تعتبر قصبة الأوداية من أبرز معالم مدينة الرباط وتتميز بأسوارها الحصينة وحديقتها الأندلسية ومقهاها التقليدي الذي يعج يوميا بالسائحين، وهي تختزل كثيرا من تاريخ العاصمة المغربية.

حلقة الثلاثاء 14/10/2014 من برنامج "مراسلو الجزيرة" تستعرض تاريخ قصبة البدوي في العاصمة المغربية الرباط ومكانتها في التراث الثقافي المغربي وأهميتها بوصفها وجهة سياحية.

الجبة التونسية
يسلط مراسلنا في تونس الضوء على واقع الجبة في تونس التي باتت تعاني خطر الاندثار أمام نقص المواد الأولية من جهة وتراجع الإقبال عليها بسبب تغير نمط العيش, وعزوف الشباب عن امتهان خياطة الجبة بسبب ضعف مردودها وغلاء أسعارها من جهة أخرى.

وقد أثر نمط العيش الحديث على حياة التونسيين، فالإيقاع السريع للحياة جعل التونسيين يغيرون بعضا من عاداتهم وفي مقدمتها طريقة لباسهم، فكانت الجبة إحدى الضحايا بعد أن كانت تشكل جزءا من الهوية الوطنية.

مدينة شنقيط
إلى شنقيط التاريخية في موريتانيا، يقودنا مراسلنا هناك في زيارة إلى المدينة المصنفة ضمن التراث العالمي، والتي باتت عرضة لزحف الرمال، ومخطوطاتها النفيسة تعاني خطر التلف، ومعمارها يواجه الاندثار بعد أن هجرها معظم سكانها.

شنقيط الواقعة على طريق القوافل في الصحراء الكبرى كانت لقرون عديدة نقطة مركزية في الحركة العلمية والتجارية النشطة التي عرفها الفضاء العربي والإسلامي خلال العصر الوسيط.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: قصبة الأوداية المغربية والجبة التونسية

مقدم الحلقة: ناصر الحسيني

تاريخ الحلقة: 14/10/2014                         

المحاور:

-   قصبة تختزل تاريخ المغرب

-   الجبة التونسية تواجه خطر الاندثار

-   مدينة شنكيطي التراثية كسر لطغيان الصحراء

ناصر الحسيني: في هذه الحلقة: قصبة الأوداية التاريخية مكانٌ يختزل الكثير من تاريخ العاصمة المغربية، الجُبّة التونسية لباسٌ تقليديٌ يواجه خطر الاندثار بعد تراجع الإقبال عليه، مدينة شنكيطي في موريتانيا مدينةٌ تاريخية تُعاني زحف الرمال ومخطوطاتها القديمة عُرضَةٌ للتلف.

أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، تُعتبر قصبة الأوداية من أبرز المعالم التاريخية في مدينة الرباط المغربية، وتتميّز بأسوارها الحصينة وحديقتها الأندلسية ومقهاها التقليدي الذي يعُجُّ يومياً بالسياح للاستمتاع بمنظر البحر ونهر أبي رقراق ولاحتساء الشاي الأخضر بالنعناع خاصةً وقت الغروب. عبد المنعم العمراني يُحدّثُنا عن هذه القصبة ومكانتها التاريخية وبعض الفنانين والرسامين الذين اختاروها مكاناً لإقامتهم الدائمة.

[تقرير مسجل]

