مقدم الحلقة:

محمد البوريني

تاريخ الحلقة:

28/12/2002

- 2002 أصعب الأعوام على الشعب الفلسطيني
- مصاعب وعقبات أمام التعاون اليمني الأميركي لمحاربة الإرهاب

- التطورات السياسية والأمنية في باكستان عام 2002م

- الحصاد السياسي في تركيا عام 2002م

محمد خير البوريني: أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا إلى حلقة جديدة من (مراسلو الجزيرة).

تشاهدون معنا في حلقة هذا الأسبوع تقريراً من فلسطين يتحدث عن عام من أقصى السنوات العجاف التي مرت على شعب عربي بمسلميه ومسيحييه منذ بداية القرن الماضي باستثناء النكبة والهزيمة، الهزيمة التي لم تكن هزيمة للشعب الفلسطيني الأعزل، بل هزيمة منكرة للنظام الرسمي العربي ممثلاً بقياداته، القيادات التي يرى سياسيون ومتخصصون أنها لم تفعل شيئاً مادياً يذكر لوضع حدٍ للمهانة والذل والخزي والهوان الذي تعيشه شعوبها.

ومن اليمن نحاول أن نركز على جوانب محددة من الحوادث وأعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال عام كامل، وتتناول الحملة التي شنتها وتشنها صنعاء ضد من يوصفون بالإرهابيين، وهي الحملة التي تلقى مشاركة ومباركة أميركية كبيرة في الوقت الذي تثار فيه الكثير من الأسئلة وسط ظروف صعبة تحيط بالتعاون بين الجانبين.

ومن باكستان التي كانت ساحة كبيرة من ساحات ملاحقة ما يُسمى الإرهاب نتناول مساعي إسلام آباد لكسب ود ودعم الولايات المتحدة والابتعاد عن إغضابها، ونرى ما الذي تحقق من ذلك، كما نلقي نظرة على وضع التيارات الإسلامية في البلاد خلال عام، ونتطرق إلى نزاعها مع الهند.

ومن تركيا نستعرض تقريراً يتناول أبرز أحداث العام، الأحداث التي تركت بصماتٍ واضحة في تاريخ البلاد ليس ابتداءً بفوز حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية في الانتخابات ووفاة السياسات القديمة، وندرس إمكانية التعايش بين التيارات الإسلامية والديمقراطية الغربية العلمانية، كما نتطرق إلى السجال بين أنقرة وواشنطن بشأن القضية العراقية وجهود حل المسألة القبرصية. أهلاً بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

2002 أصعب الأعوام على الشعب الفلسطيني

يجمع فلسطينيون ومراقبون على أن عام 2002 كان واحداً من أصعب وأقصى السنوات التي مرت على الفلسطينيين خلال قرن من الزمان، زمان الاستيطان اليهودي والاحتلال، زمن ترك شعب عربي يواجه الموت ويخوض حروباً لا تكافؤ فيها نيابة عن أمة قوية لو أرادت أن تكون كذلك، احتلال عسكري كامل أضيف إلى الاحتلال، وحصار قاسٍ وشامل للضفة والقطاع وقتل واغتيالات وتنكيل وبطش واعتقالات واسعة ومزيد من تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية المحتلة وتشديد الخناق عليها أو عمليات تدمير ممنهجة للمقاومة والسلطة الفلسطينية والبنية التحتية، ومحاولات خلخلة المجتمع الفلسطيني مادياً ومعنوياً، لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، ولكن هل أدى كل ذلك إلى إضعاف عزيمة الفلسطينيين نحو الهدف السامي المتمثل في دحر الاحتلال وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس والعيش بحرية وكرامة؟

تقرير شيرين أبو عاقلة من فلسطين.

