- إصلاح مجلس الأمن الدولي
- المخدرات وأثرها على أوضاع كولومبيا

محمد خير البوريني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مشاهدينا الكرام وأهلا بكم إلى حلقة جديدة من مراسلو الجزيرة. من نيويورك نعرض تقريرا نحاول فيه تسليط الضوء على ازدياد المطالبة المُلحة بإصلاح مجلس الأمن الدولي وما يَحُول دون تحقيق ذلك، منذ خمسين عاما يتحدث عن مصالح الدول الكبرى وسطوتها وعن خلافات الدول النامية بشأن صيغة محددة للإصلاح وعن محاولات القوى الإقليمية القفز على أكتاف الدول الضعيفة والانتقاص من حقوقها ومزيد من تعطيل قرارات الأمم المتحدة وفي تقرير آخر نتحدث عن كولومبيا في أميركا اللاتينية البلد الغني الذي لا يتمكن من الاستفادة من ثرواته بعد أن تحولت أرضه الخصبة إلى وبال عليه وبات مرتعا لعصابات المخدرات والجريمة والأمراض الاجتماعية والعنف ومأوى لملايين الفقراء والجِيَع، أهلا بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.



إصلاح مجلس الأمن الدولي

منذ أكثر من خمسين عاما والحديث يدور حول ضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولي، لكن الأزمات الدولية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة جعل الحاجة ماسة لهذه الإصلاحات، دول عديدة تؤكد أن الأمم المتحدة تسير نحو الغرق إذا لم تتم الإصلاحات المطلوبة وترى دول أخرى متقدمة ونامية أن من الأهمية القصوى بمكان أن تكون حاضرا داخل غرف صنع القرار، نسأل هنا هل سيمتلك العالم ناديا فيه كبار جدد؟ نادي يُنصف الشعوب الصغيرة والفقيرة ويحقق عالم أفضل بحق غير ذلك الذي تحدث عنه كثيرون؟ تقرير عبد الرحيم فقراء من نيويورك.

[تقرير مسجل]

عبد الرحيم فقراء: الغزو الأميركي للعراق شَكَّل امتداد لسلسلة من الأزمات التي كادت تقصم ظهر مجلس الأمن ثم جاءت ملفات لاحقة كالخلاف الدامي بين فرنسا ورئيس ساحل العاج لوران باغبو لتنفخ في لهيب المطالبة بإصلاح المجلس وقد أثار المجلس حفيظة الحكومة العاجية بعد أن أعرب عن دعمه لفرنسا التي تحظى بمقعد دائم فيه.

فليب دجانغون بي- مندوب ساحل العاج لدى الأمم المتحدة: لا يمكن لأحد أن يكون القاضي والمتهم في ذات الوقت، نأمل أن يكون إصلاح مجلس الأمن الذي دعت إليه العديد من الأطراف في الأمم المتحدة قادرا على التعامل مع هذه الحالة الشاذة وأن يتلاءم إصلاح المجلس مع الوقائع الجديدة في عالم اليوم.

عبد الرحيم فقراء: الخلافات في مجلس الأمن لم تنجو من تداعياتها الجمعية العامة وإذا كانت حدة الخلاف حول العراق قد خفت نسبيا خلال دورة 2004 للجمعية فقد برز في المقابل إجماع على ضرورة إصلاح مجلس الأمن.

جان بنغ- رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة: هناك نهاية الحرب الباردة وهناك العولمة وغيرها من التطورات التي تُحتم إجراء تغيرات جذرية وتفرض ملائمة الأمم المتحدة مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

عبد الرحيم فقراء: عندما أُنشئت الأمم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية عام 1945 شُكِّل مجلس الأمن من أحد عشر عضوا خمسة منهم دائمون ويتمتعون بحق الفيتو. وإذا كان ذلك العدد قد ارتفع منذئذٍ إلى خمسة عشر في تعديل يتيم للمجلس حتى الآن فإن عدد الدول دائمة العضوية فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لم يتغير حتى يومنا هذا، هذا الثبات يثير حفيظة دول كاليابان وألمانيا والبرازيل والهند التي تجادل بأن مجلس الأمن بشكله الحالي لا يعكس حجم دورها في عالم اليوم وتطالب بمقعد دائم حتى وإن لم يكن مرفق بحق الفيتو.

