بدأت حلقة الثلاثاء 15/7/2014 من برنامج "مراسلو الجزيرة" من عُمق روسيا الجنوبي الغربي، حيث تقعُ جمهورية تسمّى قلميقيا. وتتميزُ هذه الجمهورية -التي تتمتعُ بحكم ذاتي في إطار روسيا الاتحادية- بكثرة معابدها البوذية، إذ يُعتبر الشعب القلميقي الوحيد في أوروبا الذي يعتنق هذه الديانة.

وكشفت المراسلة رانيا دريدي في التقرير الأول تفاصيل أكثر عن هذه الجمهورية التي تتميز بسهول شاسعة منبسطة استغلها أحفاد المغول لتربية الأغنام والأبقار والجمال، محافظين على ثقافتهم وديانتهم البوذية، رغم احتكاكهم بالثقافات الأخرى.

 خيول منبوذة
ومن قلميقيا وأراضيها الشاسعة، إلى إسبانيا حيث استثمرت ناشطة إسبانية مدخراتها في ملجأ لرعاية الخيول المتخلى عنها بسبب عجز أصحابها عن الإنفاق عليها نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عانت منها البلاد.

أيمن الزبير يروي لنا قصة المأوى الوحيد لرعاية الخيول المنبوذة في إقليم الأندلس، والذي أنشأته كونورديا ماركيز في مدينة ماربييه قبل عشرين عاما للعناية بالخيول.

غير أن تزايد عدد الخيول التي يتخلى عنها أصحابها مؤخرا بسبب الأزمة الاقتصادية، ولد شعورا عاما بعدم الارتياح لدى العاملين والمتطوعين مع ماركيز في هذا المجال.

وشكا العاملون من قلة ذات اليد وعدم وجود الدعم الحكومي الذي يمكن أن يساعدهم قليلا في أداء مهمتهم، وضمان حياة كريمة للخيول.

لا يزال كثير من سكان الأرياف في موريتانيا يعتمدون على الإبل في حياتهم (الجزيرة)

إبل موريتانيا
ويكشف التقرير الأخير من الحلقة الأهمية التي تحظى بها الأبل في موريتانيا كونها عصبَ الحياة لقرون عديدة، حيث كان امتلاكُ رؤوس منها ضرورة من ضرورات الحياة في موريتانيا التي تشكل الصحراء أغلب مساحتها.

ورغم تغير ظروف الحياة، لا يزال كثير من سكان الأرياف يعتمدون في حياتهم على الإبل.

ولمعرفة هذه العلاقة الوطيدة بين الإنسان الموريتاني والإبل، تقول مراسلة الجزيرة زينب بنت اَرَبيه في التقرير الأخير في حلقة مراسلو الجزيرة، إن الموريتانيين يتوارثون الإبل أبا عن جد، ويعرفونها جيدا -حسبما يقولون- ولا يقدمون على بيعها أبدا لأن ذلك يجلب الفاقة، حسب ما يعتقدون.

وعندما تهرب بعض الإبل يقوم متخصصون بالبحث عنها وتتبع أثرها لمسافات بعيدة، ويتم التعرف عليها عادة برموز وإشارات تطبع بالنار على ظهورها وصغارها حتى تكون علامات تميزها في كل مكان.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: تراث شعب جمهورية قلميقيا ورعاية خيول إسبانيا

مقدمة الحلقة: إلسي أبي عاصي

تاريخ الحلقة: 15/7/2014

المحاور:

-   عادات وتراث شعب جمهورية قلميقيا

-   مأوى الخيول في إسبانيا

-   الإبل في حياة الموريتانيين

إلسي أبي عاصي: في هذه الحلقة رحلة في عادات وتقاليد وتراث شعب جمهورية قلميقيا الروسية، ومن إسبانبا الخيول أيضاً تدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية، ومن موريتانيا قصة علاقة قديمة ووطيدة بين الإبل والإنسان الموريتاني، تحية لكم مشاهدينا الكرام ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، نستهل حلقتنا من عمق روسيا الجنوبي الغربي حيث تقع جمهوية تسمى قلميقيا وتتميز جمهورية قلميقيا التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار روسيا الإتحادية تتميز بكثرة المعابد البوذية فيها إذ يعتبر الشعب القلميقي الوحيد في أوروبا الذي يعتنق الديانة البوذية، رانيا دريدي التي تعرفنا على قلميقيا وعلى شعبها وعاداته وتقاليده في هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