والدة الشهيد مراد عوايصة
تقرير/شيرين أبو عاقلة: باستثناء عام النكبة وربما عام 67 يرى الكثير من الفلسطينيين أن عام 2002 هو أصعب الأعوام التي مرت في تاريخ هذا الشعب، في هذا العام استباح الاحتلال كل شيء، وكان اجتياح شهر نيسان/أبريل أو الحملة التي أطلقت عليها إسرائيل اسم السور الواقي هو الأصعب، هذه الحملة التي بدأت -كما وصفها الكاتب يحيى يخلف- في لحظة جنون العالم، إذ الشرعية الدولية والعدالة في لعبة الأمم أضيع من الأيتام على مائدة الولايات المتحدة الأميركية، لا تبكِ يا بلدي، -تابع يخلف- لأن للحرية ثمناً باهظ التكاليف، خاصة في هذا الزمن الأعوج والأحدب والأعمى زمن اليهود والأميركان.

منذ تلك الليلة الماطرة في التاسع والعشرين من شهر آذار عاش الفلسطينيون تجربة تفوق الوصف استهدفت كل ما هو فلسطيني.

والدة الشهيد مراد عوايصة: إجوا أول يوم كان يوم جمعة، دخلوا على البيت الساعة 4 وثلث الصبح الأولاد كانوا نائمين، بس أنا سمعت صوت المجنزرات هيك يعني صحيت خدت حذري، لفيت على تخوت الأولاد، حكيت لهم الجيش دخلوا بس خليكوا زي كأنكم نائمين دقوا علينا فتحنا الباب ودخلوا على الدار، أخذوا كل الأولاد، مراد ومهند وأبوهم.

وفيق عوايصة (والد الشهيد مراد عوايصة): لموا جميع سكان العمارة في نفس السكني وبعدين طلعونا على الطابق الخامس وحوالي الساعة 4 وبعدين الساعة 4 رجَّعوا مراد وعمه جمال أعطوهم هويتهم وحكوا لهم.. امشوا على البيت، وإحنا نزلونا بالدبابات عند الجامع، أخذونا مشياً على باب المسجد، وبعدين طلعونا في الدبابات على مدرسة رام الله الثانوية ومن هناك أخدونا على عمر.

والدة الشهيد مراد عوايصة: أخذوا مراد معهم على الغرف جوه يفتشوه، سكر الباب علينا في الصالون وأسمع صوت مراد يصيح آي. أفتح الباب وأطلع، الجندي يدفعني ويرجعني، وصرخ كمان صرخة ويحكي يا أمه برضو رجعني له وبيحكي له مراد ما تضربنيش على رأسي، رأسي مسوي عملية أنا فيه (بربيش) في رأسي.

غسان زقطان (كاتب فلسطيني تعرض منزله للاقتحام والاحتلال خلال الاجتياح الإسرائيلي): جاوزوا فكرة اقتحام الشارع واقتحام المدينة والاستيطان في الأرض والاستيطان في اللغة، الآن فيه.. فيه محاولة فعلاً يعني -وهذه مش.. مش استعارة أو مجاز- فيه محاولة للاستيطان في حياتنا الشخصية.

والدة الشهيد مراد عوايصة: ابنك عايش أم يموت قدامك؟ حكيت لهم علشان الله بدي ابني يعيش، طب احكي لي ابنك جهاد أم فتح أم حماس، قلت له ابني لسه صغير ولا بيعرف ولا منتمي لأي حزب، ما بيعرفش ها الشغلات ابني.

طلال أبو عيدة (سائق سيارة إسعاف فلسطيني): الاجتياح كانت أصعب مرحلة بأمر عليها في (شفائية) الإسعاف اللي هو الاجتياح الإسرائيلي اللي كان في شهر 4 يعني، كان وضع صعب كتير..

شيرين أبو عاقلة: كنتم تقدروا تتحركوا

طلال أبو عيدة: لأ، ما كنا نقدر نتحرك إلا بصعوبة جداً يعني، يعني صعوبة جداً كنا نتحرك فيها، حتى كل اللي استشهدوا في الاجتياح كان تقعد الواحد أيام.. فيه جثث قعدت، شهداء قعدت... عرفنا من كلها من مكان الاستشهاد فيها إلى مستشفى رام الله.

والدة الشهيد مراد عوايصة: نزلوا عند جارتنا في الطابق الثالث داخل على الحمام حتى جارتنا بتحكي.. فين مراد، زي اللي بده يحكي لي إشي وما قدرش دخلوه على الشقة الثالثة الطابق الثالث، والله أعلم كيف عذبوه وكيف ضربوه، المهم ممزعين كل الأوعية عليه، ومطلعينه مشلح ولا إشي لابس ولا البوت ولا.. ولا إشي ولا جلابينوه ولا.. وهم يعذبوا في.. يطخوا على داير الدار آخر غرفة مخلينها في الشقة كلها مخزقة رصاص والبلاط رصاص.

