في قلب كندا يصدع الصوت العربي في مهرجان سنوي يسعى للتواصل بين العرب وغيرهم، وتوظيف الثقافة في تأكيد الهوية ومكافحة الصور النمطية، في حين يبقى كهف قيزقابان بكردستان العراق أثرا تاريخيا.

ففي حلقة (8/12/2015) من "مراسلو الجزيرة"، زار البرنامج كندا التي تعيش بها جالية عربية وإسلامية كبيرة، بدأت في الانخراط في الحياة العامة والسياسية، حيث يقام في مدينة مونريال سنويا مهرجان العالم العربي لعرض الثقافة العربية وحماية الموروث المشترك للعرب المهاجرين وتوظيف الثقافة كأحد أهم المكونات الأساسية للهوية، بالإضافة لمكافحة الصور النمطية السلبية.

وقد نجحت الثقافة واللغة العربية بإيجاد مكان لها تحت سقف هذه المدينة المحكومة تاريخيا بازدواجية اللغة والثقافة، وجاءت فكرة المهرجان ليس فقط لإثراء ثقافة المجتمع، وإنما للحفاظ على الثقافة العربية أيضا، وإبراز مظاهرها وتوظيفها لغايات تتجاوز وظيفتها الجمالية البحتة، وإظهار التنوع الكامل في المنطقة العربية فكرا وإنسانا.

وحاولت بعض عروض المهرجان إظهار الواقع العربي كما هو ببعض كبواته وصعوباته كما بدا ذلك واضحا في قصة قوارب الموت بين شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، كما حاولت بعض العروض إظهار لحظات فرحة ومتعة تجاوزت حواجز اللغة لتؤدي وظيفتها الجمالية.

جهود عرب كندا لتوظيف الثقافة من أجل إثبات الهوية ومحاربة الصور النمطية قد تؤتي أكلها ربما في كندا بوتيرة أسرع من باقي الدول الغربية بعد أن صنفت كندا كأكثر دول العالم تسامحا، لكن ذلك لا يعني أن المعركة قد كسبت لأنها تحتاج دائما إلى التخطيط والإستراتيجية.

كهف قيزقابان
المحطة الثانية لـ"مراسلو الجزيرة" كانت إقليم كردستان العراق، وتحديدا مدينة السليمانية التي تضم العديد من المواقع الأثرية والكهوف القديمة، ومن أبرزها كهف قيزقابان بالشمال الغربي من المدينة والذي يحتوي على العديد من النقوش والرموز الدينية ويضم مقبرة يعود تاريخها لستة قرون قبل الميلاد.

وتضم المنطقة عشرات الكهوف الصغيرة في أحضان الجبال، من بينها منحوتة قيزقابان التي تعني باللغة التركية "خاطف الفتاة"، وحسب السكان المحليين فإن التسمية أطلقت حديثا.

وتعددت الروايات حول تاريخ المدفن، الذي يعود -حسب مختصين- إلى ما بين الفترة 550 و600 قبل الميلاد، وتعود المنحوتة لملوك، كما بدا المزيج الديني واضحا على واجهة الكهف، فعلى اليمين يظهر رمز الإله عشتار أو ما يعرف بنجمة الصباح، وفي الوسط يظهر رمز إله القمر المعروف عند البابليين والآشوريين، أما على أقصى اليسار فيبدو رمز إله الحق والنور.

هذه الرموز لها علاقة بتاريخ المكان وهوية المدفن داخل الكهف الذي يضم رفات ملوك دفنوا به، كما يعد شاهدا على ديانات وعصور مختلفة.

ويعتقد الباحثون أنه تمت إزالة الحجارة التي استخدمت للوصول إلى الكهف بعد بنائه حيث تم فصل المدفن عن الأرض خوفا من تعرضه للنهب والسرقة لأنه كان يتم دفن الحلي والمجوهرات مع الموتى به.

السودان وجنوب السودان
وجاءت المحطة الثالثة للبرنامج من السودان، وتناولت استمرار الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن والتي تزايدت معدلاتها في السنوات الأخيرة بشكل لافت.