قصبة تختزل تاريخ المغرب

عبد المنعم العمراني: على الضفة الجنوبية لمصب نهر أبي رقراق تنتصب أسوارها الحصينة، أسوارٌ تكاد ترتطم بها أمواج المحيط الأطلسي، إنّها قصبة الأوداية قصبةٌ تختزل تاريخ المغرب كما يقول الباحثون، تحوي آثاراً تركتها دولٌ وقبائل مختلفة من تلك التي حكمت المغرب الأقصى على مر القرون، يختلف المؤرخون والباحثون عندما يتعلق الأمر بتأصيل جذورها، لكنّهم يتفقون على أنّها كانت في الأساس قلعةً عسكريةً أُقيمت لحماية مدخل المغرب هذا قبل الوصول إلى القلعة الأخرى شالّة الواقعة جنوب مصبّ أبي رقراق، عند مدخل قصبة الأوداية تجد نفسك في الحديقة الأندلسية، حديقةٌ مربعة الشكل أُسّست في القرن السابع عشر الميلادي في عهد السلطان العلوي المولى الرشيد ويُحيط بها سورٌ نُحت في الصخر قبل أن تُضاف إليه أشكالٌ أندلسيةٌ أوائل القرن العشرين، أول لبنةٍ من لبنات القصبة وضعها السلطان المُرابطي يوسف ابن تاشفين في بداية القرن الثاني عشر للميلاد، كانت له حاجةٌ عسكريةٌ لإقامة القصبة حيث حارب اتحاد قبائل مصمودة الذي كان نواةً للإمارةٍ الأمازيغية المعروفة تاريخياً بالدولة البرغواطية قبل أن يتخذ منها مربضاً لجيوشه عندما هبّ لمحاربة الأسبان في الأندلس. قيمة قصبة أو قلعة الأوداية زادت مع توسّع الإمبراطورية الموحديّة التي شمل سلطانها مساحاتٍ شاسعةٍ تمتد من أعماق الصحراء الأفريقية إلى اشبيلية الأندلسية، السلطان الموحديّ عبد المؤمن بني فيها قصراً ومسجداً، تلاه بعد ذلك يعقوب المنصور الذي قام بتوسعة أركانها جاعلاً منها حصن المغرب الحصين حيث تحوّلت الأوداية إلى مربطٍ يرتاح فيه الجنود وإلى مخزنٍ لزادهم وعتادهم وورشةً لصيانة سلاحهم، داخل أزقة الأوداية تُطالعك أسماءٌ مختلفة بعضها قد تبدو رنّته غريبة مثل تريدانو وبيرو وبالامينو، إنّها أسماءٌ موريسكية تركها أولئك الذين هُجّروا من الأندلس عقب سقوط غرناطة، حيث استوطن بعضهم القصبة، جذبهم مغناطيسها كما يقول البعض، فللمكان جاذبيةٌ غريبة تجعلك تُحسُّ وأنت تتجوّلُ بين أزقتها وكأنّك تُسافر في الزمن. قصبة الأوداية هي نواة المدينة الموحديّة نواة العاصمة المغربية الرباط تتميز بعراقة منازلها القديمة والعتيقة والتي أصبحت قبلةً لعددٍ كبيرٍ من الفنانين الذين يُحبّون أن يسكنوا في هذا الفضاء، حسن ميكري واحدٌ من هؤلاء الفنانين له ارتباطٌ وجدانيٌّ بدروب القصبة.

[شريط مسجل]

حسن ميكري/فنان مغربي: أنا لمّا أتيت إلى القصبة من 1947 سنة وأنا عايش هنا في هذه القصبة، والإنسان يقدر يعيش 1947 عام في منطقة وحدة فما يقنط من هذا المكان، إذن هناك بالفعل جاذبية أو الحاجة التي تأتي وتجلب أي فنان، فأذكر من هذا الغربيين لوبانتخ مونتيل الرسام موننتيل المعروف والرسام لورو، ثم فيها بعض الفنانين منهم الغانمي هذا من المنطقة، فهي كمكان للعزلة أنّه إحنا نعيش دائماً الفنانين يعيشون مع الجواهر والغناء.. الخ، فلازم يكون عنا المكان اللي الإنسان يلقى راحته فيه، كأنك تعيش في عطلة صيفية.