شيرين أبو عاقلة: وكما لم تكن هناك حرمة للأموات لم تبق قوات الاحتلال خلال ذاك الاجتياح حرمة للأماكن المقدسة ولم تحترم اتفاقات وجعلت رأس الهرم في القيادة الفلسطينية على قائمة أهدافها، وكانت أزمة الحصار لمقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والذريعة هي المطالبة بتسليم المطلوبين وعلى رأسهم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات ورفاقه المتهمون بقتل الوزير الإسرائيلي (رحبعام زئيفي) ومعها ترافقت أزمة حصار كنيسة المهد.

نبيل أبو ردينة (المستشار الإعلامي للرئيس الفلسطيني): كانت هنالك أوقات عصيبة وخطرة، وكانت حياة الرئيس عرفات في خطر حقيقي وجدي، ولكن كان الرئيس عرفات يعتبر أن ذلك جزء من النضال والكفاح الذي يجب أن يدفعه أي قائد للحفاظ على إنجازات شعبه.

الأب إبراهيم ولتس (عاش حصار قوات الاحتلال لكنيسة المهد): من هذه الكنيسة، من أقدس كنيسة في العالم خرج 8 شهداء وأكثر من 25 جريح، كمان هذه الأشياء كمان الواحد بيشوف.. بيشوف واحد من ثانية، أو من أقل من 5 دقائق شفته كان معاك، وكان بيمشي معاك تشوفه ميت، تشوفه جريح، هذه كمان كانت ظروف صعبة و.. وإيش يعني مش ممكن الإنسان بالكلمات يقدر يوصف المعاناة اللي إحنا عشناها في هذه الأيام.

عبلة سعدات (عقيلة الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين): فرن تليفوني، تفاجأت أنا إنه أحمد اللي بيحكي معاي، فقال لي إنه بعد ساعات إحنا كويسين، أنتم شو صار معكم؟ هو طبعاً بيعرفش عنا ولا أي شيء كمان، فطمناه، وقال إنه ممكن إحنا فيه حكي بعد ساعات ينقلونا لأريحا.

موقف السلطة يفترض كان أفضل، يفترض.. أفرج عنهم قبل الاجتياح، مش همَّ اللي يدفعوا الثمن تنازلات السلطة..

نبيل أبو ردينة: الحكومة الإسرائيلية كانت تبحث عن تحقيق نصر، سواءً باعتقالهم أو بقتلهم، ولقد حرمناهم من هذا النصر، وهذه هي إمكانيتنا. أنجزنا اتفاقاً هو الأفضل مما يمكن أن يتم، ولا.. ولم يكن بالإمكان تحقيق أفضل من ذلك.

شيرين أبو عاقلة: خيبات أمل، تدميرٌ جاوز الجسد ليصل إلى الروح، فاستهدف كسر روح المقاومة ورموز الانتفاضة.

فدوى البرغوثي (عقيلة القيادي الفلسطيني المعتقل مروان البرغوثي): إسرائيل أخطأت حينما أرادت أن تتعامل مع الانتفاضة مرة أنها قائد سيغتال، ومرة أنها قائد سيختطف، وسيوقفوا الانتفاضة بهذه الطريقة، أو أنها كتيبة عسكرية، أو كتائب هنا، أو كتائب هناك، وستقضي عليها و..، هذا كله لن يجدي عند الإسرائيليين، لأنه في النهاية يعني كل مرة تواجه الحقيقة اللي تُغمض عينيها عن.. عينها عنها اللي هي شعب بأكمله.

شيرين أبو عاقلة: أنهت إسرائيل حصارها على مقر الرئيس الفلسطيني، ولكنها أبقت على احتلال المدن في الضفة الغربية، ومعها تواصلت العمليات العسكرية التي تستهدف المقاومة في قطاع غزة، مئات المنازل هدمت، وآلاف الناشطين وقادة الفصائل انتهوا في المعتقلات، واغتالت قوات الاحتلال العديد منهم.

