مقدم الحلقة:

محمد البوريني

تاريخ الحلقة:

25/08/2001

- أطماع إسرائيل في مياه لبنان
- أطفال إقليم كوسوفو يدفعون ثمن صراع الاستقلال

- انتشار الصحون اللاقطة في سوريا

- الفن الاحتجاجي لسود جنوب أفريقيا للحفاظ على هويتهم

محمد خير البوريني
محمد خير البوريني: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم (مراسلو الجزيرة).

تشاهدون في حلقة اليوم تقريراً يتحدث عن مشكلة المياه بين لبنان وإسرائيل ضمن قضية المياه في الشرق الأوسط، كما نتعرض لأطماع إسرائيل في مياه لبنان ضمن أطماعها العديدة في المنطقة.

كما تشاهدون تقريراً آخر من إقليم كوسوفو حول أطفال الإقليم الذين دفعوا ثمناً باهظاً من جراء صراع الاستقلال مع الحكم في بلجراد.

وبعد الرد على مجموعة من رسائلكم نشاهد تقريراً حول الصحون اللاقطة في سوريا في عهد الانفتاح، والصحون التي تنتشر انتشار النار في الهشيم، ويتحدث التقرير عن أهمية الثقة بوسائل الإعلام المحلية وعن وعي الشارع السوري وبالتالي العربي فيما يدور حوله بعد أن تفتحت أمامه آفاق الحصول على المعلومة من مصادر متعددة ألغت الاحتكار الحكومي وقضت على جميع أشكال الرقابة والتشويش والتعتيم والتعمية وحرمان المواطن من حقه في معرفة ما يدور حوله.

ومن جنوب إفريقيا نتابع سعي السود هناك نحو الجذور الإفريقية حفاظاً على تراث وتاريخ وذلك من خلال الفنون التي شكلت موضوعاً رئيسياً في الصراع مع النظام العنصري البائد، ويتحدث التقرير عن الفن الاحتجاجي الذي ساهم في تنمية جذور الثورة والحث على المقاومة، أهلاً بكم معنا إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

أطماع إسرائيل في مياه لبنان

كانت قضية المياه -ومازالت- إحدى أكثر مشكلات الشرق الأوسط تعقيداً، شح مصادر المياه والزيادة الكبيرة في عدد سكان دول المنطقة يكفي لقرع ناقوس الخطر، ألم يقل رؤساء دول عربية وملوك سابقون: إن الحروب المقبلة في المنطقة ستكون حروب مياه لا حروب حدود.

تدعي إسرائيل أن لها حقوقاً في مياه لبنان في الوقت الذي سطت وتحاول السطو فيه على الحقوق المائية لدول عربية كالأردن كلما سنحت الفرصة بذلك محاولة التنصل من التزاماتها وما وقعت عليه، مياه نهري الليطاني والحصباني من أبرز المشكلات التي عادت للظهور بعد انسحاب أو اندحار إسرائيل صاغرة من جنوبي لبنان، الليطاني الذي يُنتج مئات ملايين أمتار المياه المكعبة سنوياً والذي حاولت إسرائيل تحويل مجرى مياهه ضمن أطماعها التي لا تقف عند حد في الأرض والثروات، وما يمكن أن تضع يدها عليه. تقرير ميا بيضون أعدته من لبنان.

منظر عام من نهر الحصباني في لبنان
تقرير/ ميا بيضون: تعتبر مسألة تقاسم المياه بين لبنان وإسرائيل من أبرز المشاكل العالقة بين البلدين بعدما انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، فهناك نهران أساسيان يثيران الجدل وهما نهر الليطاني والحصباني ورافد من نهر الحصباني وهو نهر الوزاني.

نهر الليطاني الذي كان من أبرز أسباب احتلال إسرائيل لجنوب لبنان وقيامها بإنشاء شريط حدودي على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية هو نهر لبناني 100%، وعلى الرغم من أن إسرائيل تقدم مختلف الذرائع لتحصل على مياهه،

فهو ينبع في شمال سهل البقاع، ويجري بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية، ليلتف في الجنوب اللبناني عند منطقة النبطية وقلعة استيف إلى اليمين متجهاً نحو شمال منطقة صور ليصب في البحر الأبيض المتوسط.

وقد كررت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رغبتها بتحويل مجرى نهر الليطاني عند منطقة الخردلي المحازية لحدودها داخل الشريط الحدودي السابق كي يروي أراضيها، ويقول بعض الخبراء أن إسرائيل تستطيع رفع إنتاج مياهها إلى 800 مليون متر مكعب إضافية في حال استطاعت استخدام مياه نهر الليطاني، وينتج نهر الليطاني أكثر من 700 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.

ولا تخفي بعض الأوساط الرسمية اللبنانية دهشتها من إصرار إسرائيل على تحويل مجرى نهر الليطاني ومضيها في أخذ كمية أكثر مما يحق لها من مياه الحصباني فهي كما يقولون لديها الإمكانيات المادية والتقنية الكافية لتحلية مياه البحر، وقد تركزت أنباء غير مؤكدة في الماضي بأن إسرائيل أنشأت مضخات مياه لسحب مياه من الليطاني، إلا أن المراقبين في المنطقة الحدودية لم يؤكدوا هذه الأنباء.

........: أول مرة سمعت بقضية المياه هذه كان عام 79 عندما عُينت في مركزي هنا، فقد قال أحدهم: إن إسرائيل تسرق مياه من نهر الليطاني وجغرافيا المنطقة هناك جبلية، ومع ذلك قمنا بالتحقيقات إنما لم نجد شيئاً لا مضخات ولا شيء، ونحن في قوات الطوارئ ليس لدينا خبراء أيديولوجيون وبالتالي لا نستطيع معرفة إذا كانت هناك مضخات تحت الأرض، إنما حتى الآن لم يقدم أحد إثباتات مادية، بأن إسرائيل تسرق فعلياً مياه نهر الليطاني.

