريتاني عنهم عادوا يفاصلوا بين التاي الورقة النافعة واللي ما هي نافعة، مهارتهم عنه عاد استطاعتهم عنه يجعلوا الماركة بعنوانهم هم الشخصي عند الصين.

زينب بنت أربيه: ويعتبر الشاي الشاهد الدائم على حفلات زفاف كل الموريتانيين وما يسبقها من طقوس، فعند إعداد زي العروس مثلاً تضبط الخبيرات مزاجهن بكؤوس الشاي المتعاقبة فتعطي للزي عمليةٌ تحتاج وقتاً طويلاً وتركيزاً ذهنياً حيث تُخلط كمياتٌ متنوعةٌ من العطور والبخور وأشياء أخرى هي سر المهنة، في غرفةٍ مغلقة لا يُسمح لغير الخبيرات والشاي بالولوج إليها. زينب بنت أربيه لبرنامج مراسلو الجزيرة، نواكشوط.

]نهاية التقرير[

ناصر الحسيني: بهذا التقرير عن جلسات الشاي في موريتانيا وطقوسها نأتي الآن مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدد أيضاً الأسبوع المقبل دمتم بخير وإلى اللقاء.