- الفن العراقي.. تواصل رغم أنف الحروب
- سيراليون.. ورطة ما بعد الحرب


محمد خير البوريني: تحية لكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم معنا إلى حلقة جديدة من مراسلو الجزيرة، نشاهد من الولايات المتحدة الأميركية أنموذجا إنسانيا يتحدث بلغة أخرى تخالف أنموذج الغزو والدمار والقتل، نتحدث عن فنان عراقي من عاصمة المنصور والرشيد وغيرهم من العظماء وعن سيدة أميركية غيَّرت مسار حياتها بعد أن اطَّلعت على تاريخ العراق وفنه ونشاهد من سيراليون صورة تحمل إشراقة أمل لبلد دخل في نفق مظلم لسنوات خلال الحرب البشعة التي حصدت أرواح الأبرياء وتركت دمارا واسعا، أهلا بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة، الحرب ظاهرة بشرية قديمة قِدَم التاريخ كانت ومازالت تغُص بصور الدم والمآسي الإنسانية ولكنها في الوقت نفسه كانت مدعاة لتجلي إنسانية الإنسان بأبهى صورها في الشعر والأدب والفنون بأنواعه، فنان عراقي يحمل في فنه تاريخ العراق بنوره وعتمته وفنانة أميركية تخلت عن مصدر ثروة كبير وعانقت هذا الفن، هذه قصة دكتور علاء بشير وليزلي روي.

الفن العراقي.. تواصل رغم أنف الحروب

[تقرير مسجل]

عبد الرحيم فقراء: عندما أمر الرئيس الأميركي جورج بوش بشن عملية ما سماه بالصدمة والرهبة إيذانا ببدء غزو العراق في ربيع عام 2003، لم يخفِ العديد من منتقديه قلقهم من أن يؤدي ذلك إلى صيف طويل من الاستياء ليس في العراق وحسب بل في المنطقة برمتها وقد جادل هؤلاء بأن الجسور الثقافية بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي التي اهتزت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر قد تزداد اهتزازا، بعض هؤلاء ينظر إلى الغزو على أنه تصادم بين الولايات المتحدة كثقافة فردية وذات عنفوان والعراق مهد الحضارة الإنسانية بكل إشراقاته وآلامه، هذه النظرية قد تحتمل الصواب كما قد تحتمل الخطأ إلا أن أمرا لا يحتمل الشك وهو أن منظور الأميركيين والعراقيين ببعضهم الآخر قد تغير إلى حد كبير بعد الغزو، علاء بشير شخصية عراقية فريدة وذات مواهب متنوعة فهو رسام ونحات وكذلك جراح، استفاد من مهاراته الطبية مئات من الجنود العراقيين العائدين من جبهة الحرب العراقية الإيرانية وقد غادر العراق قبيل الغزو الأميركي وهو الآن مقيم في العاصمة القَطرية الدوحة حيث يمارس عبقريته كما يقول عشاقه فانغماسه في تقاليد بلاده العريقة في الرسم والنحت يحمل العديد من الأميركيين على استقبال فنه بمشاعر الصدمة والرهبة.

علاء بشير – الطبيب والفنان العراقي: يعني هي دي نفسها كانت تقول قالت أني كنت أكره، كانت أكره العرب وأكره المسلمين تكرههم إذا سألت ليزلي قالت معهم حق هذا.. يعني شوفت حقيقة أخرى ما كنت أشوفها يعني أنا أول يوم اللي التقيت بها جئت الآن يطلب من عندها ما فيش شيء واحد حتى جئت أطلب منها إنه أنتِ دائما تخلين في فكرك إنه الحقيقة هي مثل هرم، زين؟ مثل هرم عنده وجوه عديدة عدة وجوه فيجب الإنسان الشريف والصادق أن ينظر إلى الهرم قبل أن يحكم عليه أن ينظر إليه من جميع الزوايا فقط هذا هو.

عبد الرحيم فقراء: بشير يتحدث عن ليزلي روي، هذه السيدة الفريدة هي أيضا وُلدت لدى أسرة أميركية كانت تربطها علاقات مهنية واجتماعية بالعديد من الشخصيات البارزة كالملكة إليزابيث الثانية عاهلة بريطانيا وبرغم أن ليزلي لم تقرأ شعرا ولا فلسفة عربيين إلا أن سلوكها تجسيد لقول الشاعر، كُن ابن مَن شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النَسبِ، قبل أن تلتقي ليزلي بعلاء بشير وفنه كانت ثقافة بلاد الرافدين لديها بمثابة طلاسم يصعب الاهتمام بفكها، أما الآن فتشكل تلك الثقافة منبعا للمعرفة تغترف منه ما يطفئ ظمئها للفن والتاريخ.

