لا يكف البشر عن اجتراح طرق لمنع أشكال الإدمان، وفي مقدمتها المخدرات وتأهيل المدمنين وإعادة إدماجهم في المجتمع.

غير أن مدينة فانكوفر على الساحل الغربي لكندا قدمت برنامجا لمساعدة المدمنين يتراوح ما بين الغرابة والترحيب والرفض داخل المجتمع الكندي.

يقوم هذا المركز الطبي على مساعدة المدمنين عبر توفير الحقن النظيفة لهم بدل الملوثة التي يتعاملون بها في الشوارع، وكذلك الوجود قرب المدمن ومراقبة حالته إذا ما تعرض لانتكاسة مفاجئة.

يقول المؤيدون إن الشرطة تعبت من متابعة المدمنين في الشوارع بين من يموت بسبب جرعة زائدة وبين من يسبب المشكلات، إضافة إلى مشكلة مرض الإيدز.

حماية المدمن
المدافعون عن هذا المشروع يقولون إنه ينبغي النظر إليهم بوصفهم بشرا من الواجب حمايتهم من الموت المبكر، ويرفضون التهم التي تقول إنهم يساهمون عبر مشروعهم في تشجيع الناس على الإدمان، ويقولون إن مركزهم لا يوفر مواد مخدرة بل يساعد بتوفير رعاية طبية وحقن نظيفة.

مقابل هذا، يقول أحد المعارضين ساخرا "لا تصدقوا أن نسب الإدمان تراجعت. إن المدمنين يبحثون عن النشوة والقائمين على المركز يريدون جائزة نوبل".

كانت هذه هي القصة الأولى التي عرضها برنامج  "مراسلو الجزيرة" بحلقة 16/9/2014  قبل أن تتوجه الكاميرا إلى بريطانيا حيث يشكو ذوو الاحتياجات الخاصة من نظرة المجتمع السلبية أحيانا لهم، وتختم جولة البرنامج في جنوب السودان وخيبة أمل العائدين لبلادهم من سوء أوضاعهم وما يقولون إنه إهمال الحكومة لهم.

في بريطانيا حيث كانت النظرة للرفاهية تاريخيا تعني ضمن ما تعنيه تقديم يد المساعدة للعاجزين من قبل الدولة، لكن هذه النظرة تغيرت إذ باتت المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين، وظهرت جمعيات تدافع عن فئات معينة بالمجتمع ومن بينهم المعوقون.

مائتا ألف مواطن بجنوب السودان عادوا لوطنهم بعد أن كانوا يسكنون بأنحاء متفرقة من السودان قبل تقسيمه، وتقول صياما إحدى العائدات: لم نجد شيئا هنا ولا أقرباء، جيراننا في الخرطوم فقط يتصلون بنا ويطمئنون علينا

وقد اتخذت الحكومة إجراءات بسبب الظروف الاقتصادية يعتبرها ذوو الاحتياجات الخاصة غير منصفة، ومن ذلك فقدان العلاوات والمكتسبات بوسائل النقل الخاصة بهم وتقدير ظروف عملهم، مما يعني -وفق منتقدين- انسحاب المعوقين إلى مزيد من العزلة.

تقول إحدى المعوقات، وهي تعمل من منزلها صحفية بالقطعة، إن العديدين ينظرون إليها نظرة سلبية، ويعتقد البعض أن ذوي الإعاقة غير منتجين وعالة على المجتمع، بل وفي بعض الأحيان يعتبرون أشخاصا شريرين.

خيبة العائدين
تحكي القصة الثالثة قصة العائدين إلى بلدهم جنوب السودان بعد استقلالها عن السودان، وذلك ضمن برنامج للعودة الطوعية تشرف عليه منظمات إغاثة دولية.

ويشكو العائدون إلى وطنهم من خيبة أملهم بعد العودة، وأن السلطات لم تساعدهم ويعتمدون على معونات المنظمات.

يُذكر أن مائتي ألف مواطن بجنوب السودان عادوا بعد أن كانوا يسكنون في أنحاء متفرقة من السودان قبل تقسيمه، وتقول صياما إحدى العائدات "لم نجد شيئا هنا ولا أقرباء. جيراننا في الخرطوم فقط هم من يتصلون بنا ويطمئنون علينا".

