بدأت حلقة الثلاثاء من برنامج "مراسلو الجزيرة" من منزل نجم الروك الأميركي الراحل إلفيس بريسلي حيث توافد محبوه لإحياء الذكرى الـ37 لرحيلة، انتقلت بعدها إلى أكبر مكتبة شعبية في الهواء الطلق على ضفاف نهر السين بباريس، واختتمت بزيارة آخر الحمامات الشعبية في بكين.

فقد توافد محبو نجم الروك الأميركي الراحل إلفيس بريسلي على قبره الموجود بمنزله غريس لاند في ممفيس ولاية تينيسي إحياء للذكرى الـ37 لرحيله، ولعل هذا الوفاء من المحبين يبرر استمرار تدفق ملايين الدولارات على ورثته حتى الآن نظير بيع ألبوماته.

وتحول منزل بريسلي -الذي مات عام 1977- إلى متحف عام 1982 يقصده نصف مليون سائح سنويا. ويضم -إلى جانب القصر الذي سكنه والمقابر التي دفن فيها جميع أفراد عائلته- معرضا يضم ثلاثين سيارة اقتناها نجم الروك الراحل بالإضافة إلى طائرة خاصة اشتراها قبل عامين من وفاته إثر تعاطية جرعة مخدرات زائدة.

ويشار إلى أن مجلة فوربس الأميركية وضعت بريسلي في قائمة أصحاب أكبر الدخول من بين المشاهير الذين ماتو.

مكتبة مفتوحة
ومن ممفيس إلى باريس، حيث تنتشر على ضفاف نهر السين صناديق خضراء حديدية تحوي الكتب القديمةَ والحديثة على امتداد أكثر من ثلاثة كيلومترات، وذلك في حي يزخر بالمواقع التاريخية.

ويعود تقليد بيع الكتب في هذا المكان الفريد بالعاصمة الفرنسية إلى أكثر من خمسة قرون، فقد كانت هذه الصناديق عبارة عن مكتبة شعبية مفتوحة، ولا تزال كذلك حتى اليوم إذ تضم أكثر من 400 ألف كتاب ومؤلفات نادرة إضافة إلى مجلات أدبية وبطاقات بريدية قديمة.

وقد أصبحت هذه الصناديق الخضراء جزءا من المشهد الثقافي والسياحي في باريس. وفي عام 1991 صنفت اليونسكو هذا السوق تراثا عالميا.

حمّام تقليدي
واختتمت الحلقة بتقرير من العاصمة الصينية بكين عن آخر حمّام في المدينة -التي كان فيها 150 حماما شعبيا- وربما في الصين كلِها.

وأشار التقرير إلى أن حمامات الساونا على الطراز الغربي حلت محل الحمامات التقليدية.

ورغم أن سلطات البلدية أصدرت قرارا بإغلاق حمّام "شوانغ شينغ" بعد أن فشل صاحبه في حمايته من الإزالة أو إدراجه على قائمة المعالم التراثية بوصفة آخر الحمامات الشعبية.

ويظهر التقرير أن أغلب رواد الحمام من كبار السن الذين يأتون إليه من كافة الأماكن ونشأت علاقات اجتماعية بينهم على مدى سنوات.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة                     

عنوان الحلقة: ذكرى رحيل بريسلي ومكتبة نهر السين بباريس

مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 9/9/2014

المحاور:

-   إحياء الذكرى السابعة والثلاثين لرحيل إلفيس بريسلي

-   مكتبة على ضفاف نهر السين بباريس

-   آخر الحمامات الشعبية في بكين

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة إلفيس بريسلي ملك روك اند رول الأميركي في الذكرى الـ37 لرحيله، باعة الكتب القديمة على ضفاف نهر السين في باريس مهنةٌ يعود تاريخها إلى أكثر من 500 سنة، آخر الحمامات الشعبية التقليدية في العاصمة الصينية يُصارع من أجل البقاء. أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة نستهلّها من مدينة ممفيس ولاية تينسي الأميركية، حيث قصد عدد من مُحبي نجم الروك اند رول الأميركي الراحل إلفيس بريسلي قبره في مسيرةً على ضوء الشموع إحياءً  للذكرى الـ37 لرحيله، على مدى العقود الثلاث الماضية لا يزال اسم إلفيس بريسلي يحقق أرباحاً لورثته تُقدّر بملايين الدولارات ذلك أنّه أحدث ثورةً في عالم الموسيقى أهّلته لنيل لقب الملك بسبب إسهاماته الرائدة خاصةً في موسيقى الروك اند رول، الزميلة وجد وقفي تأخذنا في جولةٍ تبحث فيها جوانب من أسباب شعبية بريسلي وأثره على الثقافة الموسيقية في أميركا والعالم.

[تقرير مسجل]

إحياء الذكرى السابعة والثلاثين لرحيل إلفيس بريسلي

وجد وقفي: قد يكون أكثر الملوك شعبيةً في تاريخ البشرية، شعبيةٌ جعلت منه أسطورة لا يزال يُكرّسها مُريدوه بعد مُضيّ ثلاثة عقودٍ ونيّفٍ على وفاته، فعلى الرغم من وفاته عام 1977 لا يزال إلفيس بريسلي يُشكّل حالةً فريدةً لدى كثيرين، هذا ما لمسناه خلال زيارتنا لمنزله بمدينة ممفيس في ولاية تينسي والمعروف باسم غريس لاند وقد تحوّل جزءٌ كبيرٌ منه عام 1982 إلى متحفٍ بات وجهةٌ للسيّاح وأحد أبرز المعالم السياحية في أميركا، نصف مليون زائرٍ شيباً وشباناً يقصدون غريس لاند سنوياً.

[شريط مسجل]

أحد معجبي إلفيس: أتذكر إلفيس عندما كنت صغيراً بداية الخمسينيات وأشعر بالفرح لقيامي بهذه الزيارة، أمرٌ محزنٌ أن نشهد إنجازاتٍ كبيرة تنتهي في وقتٍ قصير، لقد فقدناه في عمرٍ مُبكّر وهذا أمرٌ صعب.

جيم مارتن/القسم الإعلامي في غريس لاند: إلفيس ظاهرةٌ يصعب تفسيرها هو ملك الروك اند رول، محبوه وكلّ من تأثّر بموسيقاه يأتون إلى هنا من جميع أنحاء العالم، برأيي الذي ميّز إلفيس عن غيره أنّه كان إنساناً عادياً لأنّه تخلّى عن نمط المعيشة الهوليودي المعهود لمشاهير الفن في لوس أنجلوس وجعل من ممفيس مقرّاً له، كان قريباً من الناس كونه نشأ فقيراً وبعدما أصبح ثريّاً لم ينسَ أصله فكان متواضعاً ودافئاً في تعامله.

وجد وقفي: الإحصاءات تُشير إلى أنّ التراث الفني الذي تركه إلفيس لا يزال يُحقّق دخلاً مادياً كبيراً حتى بعد عقودٍ من وفاته، إذ لا تزال ألبوماته الغنائية تُدرُّ ملايين الدولارات سنوياً على ورثته بالإضافة لما يُدرُّه قصره هذا، وقد وضعت مجلة فوربس الأميركية إلفيس بريسلي ضمن قائمة أصحاب أكبر العائدات المالية ممن تُوفوا من المشاهير، وتُشير إحصاءاتٌ أخرى إلى أنّ إلفيس باع خلال حياته مليار نسخةٍ من أغانيه عبر العالم وهو أكبر رقم مبيعاتٍ يُحقّقه أي شخصٍ في تاريخ الفن، الثورة الثقافية التي أحدثتها موسيقى إلفيس بريسلي جعلته يتربّع على عرش موسيقى الروك اند رول ليكون بها أحد أبرز شخصيات القرن العشرين وليوصل صوته إلى أنحاء الأرض، فعلى الرغم من الجدل الذي فجّره إلفيس سواء حول موسيقاه أو طريقة حركته على المسرح التي كانت آنذاك تُمثّل خرقاً لأخلاقيات مجتمعٍ محافظ لا يزال يُفرّق بعنصرية بين البيض والسود، أوجد إلفيس نمطاً جديداً للموسيقى قائماً على الدمج بين موسيقى الكونتري البيضاء وموسيقى البلوز السوداء وهو ما أثار حفيظة البيض آنذاك.