طفلة هدم الاحتلال منزلها: كنا عايشين في شقة وبيت يعني كويس وكل حاجة، يعني موفرة لنا، بعدين إيش أجوا اليهود وقصفوا بيت.. بيتنا، وما فيش فيه الحين حاجة.

شيرين أبو عاقلة: على أبواب عام جديد وأمام ظرف عاصف يواجه المنطقة بأسرها تبدو الرؤية مشوشة والتطورات غير متوقعة، الأمر الوحيد الأكيد أن القوة التي خلَّفت كل ذلك الدمار لم تستطع أن تقضي على إرادة شعب.

نبيل أبو ردينة: لأول مرة يتم الحديث رسمياً عن ضرورة قيام دولة فلسطينية، (بوش) نفسه أعلن في الأمم المتحدة: "لابد من قيام دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل". هدف الحكومة الإسرائيلية هو تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، والنتيجة كان.. والنتيجة كانت تكريس حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.

شيرين أبو عاقلة: رغم قساوته لم يتمكن الاحتلال من سرقة الأمل بعامٍ يمكن أن يحمل الجديد، ورغم انشغال العالم في بقعة أخرى من الأرض، لكن القناعة أصبحت راسخة أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في هذه المنطقة قبل أن ينال الفلسطينيون أبسط حقوقهم في دولة مستقلة ذات سيادة.

شيرين أبو عاقلة -لبرنامج (مراسلو الجزيرة)- فلسطين.

مصاعب وعقبات أمام التعاون اليمني الأميركي لمحاربة الإرهاب

محمد خير البوريني: أما في اليمن فقد مضى العام حافلاً بالأحداث والتطورات.

الأحداث التي طالت مصالح أميركية وغربية، كما شهد شن الحكومة أوسع حملة أمنية بالتعاون مع واشنطن، التعاون الذي لا يزال يواجه مصاعب وعقبات كبيرة وتُطرح بشأنه التساؤلات. تقرير أنور العنسي.

مقتل أميركان في اليمن
تقرير/أنور العنسي: الهجمات التي تعرض لها اليمن خلال العام 2002 واستهدفت من خلالها مصالح غربية شتى على أرضه ومياهه الإقليمية لم تكن مجرد حوادث طارئة عليه، لكنها وفقاً للكثير من المراقبين أحدثت تغيرات عميقة في صلب سياساته ومواقفه الداخلية والخارجية.

نصر طه مصطفى (رئيس وكالة الأنباء اليمنية): جاءت الأحداث التالية منذ تدمير كول إلى حادثة (لومبرج) في الخريف الماضي لتؤكد أن اليمن أصبح هدفاً واضحاً واستراتيجياً بالنسبة للإرهاب، لم يعد هناك مجال أمام اليمن سوى الدخول في شراكة كاملة في.. في مواجهة الإرهاب مع دول العالم جميعاً وبالذات مع الولايات المتحدة الأميركية التي تقود الهجمة الدولية ضد الإرهاب، اليمن في الحقيقة يجب أن يدرك أن مصالحه تعرضت لمخاطر كبيرة وأن اقتصاده تضرر بشكل كبير وأن صورة الاستقرار لديه أصبحت مهزوزة أمام العالم، ولهذا هو مضطر أن.. أن يواجه الإرهاب بشكل حاسم وفي سبيل ذلك لا.. لا.. لا يخجل من التعاون مع دول العالم جميعاً في سبيل تحقيق هذا الهدف، الولايات المتحدة الأميركية أبدت استعدادها لدعم هذا الحرب ضد الإرهاب سواءً بالخبرات أو بالمعلومات أو بالأعمال المشتركة.

أنور العنسي: تحول اليمن إلى شريك لواشنطن في مواجهة ما يوصف بالإرهاب اقتضى بالضرورة إقدام صنعاء على شن هجمات معاكسة وعمليات مطاردة وتعقب واعتقال لبعض من يشتبه في صلتهم ببعض الأنشطة أو التنظيمات الإسلامية التي تصنف بالمتطرفة، الأمر الذي جعل سياسات الحكومة اليمنية في هذا الصدد محل اعتراضات قوية من خصومها وموضع انتقاد ولوم البعض من أصدقائها.