هناك من باع ممتلكاته فرحا بالعودة، ويقولون إن الحكومة وعدت بإعطائهم قطع أراض ولم توف بالوعد.

وتقر المنظمات الإغاثية بصعوبات عمليات العودة حيث تكلف الرحلة الواحدة أربعمائة ألف دولار حتى تصل الأسرة إلى وجهتها النهائية.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: مركز "خيري" كندي يقدم الحقن النظيفة للمدمنين

مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 16/9/2014                                  

المحاور:

-   حقن نظيفة لمدمني المخدرات في فانكوفر

-   هيكلة الاهتمام بالمعاقين في بريطانيا

-   كلفة عالية لترحيل العائدين إلى جنوب السودان

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة: برنامجٌ كندي لمساعدة المدمنين على المخدرات والحدّ من انتشار الإيدز، ذوو الإعاقة في بريطانيا يدفعون ضريبة إعادة هيكلة نظام الرفاهية الاجتماعية في بلادهم، قصة معاناةٍ دائمةٍ للأسر العائدة إلى موطنها الجديد في دولة جنوب السودان. أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة.

 تُراقب العديد من كُبريات المدن العالمية التي تُعاني من انتشار المخدرات وما يُصاحبها من أمراض تُراقب تجربةً فريدةً من نوعها في مدينة فانكوفر الكندية حيث تُوفّر سلطات المدينة هناك مركزاً طبياً بتمويل دافعي الضرائب يقصده المدمنون لحقن أنفسهم تحت رعايةٍ طبيّة، زميلنا محمد العلمي توجّه إلى فانكوفر على الساحل الغربي لكندا ليُطلعنا على المزيد حول الجدل الذي يُثيره هذا البرنامج الفريد من نوعه.

[تقرير مسجل]

محمد العلمي: تتمدّد فانكوفر في أقصى الجنوب الغربي لكندا على ساحل المحيط الهادي بوداعةٍ لا تخلو من جمال، لكنّ فئةٍ من سكانها تخلّفت عن اللحاق بركب التطور الصناعي والعمراني وربّما بسببه وفضّلت العيش على الهامش وسط جحيم الإدمان، وبعد أن تعبت شرطة المدينة من تعقّب هؤلاء المدمنين وتنظيف الشوارع الخلفية من جثث مَن قضى منهم بجرعةٍ زائدة، قرّرت نهج مقاربةٍ مختلفة عبر توفير مركزٍ بتمويلٍ من دافعي الضرائب يضمن الرعاية الطبية وحقناً نظيفةً للمدمنين خدمةً لهم وأيضاً لسكان المدينة.

[شريط مسجل]

أندرو دي/مدير مركز إنسايت لمساعدة المدمنين: إذا نجحت في تخفيض نسب العدوى عن طريق الحقن الملوثة بين المدمنين، فإنّك لا تُقلّل من عدد المصابين فحسب بل تُقلّل أيضاً من الازدحام في أقسام الطوارئ مما يُوفّر أموال دافعي الضرائب.

محمد العلمي: المركز تحوّل إلى نقطة استقطابٍ للمدمنين صباح كل يوم في شارعٍ يتجنّبه معظم سكان المدينة إن استطاعوا لذلك سبيلاً بسبب خوف بعضهم أو عدم قدرتهم على رؤية آثار الإدمان.

[شريط مسجل]

براين: لقد ساعدني المركز كنت مدمناً بشكلٍ كبير، لكن بعد أن رأيت ما يفعله الإدمان قرّرت الإقلاع عن المخدرات نهائياً.

محمد العلمي: تقوم فلسفة المركز على الأمل في أن يتحوّل المدمنون أو بعضهم على الأقل إلى مواطنين عاديين ومنتجين، لكنّها تقوم في المقام الأول على كونهم بشراً آدميين يستحقون استثماراً ولو متواضعاً لإنقاذهم من موتٍ محقّقٍ ومبكّر، لكنّ تلك الفلسفة التي جعلت الكثير من كُبريات المدن العالمية تُتابعها عن كثب أثارت جدلاً كبيراً في كندا وصل إلى المحكمة العليا انتصر فيه حتى الآن المدافعون عن الفكرة لكنّ ذلك لم يُسكت المعارضين.