عادات وتراث شعب جمهورية قلميقيا

رانيا ديردي: هكذا بدأنا رحلتنا في رحاب قلميقيا، فعادة رمي النقود في الطريق قبل الإنطلاق وفقاً للأعراف القليميقية تفتح دروبها وتجعلها سهلة وخالية من المخاطر والمشاق، السهول هنا تبدو بلا بداية ولا نهاية وقد يكون ذلك سبباً في حل وترحال المغول عبر هذه الأراضي واستقرار جزء منهم في نهاية القرن السادس عشر في أراضي ما يعرف اليوم بجمهورية قلميقيا، إذاً هم أحفاد المغول وهم اليوم جزء لا يتجزء من شعوب روسيا المتعددة وعلى الرغم من إنخراطهم على مدى قرون في الثقافة الروسية ومن ثم السوفيتية إلا أنهم بقوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وديانتهم البوذية، هذه الأراضي هي مصدر قوتهم وثروتهم فحياتهم مقترنة بالبراري وتربية المواشي من الأبقار والأغنام والإبل التي تعد الركيزة الأساسية لاقتصاد الجمهورية، هنا في مختلف المواسم ينمو أكثر من 300 نوع من الأعشاب وهذا ما يجعل لحوم مواشي قلميقيا مميزة الطعم والأكثر جودة في روسيا، عددهم لا يتجاوز 170 ألف نسمة ويحتلون مساحة تبلغ نحو 75 ألف كيلو متر مربع، كثافة سكانية يحسدون عليها لكن المناخ الصحراوي وشبه الصحراوي هنا يجعل من نقص المياه العذبة مشكلة حقيقية، ناهيك عن النقص الحاد في موارد الطاقة الطبيعية، للأشياء هنا طابع آسيوي فأينما نظرت ستجد ما يلفت ناظريك من تراث الحضارة البوذية في جمهورية تعد الوحيدة التي تعتنق البوذية ديناً في أوروبا، البوذية متأصلة بين أبناء الشعب القلميقي على الرغم مما تعرضوا له كأبناء باقي الديانات من تهجير وملاحقة وتضييق إبان العهد السوفيتي ولكن بعد إنهيار الإتحاد عادت البوذية بقوة إلى الجمهوية لاسيما بعد زيارة الدلاي لاما لها في بداية التسعينيات وقد يكون هذا المعبد معبد بوذا الذهبي أو كما يسميه القلميقيون معبد شكموني أكبر دليل على ذلك، تم تشييد هذا المعبد عام 2005 وهو اليوم أحد أهم معالم قلميقيا وقبلة للحجاج البوذيين من جميع أنحاء روسيا وجوارها، يتميز المعبد بإحتوائه على تمثال ضخم لبوذا يبلغ طوله 12 متر مصنوع من الرخام الأبيض ومغلف برقائق من الذهب المرصع بالمجوهرات، وللعادات هنا مكانة خاصة أينما وجدت وأي منزل دخلت سيستقبلونك هنا بالشاي القلميقي. لكل منطقة في قلميقيا أسلوبها في صنع الشاي ففضلاً عن الحليب والملح والفلفل يقوم السكان في بعض المناطق بإضافة ورق ولحم الخروف إلى الشاي، كما أن هناك مراسم خاصة بتقديم هذا الشاي حيث يسكب للضيف أولاً إن وجد أو للرجل الأكبر سناً في العائلة ومن ثم للبقية، إنها آلة الدوبرا التقليدية وهي كذلك جزء من ثقافة وتقاليد قلميقيا بالطبع في القدم كانت تبدو هذه الآلة أكثر بساطة أما اليوم فتتعد أشكالها وألوانها ليبقى وجود وترين فيها فقط من أهم مميزاتها، ومن الموسيقى إلى القتال إنها المصارعة القلميقية فن قتالي توارثه القلميقيون عن المغول حيث كانوا يستخدمون هذا النوع من القتال في حروبهم بما فيه من تقنيات خطيرة ككسر الأضلاع والعمود الفقري للعدو أما اليوم فقد تحولت إلى شكل من أشكال الرياضة وما تبقى من مصارعة قديمة هي رقصة النسور التي كان وعلى ما يبدو لا يزال المصارع يؤديها بعد تحقيقه النصر على الخصم، لا يمكن الحديث عن قلميقيا دون التطرق للعبة الشطرنج إنها أحد الفنون الحديثة الدخيلة على القلميقيين والتي أصبحت جزءاً ليس فقط من ثقافتهم بل ومن حياتهم خاصة بعد تشييد مدينة بأكملها للشطرنج عام 1998 من القرن الماضي لاستضافة الأولومبيات الدولي للشطرنج القلميقيون يعشقون هذه اللعبة لدرجة أنها أصبحت مادة إلزامية في مدارسهم، يقول القلميقيون الشجرة الوحيدة ليست شجرة كالإنسان الوحيد ليس إنسانا حكمة قد يكمن فيها سر حياة القلميقيين الذين يرون في وحدتهم وتكاتفهم وتجمعهم سوية في هذه الأراضي الشاسعة السبيل الوحيد للنجاة والبقاء على مر القرون، رانيا دريدي- الجزيرة قلميقيا- روسيا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: ومن جمهوية قلميقيا وأراضيها الشاسعة إلى إسبانيا حيث قامت ناشطة إسبانية باستثمار مدخراتها في ملجأ مخصص للخيول المتخلى عنها من أصحابها بسبب عجزهم عن الإنفاق عليها من جراء الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالبلاد، مراسلنا أيمن الزبير يُعرفنا على هذا الملجأ الوحيد المخصص للخيول المتخلى عنها في إقليم الأندلس.

[تقرير مسجل]

مأوى الخيول في إسبانيا

أيمن الزبير: غير بعيد عن مدينة ملقا السياحية تسابق نكورديا ماركيث الزمن لإنقاذ بعض البهائم التي توجد في الملجأ، عمل مضنٍ ومكلف لأن المأوى يستقبل فقط الخيول المريضة أو التي تعرض بعضها للتعذيب، خيارٌ أملته الظروف الاستثنائية التي تعيشها هذه الحيوانات في إقليم الأندلس وقناعات نكورديا التي أطلقت هذا المشروع قبل 20 سنة.