وتقول الدراسات الرسمية إن أهم سبب في ذلك هو النقص الحاد في خدمات التعليم والخدمات الصحية وضيق سبل كسب العيش.

ولم تعد ملامح الحياة في الولاية الشمالية بالسودان في السنوات الأخيرة كما عرفها أهلها في السابق، إذ باتت قسوة الحياة تلون تفاصيل العيش، فكانت الهجرة بديلا أنسب لمن كانوا يتشبثون بحب الأرض والحياة بها.

معاناة واضحة يعيش تحت وطأتها سكان قرى الولاية بعد جفاف رافد نيلي، جفت معه زراعة أهلها وباتت الهجرة واقعا قاسيا عليهم، وهو ما أوجد آلاف المنازل المهجورة.

وغير بعيد عن السودان، انتقل "مراسلو الجزيرة" إلى دولة جنوب السودان التي تفاقمت بها الأوضاع الصحية والأمراض وسوء التغذية.

وتقول منظمة الهجرة الدولية إن تزايد أعداد الفارين إلى مخيمات النازحين زاد من حجم الطلب على الخدمات الصحية والغذائية. ويعاني كثير من الأطفال حالات حادة من سوء التغذية.

كما أن حجم الكادر الطبي بمستشفيات مخيمات النازحين أقل بكثير من المطلوب مقارنة بالأعداد الكبيرة، فضلا عن تفشي أمراض وبائية أحيانا تفاقم معاناة السكان والقطاعات الصحية بالمخيمات التي تكاد تكون الخدمات الصحية معدومة بها.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: ثقافة العرب تتلألأ بكندا وكهف قيزقابان أثر بكردستان

مقدم الحلقة: العياشي جابو

تاريخ الحلقة: 8/12/2015

المحاور:

 -   الجالية العربية في كندا ومكافحة الصور النمطية

 -   كهف فيزقابان في مدينة السليمانية بالعراق

 -   ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية في السودان

 -   أوضاع إنسانية وصحية حرجة في دولة جنوب السودان

العياشي جابو: في هذه الحلقة؛ الجالية العربية في كندا وجهود توظيف الثقافة لتأكيد الهوية ومكافحة الصور النمطية، كهف قيزقابان في مدينة السليمانية بالعراق شاهد على ديانات وعصور مختلفة، استمرار الهجرة الداخلية في السودان من الريف إلى المدن وتحذيرات من آثارها وانعكاساتها السلبية، تفاقم الأمراض وحالات سوء التغذية في مخيمات النزوح بدولة جنوب السودان.

مشاهدينا الكرام أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، تعيش في كندا جالية عربية ومسلمة كبيرة يتزايد عددها باستمرار وقد بدأت في الانخراط الكامل في الحياة السياسية والثقافية وفي مدينة مونريال يقام سنوياً مهرجان العالم العربي لعرض الثقافة العربية بشكل جذاب بهدف حماية الموروث المشترك للعرب المهاجرين ولتوظيف الثقافة كأحد أهم المكونات الأساسية للهوية علاوة على مكافحة الصور النمطية، الزميل محمد العلمي ينقل لنا أجواء هذا المهرجان.

]تقرير مسجل[

الجالية العربية في كندا ومكافحة الصور النمطية

محمد العلمي: نجحت اللغة العربية والثقافة العربية في إيجاد مكان لها تحت شمس هذه المدينة وهذا البلد المحكوم تاريخياً بازدواجية اللغة والثقافة وأصبح معظم عرب كندا ينتقلون بسهولة بين لغتهم الأم والفرنسية والانجليزية انتقالهم بين روافد الثقافات الثلاث، ومن هنا ولدت فكرة المهرجان ليس لإغناء المشهد الثقافي العام بروافده المتعددة أو إظهار بعض ملامح الثقافة العربية والاحتفاء بها فحسب بل أيضاً للحفاظ عليها من آثار التدمير التي تعانيه في موطنها الأصلي.

