- المرأة التركية بين العلمانية والإسلام
- الطرق الصوفية في أفغانستان
- الذهب في جنوب أفريقيا



محمد خير البوريني: تحية لكم مشاهدينا الكرام وأهلا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من مراسلو الجزيرة، نعرض فيها تقريرا من تركيا التي تحولت إلى العلمانية الصارمة منذ سقوط الدولة العثمانية الإسلامية ونتحدث عن جانب من جوانب تطبيق هذا النظام في الحياة العامة يتعلق بالمرأة ونشاهد من أفغانستان تقريرا عن الطرق الصوفية في عهد حركة طالبان وإنجاز عما لعبته من دور في التاريخ الأفغاني، تقرير كان قد أعده تيسير علوني في ظروف كان يجري الحديث فيها عن إمكانيات للمصالحة بين الحركة قبل سقوطها وتحالف الشمال ومن جنوب إفريقيا نتحدث عن مناجم الذهب التي تبتلع في دهاليزها سنويا مئات من العمال السود الباحثين عن الخبز، تعالوا معنا إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

المرأة التركية بين العلمانية والإسلام

حملت تركيا لواء الإسلام قرونا من الزمن قبل أن تتحول إلى العلمانية الصارمة في الربع الأول من القرن الماضي من وقتها لا يكاد الجدل يتوقف حول العلمانية حتى يبدأ ساخنا من جديد ولعلنا نتذكر قصة النائبة المنتخبة مروة كاوكغي التي مُنعت من ارتداء الحجاب داخل أروقة البرلمان التركي، المرأة التركية بين العلمانية والإسلام في تقرير يوسف الشريف.

[تقرير مسجل]

يوسف الشريف: كان هذا أكبر تحدٍ للنظام العلماني الآتاتركي القائم في تركيا، النائبة المحجبة مروه كاوكغي تدخل محجبة إلى قاعة البرلمان من أجل أداء اليمين الدستورية وإعلان التزامها بالنظام العلماني، لكن بقية نواب البرلمان يثيرون ضجة كبيرة حول حجابها ويطالبون بطردها من عضوية المجلس.

بولنت أغويت: للنظام العلماني أصول وقوانين يجب أن تُحترم، ليس البرلمان هو المكان الذي يمكن فيه تحدي النظام العلماني للدولة.

يوسف الشريف: عبثا حاول رئيس الجلسة إقناع النواب بأن العلمانية لا تمنع المحجبات من ممارسة السياسة لكنها بالنسبة لهؤلاء عدوة للحجاب بل الحجاب عدو لها كما يرون، قد يتذكر السياسيون هذه الحادثة ويتندرون بها اليوم لكن ما شاهدناه هنا يحدث بشكل شبه يومي في الحياة العامة التركية، عمليا تدير ديليك أستوديو القناة الخامسة لتسجيل برنامج أسبوعي تعده ولا تقدمه، يعمل تحت إشرافها عدد من الرجال بينهم زوجها فالنظام العلماني في تركيا يوفر المساواة بين الرجل والمرأة في العمل لكنه يفرق بينهما إذا كانت المرأة محجبة كيف؟ لنستمع إلى قصة ديليك.

ديليك دمير ألب – مديرة القناة الخامسة - تركيا: لم أتمكن من الحصول على بطاقة صحفية لأنني محجبة، إنهم يريدون صورة لي بدون حجاب، لقد حرمني هذا من العمل الميداني وحرمني من إجراء التحقيقات الصحفية في المؤسسات الرسمية.

يوسف الشريف: ديليك ليست صحفية جيدة فحسب وإنما من المتفوقات أكاديميا فقد تفوقت على زميلاتها في امتحان درجة الماجستير في الجامعة لكن طلبها للدراسات العليا رُفض بسبب حجابها ليكون ذلك خاتمة لسلسة من المتاعب التي لاحقتها طوال أيام الدراسة.

ديليك دمير ألب: عانيت كثيرا أثناء دراستي، عوقبت أكثر من مرة بسبب ارتدائي الحجاب واضطررت أحيانا لتقديم تنازلات من أجل دخول الامتحانات والحصول على الشهادة، الجميع يتذكر سنوات الجامعة، لا أريد أن أنساها.