ليزلي روي - فنانة أميركية: إن فنه عن العراق فالطين الذي يستخدمه من دجلة والفرات، إنه من أرض مهد الحضارة الغنية بالتاريخ وحيث بدأ الإنسان، إن فنه قد غير مسار حياتي، تصور أن الرجل قد نشأ في بيت بُني بحجر بابلي عليه كتابة مسمارية، عندما نتحدث عن أشياء عتيقة في الولايات المتحدة فإننا نتحدث عن مائتي أو ثلاثمائة سنة، أما تاريخ العراق فيمتد على مدى آلاف السنين، صحيح أن تاريخ العراق تخللته العديد من المشكلات وهنا تكمن أهمية فن علاء بشير لأنه يدعوك إلى التمعن في مآزيق البشرية كالسلطة والفساد والنضال ضدهما، علاء بشير يتعامل مع تساؤلات جوهرية من خلال فنه، تساؤلات كان يمكن أن تُطرح قبل ألف أو ألفي عام وهي ما تزال مطروحة حتى يومنا هذا.

عبد الرحيم فقراء: هذه مدينة نيوهيفن أو الملاذ الجديد بولاية كناتيكت الأميركية الواقعة في إنجلترا الجديدة، نيوهيفن لا تزال حتى اليوم تزخر بآثار مَن كانوا في سابق العصر والأوان قد وفدوا إلى العالم الجديد بحثا عن رداء يحميهم من جوع وبطش إنجلترا القديمة آنذاك، كما تتربع في المدينة جوهرة من جواهر التحصيل في الولايات المتحدة جامعة يل الذائعة الصيت عالميا والتي تخرج منها العديد من المشاهير كأحد أكثر الرؤساء الأميركيين إثارة للجدل الرئيس جورج بوش، في هذه المدينة عند منتصف التسعينيات من القرن الماضي أنشأت ليزلي روي مصنعا تقليديا صغير الحجم والرأسمال لإنتاج الصحون والأواني الفاخرة التي تستخدم في مأدوبات العشاء في دور وقصور علية القوم في الولايات المتحدة وأوروبا وحول العالم.

ليزلي روي: قلت لشركة التسويق آنذاك أنا أصنع منتوجا بديعا وأنتم تسوقونه، لقد قررت التركيز على صناعة قطع غاية في الجمال ويحتاج صنعها لجهد كبير وتكون قيمتها بادية عليها تلقائيا بحيث يراها الزبائن فورا وقد أردت لتلك القطعة أن يكون تقليدها شبه مستحيلا بحيث تعكس إرثا تاريخيا، أما الجانب التجاري فقد كان بالنسبة لي بمثابة فلسفة خاصة لذلك فقد ركزت على ما يمكن أن يروق لأذواق أفضل الزبائن في العالم.

عبد الرحيم فقراء: نجاح المصنع ومنتوجه أدهش حتى ليزلي نفسها إذ أدرَّ عليها من المال ما أثبت لها أن الفن ليس دائما مرادفا للفقر والشقاء ومع ذلك فإنها لم تُغرَّ بطيب العيش فأغلقت المصنع وسرَّحت العمال وسارت تبحث عن ضالة لم تكن تعلم أنها ستجدها في لندن، علاء بشير وفنه.

ليزلي روي: إن المال هو مصدر الشر لكنه أيضا نعمة فقد توقفت عن العمل منذ عام ونصف العام ولكن برغم ذلك مكنتني أوضاعي المالية المريحة من التفرغ لفن علاء بشير تفرغا كاملا، عندما التقيت به لأول مرة شعرت أنني ألتقي بفان جوخ أو سيزان، أول ما شد انتباهي في لوحاته هو طبيعتها السريالية فصوره عبارة عن نماذج تخاطب الإنسان مهما كانت الثقافة التي ينتمون إليها.