جوزيف نخلة/ مدير مهرجان العالم العربي في كندا: المهرجان دوره انه كل مرة يدفش باتجاه التفكير العميق، التأمل العميق من قبل الكندي من قبل الغربي ومن قبل العالم العربي كمان من قبلنا نحن كعرب بمواضيع تعنينا اليوم العالم العربي وما يمر به يعني كل إنسان مش بس يعني العربي، يعني الغربي يعني العالم كله سواء.

محمد العلمي: إبراز مظاهر الثقافة العربية وتوظيف الثقافة نفسها لغايات تتجاوز وظيفتها الجمالية البحتة من أهداف هذا التجمع السنوي ليس لمخاطبة الآخر فحسب بل لإظهار التنوع الكامن في المنطقة العربية فكراً وإنساناً، لكن بعض عروض المهرجان حاولت عدم تعقيم الوضع العربي أو إظهاره بدون كبواته ومواطن ضعفه كما بدا ذلك واضحاً في قصة قوارب الموت بين شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط قبل عقود من مغامرة اللاجئين السوريين وركوبهم مخاطر البحر ومواجهة موت محتمل هرباً من موت محقق، وبالإضافة إلى مظاهر الألم التي تكتنف حياة الإنسان العربي المعاصر في موطنه أو في المهجر كانت هناك لحظات فرجة ومتعة تجاوزت حواجز اللغة ووسائط التعبير لتؤدي وظيفتها الجمالية.

عبدو زيرات/ صحفي وناشط سياسي: أظن أن لا زال لحسن الحظ للثقافة هذه الإمكانية أنها تصل إلى قلوب الناس لأن الإعلام صعب بعض الشيء لأن كان هناك دائماً ارتياب من وسائل الإعلام بصفة عامة، فبالتالي يعني لما يكون هناك يعني حفل موسيقي أداء رائع، مغنية ذات صوت ممتع فهذا أكيد يصل إلى القلوب.

محمد العلمي: جهود عرب كندا لتوظيف الثقافة من أجل إثبات الهوية ومحاربة الصور النمطية قد تؤتي أكلها ربما هنا بوتيرة أسرع من باقي الدول الغربية بعد أن صنفت كندا كأكثر دول العالم تسامحاً لكن ذلك لا يعني أن المعركة قد كسبت لأن حرب الأفكار كباقي الحروب تحتاج إلى التخطيط وإلى الإستراتيجية حاجتها إلى الحظ وإلى بعد النظر، محمد العلمي لـ مراسلو الجزيرة، مونريال كندا.

]نهاية التقرير[

كهف فيزقابان في مدينة السليمانية بالعراق

العياشي جابو: إلى إقليم كردستان العراق وتحديداً إلى مدينة السليمانية التي تضم العديد من المواقع الأثرية والكهوف القديمة، ومن أبرزها كهف قيزقابان الذي يحتوي على العديد من النقوش والرموز الدينية ومقبرة يعود تاريخها إلى 6 قرون قبل الميلاد ويرجح علماء الآثار أن تكون مدفناً لأحد ملوك دولة المديين، ستير حكيم تحدثنا عن تاريخ هذا الكهف ومدلولات رموزه ومنحوتاته.

]تقرير مسجل[

ستير حكيم: إلى الشمال الغربي من مدينة السلمانية وعلى بعد 56 متراً باتجاه طريق دوكان تلفت انتباهك عشرات الكهوف الصغيرة في أحضان جبال السرسد الشاهقة، ما إن تنعطف غرباً عدة أمتار حتى تستوقفك لافتة كتب عليها قيزقابان، هنا توقفت بنا الرحلة على متن السيارة وبدأت رحلة السير على الأقدام للوصول إلى منحوتة قيزقابان وتعني هذه الكلمة باللغة التركية "خاطف الفتاة"، وحسب السكان المحليين فإن التسمية أطلقت حديثاً أما طريقة البناء ورمزية منحوتة الكهف أو المدفن كما يفضل المختصون تسميته فقد تعددت الروايات حولها، إلا أن تاريخها يعود حسب المختصين إلى الفترة ما بين 550 إلى 600 قبل الميلاد، أي إبان حكم المملكة الميدية لهذه المنطقة.