عبد المنعم العمراني: حديث حسن ميكري عن الأوداية يجعلك تغبطه خاصةً عندما تُطالع منظر البحر المحيط وأمواجه الهادرة فضلاً عن الهدوء الذي يلف المكان، هدوءٌ قد يُعكّر صفوه حسب البعض أفواج السُّياح الزائرين للقصبة التي تُعتبر اليوم تراثاً إنسانياً، تُراثٌ لا تغيب عنه كؤوس الشاي الأخضر بالنعناع يستأنس به زائر القصبة خاصةً ساعة الغروب. عبد المنعم العمراني، مراسلو الجزيرة، قصبة الأوداية - الرباط.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: من المغرب إلى تونس الآن حيث تعرف الصناعات التقليدية خاصةً صناعة الجُبّة مصاعب كثيرة أصبحت تُهدّدها بالاندثار في ظلّ عزوف الناس وتراجع إقبالهم على اقتنائها، إضافةً إلى نقص المواد الأوليّة التي تحتاجها صناعة الجُبّة، حافظ مريبح مراسلنا هناك يستعرض في هذا التقرير تاريخ الجُبّة التونسية ومراحل تصنيعها وأنواعها المختلفة وأسباب تراجع الإقبال عليها.

[تقرير مسجل]

الجُبة التونسية تواجه خطر الاندثار

حافظ مريبح: أثّر نمط العيش الحديث على يوميات التونسيين كثيراً، فالإيقاع السريع للحياة العصرية جعل الناس هنا يُغيّرون أغلب عاداتهم وعلى رأسها طريقة لباسهم، هنا وسط العاصمة مثلاً ثمّة عزوفٌ كبيرٌ عن ما كان يمثل جزءاً من الهوية الوطنية، فقلما ترى مَن يرتدي لباساً تقليدياً مثل الجُبّة التونسية، لكن داخل أسوار المدينة العتيقة الأمور مختلفةٌ إلى حد ما، فما إن تطأ أقدام الزائر الأزقة حتى يشعر بانجذابٍ نحو عبق التاريخ ليس في المعمار فحسب بل في المأكل والملبس أيضاً، هنا في سوق اللفة بجوار جامع الزيتونة تنتشر محال بيع الصناعات التقليدية وخاصةً صناعة الجُبّة التونسية التي باتت تُواجه خطر الاندثار في ظلّ تراجع الإقبال عليها رغم جمالها وكثرة أنواعها، محمد مُختصٌّ في الجُبّة التونسية منذ نعومة أظافره يقول إنّ الجُبّة بأنواعها المختلفة كانت تُمثّل اللباس الرسمي للتونسيين.

[شريط مسجل]

محمد الماكني/صاحب محل لبيع الجُبّة: نبدأ مثل جُبّة سالتينو بونتا سامبلو ثم بعد جُبّة قمراية شخمة بالمرشات هذه جُبّة يلبسوها السباع للمارشي، وجُبّة قمراية بيضاء يلبسوها في العشوية، فهمتني؟ وعندك الجُبّة الجديدة نلبسها شتاء وعندك الجُبّة الخمري نلبسها في الربيع والخريف وعندك الجُبّة الحرير إلي تبقى مثلاً فاتحة في القري في البيج هذه للمناسبات للأعراس.

حافظ مريبح: كما تتميز الجُبّة بألوانها المختلفة وطرق الطرز اليدوية التي تتّخذ أشكالاً كثيرة.

[شريط مسجل]

محمد الماكني: التهليل يبدأ في الخشين كما هذا التهليل، وثم كهذه نقش يُسمّى، لكن جُبّة مثل هذه تُكلّف، وتحبُّ لها عشان تحضر 3، 4 أشهر خدمة كلها يدوي هذه.

حافظ مريبح: ما لا يعلمه كثيرون هو أنّ الجُبّة هي نتيجة عمل سلسلةٍ طويلةٍ من الحرفيين ذوي اختصاصاتٍ متعدّدة تجتمع كلها في المدينة العتيقة وقد بات مصدر رزقهم مهدّداً اليوم في ظلّ تراجع هذا القطاع وأيضاً نقص المواد الأولية، فالعم حمزة مثلاً هو من القلائل الذين يبيعون الحرير وباقي لوازم صناعة الجُبّة منذ أكثر من 60 عاماً، أما علي فهو من الجيل الأخير للنسّاجين يُمضي أيّامه يُكرّر هذه الحركات لصُنع الأقمشة التي تُستعمل لاحقاً في خياطة الجُبّة يخشى أن تندثر حرفته في المستقبل القريب نظراً لصعوبتها وقلّة أرباحها.