ميا بيضون: وباستثناء سد القرعون قامت الحكومات اللبنانية بمحاولات فاشلة خلال عقدي الستينات والسبعينات لإقامة مشاريع سدود على نهر الليطاني من أجل ري المناطق الزراعية العطشى في الجنوب اللبناني بسبب الضغوط الأميركية والإسرائيلية في ذلك الحين، وقد أعيد إحياء مشروع الليطاني من جديد بعد توفر المال اللازم لتنفيذه.

........: يعني بناخد مستوى الارتفاع عن سطح البحر بعلو 800 متر ومن.. من ..نعمل طريقة لجر المياه لغاية الليطاني لهذا المستوى، ومن ثم نجعلها تمشي بالجاذبية تجاه المستوى الثاني.

ميا بيضون: يعني كده بتروي.

.........: وبالتالي بتروي كل السفوح اللي موجودة من 800 متر وما دون حتى سطح البحر، اللي منطقة الجنوب خاصة هي منطقة مبينة واضحة صحيح جبلية، ولكن هي هضبة ما إنها تضاريسها حادة وبالتالي كل سفوحها قابلة للزراعة مع شوية تعديلات بسيطة هيستدعوا الحاجة، فإذن هاي المشروع لما بنقول 800 وإذا أخذنا بعين الاعتبار إنه أعلى نقطة ارتفاع باليوم لا تتجاوز الـ 900، 920 متر معناها نكون عم نروي كامل هذه المنطقة 800 متر، يعني فعلاً الجنوب كله يُروى.

ميا بيضون: وفيما تؤكد الأوساط الوضعية المختصة أن لبنان لن يرضخ هذه المرة لأي ضغوط خارجية تمنعه من تنفيذ المشروع لم تحدد بعد تاريخ بدء العمل فيه.

وفي ضوء عدم وجود أي علاقات أو اتصالات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بسبب حالة الحرب القائمة بينهما فإنه من المفترض أن تحدد المعاهدات والقوانين الدولية تقاسم المياه بين البلدين والتي جاءت إثر ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين وسوريا في ذلك الحين والتي حددها كل من العقيدين الإنجليزي (ستيورت وكهم) والفرنسي (بوليه) عام 23 خلال الانتدابين الفرنسي والإنجليزي على المنطقة.

.......: فيه 4 اتفاقيات أساسية، اتفاقيات (...) 23 كانون الأول 1920 التي وضحت بشكل عام مسألة توزع المياه وسأقرأ النص، جاء في المادة التامنة من هذه الاتفاقية: يقوم الفنيون المعنيون من قِبل الإدارات في سوريا ولبنان وفلسطين وخلال مدة ستة أشهر من توقيع هذا الاتفاق بفحص مشترك لإمكانيات ري الأراضي وإنتاج الطاقة الهيدروليجية لمياه الأردن الأعلى ولمياه اليرموك وروافدهما، وذلك بعد إشباع حاجة الأراضي الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، يعني آخر جملة هي المهمة، تُشبع حاجات المناطق الموجودة تحت الانتداب الفرنسي سوريا ولبنان وما بقي من مياه يذهب إلى فلسطين، في اتفاق ترسيم الحدود اتفاق كوليني كوم سنة 23 بآزار فيه فقرة حول ها الموضوع بتقول: وكل الحقوق المكتسبة لسكان سوريا ولبنان في مياه الأردن يجب المحافظة، عليها، وفي (...) يعني غير اتفاق ترسيم الحدود اللي صدر بـ 23 حزيران سنة 23 جاء النص التالي: كل الحقوق المثبتة بصكوك أو عادات محلية فيما يتعلق باستغلال مياه الأنهر والينابيع والقنوات والبحيرات في مجال الري أو لجهة تمويل الأهالي بالمياه تتم المحافظة عليها كما هي. وفي اتفاق حُسن الجوار 26 بيقول بين سوريا ولبنان من جهة وفلسطين من جهة أخرى بيجي لنا مشابه للنص اللي سبق، هاي اتفاقيات على فترة الانتداب، هلا السؤال المطروح إنه رُبَّ قائل إنه هذه الفترة مرقت صار فيه إسرائيل مطرح فلسطين شو.. شو الموضوع، إسرائيل لا تزال حتى الآن تعترف باتفاقية كوليني كوم وقدمت عدة وثائق في الأمم المتحدة تعترف بها، وبالتالي هناك اعتراف بما تم وروده من قضايا المياه، هلا هناك اتفاقيات دولية يعني عندي اتفاقية هلسنكي لـ 20 آب سنة 66، اللي بتقول بالمادة الرابعة: لكل دولة من دول الحوض الحق في أراضيها في حصة معقولة ومنصفة من الاستخدام المفيد لمياه حوض التصريف الدولي، هلا المادة الخامسة: إن تحديد ما هي حصة.. الحصة المعقولة والمنصفة بالمعنى الوارد في المادة الرابعة يتم في ضوء كافة العوامل المناسبة في كل حالة على حدا.

ميا بيضون: ومن المفترض أن تطبق هذه الاتفاقيات على نهر الحصباني ورافده نهر الوزاني، وينبع نهر الحصباني قرب كركوك شرق لبنان، ويجري في لبنان لمسافة 60 كيلو متراً، ليخرج بعدها من الحدود اللبنانية ليصب في نهر الأردن، ويقول الخبراء : إنه على الرغم من أن لإسرائيل الحق في بعض مياه النهرين لكون الحصباني رافداً من الروافد الرئيسية الثلاثة لنهر الأردن فإنه وحسب بعض القوانين يستطيع لبنان أن يستغل المياه حتى إشباع حاجته ويُعطي الباقي لإسرائيل.