سعيد ثابت (محلل سياسي): مطلوب أن يكون هناك تعاون، هناك شراكة حقيقية ندية متكافئة بين الطرفين الولايات المتحدة واليمن، لكن أيضاً لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون هذه طي الكتمان والسرية المطلقة كما حدث في حادثة مأرب الذي فوجئ الناس كلهم أن هناك بنود لم.. لم تطلع، كان الحديث حول تنسيق أمني وليست هناك تعاون عملي، لكن لا بائس أن يكون هناك تعاون عملي ولكن يكون واضح فيه.

الحدود هذه ينبغي أن تكون وفق.. تمر عبر المؤسسات الدستورية وعبر الشرعية القانونية ودائماً أعتقد أن الحكومة التي لا تستطيع أن تضبط أمنها بشكل كامل هي حكومة عاجزة وبالتالي لابد أن.. أن.. ألا.. ألا ترتهن هذه الحكومة على هذا التعاون وتعتمد عليه اعتماداً مطلق، ولكن تستثمره لتطوير أدائها وعلى طريق الاكتفاء وبناء.. بناء أجهزتها بشكل سليم.

أنور العنسي: تتبع عناصر القاعدة لم يتوقف عند نشاط أجهزة الأمن اليمنية فقط بل تعداه إلى ضربات نوعية نفذتها قوات أميركية ضد نشطاء القاعدة على الأراضي اليمنية.

علي الصراري (معارض سياسي/اليمن): ما يتحدث عنه الطرفان من تعاون بينهما لم يجنِ ثمار هذا التعاون سوى.. سوى طرف واحد هو الطرف الأميركي، أما الطرف اليمني فهو يخسر فقط في هذه العلاقة، والجانب الأميركي أيضاً هو لا يكسب بالكامل، لأنه أيضاً يخسر من سمعته دولياً جراء بعض التصرفات مثل ما حدث في محافظة مأرب يعني أن دولة كُبرى تأتي بطائراتها لتقصف منطقة في بلد صغير، هذا.. هذا الأمر يُسيء لسمعة دولة كبيرة، لم يحرز هذا التعاون نتائج حقيقية، يعني نلاحظ إنه العمليات الإرهابية تتوالى الواحدة بعد الأخرى وحتى يعني عندما جاءت مناسبة إلقاء القبض على مجموعة من عناصر القاعدة كانت الولايات المتحدة مضطرة أن تأتي بنفسها لضرب هذه المجموعة، وأنا أعتقد إنه هذا أيضاً يضع هذا التعاون يعني تحت طائلة الاستفهام.. هل هناك تعاون حقيقي؟

أنور العنسي: تعاون صنعاء وواشنطن في مجال مكافحة الإرهاب لا يواجه مجرد انتقادات فقط، بل وتحديات تدفعه إلى مواجهة أخطار حقيقية وجادة خصوصاً في ضوء تواصل عمليات الاعتقال واستمرار توقيف عشرات المشتبه بهم لفترات طويلة دون الإفراج عنهم أو تقديمهم للمحاكمة.

أمل الباشا (ناشطة في مجال حقوق الإنسان-اليمن): الضغوطات الأميركية هي ضغوطات مستمرة ومتوالية على الحكومة اليمنية، وهذا ما أدى إن الحكومة تقوم بأعمال أحياناً غير معقولة، يعني الضغط شديد ويؤدي.. ويؤدي إلى مثل هذه المتابعات والمطاردات التي تتجاوز أحياناً القانون، أعتقد أيضا أن من يقومون بهذه المطاردات ليس لديهم الوعي القانوني الكافي في مسألة الاعتقال والمطاردة، مجرد الاشتباه يُفضي إلى الموت يعني كما حدث البارحة في محافظة حضرموت رجال الأمن يموتون بسبب اشتباكات في مشتبه.. مشتبه بهم بتنظيم القاعدة، شيء لا يمكن السكوت عليه، ولابد أن تكون هناك إجراءات، لابد أن تكون هناك مراجعة لما يتم، لا يكفي أن نحفظ أمر.. أمن الولايات المتحدة.. أمن.. أمن الولايات المتحدة لا يبدأ في اليمن، أمن الولايات المتحدة يبدأ بانتهاج سياسات عادلة على الولايات المتحدة الأميركية أن تراجع سياساتها، سياساتها الخارجية وتبحث عن جذور المشكلة الحقيقية لماذا أمنها هُدِّد، لماذا ضُرِبت في عقر دارها، لا أن تبحث عن أمنها في.. في اليمن أو في أفغانستان أو في أي مكان آخر.

