أصبحت الأورغواي الدولة اللاتينية الصغيرة التي لا يتعدى سكانها 3.5 ملايين، أول دولة في العالم ترفع كل أشكال التجريم القانوني عن استعمال وغرس نبتة الماريغوانا المخدرة.

برنامج "مراسلو الجزيرة" في حلقة 17/2/2015 رصد الخلفيات التي تقف وراء هذه التجربة التي تعرف في البلاد بـ"التجربة الكبرى".

فقد جاء توجه الدولة استجابة لمطالب اليسار الذي يريد إحداث قطيعة مع سنوات الدكتاتورية والظلم الاجتماعي الذي طال على وجه الخصوص فقراء المجتمع، كما يرى اليساريون الحاكمون اليوم.

يقول مدير المكتب الحكومي للمخدرات خوليو خالازادا، إن استخدام الماريغوانا كان ديمقراطيا، "بمعنى أن جميع الطبقات كانت تستخدمه، لكن العقوبات بالسجن استهدفت الطبقات الفقيرة لأسباب اجتماعية وثقافية وعرقية".

ثمة قيود قانونية تضمّنها توجه الأورغواي هذا، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة وتنحو نحو الإدمان، حيث تسمح التشريعات لكل مواطن بشراء أربعين غرام ماريغوانا من المحلات التي بدأت تنتشر في البلاد.

ويؤكد المزارعون أن هذه النبتة "قد أسيء فهمها"، وأن منعها ليس الطريقة المثلى وإنما المعرفة هي السبيل الفضلى.

من جانب آخر، يرى المعارضون أن قانون الماريغوانا غير قابل للتنفيذ، فيقول العضو في الحزب الوطني المعارض خافيير غارسيا إن الأمر في غاية الخطورة "فحين تجرب المخدرات وتقع أخطاء فإن النتائج تكون بالغة السوء كما حصل في العديد من الدول".

بنادق هولو
التقرير الثاني من قرية أناضولية على جبال طوروس في تركيا، كان يمكن أن تصبح مثل باقي جاراتها من القرى التي تعتمد على رعي الماشية، إلا أن مصيرها رسم على يد صانع بنادق الصيد فورثت منه المهنة واشتهرت بها.

قرية هولو التي تصنع أربعين ألف بندقية في العام لها تجربة فريدة، حيث مصنع البنادق ليس ملكية لأحد بعينه بل لسكان القرية كلهم.

الشاويش مصطفى عاد بعد الحرب العالمية الأولى وعلّم أهل القرية صناعة بنادق الصيد وتمكّن من تغيير مصير القرية كليا، إذ ارتفع مستوى معيشتها بفضل بندقية هولو التي يصنع 60% منها يدويا.

مدفع دلميال
من قرية تركية إلى قرية في إقليم البنجاب الباكستاني تدعى دلميال، وهناك يربض مدفع بريطاني استخدم في الحرب العالمية الأولى رمزا لافتخار القرية بتاريخها العسكري.

عرفت دلميال بأنها خرجت العديد من الجنرالات، وشارك نصف سكانها في الحربين العالميتين الأولى والثانية. أما المدفع النادر فقد رفضت القرية الإغراءات المالية لبيعه للبريطانيين واحتفظت به.

وما زال الأبناء يحفظون صور أجدادهم وآبائهم ممن شاركوا في الحروب خصوصا إبان استعمار بريطانيا للهند، بل إن المعمرين من الجنود والضباط ما زالوا يتقاضون رواتب تقاعدهم من الحكومة البريطانية.

المؤسسة العسكرية الباكستانية لا تُذكر إلا ويُذكر معها نصيب دلميال منها، فغالبية من يعيش من الأبناء يرتبطون بأرشيف الآباء والأجداد الذين جابوا أصقاع الأرض في الحروب، وورثوا شغف العسكرية منهم.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: الأورغواي أول دولة ترفع الحظر عن الماريغوانا

مقدم الحلقة: عبد القادر فايز

تاريخ الحلقة: 17/2/2015

المحاور:

-   الأروغواي تُشرّع الماريغوانا

-   بنادق الصيد في هولو التركية

-   خزان عسكري في قرية دلميال

عبد القادر فايز: في هذه الحلقة تشريعاتٌ جديدةٌ في الأورغواي لتقنين استخدام نبتة الماريغوانا بعد رفع الحظر عن إنتاجها وبيعها، قريةٌ في وسط تركيا تشتهر بإنتاج بنادق الصيد وتصديرها لـ50 دولةٍ في العالم، مدفع دلميال: رمزٌ لتضحيات قريةٍ باكستانية شارك نصف سكانها في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

الأروغواي تُشرّع الماريغوانا

أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، أصبحت الأورغواي أول دولةٍ في العالم ترفع الحظر القانوني عن استخدام الماريغوانا للاستعمال الشخصي أو للأغراض العلاجية أو حتى للتسويق التجاري، وبدأت الحكومة اليسارية هناك بوضع ترتيباتٍ قانونيةٍ جديدة للسيطرة على استعمال هذه النبتة، محمد العلمي من مونتيفيديو يطلعنا على الجدل الذي ما زال دائراً في الأورغواي بشأن هذه التجربة التي تُعرف هناك بالتجربة الكبرى.

[تقرير مسجل]

محمد العلمي: أصبحت هذه الدولة الصغيرة بسكانها الذين لا يتعدون الـ3 ملايين ونصف رائدةً في محيطها اللاتيني بل العالم كله بدخولها تجربةً غير مسبوقة بعد أن رفعت كل أنواع التجريم القانوني عن استعمال أو غرس نبتة الماريغوانا المخدرة استجابةً على ما يبدو لمطالب اجتماعيةٍ وفئوية ارتبطت أساساً باليسار الذي يريد إحداث قطيعةٍ نهائية مع سنوات الدكتاتورية ورفعاً لظلمٍ اجتماعي طال على وجه الخصوص فقراء المجتمع كما يرى اليساريون الحاكمون اليوم.

[شريط مسجل]

خوليو خالازادا/مدير المكتب الحكومي للمخدرات: كان استخدام الماريغوانا ديمُقراطياً في الأورغواي بمعنى أن جميع الطبقات الاجتماعية كانت تستخدمه لكن العقوبات بالسجن والاعتقال كانت تستهدف بالأساس الطبقات الفقيرة لأسبابٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ وعرقية، ودفعت هذه الطبقة ثمناً أكبر بكثير مما دفعته الطبقات الميسورة.

محمد العلمي: القوانين الجديدة فتحت الأبواب على مصراعيها أمام تجارة وغرس الماريغوانا لكن في إطار بعض القيود حتى لا يخرج الاستخدام الطبي أو للترفيه عن نطاق السيطرة ويتحول إلى الإدمان، وتسمح التشريعات الجديدة لكل مواطنٍ بشراء 40 غراماً من محلات الماريغوانا التي بدأت تنتشر في أنحاء مدن البلاد في حين سُمح لأندية المدخنين التي يتعيّن أن لا يقل عددهم عن الـ15 عضواً بغرس 99 نبتةٍ سنوياً.

[شريط مسجل]

ماتين خوساسو/أحد مزارعي الماريغوانا: معظمنا يستخدم الماريغوانا ونفضل أن نغرس بأيدينا ما نستعمله، ثانياً نعتقد ما نقوم به هو فعلٌ سياسي كما نعتقد أن هناك رسائل سياسيةً عديدة أولها أن الحرب على المخدرات أخفقت بعد أن تسببت في مشاكل عديدةٍ في أميركا اللاتينية من انتشار الفساد والعنف.

محمد العلمي: هذه الازدواجية بين الرغبة في الترفيه أو التطبيب وبين الاعتقاد بلعب دورٍ من أجل هدفٍ سياسي واجتماعي أسمى لاحظناه لدى المزارعين الصغار والكبار الذين زرناهم بل يرى بعضهم أنهم جزءٌ من حملةٍ دوليةٍ تزداد شعبيةً واتساعاً لرفع الحظر عن نبتة الماريغوانا، ويؤكد زارعو الماريغوانا أن هذه النبتة متعددة الاستخدامات قد أسيء فهمها عبر التاريخ وحان الوقت لإعادتها الاعتبار.

[شريط مسجل]

خوان جاص/صاحب مزرعة ماريغوانا: هناك تجربةٌ في 3 ولاياتٍ أميركية وهنا في الأورغواي وأخرى في أمستردام، علينا أن نتعلّم من هذه التجارب المختلفة لتحديد أفضل السُبُل وتحليل المعلومات، لكن المؤكد أن المنع ليس الطريقة المثلى المعرفة هي السبيل الأفضل.