........: بالنسبة للحصباني والوزاني، صارت الأرقام معروفة، نحن عم نستفيد بـ 7 ملايين متر مكعب من ها المياه وإسرائيل عم تستفيد من الباقي اللي هو 153 مليون متر مكعب، طبعاً هذه.. هذا التقسيم هو تقسيم فرضته إسرائيل بالقوة العسكرية بس مش تقسيم لا واقعي ولا قانوني ولا غيره، النقطة التانية لبنان دخل بالاتفاقية الدولية حول مياه.. المياه الدولية حول مياه الأنهار الدولية، نحن يعني منسجمين بالقانون الدولي كلبنانيين كدولة لبنانية إسرائيل رفضت أن توقع هذه الاتفاقية، فإذن إسرائيل مرة إضافية لا تلتزم بقانون الدولة، مش بس إنه بالاحتلال والعدوان والاستيلاء على الأرض، أيضاً بالاستيلاء على المياه، إسرائيل لا تلتزم بالقانون الدولي، هلا نحن شو بدنا نعمل، نحن لدينا عدة مشروعات لرفع نسبة استفادة لبنان من مياه الحصباني والوزاني تدريجياً وفقاً لحاجات المنطقة ولحاجات تثبيت سكان المنطقة، لأنه نحن مش معقول عندنا 200 ألف نسمة ساكنين بها الحوض.. حوض الحصباني نتركهم بدون ماء بدون ري، بدون القدرة على استعمال المياه، بينما إسرائيل تتنعم بها المياه هاي.

ميا بيضون: كما يطالب لبنان بتعويضه عن المياه التي استغلتها إسرائيل نتيجة استخدامها المفرط لمياه نهري الحصباني والوزاني طوال فترة احتلالها لجنوب لبنان، أزمات المياه بين البلدين لا تنتهي وكان آخرها الأزمة التي أعقبت قيام مؤسسة مجلس الجنوب اللبنانية بوضع مضخة على نهر الوزاني داخل الأراضي اللبنانية من أجل ري بعض القرى الحدودية التي عانت من شح المياه طوال سنوات الاحتلال، وهي أزمة كادت أن تؤدي إلى تدهور خطير بين البلدين.

.........: أي والله عندنا مشكلة هلا ما عندنا ميه بالمرة، ننسى الميه هلا عم بنجيب بالإيجار يعني شوفي هاي لتر المي هلا عدينا نقط الميه بـ 20 ألف، هاي عم بننزل كل يوم بنغسل غسيلاتنا على النهر.. نهر الوزاني.

.........: تقريباً ما عندنا هون مادياً بس فيه يعني نهر من نهر الحصباني فهو أيجي، كيف بيبقى نهر الوزاني؟ نهر الوزاني ما ينستفيد منه شيء نحن إلا كله رايح ما بنستفيد إلا بالعملة جديدة.

ميا بيضون: وإذا كانت الحكومة اللبنانية ترد على انتقادات المراقبين لها بتقاعسها عن القيام بمشاريع سدود على ضفاف أنهار لبنان الرئيسية، وكان عذرها أن هناك احتلالاً يمنع الدولة من القيام بواجباتها فإن هذا المبرر لم يعد مقبولاً خاصة بعدما انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

ومع غياب أي نوع من التفاوض بين لبنان وإسرائيل يبدو أن مسألة تقاسم المياه بين البلدين ستبقى موضع أخذ و رد، ولا تحل هذه المشاكل إلا عند انطلاق المفاوضات على المسارين اللبناني والسوري.

ميا بيضون- (الجزيرة) - لبرنامج (مراسلو الجزيرة) من ضفاف نهر الوزاني جنوب لبنان.

أطفال إقليم كوسوفو يدفعون ثمن صراع الاستقلال

محمد خير البوريني: يشكل الأطفال نحو نصف عدد سكان إقليم كوسوفو، دفع هؤلاء الأطفال ويدفعون وربما يدفعون أيضاً مستقبلاً ثمناً باهظاً من جراء الصراع مع حكومة بلجراد، هؤلاء الأطفال عاشوا ويعيشون حياة صعبة وقاسية جداً، تقرير سمير حسن أعده من هناك.

مراسل الجزيرة في كوسوفو يجلس بجانب عدد من الأطفال
تقرير/ سمير حسن: لعب الأطفال الألبان في كوسوفو دوراً هاماً في معركة آبائهم التي مازالت قائمة من أجل الاستقلال ودفعوا ثمن ذلك حتى بعد رحيل الجيش اليوغسلافي من كوسوفو.

وتكمن أهمية دور الأطفال الألبان حتى سن الخامسة عشر في أنهم يمثلون 41% من السكان، ويستخدم الألبان زيادة عدد السكان كقنبلة بشرية لإثبات أحقيتهم التاريخية والعددية في كوسوفو، حيث أثبت إحصاء عام 81 أن متوسط معدل الولادة للمرأة الألبانية يصل إلى ستة أطفال، نظير ثلاثة أطفال للمرأة الصربية، ولذلك سعت السلطات إلى تصريب كوسوفو بالقوة عبر الأجيال الماضية ، لكن جيل اليوم بدا أكثر تحرراً، بل يمكن القول أنه استلم راية الحرية ويتطلع إلى راية الاستقلال، ولما لا وقد ولد معظمهم على دوي انفجار القذائف وشبوا ليجدوا بصمات هذه القذائف على جدران بيوتهم.

أجواء التوتر في كوسوفو غذت الأطفال بكره كل ما هو صربي، فالحفيد رأى جده قتيلاً لأنه ألباني، وهذا الرضيع عندما يكبر لن يرى أباه، لأن الشرطة الصربية قتلته بغير ذنب.

.......:بعد كل ما فعله الصرب فينا لا نرغب في رؤيتهم ولا سماع لغتهم، ومن المستحيل أن نعيش معهم مرة أخرى.