هاشم حمى عبد الله/ مدير متحف السليمانية: هناك رأي بأن هذان الشخصان هما ملوك، الشخص على اليسار هو الملك الميدي كيخسرو، والشخص على اليمين آلياتز أو الملك الليدي، كما ترون بأن الأشخاص الاثنان وضعوا القوس على قدمهم اليسرى ورفعوا يدهم اليمنى للتحية وهذا دلالة على السلام أو الاتفاقية.

ستير حكيم: المزيج الديني واضح على واجهة الكهف، فعلى اليمين يظهر رمز الإلهة عشتار أو ما عرفت قديماً باسم سيلسل أو سيويل وتعني نجمة الصباح، وفي الوسط يظهر رمز اله القمر المعروف بالمعروف بالإله سين عند البابليين والآشوريين، أما على أقصى اليسار فيبدو رمز الإله هورامزدا اله الحق والنمر عند الزردشتيين لكن بجناحين مزدوجين على خلاف جميع رموزه المنتشرة في مناطق إيران وأطرافها، رموز ربما لها علاقة بتاريخ المكان أو هوية المدفن داخل الكهف والذي يضم رفات بعض الملوك الذين دفنوا حسب معتقداتهم آنذاك.

رافدة قراداغي/ قسم الآثار بجامعة السليمانية: انتشر هذا النوع من المدافن في مختلف مناطق الشرق الأوسط القديم، هناك تشابه كبير بين هذا المدفن ومدافن سحنة قرب كرمانشاه في إيران وغالبية هذه المدافن محفورة في الصخر، عادة الدفن له علاقة بالمعتقد الديني.

ستير حكيم: وبالرغم من أن الكهف يرتفع أكثر من 8 أمتار عن الأرض ولا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة سلم إلا أن العوامل الطبيعية والإهمال والعبث أدت جميعها إلى تشويه هذا الكنز التاريخي على حد قول الزائرين الذين صادفناهم هناك.

عبد الرزاق بكر عزيز/ سائح محلي: هذا جزء من تاريخنا وثقافتنا القديمة يجب أن نفتخر به وعلى الجهات المشرفة الاهتمام أكثر ووضع معلومات على المدخل فالزائر مثلي لا يعرف شيئاً عن تفاصيل هذا الكهف ولا حتى تاريخه.

ستير حكيم: يعتقد الباحثين أنه بعد الانتهاء من حفر المدفن أزيلت الحجارة التي استخدمت كدرج للصعود وهكذا تم فصل المدفن عن الأرض خوفاً من تعرضه للنهب والسرقة حيث كان أتباع بعض الديانات القديمة يدفنون الحلي والمجوهرات مع موتاهم وكانوا يسعون للحفاظ على محتويات المدفن بهذه الطريقة، بالرغم من اختلاف الآراء حول تحديد قصة وهوية هذا الكهف فإن واجهته التي تضم نقوشاً ومنحوتات في قلب هذا الجبل تأكيد على عبقرية الأجداد وإصرارهم على تجاوز المستحيل وترك بصمة تدل على مرورهم من هنا، ستير حكيم لبرنامج مراسلو الجزيرة من منطقة شاميرازان، السليمانية.

]نهاية التقرير[

العياشي جابو: مشاهدينا الكرام نتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل: استمرار الهجرة الداخلية في السودان من الريف إلى المدن وتحذيرات من آثارها وانعكاساتها السلبية.

]فاصل إعلاني[

ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية في السودان

العياشي جابو: أهلاً بكم من جديد، ترتفع معدلات الهجرة من الريف إلى المدن في شمال السودان بشكل كبير منذ عقود وقد تزايدت معدلات تلك الهجرة في السنوات الأخيرة بشكل لافت، وتقول الدراسات الرسمية إن أهم سبب في ذلك هو النقص الحاد في خدمات التعليم والخدمات الصحية وضيق سبل كسب العيش، الزميل أسامة سيد أحمد يرصد لنا المشكلة بجميع أبعادها في هذا التقرير.