أنور العنسي: يمنيون عديدون لا يعرفون ما إذا كان التعاون الأمني بين بلادهم والولايات المتحدة قد أنجز خلال العام 2002 مهامه كاملة في مكافحة ما يوصف بالإرهاب، أم أن هذا العام لم يكن سوى البداية لأعوام طويلة قادمة من السير المشترك مع واشنطن في طريق شائك لا نهاية له.

نبيل الصوفي (رئيس تحرير جريدة الصحوة المعارضة- اليمن): أميركا في حملة الإرهاب لا سقف لها، هكذا أفهم التوجه الأميركي أنه ليس له هناك سقف، هناك أهداف تكون في البداية استراتيجية ولكن هذه الأهداف الاستراتيجية لا تنتهي يعني، القضية.. هذا السقف حتى للسلطات الأميركية في المجتمع الأميركي المجتمع يقاوم هذا السقف ويتحدث ولو بهمس في المرحلة الأولى عن مثل هذه القضايا، لكن للأسف الشديد نحن هي مشكلتنا هنا إنه ليس يعني ليست لنا جدران ليكون لنا سقف.

أنور العنسي: بعد عام تكبد فيه اليمنيون الكثير من متاعب الشراكة في مواجهة ما يوصف بالإرهاب فإن أهم تتطلع إليه غالبيتهم هو أن تنبني العلاقة بين بلادهم والولايات المتحدة على أسس صلبة من الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل وعدم تجاوز سيادة اليمن واستقلاله، وأن يتسع التعاون بينهما ليشمل مجالات وميادين أخرى دون الاقتصار فقط على مصالح الأمن أو الارتهان إلى اعتبارات السياسة.

أنور العنسي- لبرنامج (مراسلو الجزيرة) - صنعاء.

[فاصل إعلاني]

محمد خير البوريني: ونعرض مشاهدينا في سياق هذه الحلقة مجموعة من رسائلكم.

نبدأ برسالة بعثها المشاهد فهمي من المكلا في اليمن يطلب فيها موضوعاً عن القبائل العربية التي يقول إنها منسية في القرن الإفريقي وأن عدد أبنائها يصل إلى نحو 4 ملايين نسمة، ويتابع: إنهم عرب مثلنا يتكلمون لغتنا ويكتبون بحروفها وهم مسلمون ينحدرون من اليمن والحجاز.

شكراً للمشاهد وسوف نقوم بمتابعة هذا الأمر.

وبعث المشاهد فؤاد وهو مواطن فلسطيني بعث رسالة جاء فيها: الرجاء إلقاء الضوء على معاناة الفلسطينيين في السفر وكيف يعاملون بكل قسوة وابتزاز من قِبَل المصريين والمشكلة أن منفذ قطاع غزة الوحيد إلى العالم من مصر هو معبر رفح، ويتابع: ما يقرف ويذل الفلسطينيين نظام الترحيل وكيف يتعرضون لابتزاز رجال الجمارك والعساكر والموظفين، وهذا المعبر لا يدخل ولا يخرج منه سوى الفلسطينيين، ويسأل المشاهد: لماذا يعامل الفلسطيني في مطارات ومعابر الدول الغربية بكل احترام وإذا ما وصل إلى مطارات ومعابر العرب فهذه هي الطامة الكبرى؟ويُنهي المشاهد بعبارة: والله على ما أقول وكيل.

ما ورد في رسالتك يا فؤاد كبير جداً ولا يمكن أن نخوض فيه من خلال ما ورد في الرسالة فقط أومن خلال ردنا عليها، إذ يحتاج الأمر إلى كثير من العمل والتحقق قبل الحديث عن أي شيء، وشكراً لك.