سمير حسن: ومازال أطفال كوسوفو يعيشون أجواء الحرب في جدهم ولعبهم، هذه الأجواء صبغتهم برجولة مبكرة، وبعد أن كان يومهم دائماً مزحوماً بالواجبات من خلال المشاركة في مظاهرات المطالبة بإعادة الحقوق الإنسانية والسياسية التي ألغاها الصرب عام 89 فإنهم يتظاهرون اليوم أيضاً، ولكن ضد الفقر وضد الوضع الاقتصادي المتردي فالبطالة تنخر في أجساد 50% من أهليهم.

........: 40% من أطفال كوسوفو يعانون من صدمات نفسية بسبب التجربة السلبية التي عاشوها، وأيضاً بسبب عدم توافر الرعاية في مجال الصحة النفسية للكبار والصغار على حدٍ سواء.

سمير حسن: آلاف الأطفال يتمتهم الحرب في كوسوفو وإذا كان فقدان الأب يعني الكثير لأي طفل فإنه للأسرة الألبانية بمثابة الرأس للجسد.

..........: هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى رعاية خاصة لكن للأسف نحن نفتقد الكادر المختص سواء على مستوى البحوث الميدانية والتطبيقية، إضافة إلى صعوبة علاج الأطفال وغياب الوعي العام.

سمير حسن: وأولئك الذين فروا من ديارهم لإنقاذ أرواحهم لم تنجو أجسادهم من الأمراض المزمنة بسبب سوء التغذية، وعدم توافر الرعاية الصحية، أو حتى مياه الشرب النقية في المهجر، وبعضهم مازالوا يعيشون في الخيام حتى بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على انتهاء الحرب، لأن 36% من منازل كوسوفو مدمرة.

المعاناة أيضاً تتواصل حتى في اللعب، فالرعب من الألغام المزروعة هنا وهناك تحرم الأطفال في كوسوفو من الخروج إلى الشارع ومتنفسهم الوحيد هو اللعب في فناء البيت الذي يأويهم، ودور الحضانة قليل منها مدمر، وكثير يزاول عمله بدون إمكانيات ولا يستوعب إلا عدداً زهيداً من الأطفال، وحتى الذين كانوا يسهرون على شؤون الأطفال سجنوا بغير ذنب في السجون الصربية مثل الدكتورة فلورا بروكنيا التي أفرج عنها مؤخراً وعادت للأطفال ومعها قليل من اللعب جمعتها ممن يملكون لتهديها لمن لا يملكون.

.......: مشاكل الأولاد الصغار كانت دائماً تشغل تفكيري، تشغل تفكيري وأنا في السجن، فهؤلاء الأطفال ظلموا كثيراً حيث عاشوا في رعب دائم ومازالوا يعانون.

سمير حسن: والفرحة العارمة لمجئ قوات الناتو ما لبثت أن تحولت إلى نقمة، حيث يبحث حفاظ السلام عما يملأ وقت فراغهم، وتبحث بعض العصابات عن إفراغ جيوب هؤلاء الجنود والنتيجة هي الزج بالأطفال في دوامة الدعارة والمخدرات، أما أصحاب الحس المرهف مثل فاكوس الطالب في الصف الثالث الابتدائي فإنه يراقب ذلك كله ولم ينس ما حدث لأستاذه الذي اغتالته الشرطة الصربية ورثاه بهذه القصيدة.

فاكوس: أستاذي.. أستاذي العزيز.

اليوم اسمع صوتك.

أسمع صوتك القادم من القبر.

اسمعه كما لو كان من الفصل الدراسي.

اسمعه بقلبي ولن أنساه.

وكيف أنساه وهو يمنحني الحياة؟!

سمير حسن :وفاكوس أمل ألباني مثله مثل الصغار الذين أتعبتهم معاناة الحرب والسلام فراحوا في نوم عميق لعل الحلم يكون أفضل من الحقيقة.

وقد رفض تقرير صادر عن الأمم المتحدة سوء أوضاع الأطفال في 20 دولة في العالم من بينها كوسوفو.

سمير حسن - (الجزيرة) - برشتينا.

محمد خير البوريني: ونتحول إلى فقرة الردود على رسائلكم.

نبدأ برسالة وصلت من المشاهد محمد المهدي من الجماهيرية الليبية تساءل فيها قائلاً: إلى متى يبقى الإعلام العربي يلبس عباءة الذل والخنوع وتبقى أخباره تدور في فلك ضيق وممل واحد هو: عاد سموه بحفظ الله إلى البلاد، وقام فخامته وجلس جلالته ونام حضرته؟ وقال المشاهد أما آن الأوان للإعلام العربي خلع هذه العباءة التي أكل الدهر عليها وشرب ليرتدي عباءة حرية الرأي والانعتاق من التبعية، يطلب محمد من البرنامج تسليط الضوء على قضية الصحراء الغربية، نجيبه بالقول بالنسبة للصحراء الغربية فقد كان البرنامج قد عرض موضوعات مختلفة حولها وسوف نواصل متابعة هذا الملف كما بقية الملفات الأخرى في العالم العربي والعالم.

ورسالة من المختار ولد محمد من موريتانيا يشكر المشاهد (مراسلو الجزيرة) ويطلب من (مراسلو الجزيرة) إعداد تقرير يتحدث عن النفط في موريتانيا ويسأل المشاهد عن التقديرات الأولية من كميات النفط في هذا البلد العربي.

نقول للمشاهد: الحديث عن النفط في موريتانيا مازال في بدايته، سنحاول -إن شاء الله- تسليط الضوء على هذا الموضوع في وقت قريب.