[شريط مسجل]

جيم مارتن: كان إلفيس غافلاً عن الجدل الدائر حول موسيقاه لأنّه كان مُتفرّغاً للعمل الذي أحبّه حُبّاً جماً ، تعرّض فنّه للكثير من الانتقاد ما جعله يشعر بالاستياء لأنّه كان يعمل ويتصرّف على سجيته، لذا كان في النهاية الطلقة التي سُمعت أصدائها في أنحاء العالم نظراً للثورة الموسيقية التي أحدثها فغيّر خلالها وجه الموسيقى لأنّه أزال حواجز كثيرةً أمام من جاؤوا من بعده.

وجد وقفي: حُبّه لموسيقاه وعمله الدءوب حقّقا له مكاسب ماديةً خيالية فعاش حياةً مترفة بعد طفولةٍ فقيرة، إلفيس اقتنى أكثر من 30 سيارة وُضعت في هذا المتحف داخل أسوار غريس لاند لكلٍ منها حكاية ومحطة في حياته، كما اشترى قبل وفاته بعامين طائرةً خاصة حملت اسم ابنته ليزا ماري بـ800 ألف دولا تمّ إعادة فرشها بالذهب وأجود أنواع القماش.

[شريط مسجل]

إحدى معجبات إلفيس: طالما كنت إحدى معجباته وأُمّي أيضاً، لقد كنت طفلةً آنذاك لكنّه سحر الجميع، قدومي إلى هنا أسعدني فمجرّد النظر إلى منزله الذي يحوي كل ما حقّقه شيءٌ رائع.

وجد وقفي: هنا في الحديقة الخلفية تقبع قبور عائلة إلفيس حيث يقف معجبوه بصمت، وعندما تتحدّث إليهم تجدهم يُقسّمون حياته إلى مرحلتين: إلفيس الفتي والتي كان خلالها قريباً من الناس وإلفيس ابن لاس فيغاس التي لازمها بعد خدمته في الجيش وأدمن فيها المخدرات وأُصيب فيها بالاكتئاب إلى أن فارق الحياة عن عمرٍ يُناهز 42 عاماً بعد تناوله جرعةً زائدةً أنهت مسيرة فنّانٍ أسطوري، لكنّه ظلّ حيّاً في أذهان وأفئدة الكثير من عشاقه ومعجبيه، وجد وقفي- الجزيرة- غريس لاند- تينسي.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: من ممفيس إلى باريس حيث تنتشر على ضفاف نهر السين وعلى امتداد أكثر من 3 كيلومترات صناديق خضراء حديدية تحوي الكتب القديمة والحديثة، ويعود هذا التقليد إلى أكثر من 5 قرون حيث كانت هذه الصناديق عبارةً عن مكتبةٍ شعبيةً مفتوحة ولا تزال كذلك حتى يومنا هذا، إذ تضم أكثر من 300 ألف كتاب ومؤلفاتٍ نادرة إضافةٍ إلى مجلاتٍ أدبية ورسومٍ متحركة وحتى بطاقاتٍ بريديةٍ قديمة، وقد أصبحت هذه الصناديق الخضراء جزءاً من المشهد الثقافي والسياحي في باريس، نور الدين بوزيان يُعرفنا الآن على تاريخ هذه المهنة وأصحابها المولعين بها.