]تقرير مسجل[

أسامة سيد أحمد: في مساحة تقدر بحوالي 350 ألف كيلومتر مربع تتمدد الولاية الشمالية في السودان ويسكنها حوالي 670 ألف نسمة يتركز وجودهم بمحاذاة النيل الذي يشكل بالنسبة لهم سبباً ودافعاً وحيداً للحياة هنا، الجمال وسحر الطبيعة يشكلان مصدر إلهام لمن رسموا لأنفسهم لوحة للحياة في الماضي البعيد، فمن يضطر لفراق أهله لسبب قسري سرعان ما يتوق للعودة لأرضه ومهد صباه يدفعه نحو ذلك حنين ظلت تعبر عنه كثير من الأغنيات المحلية بألحانها العذبة ومفرداتها المحرضة على التمسك بقيمة الأرض. غير أن ملامح الحياة في الولاية الشمالية خلال السنوات العشر الأخيرة لم تعد كما عرفها أهلها في السابق عبر تاريخ بقائهم فيها إذ باتت قسوة الحياة بجميع صنوفها تلون تفاصيل العيش تحت رحمة تلك البقاع التي يصارع سكانها ظروفاً معقدة من أجل البقاء فكانت الهجرة بديلاً أنسب لمن كانوا يتشبثون بحب الأرض وتفاصيل حياتهم هنا.

صلاح معاري/ مزارع: الناس اضطروا هنا يسافروا ويمشوا للخرطوم عشان يودعوا أولادهم للتعليم، فالحكاية كما يقال لها تأثير لكن كمان الخرطوم تتطلب حاجتين منزل تكون قاعد وساكن فيه وحقك ووسيلة مواصلات عشان ترحلك أنت وترحل أولادك للتعليم.

أسامة سيد أحمد: مدرسة ابتدائية واحدة في هذه القرية لا يتجاوز عدد طلابها الخمسين كما أن عدد التلاميذ في الفصل الدراسي لا يتجاوز السبعة، هذا الواقع يعد عنواناً بارزاً لهجرات مطردة طالت عدداً كبيراً من سكان هذه القرية.

شفيعة حمزة/ مدير مدرسة: كان زمان المدرسة في الفصل فيه 50 و 60و40 أقل حاجة، هسه الفصل فيه يكون زي 6 و 7 زي ما أنتم شايفين، وده طبعاً من شنو؟ سنوياً في هجرة من المنطقة إلى مناطق ثانية يا في المدن يا في القرى الأحسن منها.

أسامة سيد أحمد: معاناة واضحة يعيش تحت وطأتها سكان ثرية ميسيدا بشمال السودان فالصبر عندهم هو زاد انتظارهم لأمل قد يلوح في الأفق لكن حالهم يُحدث عن نفسه بعد جفاف رافد نيلي كان يهبهم الحياة في زراعتهم وماشيتهم أما الآن فلم يعد واقعهم يعبر عن استقرارهم ولم تعد حياتهم كما كانت في السابق فجف زرعهم وضرع ماشيتهم وباتت حتمية الهجرة أمراً قاسياً عليهم.

عصام الدين جعفر/ معلم متقاعد: حتى الطير ما داير يرحل من وكره، نحن لما نطالب فنطالب على مضض، لأنه إحنا خلاص دايرين نعيش، حتى الباقي يمشي لوين؟! وين يمشي الناس اللي قاعدين ديل وين يمشوا؟! ما لهم سبيل ثاني غير البلد دي، اللي حاله يسمح له أنه يطلع طلع.