ومن موريتانيا أيضاً بعث المشاهد النعمة، ومعذرة لعدم إمكانية قراءة بقية الإسم، يطلب المشاهد من البرنامج عرض المزيد من الموضوعات التي تتحدث عن موريتانيا ويقول: هل (الجزيرة) محرومة من الدخول إلى موريتانيا؟ وسأل أيضاً: أليست موريتانيا دولة عربية أم أنكم تركتموها لأنها طبعت مع الكيان، ويقصد المشاهد إسرائيل، ويتابع إن الشعوب لا تؤخذ بقرارات الحكام، كما يسأل: هل مراسل (الجزيرة) في نواكشوط عاجز عن تقديم ما يجري في البلاد، ويتحدث المشاهد في رسالته عن المدن التاريخية في موريتانيا ويقول: إنها تمتلئ بالمخطوطات.؟

نجيب المشاهد بالقول: إن موريتانيا جزء عزيز من العالم العربي كغيره من الأجزاء العربية التي تتمثل في دول تمتد من المحيط إلى الخليج، كنا قد عرضنا العديد من الموضوعات التي تتحدث عن موريتانيا والدول المجاورة لها، كما تناولنا المخطوطات وبعض المدن التاريخية مثل مدينة شنقيط، سنواصل -إن شاء الله- تقديم المزيد والمزيد حول موريتانيا.

وعبد المحسن الهرشي من السعودية بعث إلى البرنامج طالباً تقريراً حول حياة الغجر أو من يطلق عليهم اسم النور في بعض المناطق العربية ويسأل المشاهد: أين يعيشون في الدول العربية؟ وبماذا يتميزون؟ وهل هم مضطهدون أم لا؟

شكراً لمحسن على الرسالة الموجزة والمركزة، كان البرنامج قد عرض موضوعات عن الغجر في بلغاريا وغيرها من مناطق الغجر موجودون في العديد -إن لم يكن في جميع الدول العربية- كانوا يعيشون حياة تعتمد على التنقل من مكان إلى آخر خلال العقود الماضية، ويمتهنون حرفاً يدوية مختلفة، عانى الغجر كثيراً من رفض المجتمعات المختلفة لهم ومن التمييز، ولكنهم بدأوا بالانخراط والذوبان في المجتمعات المحيطة بهم حيث منحوا في عدد من الدول العربية حقوق المواطنة الكاملة ولم يعد لهم مناطق تجمع محددة، وتحولوا إلى حياة الاستقرار، يعمل الغجر حالياً في مؤسسات ودوائر الدول التي يعيشون فيها ويساهمون في نهضة دولهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، بقي أن نقول: إن المراجع التاريخية تشير إلى أن الغجر من أصول تعود إلى شبه القارة الهندية، ونقول أيضاً إننا سوف نحاول تسليط الضوء من جديد على حياة هؤلاء الغجر في دول أخرى مستقبلاً إن شاء الله.

ومن هولندا بعث بيربدرفيان رسالة طلب فيها من البرنامج إعداد موضوع يتحدث عن العولمة وطلب تحديداً بيان التالي: ما هي العولمة؟ من أين جاءت الفكرة؟ وما هي أهدافها وغايتها؟ شكراً للمشاهد الكريم على الرسالة وسنحاول تلبية طلبك قريباً.

والمشاهدة رانيا الدسوقي وهي سورية وتقيم في المملكة العربية السعودية، بعثت رانيا ببعض المقترحات والطلبات وقد قمنا بتحويلها إلى الجهة المختصة في القناة بناءً على طلبها.

مشاهدينا الكرام، نؤكد من جديد أننا نعتذر عن عرض أي رسالة تخرج عن نطاق الآراء والمقترحات والملاحظات التي تتعلق فقط بعمل البرنامج، إذ تصل إلينا الكثير من الرسائل التي لا تمت إلى عملنا بصلة وتتحدث عن برامج أخرى تعرضها (الجزيرة) أو عن نشرات الأخبار أو غير ذلك ،ويؤدي ذلك إلى هدر الوقت دون طائل أو منفعة، إذ أن هذا الباب أو هذه الزاوية تستهلك قدراً كبيراً من الوقت والجهد في إعدادها، مرة أخرى نحن على ثقة من تجاوب السادة المشاهدين معنا بهذا الشأن ونرحب برسائلكم وأفكاركم ومساهماتكم معنا على الدوام.

مشاهدينا الكرام نواصل معكم بقية فقرات البرنامج.

انتشار الصحون اللاقطة في سوريا

تنتشر الأطباق اللاقطة إنتشار النار في الهشيم ووصفها البعض بالفطر الحديدي الذي ينمو على أسطح المنازل، يرى مراقبون عرب أن فقدان الثقة بوسائل الإعلام المحلية ليس في قطر عربي دون غيره دفع منذ زمن طويل بالمواطنين إلى اللجوء إلى محطات إذاعية و تليفزيونية خارجية تبث السم بالعسل للحصول على قدر من المعلومات الصحيحة، لاسيما تلك التي تتعلق بحياة ومستقبل هؤلاء المواطنين وديارهم وأوطانهم وحرياتهم وقوتهم اليومي ومجمل حقوقهم الإنسانية والوطنية العامة، الأمر الذي يبعث على الألم ويترك جُرحاً غائراً في النفوس.

يرى متخصصون أن الأخطر من كل ذلك من يوضعون في مراكز يؤتمنون عليها ويتعمدون السير في سياسات خاطئة ظناً منهم أنهم يخدمون من وضعوهم في تلك المراكز، ولكنهم في الحقيقة يسيؤون إليهم أشد الإساءة، كما يسيؤون أولاً إلى مستقبل وطنهم إساءة أكبر تصل إلى حد الإجرام.