جونشيرو كويزومي- رئيس وزراء اليابان: إن أنشطتنا في العراق وأفغانستان تشكل أمثلة جيدة للغاية في العراق وبناء على قرارات مجلس الأمن انضمت اليابان إلى الجهود الدولية الرامية لمساعدة العراقيين في نضالهم من أجل بناء عراق ديمقراطي ومزدهر.

عبد الرحيم فقراء: اليابان والدول الثلاث الأخرى المطالبة بمقعد دائم لم تنسَ إفريقيا، فقد أعربت عن دعمها للسماح للقارة بولوج نادي الكبار هي كذلك، بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تتهم الدول دائمة العضوية باستخدام مجلس الأمن كحصان طروادة لتحديد مصير العالم، بَيْد أن هناك دول أخرى في المنظمة الدولية تسعى إلى الجلوس حول هذه الطاولة التي صُممت على شكل حدوة حصان، ثلاث دول إفريقية على الأقل ترغب في تمثيل القارة؛ فجنوب إفريقيا تعتبر نفسها عملاقا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وكذلك الشأن بالنسبة لنيجيريا الغنية بالنفط والتي يتجاوز عدد سكانها المائتين وثلاثين مليون نسمة نصفهم من المسلمين، أما هبة النيل مصر فتشير هي أيضا إلى مساهمتها في حفظ السلام والأمن العالميين وإلى مكانتها الاستراتيجية.

أحمد أبو الغيط – وزير خارجية مصر: عندما تحمل لواء ثقافة أو حضارة فإن عليك أن أيضا تتواجد في قاعات القرار، ليه؟ لأنه لا يمكن أن يُترك الأمر للمجتمعات الغربية والمجتمعات الآسيوية أن تحسم المسائل على مستوى مستقبل الإنسانية في غياب الثقافة أو الحضارة العربية أو الإسلامية، هذا مطلب مصري ومطلب مصري سوف نصمم على الدفع به أمام الجمعية العامة والأمم المتحدة.

عبد الرحيم فقراء: الموقف المصري قد يُقنع الجهات التي تشير إلى أن أربع دول دائمة العضوية في مجلس الأمن تَدين بالمسيحية بينما لا يحظ أكثر من مليار مسلم حول العالم حتى بمقعد واحد في المجلس، إلا أن جيمس بول وهو من المختصين في شؤون المنظمة الدولية يعارض فكرة المنظور الديني في هذا الملف بل ويعارض حتى فكرة توسيع العضوية مجادلا بأن رفع عدد الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى عشرين دولة أو أكثر قد يؤدي إلى إصابة المجلس بالشلل.

"
التأمين التمثيلي في مجلس الأمن يجب أن يكون عن طريق آلية تقوم بموجبها دولة بتمثيل رقعة برمتها من العالم لتوفير الحلول لمشكلات تلك الرقعة في المجلس
"
  جيمس بول

جيمس بول– منتدى السياسة العالمية: تأمين تمثيلي في مجلس الأمن يجب أن يكون عن طريق آلية تقوم بموجبها دولة من الدول بتمثيل رقعة برمتها من العالم لتوفير الحلول لمشكلات تلك الرقعة في المجلس.

عبد الرحيم فقراء: إلا أن خيار التمثيل الإقليمي لا يخلو هو أيضا من جدل، فترشيح ألمانيا للحصول على مقعد دائم يُواجَه بالرفض من قبل إيطاليا وباكستان لا تخفي معارضتها لترشيح الهند.