"
دخول الجامعة حلم كبير لا يستطيع غالبية الأتراك تحقيقه فالجامعات لا تستوعب سوى أقل من 10% فقط من عدد المتقدمين لامتحان القبول الجامعي
"
            تقرير مسجل
يوسف الشريف: دخول الجامعة حلم كبير لا يستطيع غالبية الأتراك تحقيقه فالجامعات لا تستوعب سوى أقل من 10% فقط من عدد المتقدمين لامتحان القبول الجامعي وحتى تتمكن الطالبة المحجبة من الحصول على هذا الحق حق دخول الجامعة فإنها مطالبة دون غيرها بتقديم تنازلات، أما من يرفضن خلع الحجاب فإن مصيرهن يكون الطرد دون أي نقاش أو تبرير فالنظام لا يسمح بالحجاب والعاملون مضطرون لتنفيذ التعليمات على الرغم من أن بعضهم ليسوا مقتنعين بها، التعاليم العلمانية تعنى بالنسبة لهؤلاء الفتيات حرمانهن من حق التعليم ومن فرص العمل وأحيانا فإنها تعني هدر ماء الوجوه والمساس بالكرامة من خلال الضغط عليهن لدفعهن إلى ارتكاب المعصية حسب قولهن، هل العلمانية هي السبب أم العلمانيون؟ وهل القضية سياسية أم مجرد اختلاف اجتماعي؟ لبحث كل ذلك تجتمع نساء في جمعية دعم حقوق المرأة بأنقرة، الاستعدادات للاجتماع تشير بأن الحضور نسائي بالكامل والنقاش هنا يمتد ويطول لساعات وتكثر الأسئلة.

فاطمة آلان – جمعية دعم حقوق المرأة - أنقرة: يقولون إن حجابي يزعج النساء غير المتحجبات وأنه يفرض ضغطا نفسيا عليهن، هل هذا معقول وحتى لو كان ذلك صحيحا فهل يكون الحل بمنعي من ارتداء الحجاب؟ وماذا عن حقوقي أنا والضغوط التي تمارس عليّ؟ ألست أنا كذلك مواطنة يُفترض أن أتمتع بحقوقي الفردية مثل غيري؟ يقولون إن الحجاب رمز ديني وسياسي وأن العلمانية ترفض الحجاب هذا غير صحيح، الحجاب هو جزء من هويتي جزء من شخصيتي ولا يمكنني أن أتخلى عنه، العلمانية المطبقة هنا تستهدف المتدينات من النساء فقط ولا يوجد من يعترض على الملحدين أو اليساريين أو حتى على الرجال المتدينين.

يوسف الشريف: الطريق إلى المطالبة بإلغاء قانون حظر الحجاب في المدارس والمؤسسات الحكومية طويل ووعر فهي أحيانا تمر بمسيرة إلى القصر الجمهوري لإسماع صوت المحجبات لرئيس البلاد الذي يرفض استقبالهن أو الحديث إليهن وفي مقابل مجتمع المحجبات هناك مجتمع نسائي آخر أعلن الحرب على الحجاب والدفاع عن قانون حظر ارتدائه ولهؤلاء دوافعهن وأسبابهن، موجدة مدرسة موسيقى شابة كبرت وتعلمت في إطار اجتماعي علماني صارم يرى في الحجاب والطقوس الدينية عادات قديمة تقيد من حرية المرأة وتفرض قيودا على تصرفاتها وحركاتها، تعيش موجدة بمفردها في شقة مستقلة عن عائلتها وهي من أنصار تحرر المرأة ولا يعكر صفوها سوى مراقبة بعض جيرانها لتصرفاتها ومحاولتهم فرض وصاية عليها من باب العادات والتقاليد المحافِظة.

موجدة- مدرسة موسيقى- تركيا: لا يزال مجتمعنا يعاني من العادات المحافظة التي ينسبها إلى الدين وهي تصرفات الغرض منها تقييد حريات الغير وفرض وصاية عليه ولولا القوانين العلمانية المفروضة لتحول مجتمعنا إلى مجتمع إسلامي متطرف وأعاد الحكم بالشريعة الإسلامية ومجرد التفكير في هذا الأمر مفزع.

يوسف الشريف: في المقابل فإن من يرفضون الحجاب يشكلون قوة اجتماعية وسياسية لا يستهان بها وهم لا يترددون أيضا في النزول إلى الشارع لإبداء الرأي.