نكورديا ماركيث/مؤسسة جمعية " ثيد سانتا ماريا": لست أنا من يساعد الخيول بل هي التي تساعدني، للخيول أنفة قليلاً ما وجدتها لدى الإنسان أتمنى أن أتعلم من الخيول النبل والشرف.

أيمن الزبير:على نبل العمل التطوعي تعول أيضاً نكورديا وسيم  حيالي مواطن جزائري قدم قبل سنتين لصباغة جدران الملجأ لكن بعد إنهاء عمله قرر التحول إلى متطوع، لكن رغم كل هذه المساعدة ثمة إحساس بالغبن في أوساط العاملين والمتطوعين اتسع صداه في السنة الأخيرة التي شهدت حالات متكررة لتخلي بعض الإسبان عن خيولهم بعد أن انهكتهم الأزمة الإقتصادية وتعذر على الإدارات المعنية الإلتزام بمسؤولياتها.

فرخينيا صوليرا/مسؤولة في ملجأ " ثيد سانتا ماريا": يمكننا استقبال 6 أو 7 خيول لكن عندما نتلقى إتصالا بوجود 30 حصاناً تم التخلي عنها لا يمكننا التفاعل لأن إمكانياتنا محدودة لو كنا نحصل على مساعدات من السلطات لكان بوسعنا إنقاذ عدد أكبر من الخيول.

أيمن الزبير: أمام هذا الوضع تحاول إدارة الملجأ البحث عن حلول بديلة لإسعاف وضمان حياة كريمة للخيول المتخلى عنها بعض هذه الحلول تمر عبر عرضها للتبني في ضيعات كهذه ومتابعة تطور أوضاعها، فخروج هذه الخيول من ملجأ ثيد سنتا ماريا تسبقه شروط وضمانات كثيرة كي لا تتكرر مآس كتلك التي عاشها هذا الحصان الذي كاد يموت من الجوع والعطش بعد أن دخل صاحبه السابق في حالة إفلاس، بين هذه الإقامات الفارهة تقول نكورديا إن مشاهد الخيول المتخلى عنها لا تستأثر بإهتمام المواطنين الذي لا يخالون مثل هذه البهائم تمر بأوضاع صعبة وتسرح في الملك العام بدون أي مراقبة، جهل لا يخفي حجم هذه المشكلة ففي السنة الأخيرة فقط قام ملجأ ثيد سنتا ماريا بإسعاف أكثر من 360 من الخيول تم التخلي عنها في إقليم ملقا أرقام تفرض أيضاً مجهود مضاعفاً على جهاز الحرس المدني الإسباني.

غبرييل غييربث/الحرس المدني الإسباني: نحاول العثور على أصحاب هذه الخيول وتأكد من توفرهم على الوثائق القانونية وعندما نعجز عن تحقيق ذلك نطالب المجالس البلدية بالتدخل ونقل الخيول إلى أماكن آمنة.

أيمن الزبير: لكن البلديات يبدو أنها لا تضع هذه المشكلة ضمن أولوياتها ففي مدينة ماربيا مثلاً التي إقترن إسمها بالسياحة الفارهة قد يبدو هذا المشهد جميلاً لكنه في واقع الأمر يخفي حقيقة أخرى بدأت تفاصيلها قبل 6 سنوات عندما إكتشفت نكورديا تخلي أحد المزارعين الإسبان عن حصان وحجر الآن وصل عدد القطيع إلى 20 يعيشون على الكلئ الذي يوفره لهم جيران المنطقة، وضع لن يدوم طويلاً بعد تدخل جمعية ثيد سنتا ماريا.

أيمن الزبير: بعد 6 سنوات من الإنتظار ستذهب معظم هذه الخيول إلى إسطبلات مواطنين إسبان وأجانب، حظ لن تلقاه خيول أخرى في القريب العاجل خاصة في ظل غياب دعم كاف لجمعيات كجمعية ثيد سنتا ماريا، أيمن الزبير لبرنامج مراسلو الجزيرة من مدينة ماربيليا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: نتابع معاً هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة تشاهدون فيها بعد قليل، الإبل في موريتانيا عصب الحياة لقرون عديدة رغم تغير الظروف.

[فاصل إعلاني]

إلسي أبي عاصي: تحية لكم من جديد، تحظى الإبل في موريتانيا بإهتمام خاص نظراً لكونها عصب الحياة لقرون عديدة وكان إمتلاك رؤوس منها ضرورة من ضرورات الحياة لأن موريتانيا تتمتع بمساحات صحرواية شاسعة، أما اليوم ومع تغير ظروف الحياة فلا يزال بعض سكان الأرياف يعتمدون في كثير من أوجه حياتهم على الإبل، زينب بنت أربيه تعرفنا على هذه العلاقة الوطيدة بين الإنسان الموريتاني والإبل.