[شريط مسجل]

ديفد بورنر/معارض لفكرة المركز: لا يوجد شيءٌ في روحي أو عقلي أو تربيتي ما يُقنعني بمساعدة مدمنٍ على البقاء غبياً، لماذا نفعل شيئاً من هذا القبيل؟ كل ما أعرفه هو مساعدة المدمنين على الإقلاع عن المخدرات.

[شريط مسجل]

كيري جينغ/مستشار في بلدية فانكوفر: الحقيقة هي أنّ الحرب على المخدرات أخفقت في أميركا وكندا وكل العالم رغم ما أُنفق من أموال، بالنسبة لنا كمدينة كان يتعيّن علينا أن نتعامل مع أشخاصٍ دُمّرت حياتهم ولن تنفع معهم تدخلات الشرطة أو المصالح الاجتماعية.

حقن نظيفة لمدمني المخدرات في فانكوفر

محمد العلمي: المركز لا يُوفّر أي مادةٍ مخدّرةٍ للمدمنين، لكن يُساعدهم على تجنّب أمراضٍ قاتلة بتوفير حقنٍ نظيفةٍ ورعايةٍ طبيةٍ عاجلةٍ إذا تطلّب الأمر ذلك، ويرفض القائمون على المركز أو حتى بعض مرتاديه إسهامه في التشجيع على الإدمان، ويقول المدافعون عن المركز في مبنى بلدية المدينة إنّ الانتشار السريع والمخيف لبعض الأمراض كالإيدز كان الدافع الرئيسي وراء إنشاء المركز المثير للجدل.

[شريط مسجل]

كيري جينغ: كان علينا أن نُواجه الحقيقة الصعبة أمام حقن المدنيين أنفسهم بمادة الهيروين بطريقةٍ غير آمنة تُؤدي إلى موت الكثيرين في شوارع فانكوفر، كما أصبحت نسب انتشار الإيدز هنا أسرع مما هي عليه في إفريقيا.

ديفد بورنر: لا تُصدّق أبداً الإحصاءات المزيفة التي تقول إنّ نسب الإدمان قد تراجعت، كلا ما زال الاستعمال يُؤدي إلى الموت، إنّ القائمين على المركز يُشبهون المدمنين كلّهم يُريدون حلاً سريعاً، المدمن يُريد النشوة وأصحاب المركز يُريدون جائزة نوبل.

محمد العلمي: ويُبرز الطريق المسدود بين المعارضين والمؤيدين ما يراه بعض الباحثين الاجتماعيين فشلاً مُدوّياً للمدينة الحديثة في التصدّي لواحدٍ من أسوأ الأوبئة التي تنخر معظم دول العالم المعاصر. محمد العلمي لبرنامج مراسلو الجزيرة، فانكوفر – كندا.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: من كندا إلى بريطانيا حيث يشهد نظام الرفاهية الاجتماعية الذي يستفيد منه الملايين من المواطنين تغييراً كبيراً وإعادة هيكلةٍ جديدة بسبب آثار الأزمة الاقتصادية والمديونية الكبيرة التي لم تشهد البلاد لها مثيلاً منذ عقودٍ طويلة، بعض آثار هذه الهيكلة شملت ذوي الإعاقة الذين يُقدّرون بمئات الآلاف، وتُبدي الجمعيات المدافعة عن حقوقهم مخاوف من أن تُؤدي إعادة الهيكلة إلى هضم حقوقهم في مجالاتٍ عديدة كالعلاوات والسكن وغيرها. الزميل العياشي جابو يُطلعنا على تفاصيل هذا الموضوع في التقرير التالي:

[تقرير مسجل]