[تقرير مسجل]

مكتبة على ضفاف نهر السين بباريس

نور الدين بوزيان: في حيٍّ يزخر بالمواقع الأثرية بين ضفتي نهر السين، وفي محيطٍ معماري غنيٍّ بالتاريخ تكشف مدينة الأنوار للزوّار عن واحدٍ من مواقعها الفريدة، أكبر مكتبةٍ في العالم في الهواء الطلق بكتبها ومجلاتها القديمة وبطاقاتها البريدية النادرة تتمدّد رفوف هذه المكتبة المفتوحة على طول ضفتي نهر السين، 400 ألف كتابٍ قديمٍ وحديث على طول 3 كيلومترات منذ منتصف القرن الثامن عشر أصبحت هذه الرفوف من الكتب رمزاً من رموز العاصمة الفرنسية، كتبٌ قديمةٌ عبرت الزمن ومؤلفاتٌ استنفذتها دور النشر ومجلاتٌ من ثلاثينيات القرن الماضي لا يُعثر عليها إلا في هذا المكان.

[شريط مسجل]

جيروم كالي/رئيس الجمعية الثقافية لباعة الكتب القديمة: البعض يقتني هذه الكتب من سوق الخردة أو من المعارض أو في المزادات العلنية حيث تُباع كتب أشخاصٍ تُوفّوا، وبعض الكتب يحصلون عليها ممن غيّروا مساكنهم وقرّروا تفريغ مكتباتهم المنزلية بعض الشيء.

نور الدين بوزيان: ماري من باعة الكتب القديمة منذ أكثر من رُبع قرن، في السابق كانت تملك مكتبةً صغيرةً في باريس وتخلّت عنها بسبب ارتفاع أسعار الإيجار، وفق النظام الذي يسير عليه باعة الكتب القديمة هنا هي مُطالبةٌ أيضاً بمزاولة نشاطها 4 أيامٍ على الأقل أسبوعياً وملزمة بتخصيص علبتين على الأقل لبيع الكتب القديمة وما تبقّى يُسمح لها ببيع المجلات والبطاقات البريدية والهدايا التذكارية.

[شريط مسجل]

ماري/بائعة كتب قديمة: نشاهد كمّاً هائلاً من البشر يومياً ونتحدّث معهم، هذا مهمٌ جداً من الناحية الإنسانية، في المكتبات العادية البائع يعمل في فضاءٍ مغلق، هنا بالعكس حركة البشر لا تتوقّف وهذا شيءٌ جميل، لا أستطيع العودة أبداً إلى المكتبة كما كنت في السابق.

نور الدين بوزيان: ماتياس يُمارس مهنة بيع الكتب القديمة هنا منذ رُبع قرن، كان يُدرّس الفلسفة يستمتع بعمله، يُصرُّ دائماً على فتح نقاشٍ بشأن محتوى الكتاب الذي يبيعه، بين زبونٍ وآخر يستغلُّ ماتياس وقته في مطالعة الكتب، كأغلب أقرانه اختار هذه المهنة لأنّه يُفضّل أن يكون حرّاً في عمله، شغوفٌ بالتواصل مع الآخرين يفتخر بأنّه يملك كتباً قيّمةً ساهم مُؤلفوها في إثراء الفكر الإنساني.

[شريط مسجل]

جون بيار ماتياس/بائع كتب قديمة: نحن محظوظون لأنّنا نحتكُّ بزبائن مختلفين كل واحدٍ منهم حالةً بحدّ ذاتها، زبائني أساتذةٌ وطلبةٌ جامعيون وأيضاً عصاميون يقصدونني من مختلف أصقاع العالم، لدي زبونٌ مسلمٌ يتحدّث 10 لغات وأُطروحاته تُدرّس في الجامعات، متخصّصٌ بالعربية الكلاسيكية وله بحوثٌ عن تفاعل الفلسفة العربية مع أرسطو.