مشاركة ثانية: مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة هو الذي بنى تركيا الحديثة وأراد لنسائها الحرية والمساواة، أما الحجاب فهو رمز لقمع المرأة وتخلفها.

خديجة هلال- جمعية دعم حقوق المرأة التركية: الشريحة التي ترى أن تركيا جزء من المجتمع الأوروبي تكره الحجاب وتخجل منه، تتصور أنه رمز للتخلف وعودة إلى عهد اضطهاد المرأة وعصر الحريم والعهد العثماني وتعتقد أيضا أن ترك الحجاب خطوة مهمة كي نصبح جزءا من المجتمع الأوروبي، القضية تبدأ من هنا وعلينا أن نمد جسور الحوار مع هؤلاء أولا قبل أن نطرق باب السياسيين، علينا أولا أن نسعى لحشد الدعم الشعبي حتى ممن كانوا ضد ارتداء الحجاب.

يوسف الشريف: هالة تعمل في حزب العدالة والتنمية الحاكم، إنها إحدى ضحايا قانون الحجاب، هي لا تمارس السياسة لكونها تقوم بعمل إداري ولكنها تستمع يوميا إلى الجدل الحاد بين المواطنين الناخبين وبين أعضاء الحزب الذين وعدوهم بحل مشكلة الحجاب لكنهم لم يتمكنوا بعد من الوفاء بما وعدوا به.

هالة- مواطنة تركية من ضحايا قانون الحجاب: أعتقد أن الأمر يقتضي مصالحة شعبية أولا قبل حله على مستوى سياسي، طالما وُجد رافضون لوجود الحجاب في الشارع وفي القطاعين العام والخاص فإن القوانين وحدها لن تحل المسألة.

يوسف الشريف: الدعوة إلى المصالحة الاجتماعية وإيصال صوت المحجبات إلى المسؤولين وغيرهم تتطلب أحيانا النزول إلى الشارع لتفنيد الحجج وإظهار أن الأمر لا يتعلق بأقلية أو أكثرية بل يتعلق بالحريات الشخصية والهوية الاجتماعية، التعايش تحت سقف علماني مشترك بين مختلف شرائح المجتمع يبدو ممكنا بالنسبة للمحجبات ومن يقف بصفهن إذ يعتقد كثيرون أن الحجاب أيضا يمكن أن يكون جزءا من مظهر عصري حديث بل ويخضع أيضا لصيحات الموضة، إذاً فقضية الحجاب تحتاج إلى مصالحة شعبية بين فئات المجتمع التركي قبل أن تنتقل إلى كواليس السياسة ليتساوى حينها من يحاول استثمار الحجاب سياسيا مع من يتستر وراء مصطلح العلمانية ليشن حربا على الدين نفسه، يوسف الشريف لبرنامج مراسلو الجزيرة، أنقرة.



الطرق الصوفية في أفغانستان

محمد خير البوريني: ومن يوسف الشريف في تركيا إلى تيسير علوني الحاضر المُغيَّب، قضى تيسير سنوات مراسلا للجزيرة في العاصمة الأفغانية إبان حكم طالبان واليوم يقضي حكما بالسجن لسبع سنوات بالرغم من إقرار المحكمة الإسبانية ببراءته من تهمة الانتماء لتنظيم القاعدة، حاول الزميل الصحفي تيسير نقل واقع الحياة من بلد متهالك أنهكته الحروب، التقرير التالي يتحدث عن الطرق الصوفية في أفغانستان وكيف كان الصوفيون يمارسون طقوسهم بشكل سري.

[تقرير مسجل]

تيسير علوني: على خلاف منهجها في بعض أنحاء العالم الإسلامي لعبت الطرق الصوفية في أفغانستان دورا بارزا في إذكاء روح الجهاد بين الناس وإذاقة الطامعين في استعمار هذا البلد مرارة الهزيمة بشكل متكرر وكان البريطانيون من أكثر المستعمرين معاناة من قادة هذه الطرق ومشايخها وعلمائها فقد هُزموا ثلاث مرات على الساحة الأفغانية، الطريقة النقشبندية من أكثر هذه الطرق انتشارا بين الأفغان وعميد الجهاد والمجاهدين في هذه الطريقة هو شيخها الراحل فضل عمر مُجددي أو نور المشايخ كما يحلو لأتباعه أن يسموه فقد قاد ثورة جهادية أذلت البريطانيين عام 1900 وهو العام نفسه الذي خرجوا فيه مغرورين بانتصارهم في الحرب العالمية الأولى كما كان أتباع هذه الطريقة في طليعة المقاتلين ضد الاحتلال السوفيتي.