برفيز مشرف – رئيس وزراء باكستان: لا يجب زيادة عدد الدول ذات الامتيازات الخاصة في مجلس الأمن، ما نقترحه هو رفع عدد الدول غير دائمة العضوية آخذين في الحسبان مصالح مختلف المناطق في العالم.

عبد الرحيم فقراء: لكل مشكلة ثانٍ وثالث فبغض النظر عن مسألة التوسيع هل من المتوقع أن تتخلى الدول دائمة العضوية عن حقها في الفيتو؟ وهل يُتوقع أن تحصل على ذلك الحق الدول التي قد تنضم إلى العضوية الدائمة للمجلس؟

جيمس بول: أعتقد أن هذه المسائل العملية ستستغرق وقتا طويلا، فالتحول من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية في أوروبا استغرق حوالي مائتي عام.

عبد الرحيم فقراء: لكن هل ستُمهل مشكلات العالم الملحة مجلس الأمن مائتي عام حتى يُعدَّل ويُصلَح أمر تركيبته؟ واضح أن الأمر ليس كذلك، لكن قناعة قد ترسخت في الأمم المتحدة منذ أن شكل كوفي عنان عقب غزو العراق هيئة رفيعة المستوى للبحث في التحديات التي يواجهها العالم، مُفاد تلك القناعة أنه بدون إجراء إصلاحات فإن المنظمة الدولية قد تسير نحو الغرق ومن ضمن ما أوصت به الهيئة في تقرير قوبل بالترحاب في الجمعية العامة توسيع عضوية مجلس الأمن لتشمل تسع دول إضافية، إصلاح مجلس الأمن قد يبدو أمراً بالغ التعقيد بل أمرا ميئوس منه، بَيْد أن هناك من يعوّل على ما يصفه بعبقرية الدبلوماسية الدولية للإبحار بملف الإصلاح وبالأمم المتحدة معه إلى شاطئ النجاة. عبد الرحيم فقراء الجزيرة-نيويورك.



[فاصل إعلاني]

المخدرات وأثرها على أوضاع كولومبيا

محمد خير البوريني: رابع أكبر دولة في أميركا اللاتينية بلد غني بالثروات نفط وذهب وفضة وأحجار كريمة يضاف إلى كل ذلك الأراضي الزراعية الخصبة، لكن أغلب سكانها يعيشون في فقر مُدقع وحياة بؤس وتشرد وتعاسة بعد أن تحولت خصوبة الأرض إلى عذاب وسلب للعافية ودمار للصحة ومصدر لتقصير الأعمار ومحور للعنف وتعميق العداوات بدل أن تكون سلة غذاء ومصدر خير ورزق وبركة الأمر الذي قاد البلاد لأن تكون ثلاثية فقر ومخدرات وعنف إنها كولومبيا، تقرير ديمة الخطيب.

[تقرير مسجل]

ديمة الخطيب: الحفاظ على الأمن في بلاد تعيش حربا أهلية ليس أمر سهلا، هذه قوة تابعة لشرطة مدينة بوغوتا، استعدادات اللحظة الأخيرة تعني مراجعة كل التفاصيل بدقة، فالجولات الليلية لا تخلوا من الخطر، الهدف هو البحث عن أفراد عصابات المخدرات وعن المجرمين والتأكد من خلو المدينة مِن مَن لهم علاقة بالثوار أو المسلحين، أحياء لا تطؤها أقدام غالبية سكان المدينة لخطورتها دخلناها مع الشرطة التي كانت هي نفسها تخشى دخولها في السابق وقد استعادت سيطرتها عليها مؤخرا ضمن مساعي الحكومة الحالية الناجحة أحيانا في الحد من انتشار العنف، عمليات تفتيش دقيقة لكل من تجده الشرطة، هنا لابد من التأكد من الهويات ومن سجل كل رجل وامرأة فالكل هنا شبهة، ما هي الجرائم المنتشرة؟

ضابط شرطة كولومبي: القتل والجريمة الأكثر انتشارا لكن لكل حي مشاكله؛ في الأحياء التي تعاني من مشاكل اجتماعية مثل الفقر هناك القتل، أما في الأحياء السكنية والتجارية فهناك سرقة السيارات وسرقات أخرى.