أسامة سيد أحمد: التمر على اختلاف أنواعه يعد المحصول الاقتصادي الأول لسكان تلك المناطق وعلى مر الأزمان لكن الاعتماد عليه في حياتهم المعيشية قد تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض الإنتاج وانهيار أسعار التمور، هذا الواقع دفع مزارعي النخيل إلى جأر بشكوى من تعقيدات باتت توجههم في الحصول على أدنى متطلبات الحياة الكريمة، سوقٌ تقليدي بمنطقة الزوما شمالي السودان عمره قد يصل إلى خمسين عاما أو ويزيد ظل على صورته تلك لعقود ويرسم بوضوح حالة اقتصادية متردية عنوانها الأبرز الفقر والحاجة في ظل استمرار معاناة من هؤلاء على عائدات التمور عبر تاريخ بقائهم هنا، غير أنها لم تعد تغطي احتياجاتهم المعيشية ولو في حدها الأدنى في ظل انهيار كامل لأسعار التمور بسبب رداءة أصنافها وضعف إنتاجها بل عجزها عن المنافسة في الأسواق فبدأت رحلة الكثيرين نحو البحث عن فرص أوسع للرزق، مدينة كريمة واحدة من أكبر مدن الولاية الشمالية حيث كانت محطة سكة الحديد فيها تضج بحركة القطار والمسافرين لكنها اليوم تشكو هجر القطار لها بشكل كامل وما بقي من ملامحها يرسم لوحة من الذكريات والحنين، فالمدينة التي تحاول القفز فوق حواجز آلامها بسبب هجرة الكثير من سكانها تترقب أيضا عودة البعض منهم بعد توفير التعليم الجيد والخدمات الصحية فضلا عن زيادة الرقعة الزراعية، محفزات استقرار لطالما كان غيابها يشكل بعضا من أسباب الهجرة.

خالد أحمد الملك/ أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب بجامعة دنقلا: دائما محفزات الهجرة العكسية يكون فيه مشاريع تنموية في المناطق الريفية فمثلا نحن في الولاية الشمالية الآن في يمكن مشروعين أساسيين كبيرين أدوا إلى هجرة عكسية بنسبة يمكن أن نقول عليها بسيطة نوعا الذي هو سد مروي محلية مروي والتعدين الأهلي في الولاية الشمالية الخاص بالذهب.

أسامة سيد أحمد: آلاف المنازل في قرى الولاية الشمالية باتت مهجورة ولم يعد هناك ما يبرر بقاء كثير ممن يتوقون لحياة تتوفر فيها سبل العيش وفرص الاستقرار رغم محاولات رسمية تتلمس طريقها نحو توفير حد أدنى من الخدمات الضرورية، غابت الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية فيما يتعلق بالمهاجرين من ريف شمال السودان إلى المدن المختلفة لكن واقع الحال يقول إن معدلات تلك الهجرة أضحت في تنامي مطرد خلال السنوات الأخيرة ما يضع الجهات الحكومية أمام تحديات كبيرة تتمثل في تنمية الرف وتوفير الخدمات الضرورية حتى يكون الريف جاذبا لما يعرف بالهجرة العكسية، أسامة سيد أحمد لـ برنامج مراسلو الجزيرة شمال السودان .

[نهاية التقرير]

أوضاع إنسانية وصحية حرجة في دولة جنوب السودان

العياشي جابو: ومن السودان إلى دولة جنوب السودان حيث تقول منظمة الهجرة الدولية إن تزايد أعداد الفارين إلى مخيمات النازحين هناك زاد من حجم الطلب على الخدمات الصحية والغذائية بشكل خاص، ويعاني الكثير من الأطفال في دولة جنوب السودان لاسيما حديثي الولادة حالات حادة من سوء التغذية، الزميل هيثم أويت وتفاصيل أوفى عن هذا الموضوع.