نور الدين بوزيان: بيع الكتب القديمة على أرصفة ضفاف نهر السين تقليدٌ في فرنسا عمره أكثر من 5 قرون، لكن هذه المكتبة في الهواء الطلق والأكبر حالياً في العالم ما كانت لتكون ربّما جزءاً من أسطورة ومن تُراث العاصمة الفرنسية لولا الملك لويس السادس عشر، قبل القرن السادس عشر كان باعة الكتب يعرضون هنا مرّةً كل سنة كتبهم، كانوا يتنقلون بالكتب ثم شيئاً فشيئاً استولوا على الجسور التي تعلو نهر السين لتسويق كتبهم القديمة، لكنّ السلطات الملكية قبل الثورة الفرنسية لم تكن جميعها تنظر إليهم بعين الرضا خوفاً من الأفكار المعادية للملكية، بعض الملوك صنّف هؤلاء الباعة في خانة اللصوص والأشرار وأمر بوضعهم خلف القضبان. جيروم رئيس الجمعية الثقافية لبائعي الكتب القديمة من الملمّين بتاريخ هذه المهنة، يُلخّصُ بإيجازٍ الظروف التي كان الباعة هنا يمارسون فيها نشاطهم قبل الترخيص لهم في النهاية بالعمل هنا.

[شريط مسجل]

جيروم كالي: في السابق كانوا يعرضون الكتب على الأرض أو فوق الجسر، وحتى عام 1891 كان باعة الكتب القديمة يأتون إلى ضفاف السين محمّلين بالكتب في الصباح ولديهم علبٌ محمولةٌ سهلة الاستخدام تزن حوالي 25 كيلوغراماً فيها كتبهم وفي المساء يجمعونها ويشحنونها على متن عرباتٍ يجرّونها وتُخبأُ تلك الكتب داخل بعض البنايات.

نور الدين بوزيان: الآن أصبح باعة الكتب القديمة جزءاً من المشهد الباريسي الذي يستقطب زوّار العاصمة الفرنسية، في العام 1991 صنّفتهم منظمة اليونسكو تُراثاً عالمياً واليوم ما يهدّد هذه الواجهة الثقافية هو تحوّل البعض إلى باعةٍ للهدايا التذكارية في زمنٍ قلّ تهافت الناس على اقتناء الكتب، نور الدين بوزيان لبرنامج مراسلو الجزيرة- باريس.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نُتابع معكم في هذه الحلقة من "مراسلو الجزيرة" وفيها بعد قليل: الحمامات التقليدية في الصين تدفع ضريبة الحداثة والعولمة.

[فاصل إعلاني]

آخر الحمامات الشعبية في بكين

ناصر الحسيني: أهلاً بكم من جديد، يوجد في العاصمة الصينية بيجين حمّامٌ تقليدي هو الوحيد من نوعه المتبقّي في المدينة وربّما في الصين كلّها، يُعدّ الحمّام آخر ما تبقى من 150 حمّاماً شعبياً كانت تنتشر في أنحاء المدينة وقد اختفت وحلّت محلّها حمّامات السونا على الطراز الغربي، الزميل عزّت شحرور يحدّثنا الآن عن حمّام شيونغ شين التقليدي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في انتظار مصيره المحتوم.

[تقرير مسجل]

عزّت شحرور: من قال إنّ الماء لا لون له ولا رائحة ولا طعم فليأتِ إلى هذا المكان، حيث ينبعث البخار الدافئ المفعم برائحة الصابون البلدي ليُعطّر الأرجاء، ومن بين شقوق النوافذ والأبواب القديمة تتسرّب رائحة العرق والعراقة أيضاً، إنّه حمّام شيونغ شين التقليدي المشهور بلغ من العمر 100 عامٍ أو يزيد، أكل عليه الزمان وشرب لكنّ ذلك لم يُعكّر صفاءه ولم يُغيّر من ملامحه شيئاً بل زاده رونقاً وجمالاً، هو آخر ما تبقّى من 150 حمّاماً شعبياً كانت تنتشر في أحياء المدينة لم يبقَ منها إلا هو، جاء دوره الآن فقد أصدرت البلدية قراراً بإزالته هو الآخر وها هو يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تطاله معاول الهدم، وبعد أن فشل صاحبه بحمايته أو بإدراجه على قائمة التراث الثقافي الإنساني للمدينة.

[شريط مسجل]

شيونغ جي جونغ/صاحب الحمّام: هذا الحمّام التقليدي هو الوحيد من نوعه المتبقي في المدينة وربّما في الصين كلّها، إنّه جزءٌ من التراث الثقافي غير المادي في المدينة ويحمل بعضاً من روحها، سأطلب من البلدية العدول عن قرارها بهدمه أو أن تُساعدني في إعادة بناء مثيلٍ له في مكانٍ آخر.