[شريط مسجل]

علي الخميري/نساج: الشباب ما يخدم فيها لأنّ تعبها أكثر من فائدتها، أولادي إذا قلت لحد فيهم يتعلم يقول لك لا هذه صنعة ما نخدمها نهار كامل وأنا واقف على ساق واحدة.

حافظ مريبح: تحوّلنا إلى هذه الوكالة كما تُسمّى في تونس حيث الجانب الأهم في صناعة الجُبّة وهو عملية طرزها فهي التي تُحدّد قيمتها بالإضافة إلى المواد المستعملة كالحرير وغيره، الوكالة هي عبارةٌ عن محلات صغيرة يجتمع في كل محل عددٌ من الحرفيين لكلٍ منهم اختصاصه.

[شريط مسجل]

فوزي الجميلي/ طرّاز: الجُبّة من هنا يجيء قماش الجُبّة، نخدمها نحن من أولها لآخرها من واحد لواحد، يبدأ الواحد يفصّل الجُبّة ويعمل لها الحرج بتاعها وكل مرة تتعدى على واحد، واحد يعمل لها خياطة واحد يعمل لها الزينة بتاعها الكُلف اللي تشوفها هنا..

حافظ مريبح: يُعتبر العمل هنا من أصعب مراحل صناعة الجُبّة فهو يتطلب مهارةً كبيرةً في التعامل مع الخيط والقماش، وحسّاً فنياً مرهفاً لطرز الأشكال الهندسية الدقيقة التي تُزيّنُ الجُبّة ما يُسبّبُ إرهاقاً للعاملين وأيضاً عزوف الشباب عن تعلُّم هذه الحرفة في ظلّ مردودها المالي البسيط.

[شريط مسجل]

وحيد المستوري/طرّاز: هؤلاء إلي تشوفهم الناس القاعدين هم التعبانين وما يصوّر شيء في الآخر، في الآخر هم تحت الحيط لا عنده لا أساس ولا عنده ضمانات ولا حد مفكر فيه جملة النهار اللي ما يخدم يموت بالشر ما يلقى شيء يعشي أولاده.

حافظ مريبح: لكنّ تراجع الإقبال على الجُبّة وغلاء أسعارها جرّاء نقص المواد الأولية واليد العاملة لم يمنعْ كثيرين من الإبداع والابتكار في محاولةٍ لتقريب هذا النوع من الصناعات التقليدية وتحبيبها إلى الناس، فظهرت الملابس النسائية التي تُطرز مثل الجُبّة تماماً، وكذلك البدلات الرجالية المُطرّزة يدوياً التي أصبحت تشهد بعض الإقبال خاصةً من العرسان.

[شريط مسجل]

الطاهر شلبي/صاحب محل لبيع الجُبّة: لو دخلنا خط الرحلة للباس النسائي في الصنعة بتاعنا كان إقبالنا محصور مع الرجالي، دخّلنا النسائي ودخّلوا الحاجات الجديدة عملنا ابتكارات جديدة للعرايس، نقول له إحنا حبُّوا الفكرة الجديدة هذه، والعباد تقول تحب تشتري من هذه.

حافظ مريبح: رغم المصاعب التي تمرُّ بها صناعة الجُبّة التونسية بسبب العزوف عنها، ثمّة محاولةٌ لتطويرها وجعلها تتماشى مع موضة العصر عبر ابتكاراتٍ جديدة تُبعد عنها شبح الاندثار. حافظ مريبح لبرنامج مراسلو الجزيرة، تونس.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: مشاهدينا الكرام نُتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل: مدينة شنكيطي التاريخية المصنفة ضمن التراث العالمي تُعاني زحف الرمال ومخطوطاتها القديمة عُرضّةٌ للتلف.