محمد العلمي: بول ستانفورد أميركي جاء من الشمال ليطلع على التجربة الجديدة وهو يحمّل حكومة بلاده مسؤولية منع الماريغوانا ونشرها في باقي دول القارة من خلال ما كان يُسمّى الحرب على المخدرات لأسبابٍ اقتصاديةٍ وإستراتيجية بل يرى أن حكومة بلاده تآمرت حتى على مواطنيها من المرضى الذين يحتاجون للماريغوانا للتخفيف عن آلامهم.

[شريط مسجل]

بو ستانفورد/ناشط أميركي مناهض لحظر الماريغوانا: لدينا أطباء يساعدون المرضى في مختلف أنحاء الولايات المتحدة من هاواي إلى نيويورك للحصول على تراخيص لمعالجة مرضاهم بالماريغوانا وساعدنا بالفعل أكثر من 200 ألف مريضٍ للحصول على الماريغوانا بطريقةٍ قانونية.

محمد العلمي: لكن بالنسبة لبعض المشرعين المعارضين هنا في مونتيفيديو خاصةً خافيير غارسيا الذي كان يعمل طبيباً قبل أن يصبح مشرعاً فإن أصحاب التجربة الجديدة يلعبون بالنار.

[شريط مسجل]

خافيير غارسيا/الحزب الوطني المعارض: لا يمكنني أن أتخلى عن مهنتي كطبيب حينما أنظر إلى الأمر كتجربةٍ على قدرٍ كبيرٍ من الخطورة لأنك حينما تجرب المخدرات وتقع أخطاء فإن النتائج قد تكون بالغة السوء كما حصل في العديد من الدول.

محمد العلمي: القوانين الجديدة تمنع على الأجانب شراء وبيع الماريغوانا أو نقلها عبر الحدود خشية انتقال أباطرة المخدرات في دولٍ قريبةٍ ككولومبيا أو المكسيك لاستغلال الوضع الجديد لكن الإجراءات التي وضعتها الحكومة لتحديد استهلاك المواطنين المحليين تبدو في نظر المعارضين غير قابلةٍ للتطبيق.

[شريط مسجل ]

خافيير غارسيا: أؤكد لكم أن هذا القانون ليس عملياً، من سيراقب كل البيوت والكميات المنتجة من المحاصيل؟ من سيراقب الذين لا يدخنون لكنهم سيغرسون الماريغوانا لفائدة طرفٍ ثالث مقابل مبلغٍ من للمال؟ هذا القانون غير قابلٍ للتنفيذ.

محمد العلمي: لكن بالنسبة للمتحمسين للتشريعات الجديدة تبقى الأورغواي أفضل مرشحٍ في المنطقة والعالم لتكون مختبراً عملياً للتطبيع مع النبتة المثيرة للجدل باعتبار أن عدد السكان فيها قليل وتستطيع الحكومة التحكّم في سوق الماريغوانا كما أن الأورغواي لا تعاني من وجود عصاباتٍ خطيرة في مجال المخدرات كما هو الشأن في كولومبيا أو المكسيك، في حين يرى آخرون أن إعادة النظر في قوانين مكافحة المخدرات تدخل في إطار إعادة نظرٍ شاملة في الإرث السياسي والاجتماعي الثقيل الذي ورثته الحكومات اليسارية الجديدة في القارة سواءٌ من أنظمة الحكم العسكري أو من نفوذ الولايات المتحدة الجارة الشمالية القوية، من إعادة النظر في قوانين مكافحة المخدرات إلى تجنيد الدولة  لمحاربة الفقر يبدو أن دول أميركا اللاتينية تجتاز مرحلة تحول كبرى يقودها نشطاء سياسيون وسجناء سابقون وصلوا إلى الحكم في عواصمهم ويعيدون صياغة العقد الاجتماعي من برازيليا إلى لاباز ومن كاراكاس إلى سانتياغو، محمد العلمي لـ "مراسلو الجزيرة"، مونتيفيديو الأورغواي.