يثني كثيرون -ضمناً أو علنا-ً على الدول الغربية لجلبها تكنولوجيا الصحون اللاقطة التي قضت على كل وسائل التعتيم والتعمية، وقضت على أنواع الرقابة والحلف والوصاية على عقول الشعوب، ومصادرة حقها في معرفة ما يدور في بلادها، وما حولها، تساءل صحفي عربي: متى يصحو القائمون على بعض وسائل الإعلام العربية الذين تجاوزهم الزمن والذين يصرون على وهم أنه لا يمكن للجمهور في دولهم أن يعرف إلا ما يذيعون عليه، هذا في الوقت الذي لم يعد الجمهور يستمع أو يشاهد محطاتهم أصلاً، لأنه يرى أنه لم يعد هناك من مبرر لوجودها على حد تعبير الصحفي العربي، الصحون اللاقطة في سوريا في تقرير ليلى موعد.

انتشار الصحون اللاقطة في سوريا
تقرير/ ليلى موعد: من أسطحة المنازل والشرفات وربما من الجو وحتى وأنت على الأرض تستطيع أن تشاهد صحوناً لاقطة امتدت على طول مائدة دمشق وأخواتها المحافظات السوريات، وقد يبدو المشهد العام مثيراً للجدل والتساؤل حول تأثير هذه الظاهرة على جمالية المدن ومخاطرها خصوصاً في الأحوال الجوية السيئة.

........: أحياناً عم بتهب رياح أنا بأعرف حتى أنه طار دش وإيجي على طفلة وماتت من أربع سنوات يعني.

........: الدشات هي عبارة عن فطور ولكن تنمو على الأسطح، مثل يعني فطور.. فطور معدنية ذميمة مع الوقت بتصير صديقة، والصدأ تبع الدش عم ينتقل إلى أذهان المشاهدين وهذا هو الخطورة.

ليلى موعد: صحون ساخنة بالأخبار ومتبلة بعشر سنوات منع وعشر مثلها رغبة، فيما بدا العديد منها مبهر بالصدأ، ولعل ممانعة الحكومة بالاعتراف بهذا المشهد المعدني لم يجد صداً لدى الأهالي، ما اضطرها في النهاية لمنح ترخيص رسمي لا يزال وليداً أمام مد لصحون لا يمكن بأي حال إحصاء عددها.

........: أعتقد أن العدد ربما تجاوز المليون في العاصمة واحدة، فما بالك ببقية المحافظات الأخرى السورية، وأعتقد أيضاً إن فقدان.. فقدان المواطن السوري الثقة بوسائل الإعلام المحلية ساهم إلى حدٍ كبير في انتشار هذه الصحون، لذلك وسائل الإعلام المحلية مطالبة برفع أدائها حتى تستطيع أن تنافس الكم الهائل من المعلومات التي تأتي عبر الفضاء.

.......: في عصر العولمة والفضائيات ليش ما تشوف أو تشوف بدي أشوف أنا، هلا مطروحة ثقافة القرن الواحد والعشرين نجدها ثقافة أميركية شئنا أم أبينا يعني، أنا ما بأحب أميركا، بس مفروض علي.. مفروضة ببيتي، بغرفة نومي، بأكلي.. بشربي، بأي شيء يعني، فهون مشكلة يعني المشكلة...

ليلى موعد: وفي المقابل بدأت ممانعة الحكومة خجولة بما يكفي لتنشيط عمليات تهريب الرسيفر أو المستقبل مما جعل منه سلعة رائجة جداً، حتى كاد الاعتقاد يترسخ بالوصول إلى حد الاكتفاء، ثم بدأت الحكومة تحاول إعادة ماء وجهها، وهذه المرة عبر محاولة فرض ضريبة.

........: ليس منطقياً إطلاقاً أن تقوم وزارة المالية بفرض ضريبة على الدشات الموجودة في البلد، لاسيما وأن رجال الجمارك اللي تابعين لوزارة المالية هن اللي غضوا الطرف، وسمحوا بإدخال هذه المواد إلى البلد وهذه الآلات، بالمقابل الذين جنوا الملايين من وراء إدخال هذه المواد وبيعها في البلد لم يحاسبوا على ذلك ولم يدفعوا ضريبة للدولة، فأين المنطق في هذا؟

ليلى موعد: لجنة ترشيد الاستيراد سمحت بتصنيع الرسيفر محلياً، وسعت للتعاقد على مكونات 50 ألف جهاز، لكن المراقبين رأوا في هذه الخطوة ما سيؤثر سلباً على شركة يجزمون أنها ستقصر عن مجاراة القطاع الخاص البعيد عن حبائل الروتين.

لكن التحدي التقني وإن أتى متأخراً لم يكن وحده ما وجد المعنيون أنفسهم إزاءه، بل كم من هائل من التدفق الإعلامي والذي وصف بعضه بالموجه والمسموم، ولم يستطع مقص الرقيب المحلي والذي لا يزال يمارس عمله الروتيني على بعض الصحف وعديد جمل في المسلسلات الدرامية أن يتصدى لهذا الفيروس، فبدت المحاولات الأولى لانتزاع الصحون اللاقطة فاشلة، ربما لأن القادم من الفضاء لن يقف أي سد في وجهه، اللهم إلا مناعة الرقيب الداخلي.

.......: كل إنسان يتعلق بعدة آراء ممكن تفيد يعني، مو ضروري إنه ها الشيخ ها الشيء خلينا نحبك أو كذا ما بأتصور.

........: مع الأسف هو أنه هذه المحطات الفضائية أستخدمت لايقاظ القرد الذي فينا بدل من أن تستخدم لمخاطبة الإنسان وتنمية هذا الإنسان، مع الأسف إنه نصف القرد من خلال المحطات الفضائية يأكل ما بقي من نصف الإنسان.

.......: مهمة وسائل الإعلام هي تحديد أو تسيير سلوك الشارع بالنهاية، توجيهه.