ديمة الخطيب: وماذا عن المخدرات؟

ضابط شرطة كولومبي: نحن نتدخل فقط إذا ضُبط الشخص المعني بالجرم المشهود، أي يبيع المخدرات أو لديه كمية كبيرة منها أو يسعى للحصول على المال اللازم لشرائها، أما إذا كان فقط تحت تأثير مواد مخدرة فإننا نحتجزه لمدة أربع وعشرين ساعة حتى يزول أثر المخدرات.

ديمة الخطيب: وأين يشترونها؟

ضابط شرطة كولومبي: في منزل أحدهم أو في الشارع، هنا تنتشر الماريوانا باسوكو وهي عبارة عن خليط رخيص من مخلفات الكوكايين وإذا لم تتوفر فإنهم يتناولون مواد أخرى كالصمغ أو حتى البنزين.

ديمة الخطيب: البنزين؟ لكن أليس البنزين غاليا؟

ضابط شرطة كولومبي: نعم البنزين غالي بالطبع لكنهم لا يشترونه بل يحصلون على مشتقاته بطرقهم الخاصة.

ديمة الخطيب: ويستنشقونها؟

ضابط شرطة كولومبي: نعم أو يمصونها.

ديمة الخطيب: العنف في شوارع وأحياء كهذه نادرا ما ينجم بشكل مباشر عن الحرب الأهلية، فهجمات الثوار داخل العاصمة قليلة نسبيا ولكن لولا زراعة المخدرات غير الشرعية لما انتشرت مخلفاتها هنا ولولا القتال لما تشرد كثيرون ولولا القلاقل السياسية لكان لكل منهم عمل ومنزل وحياة. الفقراء هم أنفسهم الجناة والضحايا. في وضح النهار يجد الإنسان أمثال هذا الرجل على قارعة الطريق بلا كرامة أو مأوى وبلا عمل، هو واحد من 29 مليون فقير في كولومبيا يمثلون نسبة إلى نحو 70% من السكان، بَيْد أن الفقر هنا درجات؛ فهناك من ليس لديه سقف ينام تحته يحاول كسب لقمة العيش بأي طريقة كانت وهناك من تراجعت أحوالهم على مدى السنوات والعقود مع ذوبان الطبقة الوسطى ودخول البلاد أسوأ كساد عرفته منذ سبعين عاما بسبب تبعات الحرب الأهلية، وراء ابتسامة هذه السيدة معاناة يومية من أجل إعادة أطفال ثلاثة.

مارغاريتا– بائعة متجولة– كولومبيا: الحياة صعبة لأنه لا يوجد عمل، فالاقتصاد سيء، لذلك علينا أن نبحث عن المال من خلال العمل في الشوارع.

أنتاناس موكوس– باحث وأستاذ جامعي– كولومبيا: هناك مشكلة في توزيع الثروات ربما ليست أسوأ من البرازيل والمكسيك لكن الأثرياء هنا أثرياء جدا والفقراء فقراء جدا.

ديمة الخطيب: أشهر الماركات العالمية لها فروع هنا، الملابس الفخمة التي تأتي من العواصم الغربية تُباع بأسعار تعتبر خيالية بالنسبة لمعدل دخل الفرد، لكن كثيرين من أبناء طبقات الغنية يرتدونها، تعلو وجوه غالبيتهم قسمات أوروبية صرفة وكأنهم هاجروا بالأمس، الخليط السكاني هنا بين المهاجرين الأوروبيين والسكان الأصليين وذوي الأصول الأفريقية لم يقابله خلط بين ثروات البلاد الوفيرة.