[تقرير مسجل]

زينب بنت أربيه: صباح سعيد هو كذلك ما دامت هذه الأسرة مقيمة في إحدى البوادي الموريتانية تمتع ناظريها بمشهد كهذا، قطيع الإبل الذي تملكه بخير وأمان ومستقر في محيطه الطبيعي، تستيقظ العائلة يومياً على رغاء الإبل فهذا الصوت بمثابة صوت المنبه وهو المؤشر الأول أن الإبل بخير وعندما تكون بخير يكون ملاكها بألف خير كذلك، يشرع سيدي محمد في تفقدها رغم أنه باستطاعته التعرف عليها وهو مغمض العينين كما يقول، فقد كبر معها وواكب تطور صحتها عندما كان طفلاً وتعلم طريقة التعامل معها لقد ورثها عن والده التي أوصى بالحفاظ عليها ونهى عن بيعها لأن ذلك يجلب الفاقة، وإذا أردت أن تثير حافظة الموريتانيين المولعين بالإبل فسأل أحدهم إذا كان مستعداً لبيعها مقابل مبلغ مالي كبير، فهي مخزن غذائهم ونقلهم ودوائهم ووفية لهم مهما قست عليهم الطبيعة وجفت نقاط المياه، لن يتم حلب كل النوق دفعة واحدة هذه هي الإستراتيجية المتبعة فبعضها يتم حلبه ليلاً والبعض الآخر في الصباح وذلك لإعطاء صغارها فرصة للرضاعة، وبعد إنتهاء العملية يتم وضع غطاء مصنوع يدوياً من القماش والحبال على ثدي الناقة لكي لا تتواصل الرضاعة طوال النهار، فالحليب هو عصب الغذاء في هذه المناطق حيث توفر النوق كميات هامة منه، يتوجه سيدي محمد بعد ذلك إلى خطوات عملية للسيطرة على القطيع الذي سيغادر المكان للبحث عن مناطق رعوية لذلك سيتم تقييد بعضه في الأرجل الأمامية بينما يقيد البعض الآخر بطريقة مختلفة حيث يتم ثني الأرجل الأمامية إلى الخلف وذلك كي لا تبتعد كثيراً، ومع ذلك تشرد الإبل أحياناً وتقطع مسافات طويلة دون أن تشعر ويتذعر حينها على أصحابها العثور عليها دون الاستعانة بالخبراء، الخليفة ولد فال باتت سمعته مرتبطة بمعرفته العميقة في إقتفاء آثار الإبل الضالة ويكثر الطلب عليه عندما يجد الإبل يكون حذراً للغاية، فهي عادة ما تكون عنيفة لذلك وكما هو الحال هنا يبادر بتقييدها برفق ولباقة وفطنة وهدوء، يدرك الخليفة جيداً أن هذه الإبل بحاجة إلى إلتقاط أنفاسها فقد عثر عليها بعد رحلة دامت عدة أسابيع مشياً على الأقدام ولا يمكنها متابعة المسير دون توقف يأخذ استراحة محارب بعد أن وُفق في مهمته، نشأت بين محمد والإبل علاقة وثيقة وتجمعهما قواسم مشتركة كثيرة من أبرزها الصبر فهو يقطع مسافات طويلة ولا يحمل معه سوى زاد بسيط للغاية يسافر وحيداً لا يرافقه سوى جمله الذي ينطتيه وحيث ما حط رحاله يشعل النار ويعد الشاي ويظل يرقب الإبل ويتذكر بصوت عال المصاعب التي واجهته في رحلته، لكن فرحة العثور على الإبل التي كلف بالبحث عنها تنسيه كل تلك المعاناه، لا تنتهي محطة من رحلة الخليفة إلا لتبدأ محطة أخرى فهو يعي جيداً الطابع الاستعجالي لمهمته وقد بدأ العد العكسي لتسليم الإبل لملاكها، المهمة تحتاج إلى تركيز فهذه الدواب قد تشرد مستقبلاً في أي وقت لأنها إعتادت على الحرية كما أنها لم تعهد فيما ما مضى أن يكون هو قائدها.

الخليفة ولد فال/متخصص في البحث عن الإبل الضائعة: مهنتي هي البحث عن الإبل المفقودة أعقد إتفاقاً مع مالكها ويعطيني بعض التفاصل المتعلقة بها وأسافر بحثاً عنها وعندما أجدها أعيدها له، أتوقف عند كل الأماكن الآهلة بالسكان في البوادي وأسأل عنها وأقتفي أثرها حتى أعيدها إلى أصحابها هذه هي مهمتنا.

زينب بنت أربيه: من بين الأمور التي تساعد الباحث عن الإبل الضالة تلك العلامة المميزة على أجسامها، رسوم قد لا تعني شيء بالنسبة لكثيرين لكنها هنا البصمة التي يضعها أصحاب الإبل عليها لإثبات ملكيتهم لها حين تستدعي الضرورة ذلك، ويختلف الرسم باختلاف المناطق والقبائل ويشمل حروفاً ونقاطاً وإشارات ورموزا فولع الموريتانيين بالإبل جعلهم يصرون على إثبات إنتمائها لهم، وتنص العادات والتقاليد على أن يتم وضع هذا الرسم على صغار الإبل ويستخدم الكي بالنار في هذه العملية لكي يستعصي الرسم بعد ذلك على المحو أو التغيير ويحول دون سرقة الدواب.