........: فأنا مو مسؤوليتي إذا بدي أشوف فيلم إباحي أو على المحطة كذا والمحطة كذا، أنا اليوم بدي ينقصني البرنامج اللي لا يعجبني وبيبني شخصيتي وبيحترم عقلي أكيد راح أشوف أي شيء.

ليلى موعد: ورغم أن الوقائع تشير إلى ولادة أجيال جديدة من هذه الأجهزة، تستطيع مد الفرد بـ500 أو 600 محطة فضائية، فإن تركيزه يقتصر في الأغلب على 5 أو 6 منها، وفي الحد الأقصى عشرون.

وقد ساهم هذا في توجه بعض الرؤى إلى أن موجة التقاليع يرغب بركوبها الجميع، دون الانتباه إلى ضعف درجة التعليم والثقافة في سوريا والوطن العربي، والتي لا تحتاج لغير الفضائيات العربية، لكن آخرين ينحون باللوم على مثل هذه الأفكار التي ساهمت في صنع رأي مطلق أضعف -ولو جزئياً- الثقة بالقدرة على مجاراة الآخرين مطالبين بالإفساح في المجال أمام المواطن لتنمية قدرته على الاختيار والحكم.

وللمدن هويتها المعمارية، وهنا يبرز التساؤل حول القدرة على وضع حدٍ لهجوم الصفيح هذا، لكن إذا ما عرفنا أن مشروع Cable أو الناقل لا تزال أوراقه تقبع في الأدراج منذ نحو 4 سنوات بسبب عدم قدرة أي شركة على تبني تكلفته التي قد تصل إلى نحو 500 مليون دولار، فإن البعض طرح بديلاً على غرار اللاقط الفندقي والذي يقوم بتوزيع عدد متفق عليه من المحطات على ساكني عمارة واحدة شرط أن يكونوا متفقين أيضاً.

ليلى موعد برنامج (مراسلو الجزيرة) دمشق.

الفن الاحتجاجي لسود جنوب أفريقيا للحفاظ على جذورهم

محمد خير البوريني: يحاول السود في جنوبي إفريقيا العودة إلى الجذور ولكن عن طريق الفنون، الفنون التي شكلت موضوعاً رئيسياً في صراعهم مع النظام العنصري البائد، الفنون الإفريقية التي تحمل في ملامحها دلالات ثقافية رسم التاريخ ملامحها جيلاً بعد جيل، ومن بين هذه الفنون الفن الاحتجاجي الذي يزرع الثورة ويحث على المقاومة، تقرير وضاح خنفر أعده من هناك.

الفن التشكيلي في جنوب أفريقيا
تقرير/ وضاح خنفر: شجع التحول السياسي وما فات جنوب إفريقيا من شعور بضرورة العودة إلى جذور الثقافة الإفريقية بروز مدرسة فنية يشترك فيها الفنانون البيض والسود، وتحمل أعمالها ملامح مشتركة، وتلقى رواجاً على المستويين المحلي والعالمي، غير أنها لم تترسخ بعد، فرحلة الفنون بعد مراحلها المختلفة كانت انعكاساً للصراع بين الأفارقة والبيض.

مر تطور الفنون بجنوب إفريقيا بمراحل ثلاث كان أولها ما قبل انتفاضة سويت الشهيرة عام 76 حيث ركز الفنانون الأفارقة على إظهار ملامح الهوية الإفريقية في وجه هيمنة السلطات البيضاء، فجاء التركيز على الفنون القبلية والمنقوشات الإفريقية التقليدية التي تحمل دلالات ثقافية.

........: حسب اعتقادي فإن كثيرين بدأوا بالرسم، فقد رسموا الناس بملابسهم القبلية أو التقليدية، وهذه الرسوم لاقت شعبية كبيرة بين السائحين والمواطنين المحليين الذين أقبلوا على شرائها.

وضاح خنفر: ومع اندلاع المقاومة الشعبية في السبعينيات ومحاولات النظام العنصري ضرب القوى الوطنية وقمع الفعل الجماهيري، وُلد الفن الاحتجاجي، واستجاب الفنان لروح المرحلة، وبدأت ريشته تعكس عمق المعاناة التي يحياها الأفارقة في ظل نظام تكشفت عنصريته عن كل قبيح، وراجت في تلك المرحلة الموسيقى بأنواعها لا للترفيه عن المواطن المغلوب على أمره فحسب، بل لزرع بذور الثورة والحض على النضال.

......: لعبت الموسيقى دوراً هاماً جداً، لأنها أبقت على انشغال الناس وعلى سبيل المثال خلال الانتفاضات الشعبية كانت الموسيقى واحدة بين العوامل التي استطاعت في الحقيقة إيصال الرسالة المرجوة

تقرير وضاح خنفر: وفي عام 94 انتصرت إرادة الجماهير المستضعفة ونصب مانديلا رئيساً للبلاد، وبدأ الواقع يفرض تحديات جديدة صارت تنعكس في الواقع الفني، ويرى الكثيرون أن هذا التحول لم يتجزر بعد، فمازال الفن الاحتجاجي ملحوظاً في أعمال الكثير من الفنانين خصوصاً ممن يعتقدون بأن التحول مازال منقوصاً وأن معاناة الأفارقة لم تتغير.

........: 50% من السود مازالوا يتضورون جوعاً، ويعيشون في عشش وضيعة بين الأشجار في العراء، إنهم ليسوا سعداء على الإطلاق، إذا نظرت إلى البيض فستجد الأمر يختلف تماماً، وهذا هو سبب استمرار السود في العنف والتوجه نحو الجريمة.

وضاح خنفر: غير أن البعض يرى ضرورة الإقبال على المستقبل بروح أكثر استجابة للمتغيرات، خصوصاً في وجه التحديات الجديدة التي حملت رياح التغيير، كتزايد معدلات الإصابة بمرض الإيدز، والفقر الذي مازال يجعل من حياة الأفارقة جحيماً لا يطاق، بالإضافة إلى تحديات نقل العلم والمعرفة في أوساط الأفارقة الذين عانوا من غيابه منذ عام 48.