العياشي جابو: تاريخياً كان مفهوم الرفاهية الاجتماعية في بريطانيا يعني ضمن ما يعنيه تقديم يد العون والمساعدة للمحتاجين والعاجزين عن العمل واعتُبر ذلك مسؤوليةً أخلاقيةً تقع على عاتق الدولة، لكنّ المفهوم تغيّر مع مرور الوقت وأصبح يُنظر لدولة الرفاهية على أنّها مسؤوليةٌ مشتركة بين الحكومة والمواطنين، وقد أدّى تطور هذا المفهوم إلى ظهور جمعياتٍ تُدافع عن حقوق مجموعاتٍ معينة مثل ذوي الإعاقة وتدفع باتجاه سنّ قوانين لصالحهم في أماكن عدّة كالعمل والتعليم، لكنّ الظروف الاقتصادية تدفع بالحكومة أحياناً إلى اتخاذ إجراءاتٍ يعتبرها هؤلاء غير منصفة.

[شريط مسجل]

كلوديا وود/متحدثة باسم جمعية دموس: الدراسات التي أُجريت حتى الآن شملت الأشخاص الذين يُواجهون خطر فقدانهم للعلاوات، فقد تحدّثوا لنا عن الأشياء التي يُنفقون فيها علاواتهم حالياً واحتمالات فقدانها مثل توفير الرعاية لأطفالهم ليتمكّنوا من الذهاب إلى عملهم أو الخروج من البيت بعض الوقت، الأمر يتعلّق بوسيلة النقل كالسيارة الخاصة بالمعوّقين، فالبعض سيفقدها ولن تكون لهم وسيلة نقلٍ تسمح لهم التنقل بيسر، ونظراً لصعوبة التنقل على متن وسائل النقل العام من أجل التسوّق أو الذهاب للعلاج أو لمكان العمل، فإنّ الكثيرين منهم سيُعزلون ويُواجهون الوحدة في بيوتهم.

العياشي جابو: ليسا تُعاني من مرض هشاشة العظام ولا تستطيع العمل تعتمد على الإعانة التي تُقدّمها لها الدولة لاستخدام كرسيها المتحرك في التسوّق والتنقل بسيارتها الخاصة، لديها مخاوف كبيرة من فقدها تلك الحقوق.

[شريط مسجل]

ليسا: وفقاً للهيكلة الجديدة فالشخص الذي يستطيع المشي 20 متراً لا يُعدّ معوقاً، وأنا أستطيع أن أمشي هذه المسافة ولكن ببطءٍ وبألمٍ شديد وأُعرّض نفسي للخطر فأحياناً تنكسر عظام رجلي بسرعة، لقد أضافت الهيئة المعنية شروطاً للهيكلة كالأمان وإعادة المشي مراتٍ عدّة، لكن الأمر يبقى غامضاً بالنسبة لي، فهل كسر عظمٍ برجلي 3 مراتٍ في السنة يُعدّ أمراً خطراً أم لا؟ الأمر غير واضحٍ تماماً، وفق مشروع الهيكلة الأولي لن يكون لي حقٌّ في العلاوات وعلى الرغم من بعض التعديلات يبقى الأمر غامضاً بالنسبة لي.

هيكلة الاهتمام بالمعاقين في بريطانيا

العياشي جابو: وبينما تريد الحكومة إعادة هيكلة نظام العلاوات حتى تُخفّض الميزانية بما قيمته 20% مع حلول عام 2015، تشتكي بعض الجمعيات المدافعة عن حقوق ذوي الإعاقة من أنّ الدولة لا تُعير الاهتمام اللازم لحالات المعاقين مما جعلها تأتي في المرتبة الـ 25 في العالم بعد دولٍ تُعدّ متخلّفةً مثل رومانيا.

[شريط مسجل]

نيكولا رايكي/مدير بحوث جمعية المصابين بمرض التصلب العصبي: وفقاً لإحصاءات الحكومة فإنّ 600 ألف شخصٍ ممن يتقاضون حالياً العلاوات سيفقدونها بعد الهيكلة وهذا عددٌ ضخم، من بين هؤلاء أكثر من 400 ألف شخصٍ علاوتهم عالية لأنّهم في أشد الحاجة إليها، إعادة الهيكلة ستكون لها أثارٌ كبيرة على أُسرهم وعلى الأشخاص الذين يعولونهم.