[نهاية التقرير ]

عبد القادر فايز: ومن الأورغواي إلى تركيا حيث تشتهر إحدى القرى الأناضولية بإنتاج وتصنيع واحدة من أشهر بنادق الصيد واللافت في الأمر أن المصنع الذي يصنّع هذه البنادق ليس له مالكٌ واحد بل هو ملكٌ لكل أهالي القرية، عامر لافي زار هذه القرية بعد أن تغيّر وجهها وتحول سكانها من حياة الرعي إلى إنتاج البنادق.

[تقرير مسجل]

بنادق الصيد في هولو التركية

عامر لافي: في أحضان سلسلة جبال طوروس وعلى أحد سفوحها الحادة عاش أهالي قرية هولو لمئات السنين مستسلمين لفقرهم وقلة حيلتهم فلا أرضهم صالحةٌ للزراعة ولا مراعيهم خصبةٌ بما يكفي لسد رمق جوع أغنامهم إلى أن جاء يومٌ تمكّن فيه أحد أبناء القرية من تغيير مصيرها، هذا هو متحف ومعرض منتجات القرية ومن هنا تبدأ الحكاية، حكايةٌ ترويها هذه البنادق المعلّقة على جدرانه، يُقال إن الشاويش مصطفى المجنّد في الجيش العثماني عاد بعد الحرب العالمية الأولى إلى هولو وقد برع في صيانة وتعمير البنادق فكان أن علّم أبناء قريته هذه الحرفة وانتهى بهم المطاف إلى إنتاج أشهر بندقية صيدٍ في تركيا باتت تحمل اسم قريتهم.

[شريط مسجل]

مواطن تركي: منذ زمنٍ بعيد ونحن نسمع كلمة هولو ونعرف أنها تعني بندقية الصيد الأولى في تركيا جئت هنا باحثاً عن الجودة والجمال.

عامر لافي: هذا هو مصنع هولو الذي يروي الفصل الثاني من حكاية القرية فحتى عام 1962 ظل الأهالي يصنعون البنادق في ورشٍ صغيرةٍ متفرقة قبل أن يتخذ القرار بتجميع الجهود وإنشاء مصنعٍ خاصٍ بالقرية، هنا عمل وما زال يعمل أكثر من 90% من أبناء هولو وقد تخصص كلٌ منهم في أحد أجزاء البندقية وعملوا على تطويرها عبر السنين، إبراهيم هو أحد أحفاد الشاويش مصطفى التقينا به في قسم التزيين والحفر الفني حيث فضّل العمل منذ كان في الـ14 من عمره يقول الرجل إنه يفخر بجده الذي يعتبره الجميع هنا هبةً من السماء.

[شريط مسجل]

إبراهيم صري/حفيد الشاويش مصطفى: لا شك أن الله أحب جد والدي نحن لا نملك له صورةً شخصية لكن ذكراه خالد في عقول وقلوب أبناء هولو فبفضله تعيش قريتنا حياةً كريمةً منذ عشرات السنين.

عامر لافي: يُصنع قرابة 40% من أجزاء البندقية بواسطة الآلات الحديثة لمواكبة التطور التكنولوجي بينما يُصنع الباقي يدوياً وهذا يقلل كمية الإنتاج لكنه يضمن الجودة والتميّز كما يقول القائمون على المصنع، ينتج هنا سنوياً أكثر من 40 ألف بندقية صيدٍ تصدّر إلى 50 بلداً في العالم ويذهب الجزء الأكبر منها إلى الولايات المتحدة ولأن العاملين هنا هم شركاء وليسوا موظفين فليس هناك رواتب شهرية فالنظام المالي في المصنع هو الوحيد من نوعه في تركيا.

[شريط مسجل]

ايرول كوبتشو/نائب رئيس مجلس إدارة مصنع هولو: شعارنا هو نحن المنتجون ونحن المديرون كل قطعةٍ في البندقية لها ثمنها وكل عاملٍ في المصنع يكسب من المال حسب عدد القطع التي ينتجها وفقاً للمواصفات المطلوبة أي حسب جهده وكأنه في ورشته الخاصة.

عامر لافي: التطور الصناعي للقرية انعكس على كل جوانب الحياة العمرانية والثقافية والاجتماعية للناس هنا فليس ثمة ما قد يذكر زائرها بأنه في قريةٍ أناضولية طالما عملت في الرعي كجاراتها من القرى التي ما زالت تعتمد في عيشها على حليب الأغنام وصوفها.