أحمد أمين مجددي- حفيد نور المشايخ- الطريقة النقشبندية: خلال الحرب مع الإنجليز ثار جميع أتباع الطريقة النقشبندية علماء ومشايخ وطلبة علم وزعماء قبائل جميعهم وحدوا الصفوف للقتال ضد الإمبراطورية البريطانية في أفغانستان.

تيسير علوني: نور المشايخ قاد أيضا حركة تصحيحية ضد الملك أمان الله خان عندما أراد الأخير إلحاق أفغانستان بركب الحضارة عن طريق تغريب العادات والتقاليد وتغيير أسلوب حياة الأفغان بالقوة.

عبد الله محمد تينغز- عميد كلية الشريعة في جامعة كابل: العلماء عندما شافوا هذه القوانين التي طبقها أمان الله ومن هؤلاء المشايخ فضل عمر وهو قام وقال للمشايخ أن هذا الحاكم الذي جاء من أوروبا ويطبق قوانين غير شرعية وهو قال للعلماء لازم أن نعمل الجهاد.

تيسير علوني: يتمتع النقشبنديون بوزن سياسي معين في أفغانستان وبعض مسؤولي حركة طالبان الحاكمة في كابل ينتمون إلى هذه الطريقة التي تقوم حاليا ببعض المساعي الحميدة للتقريب بين الحركة وتحالف الشمال المناوئ لها بهدف إنهاء النزاع الداخلي بأفضل الطرق.

أحمد أمين مجددي: تحدثنا مع مسعود حول مواضيع هامة وكان لنا محادثة هاتفية معه استمرت أكثر من ساعة، بعدها تحدثت مع أمير المؤمنين مولاي محمد عمر وقلت له أن القائد أحمد شاه مسعود يرغب أن نقوم بدور الوساطة بينكم وبينه.

"
إلى جانب النقشبندية تنتشر في أفغانستان طرق صوفية أخرى كالقادرية التي ابتعدت عن السياسة بسبب علاقة وطيدة كانت تربط شيخها أحمد حسن الغيلاني بالملك السابق ظاهر شاه والسهروردية التي انحسر نفوذها في السنوات الأخيرة
"
          تقرير مسجل
تيسير علوني: وإلى جانب النقشبندية تنتشر في أفغانستان طرق صوفية أخرى كالقادرية التي ابتعدت عن السياسة بسبب علاقة وطيدة كانت تربط شيخها أحمد حسن الغيلاني بالملك السابق ظاهر شاه والسهروردية التي انحسر نفوذها في السنوات الأخيرة والغوشتية التي يبدو أن نشاطها تقلص بعد وصول حركة طالبان إلى السلطة لأن الحركة ترفض أسلوبها في إقامة الأذكار والذي لا يخلو من المبالغة في الحركات والأصوات إلى جانب ما يُعتقد بأنه شذوذ في العقائد واستخدام للموسيقى التي اختارت حركة طالبان الأخذ بفتوى تحريمها وهذه الطريقة تمارس أذكارها وطقوسها بعيدا عن أعين رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سميع الله محتاط- مدرس: يعني هم يذكرون ذكر بالجهر مثل من يلعب بالذكر وهكذا يشركون بالقبور وهكذا بالصالحين، هم أكثر الناس ليس أينعم بدعوى الشرك به أكثر ولكن العلماء الصوفية بعضهم فعل ليصلح هذا التنظيم ولكن ما استطاع، يُصلح وبعده الناس يخربونه في أول الوهلة جيدا ولكن بعده يخرب.