بي ولد أيجة/متخصص في رموز الإبل: وضع العلامة بالنار بمثابة بطاقة تعريف الدابة كل أسرة لديها علامة تميزها عن العائلات الأخرى لا يمكن لأي قبيلة غيرها استخدامها وفي حالة ضياع إبلها يمكنها استعادة ملكيتها أينما كانت إذا كانت العلامة تخصها فعلاً فهذه الإشارة هي الحكم بين المتنازعين.

زينب بنت أربيه: يقول الموريتانيون إن إبلهم في معظمها ذكية وهادئة ومن النوع الأليف لا تميل إلى العض أو الرفس إلا عندما يريد أحد إلحاق الأذى بها لذلك يعولون على العلاقة الوثيقة بينهم ويتركونها تتجول بحرية متأكدين أنها في أغلب الأحيان ستعود بمفردها كما يتغنون بأنفتها وكبريائها وشموخها وجمالها وسمو تصرفاتها، بين الموريتانيين والإبل قصة حب قديمة ومتجددة فهذه الربوع تختزل الكثير من العطاء المتبادل والتعاون على مقاومة الطبيعة القاسية للحافظ على المصلحة المشتركة، الإبل جادت على الموريتاني فأغرقها عطفاً وعناية وحماية، زينة بنت أربيه لبرنامج مراسلو الجزيرة من ضواحي مدينة العيون شرقي موريتانيا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: وبهذا التقرير عن الإبل ومكانتها لدى الموريتانيين نصل مشاهدينا إلى ختام هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة موعدنا يتجدد معكم الأسبوع المقبل دمتم بخير.

 

 

 

                                                                                        

 

 

 

 

 

 

                                                                         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: تراث شعب جمهورية قلميقيا ورعاية خيول إسبانيا

مقدمة الحلقة: إلسي أبي عاصي

تاريخ الحلقة: 15/7/2014

المحاور:

-   عادات وتراث شعب جمهورية قلميقيا

-   مأوى الخيول في إسبانيا

-   الإبل في حياة الموريتانيين

إلسي أبي عاصي: في هذه الحلقة رحلة في عادات وتقاليد وتراث شعب جمهورية قلميقيا الروسية، ومن إسبانبا الخيول أيضاً تدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية، ومن موريتانيا قصة علاقة قديمة ووطيدة بين الإبل والإنسان الموريتاني، تحية لكم مشاهدينا الكرام ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، نستهل حلقتنا من عمق روسيا الجنوبي الغربي حيث تقع جمهوية تسمى قلميقيا وتتميز جمهورية قلميقيا التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار روسيا الإتحادية تتميز بكثرة المعابد البوذية فيها إذ يعتبر الشعب القلميقي الوحيد في أوروبا الذي يعتنق الديانة البوذية، رانيا دريدي التي تعرفنا على قلميقيا وعلى شعبها وعاداته وتقاليده في هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