عبد الرحيم فقراء: عندما تقول روي إن فن علاء بشير قد غيَّر مجرى حياتها فقد لا يكون في ذلك كثيرٌ من المغالاة أو المبالغة فقد أنفقت من مالها الخاص بسخاء من أجل تأمين لوحاته ونحوته وجلبها من العراق المشتعل حرباً إلى نيوهيفن حيث وسَّعت بقعة مصنعها السابق وحولته إلى معرض أصبح بدوره قِبلة للزوار ومربطا لفضولهم، قد تُعجب بفن علاء بشير وقد لا تُعجب به فالأذواق تختلف طبعاً، ما هو مؤكد هو أن ليزلي روي قد أقامت قلعة يُطل منها الزائر على عبقرية الإنسان وأحزانه خاصة في العراق، علاء بشير كان طبيباً للرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي يُحكى أنه أمر بإعطائه كامل الحرية في الرسم والنحت مهما بدا في ذلك من انتقاد للنظام والدولة العراقيين آنذاك وبالرغم أن بشير يصر على ضرورة أن لا يُربَط فنه بالسياسة ربطاً مباشراً إلى أن تاريخه الشخصي قد يدفع البعض إلى اعتبار لوحاته انعكساً لأوضاع سياسية معينة في العراق كقسوة السلطة على المجتمع العراقي أو هجوم قوات التحالف الدولي على ملجأ العامرية خلال حرب تحرير الكويت مما أسفر عن مقتل مئات المدنيين العراقيين.

"
أعمالي صدى لقضايا إنسانية ومن خلال مشاهداتي وعلاقاتي بالناس أعيش معاناتهم وأسجلها باللوحات، ولم أستفد من فني ماديا على الإطلاق
"
           علاء بشير

علاء بشير: في حياتي كلها إلى هذه اللحظة اللي الآن أتكلم معك فيها ما أتذكر إني سوِّيت عمل واحد وفكرت إني أرضي الناس أو أستفيد ماديا أبداً على الإطلاق، الأعمال كلها أعتقد كانت يعني صدى لقضايا إنسانية، أحياناً أنا آخذ نفسي كنموذج للإنسان ومن خلال مشاهداتي وعلاقاتي بالناس الآخرين أصدقائي أوالناس وأشوف معاناتهم وأخليها أسجلها باللوحات.

عبد الرحيم فقراء: من بين الرموز الحاضرة باستمرار في لوحات علاء بشير ونحوته الغراب الذي كان شاهداً على قتل قابيل لأخيه هابيل، فالغراب في أدبيات بشير هو الضمير الذي ما فتئ يؤنب الإنسان عبر العصور وفي مقابل ذلك هناك القناع الذي يوهم بغير الحقيقة المدسوس في قراره النفس البشرية إلى أن يسقط ذلك القناع فينكشف الوجه والقلب على حقيقتهما.

ليزلي روي: إن عمل الدكتور علاء بشير قائمٌ بحد ذاته فلم تكن خلفيته السياسية هي ما شدني إلى فنه، إن في فنه أشياء مرعبة كلوحة الصليب الذي تتكاثر منه جثث والذي كان قد رسمه عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية، لكن الغبطة لديّ تكمن في أنني هنا أواكب جزءا من تاريخ العراق لا يُعرَف عنه شيء وهنا يكون الأمل، فالإنسانية جمعا تشاطره ما يقوم بوصفه، لقد عُرضت أعمال الدكتور علاء بشير في عهد صدام حسين في روسيا وفرنسا والنمسا وبريطانيا والأمم المتحدة ولكن ليس في الولايات المتحدة ولذلك أردت أن يرى الأميركيون هذا الرجل ويحتفون به لأنه ينحدر من منطقة تتمتع بأغنى الثقافات في العالم.

عبد الرحيم فقراء: قد يكون جزء من حلم روي قد تحقق، فباحتضانها لذاكرة العراق قديماً وحديثاً تأمل في أن يصبح هذا المعرض شاهداً على ما تسميه بعبقرية علاء بشير وجسراً يقضم المسافة بين كوكبين لا يدوران دائماً في نفس الفَلك أو هكذا يبدو، أما بقية الحُلم حسب روي فستتحقق عندما يتربع فن بشير في أشهر المعارض الأميركية في نيويورك وواشنطن وغيرها من المدن الأميركية الرئيسية ففن بشير في تقدير روي ليس شبيهاً حتى بفن بيكاسو لأنه يفوقه أهمية ودلالة وإن شكَّكتَ في ذلكرأردت أجابت، ستُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلا، ما أشد التباين بين هذه المدينة الوديعة في قلب منطقة إنجلترا الجديدة والعراق الذي يؤرق العنف أهله بيد أن ليزلي روي تعتقد أنها لم تشيِّد لمواطنيها قلعة وحسب بل وكذلك جسرا يقربهم من مهد الحضارات، عبد الرحيم فقراء لمراسلوا الجزيرة في مدينة نيوهيفن.