تيسير علوني: مهما قيل في الطرق الصوفية ومهما اختُلف في دورها فقد كانت محركا أساسيا لثورات التحرر وحركات التصحيح في أفغانستان وبسبب ما يؤخذ على الأفغان خارج بلادهم من أنهم منحرفو العقائد ويتوسلون بالقبور لقضاء حاجاتهم فقد عمدت حركة طالبان إلى إلغاء جميع المظاهر التي تؤيد هذه المزاعم فعند ضريح التابعي الجليل الليث بن قيس أول ما يطالع الزائر لافتة تقول (تمنع الصلاة في هذا المكان) وفي أماكن أخرى يولي المصلون ظهورهم للقبور أثناء الصلاة ويقول البعض أن كثيرا من الأساليب التربوية والشعائر التعبدية التي تنتهجها الطرق الصوفية ما هي إلا انعكاس لعنفوان الشخصية الأفغانية ورفضها الانقياد للآخر كائنا من كان، تيسير علوني لبرنامج مراسلو الجزيرة، كابل.



[فاصل إعلاني]

الذهب في جنوب أفريقيا

محمد خير البوريني: اكتُشف الذهب في جنوب إفريقيا في القرن الثامن عشر ويشكل اليوم 40% من الاحتياطي العالمي، بلاد غزاها الغربيون الباحثون عن المجد والثروة واستعمروها لكن كم منا يعرف كيف يُستخرج الذهب؟ وكم منا يعلم أن العمل في أعماق الأرض داخل المناجم يُقصِّر من أعمار عمال يضحون بحياتهم من أجل خبز أطفالهم لكي يستمتع به المترفون وتقوم عليه احتياطيات الدول من العملات، تقرير غسان أبو حسين.

[تقرير مسجل]

غسان أبو حسين: أحداث القصة تبدأ بكان يا ما كان في قديم الزمان ووفقا للأسطورة المروية فإن نفرا من سكان جنوب إفريقيا بدؤوا البحث عن عالم جديد وخلال بحثهم صادفوا أرض سلام وفيرة الخيرات بالقرب من مدينة جوهانسبرغ الحالية، نقبوا في فوهة بركان كامن فإذا بهم يجدون ذهبا يبدو أن الأرض كانت قد أخرجته مع أثقالها في ذلك الزمان، بعدها ارتفعت مكانة القوم وازدهرت حياتهم وبنوا قصرا لسلطانهم تقديرا له ولكرمه، لكن الزلزال كان أسرع دمر كل شيء فهربوا إلى وادٍ مجاور وإذا كانت تلكم هي الأسطورة فإن ما بقِي من حقيقة قصة مناجم الذهب يكاد لا يختلف كثيرا فقد وصفها نيلسون مانديلا في مذكراته عام 1941 بقوله (ليس في مناجم الذهب من سحر أو فتنة فهي في الغالب مواقع جرداء تخلو من الأشجار وتنتشر فيها الحفر والأوساخ وتحيط بها الأسوار من كل جانب، أنها أشبه ما تكون بمواقع المعارك التي دمرتها الحروب)، كان ذلك قبل أكثر من نصف قرن حينما أنشئت مدينة جوهانسبرغ حول مناجم الذهب الذي اكتشف هناك ومنه أخذت اسمها أرض الذهب، اعتمد فيها المنقبون على العمال السود المعدمين الباحثين عن مصادر للرزق واليوم لا يزال العمال هم من السود الذين اعتمدت عليهم الأقلية البيضاء من رجال الأعمال الأثرياء لعدة عقود فسُخِّروا ضمن ظروف صعبة، جون جبران أو جيجي كما يطلق عليه زملاؤه اختصارا، عامل في منجم أنجلوا أشانتي للذهب ونموذج لحياة عمال من نمط آخر في جرأتهم حيث يتطلب السفر يوميا كيلو مترات تحت سطح الأرض عزيمة وقوة إرادة وصلابة، الرحلة لا تخلو من المجازفات حيث الانهيارات الصخرية قد تذهب المكان على رؤوس العاملين في أي لحظة.

دارين فوكل: نقوم بالتخلص من عنصر المخاطرة من خلال تأمين دعائم قوية نُبقيها في المنجم إننا نستخدم أنواع الدعائم بهدف إسناد الجدران والأنفاق ممل يقلل من إمكانية وقوع الخطر ويساعد العمال في إنجاز مهمتهم بأمان وإنتاجية أعلى.

غسان أبو حسين: صمت الأنفاق يكاد يطبق على أنفاس العمال أثناء توجههم لاستخراج الذهب اللهم إلا من أصوات لحفارات أو عربات نقل أو أغنيات يرددونها للترويح عن أنفسهم في أنفاق تلتهم سنويا المئات من العاملين في هذه المهنة الخطرة، يقول كثيرون أنهم يروحون قرابين للذهب وللأثرياء الباحثين عنه والغريب في الأمر أن أبناء هؤلاء العمال لا يترددون في المضي على طريق الأباء لا يحول بينهم وبينها عامل الجنس وصعوبة الظروف.