.......: في عام 94 كانت هناك ثورة سياسية من أجل النهضة، لذلك فقد تحولنا من هناك إلى عصر النهضة نفسه، وهو ما نتحدث عنه الآن في جنوب إفريقيا، النهضة والعودة إلى القضايا القريبة منها، لذلك فإن الفن الآن يمر في مرحلة التحول نحو القضايا التي تمس الحياة.

وضاح خنفر: ويجتهد طلبة المسرح في مدرسة الدراما والفنون الجميلة في تقديم حلول للمشكلات التي يواجهها الأفارقة في حياتهم اليومية وعلى رأسها العنف بكافة أشكاله.

.......: اليوم نحن هنا لكي نقضي عليك أيها العنف، نقضي عليك تماماً، تماماً.

وضاح خنفر: من جهة أخرى هناك فروقاً كبيرة بين الفنانين الأفارقة وزملائهم البيض، فالتجربة الشعورية التي أخرجت الفن الاحتجاجي ليست موجودة لدى معظم الفنانين البيض، وتصور معظم اللوحات في صالة جوهانسبرج للفنون الجميلة انفعال الفنان الأبيض بالطبيعة الخلابة وحياة الدعة التي تعيشها الأقلية الأوروبية في جنوب إفريقيا.

غير أن التحول السياسي الذي جاء بحكم الغالبية السوداء، وما رافقه من ازدياد معدلات الجريمة قد صار الهاجس الأول للكثير من البيض.

ويدور جدل في الأوساط الفنية حول طبيعة العلاقة بين الفنانين البيض والسود، إذ يعتقد معظم الأفارقة أن المزايا التي اتيحت للبيض مكنتهم من تطوير البنية الفنية المتقدمة وأن هناك فجوة كبيرة بين هموم وتطلعات الفريقين.

.......: غالبية الفنانين البيض لديهم درجات متفاوتة من المتابعة وهم على درجة كبيرة من الخبرة تفوق تلك التي يتمتع بها الفنانون السود، معظم الفنانين السود تدربوا على تقنيات العمل الأساسية في مراكز اجتماعية، بينما حصل البيض على مناصب أكاديمية مختلفة تصل أحياناً إلى درجة الدكتوراه في تخصصات مختلفة في الوقت الذي لا يوجد فيه فنان أسود واحد حاصل على ذلك.

وضاح خنفر: ومن جانب البيض فيبدو أن استجابة الفنانين للمتغيرات كانت على أنماط مختلفة، إذ يرى البعض أنه لابد من الاعتراف بخصوصية مستقلة لكل من البيض والسود، وأن الفنون ستبقى انعكاساً لذلك.

.......: أعتقد أنه يمكن رؤية طبيعة الناس لمن يبحث عن الفوارق، لا يكون هناك أبيض وأسود بشكل دائم، قد يكون ذلك قضية كبيرة يمكن أن تؤدي إلى أرضيات خطرة، أو تكون قضية احترام أكثر من كونها قضية تفرقة بين الناس.

وضاح خنفر: بينما ينكر آخرون أن هناك شروطاً فنية حسب فاصل اللون والجنس وأن الفنون الجنوب إفريقية هي في الحقيقة ذات تطلعات واحدة.

..........: أنا أفضل أن أضع هذا الأمر في تاريخ كيانين منفصلين، لذلك فإن الفن الأبيض أو الفن الأسود كثيراً ما يبقى في ذاكرة السائح بما يفوق نسبة بقائه في عقل المواطن في جنوب إفريقيا، هذا ما أشعر به شخصياً.

وضاح خنفر: ويذهب فريق ثالث إلى أنه لابد للفنانين البيض من اعتناق الهوية الإفريقية، وأن ذلك هو السبيل الوحيد لردم الهوة التاريخية بين الجانبين.

.......: ربما أنا لا أتحدث من منظور أبيض تماماً، لأنني ربما متأثرة بخلفية عملي بشكل واسع في وسط مجتمع السود من خلال مهنتي، وأعني أنني عشت في قرى ومخيمات وتنقلت بين المناطق المعزولة.

وضاح خنفر: ويعكس تعدد هذه الآراء أزمة هوية لدى الفنانين البيض، تتمثل في حاضر يشهد انبعاث الهوية الإفريقية و ماض عنصري أعطى البيض شعوراً بتميز مزعوم.

ويستمر الفن الجنوب إفريقي في رحلته الباحثة عن هوية في ظل واقع جديد ويبقى الوصول إلى قناعات مشتركة بين الفنانين البيض والسود بعيد المنال، فصورة الحياة وهمومها لا تلتقي إلا في الخوف من مستقبل يكتنفه الغموض.

وضاح خنفر لبرنامج (مراسلو الجزيرة) جوهانسبرج.

محمد خير البوريني: مشاهدينا الكرام إلى هنا نأتي إلى نهاية حلقة هذا الأسبوع من البرنامج، يمكنكم متابعة تفاصيل هذه الحلقة في مواعيد بثها بالصوت والصورة من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت والعنوان هو www.aljazeera.net

كما يمكن مراسلة البرنامج من خلال البريد الإلكتروني على العنوان التالي reporters@aljazeera.net

أما عنوان البرنامج البريدي فهو برنامج (مراسلو الجزيرة) صندوق بريد رقم 23123، الدوحة قطر.

أخيراً يمكنكم مراسلة البرنامج على رقم الفاكس التالي 009744860194.

بانتظار ملاحظاتكم واستفساراتكم ومقترحاتكم المتعلقة بالبرنامج في الختام هذه تحية من المخرج صبري الرماحي و فريق البرنامج، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.