[تقرير مسجل]

هيثم أويت: إلى هذا المستشفى يتوافد المئات يوميا بحثا عن بلسم يضمد آلامهم ما يربو عن أربعين ألف من النازحين يكتظ بهم هذا المخيم، يعانون مشكلات صحية عديدة خاصة بين فئات الأطفال إذ ترتفع نسبة سوء التغذية بشكل كبير ما أدى إلى ولادة أطفال بمشكلات صحية، حجم الكادر الطبي في مستشفيات مخيم النازحين أقل بكثير مما هو مطلوب مقارنة بهذه الأعداد الكبيرة فضلا عن تفشي أمراض وبائية أحيانا تفاقم معاناة سكان المخيم والقطاعات الصحية العاملة فيه وتعاني مناطق عديدة في جوار هذا المعسكر أوضاعا أكثر إيلاما وتكاد تكون الخدمات فيها معدومة خاصة الصحية، فمعظم المنظمات كانت قد هربت من هذه المناطق بسبب القتال المتواصل فيها منذ أشهر لكن عودتهم إليها ربما يخفف من الواقع المعيشي حاليا.

إليزابيث والومبي/ طبيبة بمنظمة رؤية العالم: طبقا للمسح الذي قامت به كل من منظمة رؤية العالم وبرنامج الغذاء العالمي في الأسابيع الماضية وجدنا أن الأطفال الذين يأتون من مناطق بعيدة مع أسرهم يعانون من سوء التغذية بعضهم لا يقوى حتى على الحركة، أطفال في عمر أربع سنوات لا يستطيعون المشي ولا يمكنهم الوقوف لوحدهم.

هيثم أويت: أسباب عديدة ربما تساهم في تفاقم المشكلات الصحية هنا ولعل البيئة السكنية التي يعيش فيها النازحون واحدة من تلك الأسباب فهنا يعيش ما يزيد عن خمسين شخصا داخل كل خيمة أي ثمان عائلات تتشارك الخيمة ونظرا لضيق المساحات خارجها يقضون جل احتياجاتهم الضرورية داخلها.

نازحة: نعاني هنا من حرارة الجو لا يوجد مكان جيد خارج الخيمة والأمراض لا تذهب عنا أبدا، إذا ذهبت إلى المستشفى سوف تتعافى لوقت قصير ثم سرعان ما تعود إليك الملاريا مرة أخرى.

هيثم أويت: ومع تردي الأوضاع الإنسانية في هذه المخيمات تسارع جهات دولية إلى احتواء الأزمة المتصاعدة عن طريق تسيير جسور جوية لإسقاط الغذاء في المناطق التي يصعب فيها هبوط الطائرات وتنعدم كذلك الطرق البرية المؤدية إليها، وتقول منظمة الغذاء العالمي أن هؤلاء النازحين ظلوا محرومين من المساعدات الإنسانية لعدة أشهر.

جورج فامني/ متحدث باسم برنامج الغذاء العالمي: آخر الإحصاءات تقول إن حوالي ثلاثة ملايين ونصف تقريبا يعانون خطر المجاعة في البلاد خاصة في ولاية الوحدة حيث لا تجد المنظمات الإنسانية سوى طرق محدودة للوصول للمناطق المتأثرة، هناك قلق حقيقي على الناس الذين يعيشون في وضع كارثي تقريبا.

هيثم أويت: مرض الملاريا في جنوب السودان تفشى بصورة غير مسبوقة منذ أعوام خلت مما أدى إلى إصابة نحو مليوني شخص ووفاة أكثر من 600 آخرين والملاريا هي الأكثر انتشارا في مخيمات النزوح بصفة خاصة.

رياك قاي/ وزير الصحة في جنوب السودان: حالات الإصابة بالملاريا التي سجلت هذا العام وصلت إلى مليون و800 ألف حالة تقريبا وهذا رقم مرتفع جدا مقارنة بالأرقام التي سجلت السنة الماضية، كما أن عدد الوفيات بلغ هذا العام 630 شخصا.

هيثم أويت: ليس الجوع وحده ما يهدد حياة الناس في جنوب السودان فمرض الملاريا يحصد أرواحاً أكثر من الحروب أحيانا ما يجعل هذا البلد في محنة دائمة وتتعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق قادته، هيثم أويت لبرنامج مراسلو الجزيرة جنوب السودان.

[نهاية التقرير]

العياشي جابو: وبهذا التقرير عن الأوضاع الصحية في مخيمات النزوح في دولة جنوب السودان نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدد معكم الأسبوع المقبل دمتم بخير وإلى اللقاء.