وحسين محمد سعيد عبد الله من مملكة البحرين يطلب حسين من البرنامج معرفة حقيقة القطع الخشبية التي يُقال إنها تعود لسفينة سيدنا نوح -عليه السلام- وأنه تم اكتشافها في روسيا في كانون الثاني من عام 51 من القرن الماضي ويسأل: أين هي الآن؟

كما يطلب تعديل أوقات عرض البرنامج ويقول: إما أن يكون في آخر الليل أو في الوقت الذي نكون فيه دوامنا الرسمي، وفي كلتا الحالتين لا يستطيع الموظف الملتزم بعمله متابعتكم، ويقترح المشاهد تقديم وقت العرض الأول للحلقات الأسبوعية أو أن يتم تغيير يوم بثه إلى يوم عطلة أسبوعية أو عرض الإعادة في وقت متأخر من النهار.

نجيب المشاهد ونقول: بالنسبة للموضوع الأول فسوف نحاول البحث فيما ورد برسالتك، أما الموضوع الثاني فإننا نتوخى أن يتمكن جميع متابعي البرنامج من مشاهدته من خلال المواعيد المعتمدة حاليًا لعرضه الأول والثاني والثالث، ولكن طالما أن الحال كذلك فسوف نحاول إعادة تقييم مواعيد البث -المدروسة أصلاً- من جديد وسوف يتم الأخذ مجدداً بأغلبية آراء السادة المشاهدين بهذا الأمر كما هو معتاد، وما نسعى إليه هو إعطاء فرصة المشاهدة والمعرفة للجميع. مشاهديِّ الكرام نكتفي بهذا القدر من الردود على رسائلكم ونتابع الحلقة.

التطورات السياسية والأمنية في باكستان عام 2002

كانت باكستان على مدى عام 2002 ميداناً لمطاردة ما تسمية واشنطن إرهابًا دولياً عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد وقفت حكومتها بقوة وفي ظروف حالكة إلي جانب الإدارة الأميركية في إنجاز تلك المهمة التي يبدو أنها مازالت صعبة وعسيرة، ولكن هل أدي ذلك لنيلها لرضا واشنطن؟ وهل أدي إلي إضعاف التيارات الإسلامية؟ وما هي تطورات نزاع باكستان مع جارتها اللدود الهند؟ تقرير أحمد زيدان من إسلام أباد.

مخدوم فيصل صالح حيات
تقرير/أحمد زيدان: ثنائية الحرب على ما يوصف بالإرهاب والعودة إلى الديمقراطية الباكستانية الظاهرة على الأقل هما أكثر ما ميزا العام الباكستاني المشارف على انصرامه، لقد جندت باكستان كل ما تملك ودفعت بكل ما بحوزتها داخلياً وخارجياً لإثبات جديتها في الحرب التي وصفت على الإرهاب لا لشيء وإنما لتثبت للقوة الأعظم أميركا أنها جادة في وقوفها في الصف الأميركي، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي (جورج بوش) مبدأه معي أو مع أسامة بن لادن، ورغبة أو رهبة كان خيار باكستان هو الوقوف مع بوش القوي الآن وألقت إسلام أباد بكل ما استثمرته من جهود مضنية في أفغانستان خلفها حين كانت تصر على أن دعمها لحركة طالبان إنما يعود إلى تأمين عمقها الاستراتيجي في وجه قوة هندية متعاظمة، ومع كل ما تضمنه الخطاب السياسي الباكستاني قبل الحادي عشر من أيلول من التركيز على فرضية العمق الاستراتيجي الأفغاني إلا أنه سرعان ما تفتت تحت مطارق عقيدة بوش العسكرية الجديدة.

التعهدات الباكستانية في مواصلة التعاون مع واشنطن في مكافحة ما يوصف بالإرهاب لم تحل دون التعبير عن مخاوف بدأت تتصاعد لدى كثير من الأوساط الباكستانية في أن تكون بلادهم الهدف الأميركي الثاني بعد العراق.

مخدوم فيصل صالح حيات (وزير الداخلية الباكستاني): لماذا تكون باكستان الهدف الثاني بعد العراق، لا يوجد منطق في هذا الحديث، فأمر العراق مختلف، وباكستان تختلف عنه تماماً، فهي نفسها تواجه الإرهاب داخلياً ولدينا مشاكل خارجية ولسنوات طويلة نحارب الإرهاب والتهديدات الأخرى الموجودة مثل المخدرات والأسلحة غير المرخصة ونحو ذلك.