عادات وتراث شعب جمهورية قلميقيا

رانيا ديردي: هكذا بدأنا رحلتنا في رحاب قلميقيا، فعادة رمي النقود في الطريق قبل الإنطلاق وفقاً للأعراف القليميقية تفتح دروبها وتجعلها سهلة وخالية من المخاطر والمشاق، السهول هنا تبدو بلا بداية ولا نهاية وقد يكون ذلك سبباً في حل وترحال المغول عبر هذه الأراضي واستقرار جزء منهم في نهاية القرن السادس عشر في أراضي ما يعرف اليوم بجمهورية قلميقيا، إذاً هم أحفاد المغول وهم اليوم جزء لا يتجزء من شعوب روسيا المتعددة وعلى الرغم من إنخراطهم على مدى قرون في الثقافة الروسية ومن ثم السوفيتية إلا أنهم بقوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وديانتهم البوذية، هذه الأراضي هي مصدر قوتهم وثروتهم فحياتهم مقترنة بالبراري وتربية المواشي من الأبقار والأغنام والإبل التي تعد الركيزة الأساسية لاقتصاد الجمهورية، هنا في مختلف المواسم ينمو أكثر من 300 نوع من الأعشاب وهذا ما يجعل لحوم مواشي قلميقيا مميزة الطعم والأكثر جودة في روسيا، عددهم لا يتجاوز 170 ألف نسمة ويحتلون مساحة تبلغ نحو 75 ألف كيلو متر مربع، كثافة سكانية يحسدون عليها لكن المناخ الصحراوي وشبه الصحراوي هنا يجعل من نقص المياه العذبة مشكلة حقيقية، ناهيك عن النقص الحاد في موارد الطاقة الطبيعية، للأشياء هنا طابع آسيوي فأينما نظرت ستجد ما يلفت ناظريك من تراث الحضارة البوذية في جمهورية تعد الوحيدة التي تعتنق البوذية ديناً في أوروبا، البوذية متأصلة بين أبناء الشعب القلميقي على الرغم مما تعرضوا له كأبناء باقي الديانات من تهجير وملاحقة وتضييق إبان العهد السوفيتي ولكن بعد إنهيار الإتحاد عادت البوذية بقوة إلى الجمهوية لاسيما بعد زيارة الدلاي لاما لها في بداية التسعينيات وقد يكون هذا المعبد معبد بوذا الذهبي أو كما يسميه القلميقيون معبد شكموني أكبر دليل على ذلك، تم تشييد هذا المعبد عام 2005 وهو اليوم أحد أهم معالم قلميقيا وقبلة للحجاج البوذيين من جميع أنحاء روسيا وجوارها، يتميز المعبد بإحتوائه على تمثال ضخم لبوذا يبلغ طوله 12 متر مصنوع من الرخام الأبيض ومغلف برقائق من الذهب المرصع بالمجوهرات، وللعادات هنا مكانة خاصة أينما وجدت وأي منزل دخلت سيستقبلونك هنا بالشاي القلميقي. لكل منطقة في قلميقيا أسلوبها في صنع الشاي ففضلاً عن الحليب والملح والفلفل يقوم السكان في بعض المناطق بإضافة ورق ولحم الخروف إلى الشاي، كما أن هناك مراسم خاصة بتقديم هذا الشاي حيث يسكب للضيف أولاً إن وجد أو للرجل الأكبر سناً في العائلة ومن ثم للبقية، إنها آلة الدوبرا التقليدية وهي كذلك جزء من ثقافة وتقاليد قلميقيا بالطبع في القدم كانت تبدو هذه الآلة أكثر بساطة أما اليوم فتتعد أشكالها وألوانها ليبقى وجود وترين فيها فقط من أهم مميزاتها، ومن الموسيقى إلى القتال إنها المصارعة القلميقية فن قتالي توارثه القلميقيون عن المغول حيث كانوا يستخدمون هذا النوع من القتال في حروبهم بما فيه من تقنيات خطيرة ككسر الأضلاع والعمود الفقري للعدو أما اليوم فقد تحولت إلى شكل من أشكال الرياضة وما تبقى من مصارعة قديمة هي رقصة النسور التي كان وعلى ما يبدو لا يزال المصارع يؤديها بعد تحقيقه النصر على الخصم، لا يمكن الحديث عن قلميقيا دون التطرق للعبة الشطرنج إنها أحد الفنون الحديثة الدخيلة على القلميقيين والتي أصبحت جزءاً ليس فقط من ثقافتهم بل ومن حياتهم خاصة بعد تشييد مدينة بأكملها للشطرنج عام 1998 من القرن الماضي لاستضافة الأولومبيات الدولي للشطرنج القلميقيون يعشقون هذه اللعبة لدرجة أنها أصبحت مادة إلزامية في مدارسهم، يقول القلميقيون الشجرة الوحيدة ليست شجرة كالإنسان الوحيد ليس إنسانا حكمة قد يكمن فيها سر حياة القلميقيين الذين يرون في وحدتهم وتكاتفهم وتجمعهم سوية في هذه الأراضي الشاسعة السبيل الوحيد للنجاة والبقاء على مر القرون، رانيا دريدي- الجزيرة قلميقيا- روسيا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: ومن جمهوية قلميقيا وأراضيها الشاسعة إلى إسبانيا حيث قامت ناشطة إسبانية باستثمار مدخراتها في ملجأ مخصص للخيول المتخلى عنها من أصحابها بسبب عجزهم عن الإنفاق عليها من جراء الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالبلاد، مراسلنا أيمن الزبير يُعرفنا على هذا الملجأ الوحيد المخصص للخيول المتخلى عنها في إقليم الأندلس.

[تقرير مسجل]

مأوى الخيول في إسبانيا

أيمن الزبير: غير بعيد عن مدينة ملقا السياحية تسابق نكورديا ماركيث الزمن لإنقاذ بعض البهائم التي توجد في الملجأ، عمل مضنٍ ومكلف لأن المأوى يستقبل فقط الخيول المريضة أو التي تعرض بعضها للتعذيب، خيارٌ أملته الظروف الاستثنائية التي تعيشها هذه الحيوانات في إقليم الأندلس وقناعات نكورديا التي أطلقت هذا المشروع قبل 20 سنة.

نكورديا ماركيث/مؤسسة جمعية " ثيد سانتا ماريا": لست أنا من يساعد الخيول بل هي التي تساعدني، للخيول أنفة قليلاً ما وجدتها لدى الإنسان أتمنى أن أتعلم من الخيول النبل والشرف.

أيمن الزبير:على نبل العمل التطوعي تعول أيضاً نكورديا وسيم  حيالي مواطن جزائري قدم قبل سنتين لصباغة جدران الملجأ لكن بعد إنهاء عمله قرر التحول إلى متطوع، لكن رغم كل هذه المساعدة ثمة إحساس بالغبن في أوساط العاملين والمتطوعين اتسع صداه في السنة الأخيرة التي شهدت حالات متكررة لتخلي بعض الإسبان عن خيولهم بعد أن انهكتهم الأزمة الإقتصادية وتعذر على الإدارات المعنية الإلتزام بمسؤولياتها.

فرخينيا صوليرا/مسؤولة في ملجأ " ثيد سانتا ماريا": يمكننا استقبال 6 أو 7 خيول لكن عندما نتلقى إتصالا بوجود 30 حصاناً تم التخلي عنها لا يمكننا التفاعل لأن إمكانياتنا محدودة لو كنا نحصل على مساعدات من السلطات لكان بوسعنا إنقاذ عدد أكبر من الخيول.