"
في الأرياف توجد أكبر درجات اللامساواة الاجتماعية والفقر فهي أسوأ كثيرا من المدن، وتتحول زراعة المخدرات إلى الخيار الوحيد لكسب لقمة العيش
"
أنطونيو نابارا

أنطونيو نابارا – عضو في مجلس الشيوخ الكولومبي: لم نتمكن حتى الآن من حل أصول النزاع التاريخية خاصة في الأرياف، حيث توجد أكبر درجات اللامساواة الاجتماعية والفقر فهي أسوأ بكثير من المدن، هناك في الأرياف تتحول زراعة المخدرات إلى الخيار الوحيد لكسب لقمة العيش بالنسبة للفلاحين الكولومبيين.

ديمة الخطيب: كميات هائلة من المبيدات تُرش من الجو منذ سنوات دون جدوى على مئات الآلاف من الهكتارات تنتشر زراعة المخدرات من مادة الكوكايين وغيرها، كولومبيا اليوم تغطي 80% من إنتاج الكوكايين في العالم وتزوّد الأسواق بأجود أنواعه، التربة خصبة للغاية وعطاؤها لا ينضب، بالأمس القهوة والذرة واليوم المخدرات.

ماريا إيما ميخيا – وزيرة خارجية كولومبيا السابقة: مع انهيار الاتحاد السوفيتي وانقطاع الدعم عن الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية تلاشى الثوار في الدول الأخرى في القارة، أما في كولومبيا فمع الأسف تغلغلت تجارة المخدرات إلى صفوفهم لتصبح مصدر دخل يمدهم بمال السلاح وهكذا يزداد العنف أكثر فأكثر.

فيسنتي توريخوس– محلل سياسي كولومبي: تجارة المخدرات مربحة لدرجة جعلتها ترتبط بالعناصر المسلحة ارتباطا وثيقا وباتت السيطرة على مناطق زراعة المخدرات الشغل الشاغل للجماعات المسلحة اليمينية وللثوار الماركسيين على حد سواء.

ديمة الخطيب: اللافت للنظر هو أن تمويل عمليات مكافحة زراعة وتجارة المخدرات غير الشرعيتين يأتي من واشنطن مباشرة، فهي تُخصص نحو سبعمائة مليون دولار سنويا لهذا الغرض، لكن مليارات الدولارات التي صرفتها حتى الآن لم يكن لها سوى أثر بسيط ويذهب كثيرون إلى القول طالما وجد مُتعاطون للمخدرات في العالم ستبقي كولومبيا مصدرا لها.

فيسنتي توريخوس: في الولايات المتحدة مثلا هناك شبكات توزيع ترتبط بمجموعة اقتصادية ذات نفوذ كبير تتولى إيصال المخدرات إلى المدارس والشوارع.

ديمة الخطيب: مثلث مشئوم ذلك الذي تجد كولومبيا نفسها عالقة فيه، فالجماعات المسلحة والثورية تزوّد نفسها بالسلاح مستخدمة المال الذي تجنيه من تهريب المخدرات إلى المستهلكين في الولايات المتحدة الأميركية قبل غيرها من الدول بينما تعتمد الحكومة الكولومبية على مساعدات الولايات المتحدة الأميركية نفسها في محاولاتها وضع حد لأنشطة تلك الجماعات. الشرطة رافقتنا في وضح النهار للعودة إلى أحد الأحياء الخطرة تحت تأثير المخدرات وفي العراء يقضي كثيرون حياتهم هنا في مكان غير بعيد عن مقر الرئاسة الكولومبية في العاصمة. يأتون من الأرياف ليجدوا أن جرعة من المخدرات الرديئة كفيلة بإسكات جوعهم على مدى النهار وتكلف أقل من وجبة مغذية، لذا يُبقون أجسادهم تحت تأثير المخدرات الدائم مستعيضين عن الطعام مؤقتا بسموم تسلب عافيتهم مؤبدا. لتوفير المال اللازم لشراء المخدرات ملاذ بعضهم هو قمامة الغير، ينبشونها أملا في العثور على أي شيء يستخدمونه يصلحونه يبيعونه، البعض يلجأ إلى سريره المعتاد على قارعة الطريق من أجل قيلولة سريعة انتظارا لوصول دفعة جديدة من القمامة، فهم يتناوبون على جمعها والتقاط كل ما يجدونه من بقايا أثاث أو أي شيء كان في أرجاء المدينة لكن السرقة أحيانا هي الخيار الأسهل.