[فاصل إعلاني]

ناصر الحسيني: أهلاً بكم من جديد، اشتُهرت موريتانيا في المشرق العربي باسم بلاد شنكيط ويعود أصل هذا الاسم إلى مدينة شنكيطي التاريخية الواقعة على طريق القوافل في قلب الصحراء الكبرى، وقد ظلّت هذه المدينة لقرونٍ عديدة نقطةً مركزيةً في الحركة العلمية والتجارية النشطة التي عرفها الفضاء العربي الإسلامي خلال العصر الوسيط، ورغم أنّ منظمة اليونسكو صنفتها ضمن التراث العالمي فإنّها لم تحظَ بالاهتمام الكافي وظلّت مخطوطاتها النفيسة عُرضةً للتلف ومعالمها مهدّدةً بالاندثار في ظلّ زحف الرمال المتواصل وهجرة غالبية سكانها، بابا ولد حرمة زميلنا يُحدثنا في هذا التقرير عن هذه المدينة ومعمارها ومخطوطاتها والتحديات التي تُواجهها.

[تقرير مسجل]

مدينة شنكيطي التراثية كسر لطغيان الصحراء

بابا ولد حرمة:  مهما طال السفر مهما اتسعت دروب الصحراء فهنالك واحةٌ ما ونبعٌ ما للحياة في الطريق، ذاك هو سرُّ جمال الصحراء وقدرة أبنائها على زرع الحياة بوادٍ غير ذي زرع وتلك بالذات صفات مدينة شنكيطي أو عيون الخيل باللغة الآزرية ومن قبلها مدينة أبير شنكيط الأولى ذات القرون ألاثني عشر، قصة انشراحٍ للحياة وكسرٍ لطغيان الصحراء من بئرٍ لتأمين استمرار الفتوحات في محطةٍ لطرق القوافل بين السودان وشمال إفريقيا إلى مركزٍ من مراكز الإشعاع الثقافي في الغرب الإسلامي ونشر الدعوة في جنوب الصحراء، محطاتٌ تختزل عطاءً توارثته هذه المدينة عبر الأجيال. على نمطٍ معماري أصيلٍ في المنطقة يُعرف بالكسور يتمركز حول البنايات الأهم والأقدم في المدينة المسجد الجامع، قامت مدينة الشنكيطي وعلى الإسلام أُسّست من أول يوم، الجامع هو مكان العقد والحل فيه تُعقد مجالس العلم والتدريس وعلى أديم ترابه تُناقش كل القضايا ذات الصلة بحياة الجماعة وتُحلُّ المشاكل والنزاعات، تقاليد لا يزال سكان شنكيطي يحرصون على استمرارها بعدما سحبت متغيرات الحياة من مدينتهم إحدى أهم الوظائف التي اشتهرت بها وأكسبتها تميزاً عن باقي المدن التاريخية الموريتانية.

[شريط مسجل]

عبد الرحيم الحنشي/قارئ صحيح البخاري في جامع شنكيطي: إنّهم كانت لديهم تنظيم للحج سنوياً، ويأتي حُجّاج الصحراء من شمال إفريقيا وجنوب الصحراء كل دول إفريقيا يصلون هنا لماذا يصلون هنا؟ أولاً يأتون بتجارتهم وأموالهم ليأخذوا الزاد والمراكب إلى الحج، ولأنّه بعض الأحيان تكون 3 آلاف جمل تسير إلى الحج مجتمعةً في شنكيطي من كل هذه الأقطار.

بابا ولد حرمة: توقفت رحلات الحج منذ زمنٍ بعيد لكنّ آثار تلك الرحلات ما تزال شاخصةً للعيان تُقاوم وطأة الزمن وتغيّر الأحوال، مخطوطاتٌ قديمة منها ما هو على رق الغزال ويعود لحوالي 10 قرون ألقت عصا التسيار في هذه المكتبات لتبقى شاهدةً على زمان الوصل بين الأندلس والمغرب والمشرق. في شنكيطي يفتح التاريخ أبوابه أو قُل يتوقّف التاريخ ليحكي عن جهودٍ وهممٍ عالية اختزلت جغرافية العالم الإسلامي وما أنتج من علومٍ وفنون في الفقه واللغة والطب والفلك.

[شريط مسجل]

سيدي محمد حبت/القيّم على مكتبة أهل حبت: هذه المكتبة للحبت للسيد محمد الحبت - رحمه الله اشترى كل الكتب الموجودة في شنكيط واستنسخها وضمن مرحلة ثانية استجلب كل الكتب من رحلة الحج وأتى بها إلى هنا، ومرحلة ثالثة استجلب كل الكتب الموجودة في المغرب والجوار إلى هنا، المرحلة الأخيرة كانت مؤلفاته ومؤلفات أولاده.