عزّت شحرور: معظم زبائنه هم من كبار السن يقصدونه من أحياءٍ مختلفةٍ وبعيدة ليس بهدف الراحة والاسترخاء فقط بل لأنّه بات جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية، بين جنباته نسجوا علاقاتهم الاجتماعية والإنسانية وكانت تشقّقات جدرانه آذاناً صاغية تسمع قصصهم وحكاياتهم ولا تبوح بأسرارهم، فيه يتبادلون الطرائف والنكات ويشكون همومهم وعقوق أبنائهم وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار العقارات وتلّوث الهواء وفساد الحكومة ويتنهّدون بحسرةٍ على زمنٍ جميلٍ مضى ولن يعود.

[شريط مسجل]

أحد زبائن الحمّام: آتي إلى هنا يومياً منذ عدّة سنوات وأقطع حوالي 40 كيلومتراً تستغرق مني أكثر من ساعة، لا نأتي إلى هنا بهدف الاستحمام والاسترخاء فقط بل لأنّنا أدمنّا هذا المكان وأصبح له حميمةٌ خاصة وفيه نسجنا معظم علاقاتنا الاجتماعية والإنسانية.

عزّت شحرور: بعد جولة ماءٍ ساخنٍ وما يتبعها من تدليك يعتري الإعياء تلك الأجساد المنهكة فتغطُّ في نومٍ عميق، بينما يسعى البعض الآخر إلى جلسة حجامةٍ تُساعد في تنشيط الدورة الدموية، أو ربّما إلى رشفاتٍ من الشاي الأخضر لتعويض ما خسره الجسم من سوائل، ومنهم من يمتلك الوقت ليُمارس هواياته المفضلة، لهذا تراهم يُودّعونه كما يودّعون عزيزاً ولسان حالهم جميعاً يقول من يتخلّى عن ماضيه يخسر مستقبله.

[شريط مسجل]

أحد زبائن الحمّام2: بحجّة بناء مدينةٍ عصرية فقدنا خصوصيتنا الثقافية وخسرت بيجين هويتها وتخلّت عن تراثها الثقافي، مثل هذه الحمّامات كانت تُشكّل جزءاً هاماً من ثقافة المدينة، لقد اختفت تماماً وحلّت محلّها حمّامات الساونا على الطراز الغربي، أنا شخصياً لا أستسيغها ولا أستطيع تحمّل مصاريفها الباهظة.

عزّت شحرور: سرعان ما تعود الحياة لتدُبّ من جديدٍ في الأجساد المنهكة وتمنحها طاقةً قد تُعيد الشيخ إلى صباه، لكن عندما تُمعن بالإصغاء إلى حشرجة صوت الأوتار أو إلى بُحّة أنين الناي تُدرك حينها أنّ لكل الأوقات الجميلة عمراً قصيراً، يبدو أنّ حمّام شوانغ شين قد هرم وشاخ وبات عليه أن ينحني أمام رياح التغيير وأن يترك مكاناً لقادمٍ جديد لعمارةٍ شاهقة أو لمركزٍ تجاري عصري أو ربّما لحمّام ساونا على الطراز الغربي، إنّها ضريبة الحداثة والعولمة كما يقولون والتي من ضروراتها التخلّي عن الماضي وعن تقاليده، وهذا ما تقوم به بيجين وما يجعلها تُنفق مليارات الدولارات كي تُزيل كل ندوب الماضي وتجاعيده ظنّاً منها أنّها بذلك تبدو أكثر شباباً وأكثر جمالاً دون أن تُدرك بأنّها تفقد جاذبيتها وتُضيّع هويتها، عزّت شحرور لبرنامج مراسلو الجزيرة- بيجين.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: وبهذا التقرير عن آخر ما تبقّى من الحمّامات الشعبية التقليدية في الصين نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدّد الأسبوع المقبل أيضاً دُمتم بخير وإلى اللقاء.