العياشي جابو: الحكومة تعتبر من جانبها أنّ الهدف من إعادة تقييم ذوي الإعاقة هو التحكّم في نمو الطلب المتزايد على العلاوات ومراقبتها.

[شريط مسجل]

أستير ماكفاي/وزيرة الدولة لشؤون ذوي الإعاقة: الطلب على العلاوات زاد بـ 32% وحتى نستمر في دعم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ينبغي علينا أن نُركّز الاهتمام على من يستحقونها أكثر.

العياشي جابو: خفض الدعم عن ذوي الإعاقات ومخاوف بعضهم من أن يُرغموا على ترك منازلهم الواسعة أو شققهم المؤلفة من أكثر من غرفةٍ التي تُلبّي احتياجاتهم الخاصة إلى شققٍ من غرفةٍ واحدة نجم عنها حالات انتحار. تغطية وسائل الإعلام البريطانية لبعض الأشخاص الذين يستغلون نظام الرفاهية لمآربهم الضيّقة واستخدامهم الحيل في الحصول على منافع أكبر كهذا الرجل الذي تآمر مع زوجته فأضرم النار في بيته للحصول على منزلٍ أوسع فمات أبناؤه حرقاً في الحادث، مثل هذه الحالات زادت من تأنيب الرأي العام ضدّ المعوزين وذوي الإعاقة والنظر إليهم نظرةً تكاد تُساويهم بالمجرمين. آني تُعاني من مرضٍ جلديٍ وتشوّهٍ خلقيٍ في الأطراف تعمل من بيتها صحفيةً بالقطعة مع عددٍ من الصحف والمجلات البريطانية، تقول إنّها لاحظت تزايداً في غمزات الناس ونظراتهم الغريبة تجاهها في الأماكن العامة ووسائل النقل في هذه الأوقات الاقتصادية الصعبة.

[شريط مسجل]

آني: أعتقد أنّ الأمور ازدادت سوءاً مع التغيير الحكومي فقد انتشر مفهومٌ مغلوط لدى الناس مفاده أنّه إذا كان الإنسان معوّقاً فإنّه لا يعمل ويعيش على إعانة الدولة وهو شخصٌ شرير، أنا فخورةٌ بتحصيلي العلمي ولقد اشتغلت وكدحت ولم أحصل على شيءٍ مجاناً، الناس ينظرون إليّ ويعتقدون أنّني لا أعمل ولا أمتلك أي مهارات وأنّي عالةٌ على المجتمع ولأنّني حامل فالأمر يزداد صعوبة لأنّ الناس يعتقدون أنّني أعيش على مساعدات الدولة كوني حامل، هذا أمرٌ اشمئزازي لم يُصارحني أي شخصٍ بهذا لكنّ نظرات الناس وغمزاتهم وتعبيرات وجوههم واضحةٌ تماماً وصعبة التحمّل.

العياشي جابو: آني وغيرها كثيرون يرون أنّه ينبغي مواجهة التحديات والعمل على صعيد الدولة والمجتمع لمناهضة الأفكار المسبقة المغلوطة التي تُحاول النيل من حقوق ذوي الإعاقة وتُؤذي مشاعرهم، وتبقى اللقاءات وبعض الأنشطة الرياضية التي تُنظّم لذوي الإعاقة بين الحين والآخر مناسبةً تُخفّف آلامهم وتشد أزرهم لمساعدتهم على مواجهة التحديات التي تعترض طريقهم. العياشي جابو لبرنامج مراسلو الجزيرة، لندن.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نُتابع معكم هذه الحلقة من مراسلو الجزيرة وفيها بعد قليل: النازحون إلى جنوب السودان قصّة ترحالٍ دائم.