[فاصل إعلاني]

سيراليون.. ورطة ما بعد الحرب

محمد خير البوريني: عانت سيراليون من حرب أهلية لنحو عشر سنوات، تشرّد الآلاف وأُنهكت البلاد سياسيا واقتصاديا وتعليميا وصحيا واجتماعيا لكنها اليوم عادت لتنهض من جديد، خمس سنوات من السِلم تفتح ذراعيها للاجئ الحرب وإعادة الإعمار والبناء، نتابع صورة إنسانية واحدة من بين مئات آلاف الصور، تقرير غسان أبو حسين.

[تقرير مسجل]

غسان أبو حسين: كومبا شاب من سيراليون في السابعة عشر من عمره أجبرته الحرب الأهلية التي انتهت عام 2001 على مغادرة بلده وترْك أسرته، كان حينها طفلا في العاشرة من عمره لا يملك سوى ذكريات أليمة يعود اليوم إلى بلاده بجهود منظمات دولية وقد وضعت الحرب أوزارها، يعود باحثا عن سلام ولمِّ شملٍ مع الأهل.

مارتين أغوري - منظمة الصليب الأحمر الدولي - سيراليون: في سيراليون وحدها قمنا بلمِّ شمل نحو ألف طفل مع عائلاتهم ولا يزال لدينا حتى الآن قرابة مائة وخمسين طفلا آخرين في الدول المجاورة، بالنسبة لحالة كومبا فقد فُصل عن أهله خلال الحرب وذهب إلى غينيا، بدأنا بالبحث عن أقارب له قبل نحو عام ووجدنا خالته، أما والداه فقد توفيا، والد كومبا كان واحدا من نحو خمسين ألفا من مواطني سيراليون راحوا ضحايا للحرب الأهلية التي استمرت قرابة عشر سنوات بدءا من عام 1991 حين شنَّت جماعات من المتمردين هجمات على الحكومة لكن المدنيين كانوا هم الضحايا فقد وجدوا أنفسهم بين فكِّي كماشة تتلخص بالاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع، غير أن سيراليون التي تعيش اليوم خمس سنوات من السِلم لا تزال تبحث عن مَن يطعمها من جوع ويوفر لها سُبل العيش الكريم والأمن.

مواطن: نحتاج إلى مزيد من المساعدة لشعبنا الفقير الذي ينتشر في أرجاء البلاد وحتى في العاصمة فريتاون، ليس لدى الغالبية منا وظائف ولا يملك الناس القدرة الكافية للحصول حتى على الطعام.

أحمد تيجان كباح - رئيس سيراليون: إذا لم يجد الناس طعاما يتناولونه وإذا لم تتوافر لديهم الخدمات الطبية وإذا لم يكن لدينا مؤسسات في البلاد تسهر على تدريب الناس لجعلهم قادرين على معرفة إمكانياتهم فإننا سنعيش في مشكلة كبيرة وهذا ما يحدث.

غسان أبو حسين: نعم، انتهى القتال رسميا منذ سنوات لكن الناس منشغلون في حرب جديدة، حرب على الفقر والبطالة والقصاص من الذين حاربوا وارتكبوا المجازر تحت شعار العدالة الاجتماعية لكنهم بعد ذلك أباحوا لأنفسهم القتل والدمار.

"
يجب خفض مستوى الفساد وتطوير البنية التحتية في سيراليون، خاصة أن التبرعات التي تشكل معظم ميزانية الدولة يشترط المانحون الرقابة على سبل إنفاقها
"
           موسى يمبا

موسى يمبا - صحفي - سيراليون: هذه جوانب من بعض مشكلات الناس، الوظائف، مستوى الفساد الذي يجب خفضه وتطوير البنية التحتية، يبدو أن شعب هذه البلاد واقعا في ورطة يصعب الخروج منها بعد الحرب فحتى تبرعات التي تشكل معظم ميزانية الدولة يشترط المانحون الرقابة على سبل إنفاقها.