مواطن كولومبي مشرد: تسألينني عما فعلته اليوم، اليوم كنت متيقظا جدا، شرطي من هنا شرطي من هناك، خبأت الماريوانا تحت ذراعيّ وفي بنطالي وهربت، إذا احتجت إلى المال أخرج لسرقة ما أجده أمامي؛ ساعات، مجوهرات، معاطف، أقوم بجولتي المعتادة ثم أعود لأدخن.. لأدخن ماريوانا باسوكو، ماريوانا، ماريوانا هي الألذ.

ديمة الخطيب: مارتا ذات الستة عشرة ربيعا تناولت لتوها جرعة مخدرات أسكتت جوعها كلفتها دولارا واحدا فقط، فمن أين أتت بالمال؟

مارتا إيسابيل كارتيو: سرقته، نشلته.

ديمة الخطيب: كيف سرقتيه؟

مارتا إيسابيل كارتيو: سرقته من أحد المارة.

ديمة الخطيب: هي تعيش مع والدتها وأخيها في شبه كوخ بالقرب من هذا المكان لكنها تقضي نهارها هكذا. مليونا شخص في العاصمة وحدها يعيشون حياة فقر مدقع في أشباه بيوت ومنازل كما في هذا الحي، الصراع المسلح شرَّد نحو مائتي ألف كولومبي هذا العام وما بين مليوني وثلاثة ملايين خلال السنوات العشر الأخيرة، وراء هذا الباب يعيش ستة عشر شخصا هم أفراد أسرة واحدة من سكان كولومبيا الأصليين، يتقاسمون حُجرة بسريرين صغيرين بعد أن طردتهم الجماعات المسلحة من ديارهم في جنوب البلاد، لوسيليانا لم تُكمل السابعة عشر من العمر تبيع اللبان والسجائر في الشارع لإطعام صغيرتها، سوء الحظ في الحياة ربما يدفع كثيرين إلى الإيمان بأن الحظ قد يواتيهم في متجر الألعاب، لكن أغلبهم يهدر ماله المسروق ولا يتمكن من شراء شيء. إدوين وجه برئ يتسكع هنا تعلم الكتابة والقراءة قبل أن يهجر المنزل هربا من أبويه الفقيرين اللذين كانا يجبرانه بالقوة على العمل، كتب لنا اسمه بخط جميل ثم كتب لنا ما يتمني الحصول عليه كهدية.

إدوين راميريس: أريد أسرة جديدة.

ديمة الخطيب: فجأة أخرج لنا من جيوبه أربعة أصناف من المخدرات، كلّف كل منها أقل من دولار واحد، زعم أنه يتناولها للاسترخاء لكنه بدا مرتبكا وغير معتاد على التعامل معها، سألته إن كان يُتاجر بها فخجل ولم يُجب، إدوين اختفى منذ ذلك اليوم وجدنا له بعد أسبوع جمعية تؤوي مشردين من أمثاله ولكن أحدا لم يعثر عليه، ربما هرب خوفا من تعرضه لبطش من يبيعونه المخدرات بعد أن أظهرها لنا على الملأ وربما أصابه مكروه لا أحد يعرف، هو في نهاية الأمر رقم في قائمة عشرات الملايين من المظلومين والمُعْدَمين في كولومبيا، ديمة الخطيب لبرنامج مراسلو الجزيرة، كولومبيا.

محمد خير البوريني: من كولومبيا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة التي يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والصورة عند البث، عنوان البرنامج الإلكتروني هو reporters@aljazeera.net والبريدي صندوق بريد رقم 23123 الدوحة قطر. في الختام هذه تحية من مخرج البرنامج صبري الرماحي ومن فريق العمل وتحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.