مارتا انكيسولوتا – زوجة أحد عمال المناجم: أعمل هنا في هذا المنجم خلفا لزوجي الذي قضى نحبه في هذا المكان بسبب أحد الانهيارات لذا قامت إدارة المنجم مشكورة بتوفير العمل لي إكراما لزوجي الراحل حتى أتمكن من إعالة أسرتي.

غسان أبو حسين: ينتهي الاجتماع اليومي بقيادة جيجي لينطلق الجميع إلى مواقعهم يقطعون مسافة أخرى عبر الأفق تقارب العمق الذي هم فيه.

جون جبران مالازا - عامل: هذا هو الطريق إلى موقع العمل حيث نجتاز الحفر العميقة والأماكن الخطرة لكننا اعتدنا عليها لأننا نعمل هنا منذ مدة طويلة فأنا أعمل هنا منذ عام 1984 أي منذ نحو 21 عاما.

غسان أبو حسين: تختلط مشاهد العرق المتصبب من جباههم السوداء ببريق الذهب المتشبث بصخور صلبة، صخور لا يذيبها سوى ماء دافق لتضفي على المكان مشهدا آخر من صور الإصرار والمثابرة لإنجاح المهمة، هنا تحت باطن الأرض وعلى عمق ثلاثة آلاف وخمسمائة متر تطوف بكم قناة الجزيرة في رحلة طويلة وصعبة بحثا عن الذهب في جنوب إفريقيا، انتهت أصعب المراحل على أيدي العمال لكن عملية استخراج الذهب لم تنته بعد حيث تُنقل الصخور إلى أعلى المنجم من أجل فرزها وغسلها وطحنها قبيل صهرها وصبها في سبائك.

غواندي مانتاشي: الحقيقة هي أن عمال المناجم يتعرضون لحوادث الوفاة فمثلا في الماضي كان أكثر من ألف عامل سنويا يموتون في المناجم، تضاءل الرقم اليوم ليصل إلى نحو إلى أربعمائة سنويا.

غسان أبو حسين: بعد أن تلقفته أيدي العمال صخورا يتلقفه الصاغة في شكله الأولي قبيل إعادة تصميمه على هيئة عقد أو خاتم أو غيره من المصوغات والحُلي وذلك ضمن طلبات خاصة يبرع في تنفيذها مصممون في محال صياغة المجوهرات للتتزين بها امرأة قادرة على اقتنائه في الغالب هي ليست زوجة جيجي الذي قضى جل يومه تحت الأرض.

بائعة في محل للمجوهرات: الذهب جميل لكل السيدات فهو سهل الاستخدام للزينة إضافة إلى ذلك فهو مرتفع السعر فحينما تشتري ألماسا يستغرق الأمر وقتا طويلا للوصول إلى شكله النهائي لذا فإنك تحصل حقا على شيء مميز.

إحدى زبائن محال المجوهرات: بالتأكيد على النساء أن يُقدرن الجهد الذي يبذله الرجال من أجل وصول الذهب إلينا على هذا الشكل، أنا أقدر ذلك فكل قطعة من هذه المجوهرات المصنعة يدويا تتطلب وقتا كبيرا لتصبح على هذا الشكل.

غسان أبو حسين: وكما يقولون هنا في جنوب إفريقيا الرجل يدفع ثمن الذهب مرتين مرة تحت الأرض بعرقه وأحيانا بحياته ومرة أخرى فوق الأرض من جيبه في محال بيع المجوهرات، غسان أبو حسين لبرنامج مراسلو الجزيرة، جوهانسبرغ.

محمد خير البوريني: من جنوب إفريقيا نصل إلى نهاية هذه الحلقة التي يمكن متابعتها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت وصورته عند البث، عنوان البرنامج الإليكتروني هو reporters@aljazeera.net والبريدي صندوق بريد رقم 23123 الدوحة قطر أما فاكس البرنامج المباشر فهو 00974-4887930، هذه تحية من صبري الرماحي مخرج البرنامج وفريق العمل وتحية مني محمد خير البوريني في أمان الله.