أيمن الزبير: أمام هذا الوضع تحاول إدارة الملجأ البحث عن حلول بديلة لإسعاف وضمان حياة كريمة للخيول المتخلى عنها بعض هذه الحلول تمر عبر عرضها للتبني في ضيعات كهذه ومتابعة تطور أوضاعها، فخروج هذه الخيول من ملجأ ثيد سنتا ماريا تسبقه شروط وضمانات كثيرة كي لا تتكرر مآس كتلك التي عاشها هذا الحصان الذي كاد يموت من الجوع والعطش بعد أن دخل صاحبه السابق في حالة إفلاس، بين هذه الإقامات الفارهة تقول نكورديا إن مشاهد الخيول المتخلى عنها لا تستأثر بإهتمام المواطنين الذي لا يخالون مثل هذه البهائم تمر بأوضاع صعبة وتسرح في الملك العام بدون أي مراقبة، جهل لا يخفي حجم هذه المشكلة ففي السنة الأخيرة فقط قام ملجأ ثيد سنتا ماريا بإسعاف أكثر من 360 من الخيول تم التخلي عنها في إقليم ملقا أرقام تفرض أيضاً مجهود مضاعفاً على جهاز الحرس المدني الإسباني.

غبرييل غييربث/الحرس المدني الإسباني: نحاول العثور على أصحاب هذه الخيول وتأكد من توفرهم على الوثائق القانونية وعندما نعجز عن تحقيق ذلك نطالب المجالس البلدية بالتدخل ونقل الخيول إلى أماكن آمنة.

أيمن الزبير: لكن البلديات يبدو أنها لا تضع هذه المشكلة ضمن أولوياتها ففي مدينة ماربيا مثلاً التي إقترن إسمها بالسياحة الفارهة قد يبدو هذا المشهد جميلاً لكنه في واقع الأمر يخفي حقيقة أخرى بدأت تفاصيلها قبل 6 سنوات عندما إكتشفت نكورديا تخلي أحد المزارعين الإسبان عن حصان وحجر الآن وصل عدد القطيع إلى 20 يعيشون على الكلئ الذي يوفره لهم جيران المنطقة، وضع لن يدوم طويلاً بعد تدخل جمعية ثيد سنتا ماريا.

أيمن الزبير: بعد 6 سنوات من الإنتظار ستذهب معظم هذه الخيول إلى إسطبلات مواطنين إسبان وأجانب، حظ لن تلقاه خيول أخرى في القريب العاجل خاصة في ظل غياب دعم كاف لجمعيات كجمعية ثيد سنتا ماريا، أيمن الزبير لبرنامج مراسلو الجزيرة من مدينة ماربيليا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: نتابع معاً هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة تشاهدون فيها بعد قليل، الإبل في موريتانيا عصب الحياة لقرون عديدة رغم تغير الظروف.

[فاصل إعلاني]

إلسي أبي عاصي: تحية لكم من جديد، تحظى الإبل في موريتانيا بإهتمام خاص نظراً لكونها عصب الحياة لقرون عديدة وكان إمتلاك رؤوس منها ضرورة من ضرورات الحياة لأن موريتانيا تتمتع بمساحات صحرواية شاسعة، أما اليوم ومع تغير ظروف الحياة فلا يزال بعض سكان الأرياف يعتمدون في كثير من أوجه حياتهم على الإبل، زينب بنت أربيه تعرفنا على هذه العلاقة الوطيدة بين الإنسان الموريتاني والإبل.

[تقرير مسجل]