[شريط مسجل]

محمد هرمان/مختار قرية هولو: الصناعة في قريتنا عبر السنين غيّرت طبيعة الحياة فيها فقد أصبحت وكأنها مدينةٌ صغيرة، نحن أول قريةٍ في تركيا ينشأ فيها معهدٌ فني عالٍ يتبع جامعة قونيا يخرّج أبناء القرية للعمل في المصنع.

عامر لافي: قيل لنا يصعب أن يزور قريتنا أحدٌ دون أن ندعوه إلى رحلة صيدٍ قصيرةٍ في الغابات المحيطة بهولو فقبلنا الدعوة، وهناك حصلنا على درسٍ مجاني في قواعد ومبادئ الصيد بالبندقية، قد لا يكون الصيد الهواية الوحيدة لشباب هولو لكنها بلا شك الهواية التي يتقنها ويحبها الجميع هنا، مع الأسف لم أصب الهدف أما بالنسبة لأهالي هولو فيبدو أنهم أصابوه منذ زمنٍ بعيد فهذه البندقية كانت الهدف وبفضلها تبدلت حياتهم من الرعي إلى الصناعة ومن الفقر إلى الغنى، عامر لافي لبرنامج مراسلو الجزيرة، قونيا.

[نهاية التقرير]

عبد القادر فايز: مشاهدينا الكرام نتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل: ذكرياتٌ من الحربين العالميتين الأولى والثانية على لسان من عاشوها في إحدى القرى بإقليم البنجاب الباكستاني.

[فاصل إعلاني]

خزان عسكري في قرية دلميال

عبد القادر فايز: أهلاً بكم من جديد، في إقليم البنجاب الباكستاني قريةٌ توصف بأنها خزانٌ عسكري بامتياز وذلك لأنّ أكثر من نصف سكانها شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية تحت قيادة الجيش البريطاني، وتُعرف القرية بالقرية ذات المدفع في إشارةٍ إلى مدفعٍ أُهدي لجنود القرية تقديراً لتضحياتهم، لكن الأمر لا يقتصر فقط على هاتين الحربين فالقرية لها تاريخٌ عريقٌ بالمعنى العسكري يرويه لنا أحمد زيدان.

[تقرير مسجل]

أحمد زيدان: من هنا تبدأ قصة قدامى المحاربين الباكستانيين الذين شاركوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، مدفعٌ استخدم بالأولى يقول المشاركون من قرية دلميال إنهم فضلوه على إغراءاتٍ مالية عرضها عليهم البريطانيون عرفاناً وتقديراً لمشاركتهم العسكرية، محمد رشيد ملك 96 عاماً أحد الناجين من الحرب العالمية الثانية التقيته قرب المدفع الشامخ وسط القرية يحاول استعادة بعض الذكريات العالقة في ذهنه.

[شريط مسجل]

محمد رشيد ملك/شارك في الحرب العالمية الثانية: ألقى الأميركيون القنبلة النووية على هيروشيما فاستسلم اليابانيون وانسحبوا، لكن عدواً آخر كان بانتظارنا هو الملاريا سقطت مريضاً كنت يومها مقاتلاً في بورما فنقلت إلى المستشفى للعلاج.

أحمد زيدان: قرية دلميال الواقعة وسط إقليم البنجاب على بعد ساعتين من العاصمة إسلام آباد، كانت قريةً هندوسيةً في الأصل لا تزال آثارها شاهدةً على ذلك، يقول أهلها إنّ أصولهم تعود إلى قبيلة عوان العربية، وصل جدهم الأول دلمي مع السلطان محمود الغزنوي المعروف بفاتح لهند، اهتم الغزنويون والغوريون من بعده بالقتال فجندوا شباب المنطقة بعد أن اكتشفوا مبكراً ميولاتهم ومهاراتهم القتالية.

[شريط مسجل]

محمد فاروق/عميد متقاعد: عدد السكان الذكور في القرية كان 839 شارك منهم بحسب الإحصائيات 460 شخصاً وهي أكثر نسبة مشاركةً مقارنة بعدد سكان القرى في العالم.