[فاصل إعلاني]

ناصر الحسيني: أهلاً بكم من جديد، بعد انفصال جنوب السودان قبل 3 سنوات تدفّق العديد من الجنوبيين للاستقرار في وطنهم الجديد وهم يتطلعون إلى حياةٍ أفضل، لكنّ أحلامهم تبدّدت ومعاناتهم تعمّقت مع اندلاع شرارة الصراع في الدولة الوليدة بين الرئيس سلفاكير ونائبه السابق رياك مشار الذي أدّى إلي مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف الآخرين حسب منظماتٍ دولية، الزميل عادل فارس يروي لنا رحلة معاناة الأُسر العائدة إلى موطنها الجديد في دولة جنوب السودان قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

[تقرير مسجل]

عادل فارس: لم ترث صياما من سنوات عمرها الخمسين شيئاً لتواجه به ظروف الحياة الجديدة في وطنها الأم جنوب السودان، رأت في استقلاله بدايةً جديدةً لحياةٍ أفضل تُثمل آلامها ومعاناة أطفالها الذين وُلدوا في السودان حيث كانوا يدرسون.

[شريط مسجل]

صياما/ربة منزل عائدة إلى جنوب السودان: فرحنا جداً بانفصال جنوب السودان لذلك قرّرت العودة إلى بلدي، لكن عندما وصلنا لم نجد شيئاً نبدأ به حياتنا لا أقرباء ولا أحد يهتم بنا، جيراني ومعارفي في الخرطوم فقط هم مَن يتّصلون بنا ليتفقدوا أحوالنا.

عادل فارس: عائلة صياما لا تبدو أفضل حالاً من مئات الأسر التي عادت إلى جنوب السودان خلال السنتين الماضيتين، عودةً ألقت على معظمهم عبئاً ثقيلاً من المتطلبات الأُسرية أقلّها حياةٌ كريمةٌ وبيئةٌ معافاة ولو في حدّها الأدنى.

[شريط مسجل]

هدى/عائدة إلى جنوب السودان: لا الحكومة ولا أي شخصٍ جاء ليسأل عنا وعن معيشتنا هنا، يحضر بعضهم ويُسجّلون مشاكلنا لحلّها لكنّهم لا يعودون.

دانيال ميان/طالب عائد إلى جنوب السودان: هناك من باع ممتلكاته ولم يعد يملك شيئاً كي يُطعم نفسه، صحيحٌ أنّه وجد فرصةً للوصول إلى بلده جنوب السودان، لكن من المفترض أن تُساعدهم السلطات أو المنظمات في ظلّ هذا الانتظار.

عادل فارس: من غربة نزوحٍ إلى غربةٍ جبريةٍ تعيشها بعض العائلات التي تعود لأول مرةٍ إلى وطنها الأم، عودةٌ لم تكن نهاياتها سعيدة فيما يبدو لكثيرٍين ما زالوا يكابدون شظف العيش وبؤسه للوصول إلى المحطة الأخيرة في رحلة العودة إلى الديار.

[شريط مسجل]

كارلين جوزيف/ربة منزل عائدة إلى جنوب السودان: بصراحة كده انصدمنا إحنا ذاتنا أنا بالذات كارلين انصدمت وقلت لو كنت أعرف كده ما جئت البيت ده، كنا قاعدين في الخرطوم، وبلدنا ده ما نيجي فيه، كنا عايشين هناك ونلقى صعوبات كثير..بلدنا بخير وبلدنا بلدنا بلدنا وفعلاً جئنا هنا الحاجات ده كله ..

عادل فارس: جوبا المحطة النهائية للعائدين، منها يتمُّ توزيعهم إلى وجهاتهم النهائية وهي رحلة معاناةٍ أخرى لأولئك الذين ينتظرون منذ عامين ليعودوا إلى موطنهم الأصلي، تُشير الإحصاءات إلى أنّ ما يقرب من 200 ألف نسمةٍ وصلوا إلى جنوب السودان ضمن برنامج العودة الطوعية الذي يستهدف ترحيل الجنوبيين الراغبين في العودة إلى قُراهم بعد سنين كثيرة قضوها في أنحاءٍ مختلفةٍ من السودان، اليوم ما تزال مئات الأُسر تتوزّع بين السودان والمناطق الحدودية الجنوبية بانتظار الترحيل إلى مناطقهم وحتى ذلك الحين تعتمد بعض العائلات على المعونات التي تُقدّمها منظمات الغوث بينما عمد بعضها الآخر إلى بيع الأطعمة والشاي علّ ذلك يُغني عن السؤال.