زينب بنت أربيه: صباح سعيد هو كذلك ما دامت هذه الأسرة مقيمة في إحدى البوادي الموريتانية تمتع ناظريها بمشهد كهذا، قطيع الإبل الذي تملكه بخير وأمان ومستقر في محيطه الطبيعي، تستيقظ العائلة يومياً على رغاء الإبل فهذا الصوت بمثابة صوت المنبه وهو المؤشر الأول أن الإبل بخير وعندما تكون بخير يكون ملاكها بألف خير كذلك، يشرع سيدي محمد في تفقدها رغم أنه باستطاعته التعرف عليها وهو مغمض العينين كما يقول، فقد كبر معها وواكب تطور صحتها عندما كان طفلاً وتعلم طريقة التعامل معها لقد ورثها عن والده التي أوصى بالحفاظ عليها ونهى عن بيعها لأن ذلك يجلب الفاقة، وإذا أردت أن تثير حافظة الموريتانيين المولعين بالإبل فسأل أحدهم إذا كان مستعداً لبيعها مقابل مبلغ مالي كبير، فهي مخزن غذائهم ونقلهم ودوائهم ووفية لهم مهما قست عليهم الطبيعة وجفت نقاط المياه، لن يتم حلب كل النوق دفعة واحدة هذه هي الإستراتيجية المتبعة فبعضها يتم حلبه ليلاً والبعض الآخر في الصباح وذلك لإعطاء صغارها فرصة للرضاعة، وبعد إنتهاء العملية يتم وضع غطاء مصنوع يدوياً من القماش والحبال على ثدي الناقة لكي لا تتواصل الرضاعة طوال النهار، فالحليب هو عصب الغذاء في هذه المناطق حيث توفر النوق كميات هامة منه، يتوجه سيدي محمد بعد ذلك إلى خطوات عملية للسيطرة على القطيع الذي سيغادر المكان للبحث عن مناطق رعوية لذلك سيتم تقييد بعضه في الأرجل الأمامية بينما يقيد البعض الآخر بطريقة مختلفة حيث يتم ثني الأرجل الأمامية إلى الخلف وذلك كي لا تبتعد كثيراً، ومع ذلك تشرد الإبل أحياناً وتقطع مسافات طويلة دون أن تشعر ويتذعر حينها على أصحابها العثور عليها دون الاستعانة بالخبراء، الخليفة ولد فال باتت سمعته مرتبطة بمعرفته العميقة في إقتفاء آثار الإبل الضالة ويكثر الطلب عليه عندما يجد الإبل يكون حذراً للغاية، فهي عادة ما تكون عنيفة لذلك وكما هو الحال هنا يبادر بتقييدها برفق ولباقة وفطنة وهدوء، يدرك الخليفة جيداً أن هذه الإبل بحاجة إلى إلتقاط أنفاسها فقد عثر عليها بعد رحلة دامت عدة أسابيع مشياً على الأقدام ولا يمكنها متابعة المسير دون توقف يأخذ استراحة محارب بعد أن وُفق في مهمته، نشأت بين محمد والإبل علاقة وثيقة وتجمعهما قواسم مشتركة كثيرة من أبرزها الصبر فهو يقطع مسافات طويلة ولا يحمل معه سوى زاد بسيط للغاية يسافر وحيداً لا يرافقه سوى جمله الذي ينطتيه وحيث ما حط رحاله يشعل النار ويعد الشاي ويظل يرقب الإبل ويتذكر بصوت عال المصاعب التي واجهته في رحلته، لكن فرحة العثور على الإبل التي كلف بالبحث عنها تنسيه كل تلك المعاناه، لا تنتهي محطة من رحلة الخليفة إلا لتبدأ محطة أخرى فهو يعي جيداً الطابع الاستعجالي لمهمته وقد بدأ العد العكسي لتسليم الإبل لملاكها، المهمة تحتاج إلى تركيز فهذه الدواب قد تشرد مستقبلاً في أي وقت لأنها إعتادت على الحرية كما أنها لم تعهد فيما ما مضى أن يكون هو قائدها.

الخليفة ولد فال/متخصص في البحث عن الإبل الضائعة: مهنتي هي البحث عن الإبل المفقودة أعقد إتفاقاً مع مالكها ويعطيني بعض التفاصل المتعلقة بها وأسافر بحثاً عنها وعندما أجدها أعيدها له، أتوقف عند كل الأماكن الآهلة بالسكان في البوادي وأسأل عنها وأقتفي أثرها حتى أعيدها إلى أصحابها هذه هي مهمتنا.

زينب بنت أربيه: من بين الأمور التي تساعد الباحث عن الإبل الضالة تلك العلامة المميزة على أجسامها، رسوم قد لا تعني شيء بالنسبة لكثيرين لكنها هنا البصمة التي يضعها أصحاب الإبل عليها لإثبات ملكيتهم لها حين تستدعي الضرورة ذلك، ويختلف الرسم باختلاف المناطق والقبائل ويشمل حروفاً ونقاطاً وإشارات ورموزا فولع الموريتانيين بالإبل جعلهم يصرون على إثبات إنتمائها لهم، وتنص العادات والتقاليد على أن يتم وضع هذا الرسم على صغار الإبل ويستخدم الكي بالنار في هذه العملية لكي يستعصي الرسم بعد ذلك على المحو أو التغيير ويحول دون سرقة الدواب.

بي ولد أيجة/متخصص في رموز الإبل: وضع العلامة بالنار بمثابة بطاقة تعريف الدابة كل أسرة لديها علامة تميزها عن العائلات الأخرى لا يمكن لأي قبيلة غيرها استخدامها وفي حالة ضياع إبلها يمكنها استعادة ملكيتها أينما كانت إذا كانت العلامة تخصها فعلاً فهذه الإشارة هي الحكم بين المتنازعين.

زينب بنت أربيه: يقول الموريتانيون إن إبلهم في معظمها ذكية وهادئة ومن النوع الأليف لا تميل إلى العض أو الرفس إلا عندما يريد أحد إلحاق الأذى بها لذلك يعولون على العلاقة الوثيقة بينهم ويتركونها تتجول بحرية متأكدين أنها في أغلب الأحيان ستعود بمفردها كما يتغنون بأنفتها وكبريائها وشموخها وجمالها وسمو تصرفاتها، بين الموريتانيين والإبل قصة حب قديمة ومتجددة فهذه الربوع تختزل الكثير من العطاء المتبادل والتعاون على مقاومة الطبيعة القاسية للحافظ على المصلحة المشتركة، الإبل جادت على الموريتاني فأغرقها عطفاً وعناية وحماية، زينة بنت أربيه لبرنامج مراسلو الجزيرة من ضواحي مدينة العيون شرقي موريتانيا.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: وبهذا التقرير عن الإبل ومكانتها لدى الموريتانيين نصل مشاهدينا إلى ختام هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة موعدنا يتجدد معكم الأسبوع المقبل دمتم بخير.