بابا ولد حرمة: وراء كتابٍ هنا مغامرةٌ وتضحيةٌ بالغالي والنفيس سبيلاً لتأسيس نهضة الشنكيطي الثقافية وهي نهضةٌ تنتسج الحكايات الأسطورية فيها بالواقع ويلعب الرقم 4 دور المُوحّد، المدينة بُنيت من طرف 4 رجال والنهضة العلمية اكتملت بعدما زار المدينة عالمٌ يُسمّى الشاب الشاطر أخذ العلم عنه 4 علماءٍ أفذاذ رسّخوا اسم المدينة وعلو كعبها، هكذا تقول حكايات شنكيطي المفعمة بالفخر والاعتزاز، حكاياتٌ ترفعها حتى مقام المدينة السابعة في الإسلام، كما ترسم صورةً زاهيةً عن العلماء الشناكطة الذي هجروا صعوب المراكز العلمية كالقاهرة والأستانة والديار المقدسة وحفروا اسم المدينة والإقليم بأحرفٍ علميةٍ ناصعة، خلال العصور الوسيطة شكّلت مدينة شنكيطي جواز سفرٍ حضارياً به دخل الموريتانيون قلوب العرب وغيرهم، ومعلماً به أمّنوا حق الوجود على الخريطة الثقافية الإسلامية المتنوعة، واليوم بعدما أنهكها السفر عبر القرون تأمُل شنكيطي أن تنال بعض الجزاء والشكر على ما قدّمت من منن. سنةً بعد سنة يتعاظم تهديد التصحر للمدينة الواقعة في محيطٍ متحرّكٍ من الرمال، تهديداتٍ أصبحت مصدر قلقٍ حقيقي لمن تبقى من سكان المدينة، وباتت تُنذر بالإجهاز على مواقع أثريةٍ صنفتها منظمة اليونسكو تُراثاً مشتركاً للإنسانية، وفضلاً عن المخاطر البيئية القديمة المتجددة ألقت عمليات خطف رعايا غربيين وقتلهم في موريتانيا نهاية العقد الماضي بظلالٍ قاتمةٍ على المدينة، فقد تراجعت حركة السياحة وأنهت انتعاشاً اقتصادياً وحراكاً ثقافياً كانت شنكيطي قد بدأته للتو.

[شريط مسجل]

إحدى سكان شنكيطي: نُعاني نحن وتُعاني مدينة شنكيط من انقطاع تام للسياحة، نُطالب الدولة بالتشجيع السياحي والعمل على كل ما من شأنّه النهوض بهذه المدينة المُهدّدة من كل النواحي والجهات.

بابا ولد حرمة: مكتبات المدينة هي المتضرّرُ الأكبر، فدرجة الحرارة المرتفعة وغياب أدوات الحفظ والرعاية العصرية تضع مستقبل الكنوز التراثية الشنكيطية في خطر، وبوسائل تقليديةٍ محدودة يُصارع مُلاك المكتبات لإنقاذ ما تبقّى من كُتب يقولون إنّها عُرضةٌ لشتّى ألوان الضياع من تلفٍ وسرقة. ضياع الهوية المعمارية للمدينة تحدٍّ آخر يتصاعد مع عمليات البناء والتشييد بالإسمنت بدل الحجارة وسعف النخيل وهي المواد التي شكّلت طرازاً فريداً به اشتهرت شنكيطي وبه حقّقت هويتها المعمارية الخاصة، فمن هذه الحجارة المطمورة بين الرمال ارتفعت مآذن المدينة مبدّدةً سكون الصحراء ومعلنةً إشراق عهدٍ جديد صاغ هوية المنطقة وغيّر مسار التاريخ فيها. بابا ولد حرمة لبرنامج مراسلو الجزيرة، شنكيطي شمال موريتانيا.

[نهاية التقرير]

ناصر الحسيني: وبهذا التقرير عن مدينة شنكيطي التاريخية في موريتانيا نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدّد الأسبوع المقبل أيضاً، دُمتم بخير وإلى اللقاء.