[شريط مسجل]

لوشيا سوبي/ربة منزل عائدة إلى جنوب السودان: أطفالي لم يدخلوا مدرسة وقد قلت ذلك للسلطات لكن بدون فائدة، لم يعطونا قطعة أرضٍ نسكن فيها نظراً لصعوبة المعيشة لجأت إلى بيع الأطعمة والشاي وهو ما لا يُدرُّ لنا ما يكفي لتوفير احتياجاتنا اليومية، وكما ترى بنتاي تساعدانني في تدبير أحوالنا لأنّ والدهما مريض وتركناه في الخرطوم للعلاج، أسكن هنا في هذا الميناء في هذا البيت الكرتوني مع أطفالي لا نعرف إلى أين نذهب.

كلفة عالية لترحيل العائدين إلي جنوب السودان

عادل فارس: وتُقرّ المنظمات الدولية العاملة في الحقل الإنساني والهجرة بصعوبة مساعدة العائدين بسبب ضعف المرافق الأساسية للدولة الوليدة فضلاً عن ارتفاع تكلفة ترحيل العائدين من الشمال إلى الجنوب التي تفوق 400 ألف دولارٍ للرحلة الواحدة تشمل الحصر والإيواء المؤقت وإيصال الأُسر إلى وجهاتها النهائية.

[شريط مسجل]

فبيان سامبيسي/مدير منظمة الهجرة الدولية في جنوب السودان: في العام الماضي ساعدنا 5 آلاف لاجئٍ في الوصول إلى وجهاتهم النهائية مع 3 آلافٍ آخرين قادمين من الرنك، وكانت الرحلة الأخيرة التي دعمتها منظمة الهجرة الدولية عبارة عن رحلةٍ على 4 دفعات وتكلفة نقل ألف شخصٍ إلى جوبا بلغت400 ألف دولار.

عادل فارس: وتقول حكومة جنوب السودان إنّ برنامج العودة الطوعية للراغبين من الجنوبيين في السودان إلى موطنهم الأصلي مستمرٌ بمساعدة المنظمات الدولية إضافةً إلى تمليك الأُسر التي التزمت ببرنامج العودة وأكملت إجراءاتها أراضٍ سكنيةً لتبدأ حياتها.

[شريط مسجل]

جوانا جوزيف/نائبة مفوض الإغاثة وإعادة التأهيل: نواجه تحدياتٍ كثيرة في التعامل مع الأُسر العائدة إذ أنّ أغلبها عاد مع أطفاله وكمياتٍ كبيرة من الأمتعة، المشكلة أنّ بعضهم يُغيّر وجهته عندما يصل إلى جوبا، لكنّهم يبقون في الميناء ومعسكر الإيواء المؤقّت ويرفضون مغادرتها، هذا الأمر عبءٌ علينا ويُعرقل مساعينا مع الشركاء في عملية العودة الطوعية.

عادل فارس: إنّها البداية إذن لعدّاد الانتظار والمستقبل المجهول بالنسبة لصياما وبعض الأُسر التي قبلت واقعها الجديد في بلدها جنوب السودان، وطنٌ بدا هو الآخر منشغلاً بترتيب أوضاعه الداخلية التي تعيش أزماتٍ سياسيةً واقتصاديةً حالت دون تحقيق الحدّ المرجو من تطلّعات أهله في الرفاهية والعيش الكريم، ومُرّ الشكوى يقول العائدون إنّهم ما يزالون في ترحالٍ دائم مع النزوح في المرة الأولى هرباً من جحيم الحرب لأكثر من 20 سنة، وفي الثانية بسبب ظلم ذوي القُربى في زمن السلام الذي جعل منهم غرباء داخل وطنهم. عادل فارس لبرنامج مراسلو الجزيرة، جوبا – جنوب السودان.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: وبهذا التقرير لعادل فارس من جنوب السودان نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج "مراسلو الجزيرة" موعدنا يتجدّد أيضاً الأسبوع المقبل، دمتم بخير وإلى اللقاء.