أحمد تيجان كباح: لقد أصبحت رئيسا عام 1996 والحرب انتهت عام 2002، في الوقت الذي جئنا فيه إلى السلطة لم تكن الخدمات التي تتحدث أنت عنها متوافرة وكذلك قبل وصولي إلى سُدَّة الرئاسة كان هناك نظامان عسكريان في سيراليون لذا فإن مصادر البلاد استُنفذت بشكل كامل الكهرباء والبنية التحتية والخدمات الأخرى التي تتحدث عنها تتطلب مبالغ طائلة للاستثمار، نحن نتحرك في هذا الاتجاه والأمور تتحسن لكنها لن تتغير بين ليلة وضحاها.

غسان أبو حسين: ومع إدراك المواطنين إلى أن الأوضاع لن تتغير بين ليلة وضحاها فإن كثيرين منهم ينشغلون في البحث عن أبناء مفقودين في بلد الملصقات فيه هي الوسيلة الفضلى للاتصال والبحث فأغلب الناس لا يملكون أجهزة تلفزة منزلية بينما لا يعرف كثيرون منهم خدمة علمية واجتماعية وإنسانية عامة غزت العالم تسمى الإنترنت لأسباب مختلفة على رأسها انعدام توافر الكهرباء لدى الغالبية الساحقة منهم، هذا عدا عن الفقر وتدني أعداد المتعلمين إلى مستويات خطيرة، طول رحلة العودة يقلق كومبا أكثر من انشغاله بهموم السياسة التي لا تنتهي فسوء حال الطرق يحتم عليه قطع نحو أربعمائة كيلومتر لكن يبدو كمَن يكتشف بلده من جديد بعيون جديدة بعد نهوضها من الحرب.

كومبا كامارا: كان ذلك منذ سبعة أعوام، كنت مع أمي في القرية حيث جاء بعض المسلحين وقاموا بالتنكيل بأهلها، قررت حينها أن أغادر، هِمْت على وجهي حتى وصلت إلى غينيا، عملت هناك في صيد الأسماك ومنذ عام كتبت رسالة عبر الصليب الأحمر لوالدي وبعدها أدركت أن والدي قد قُتل.

غسان أبو حسين: كانت غينيا بالنسبة لكومبا ونحو نصف مليون لاجئ من سيراليون وليبيريا ملاذا آمنا لبعض الوقت قبل أن تشتد حدة العمليات العسكرية عبر الحدود فقد وقع مئات الآلاف من اللاجئين أسرى القتال الدائر بين قوات الأمن الغينية والجماعات المسلحة التي كانت تنطلق من سيراليون وليبيريا وغينيا وهكذا وجد كومبا نفسه من جديد يهرب من حرب إلى حرب، قطعنا كيلومترات كثيرة لكن ما قطعناه لم يكن يعني سوى أنه يمكن لكومبا أخيرا أن يتمتع بدفء مَن بقِي من أفراد عائلته على قيد الحياة، فرحة اللقاء تحمل معها فرحة أخرى فها هو أحد الآباء يتعرف على صورة ابنته التي فقدها أثناء الحرب لتبدأ معها قصة أخرى أشبه ما تكون بهمزة وصل.. همزة وصل جديدة على طريق البحث عن فلذة كبد أو حبيب، كومبا الطفل ابن العشرة أعوام عاد اليوم إلى وطنه وأهله فتىً يافعا يملأه الأمل بعد سبعة أعوام من التهجير القصري لكن الذي لم يعد معه أب قتلته حرب الأهل والمصالح وأم أثكلتها سنوات الانتظار فهل يقدر كومبا على تجاوز كل ذلك؟ غسان أبو حسين لبرنامج مراسلو الجزيرة، قرية سيدو، سيراليون.

محمد خير البوريني: بهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة التي يمكن متابعتها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والصورة عند البث، العنوان الإلكتروني للبرنامج reporters@aljazeera.net

والبريدي صندوق بريد رقم 23123 الدوحة قَطر وكذلك الفاكس المباشر 4887930- 00974، في الختام هذه تحية من المخرج صبري الرماحي وفريق العمل وتحية دائمة منِّي محمد خير البوريني، في أمان الله.