أحمد زيدان: يجسد العميد المتقاعد فاروق أحمد عراقة المؤسسة العسكرية الباكستانية فجده شارك في الحرب العالمية الأولى ووالده في الثانية، أما هو فشارك في حرب انفصال بنغلادش ونجله اليوم ضابطٌ بالجيش الباكستاني.

[شريط مسجل]

فاروق أحمد/عميد متقاعد: أهل القرية هم من العرق المارشالي المقاتل وهذا العرق موجودٌ في المناطق الجبلية مثل منطقة أتيك وكذلك مناطق الحدود في سلسة جبال الملح هنا.

فرّوخ محمد/رائد متقاعد: لم يكن هناك صناعةً فالناس يعتمدون على الزراعة المحدودة المعتمدة على الأمطار الموسمية وعليهم مسؤولياتٍ في تربية عائلاتهم، وحين فُتحت معسكرات الانضمام للجيش البريطاني التحقوا بها.

أحمد زيدان: النواة العسكرية لقرية دلميال بدأت مع غلام محمد خان الذي شارك في الحرب البريطانية الأفغانية الثانية ثم في الحرب العالمية الأولى، نقل شغفه العسكري لأولاده وأحفاده فكان منهم الرائد سارتاج الذي كان يتقن اللغة الصينية، في أول اتصالٍ باكستاني صيني رافق سارتاج رئيس وزراء باكستان سهروردي إلى الصين كمترجم لكنه اختُطف وقُتل في ظروفٍ غامضة، محمد رياض نجلٌ مشاركٌ في الحربين العالميتين يسعى في متحف القرية الصغير أن يثبت لنا عمق القرية عسكرياً.

[شريط مسجل]

محمد رياض/نجل جندي شارك في الحربين العالميتين: في الحرب العالمية الأولى شارك على حدود بلجيكا فرنسا ثم في بنغازي، وفي الحرب العالمية الثانية استُدعي إلى وحدة المدفعية حيث قاتل في بورما.

أحمد زيدان: ظل الجيش الباكستاني معتمداً على هذه المنطقة فواصل قادته زيارتها وتكريم المحاربين القدامى الذين لا يزالون يتلقون رواتب تقاعدهم من بريطانيا عبر المؤسسة العسكرية الباكستانية، رازية سلطان مؤرخةٌ باكستانيةٌ التقيتها في بيشاور تدعو المؤرخين إلى بحث خلفيات مشاركة مسلمي الهند مع البريطانيين في الحرب العالمية الأولى ضد الإمبراطورية العثمانية، تشدد رازية على أنّ مشاركة أكثر من مليون هندي منحهم امتيازاتٍ انعكست على حياتهم الاجتماعية.

[شريط مسجل]

رازية سلطان/مؤرخة باكستانية: المشاركة في الحرب منحت امتيازاتٍ اقتصاديةً واجتماعيةً للمشاركين، فكونهم بالجيش البريطاني منحهم مصدراً مالياً جيداً عزّز مكانتهم الاجتماعية.

أحمد زيدان: هذه المدرسة الأقدم في القرية تخرّج منها 5 جنرالاتٍ وضباطٌ كُثر، طلابها اليوم بين راغبٍ في الالتحاق بالجيش أو رافضٍ له، تقادم الزمن لم يغير من رغبات واهتمامات الناس هنا، لا يزال الكبار يتذكرون ويتغنون بخبرتهم وتاريخهم العسكري ليلقنوه للصغار وللشباب على أمل أن يكون حافزاً وملهماً لهم من أجل الانضمام والالتحاق بالجيش الباكستاني، هذه القرية الوادعة في وادٍ زراعي جميل مهددةٌ اليوم بكارثةٍ بيئية، 5 مصانع إسمنتية تحيط بها ومصانع أخرى في طريقها للبناء، لم تنفع صرخات أهلها في وقف هذا الخطر الداهم، أسأل أحدهم هل استفاد أهالي القرية شيئاً من هذه المصانع؟ فيجيب بنبرةٍ ساخرة نستنشق سمومها مجاناً، أحمد زيدان لبرنامج مراسلو الجزيرة، دلميال.

[نهاية التقرير]

عبد القادر فايز: وبهذا التقرير من إقليم البنجاب الباكستاني نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من "مراسلو الجزيرة"، موعدنا يتجدد الأسبوع المقبل دمتم بخير وإلى اللقاء.