د.شيرين مزاري (مديرة معهد الدراسات الاستراتيجية- باكستان): أنا متشككة من النوايا الأميركية، فبعد يوم أو يومين من تسليم العراق لتقريره عن أسلحة الدمار الشامل لمجلس الأمن الدولي طُرحت نووية إيران وضرورة فتح المنشآت النووية الإيرانية، فأسلوب التعامل الأميركي مع العراق وإيران لا يجعلني أستبعد أن تكون باكستان الهدف الثاني بعد العراق وتكون بالتالي ضحية وهدف الأصولية الأميركية.

عبد الغفار عزيز (الناطق باسم الجماعة الإسلامية الباكستانية): اتهامات أميركية ضد العراق بحجة وجود أسلحة الدمار الشامل وباكستان تمتلكها علناً القنبلة النووية التي امتلكناها دفاعاً عن النفس ودفاعاً عن التهديدات الهندية، فهذه الإمكانيات موجودة لدى باكستان، والشعب يتساءل: إذن نحن نمكن الأميركان من رقبتنا وعلى أرضنا وتربتنا فكيف يمكن لنا أن ندافع عن المصالح الوطنية الكبرى؟ من ثم شعبية الحكومة العسكرية الآن ربما متدنية على أقل درجة من القبول.

أحمد زيدان: ولئن كانت مسرح الحرب على ما يوصف بالإرهاب في الهزيع الأخير من عام 2001 في أفغانستان وتورا بورا فإن ساحتها انتقلت في المنتصف الأول من العام الماضي إلى مناطق القبائل الباكستانية المحاذية لأفغانستان حيث وقعت مصادمات ومواجهات دامية بين قوات الأمن الباكستانية ومقاتلي القاعدة وطالبان تخللها غضب قبائلي وردات فعل قوية تمثلت في إطلاق صواريخ على أهداف يُعتقد أنها أميركية تعمل على تتبع واصطياد مقاتلي القاعدة الذين يُعتقد باختبائهم هناك.

ومع منتصف العام الماضي انتقلت الحرب الأميركية إلى المدن الباكستانية ومنها إلى فيصل أباد القريبة من الحدود مع الهند وكراتشي الشريان الاقتصادي للباكستان حين أُلقي القبض على زعيمين قاعديين وهما أبو زُبيدة ورمزي بن الشيبة.

لكن السؤال المطروح باكستانياً حكومياً باستحياء وشعبياً ونخبوياً بقوة: هل وفَّت واشنطن بتعهداتها لإسلام أباد بعد كل التعاون والتنسيق المقدم من قبلها والذي كان على حساب مصالحها القومية بإغضاب المؤسسة العسكرية حليفها الطبيعي والتقليدي الممثل بالأحزاب الإسلامية وخارجياً حين تخلت عن حركة طالبان وهي التي جندت كل إمكانياتها طوال العقد الماضي لضمان استمرارية بقائها في السلطة.

مخدوم فيصل صالح حيات: لا شك أن هناك قدراً من الإحباط لدى الشعب الباكستاني، فمستوى التعاون الذي قدمته الحكومة الباكستانية للولايات المتحدة الأميركية حين تحالفت معها في الحرب على الإرهاب لم يقابله تعاون أميركي في الملف الكشميري وذلك عملاً بسياسة المعاملة بالمثل، ونحن ندعو إلى انخراط أكبر للولايات المتحدة والأمم المتحدة في القضية الكشميرية من أجل تسويتها.

د.شيرين مزاري: أعتقد أن هذه هي طبيعة وعقلية أميركا فهي لا تفي بالتزاماتها ووعودها وإنما تسعى إلى إضافة شروط جديدة، ولذلك فعلى باكستان الآن أن تراجع سياستها في العلاقة مع أميركا وتحددها بطريقة واضحة.

أحمد زيدان: فوز الإسلاميين في إقليمين مجاورين لأفغانستان واختراقهم الدائرة الانتخابية للعاصمة الباكستانية إسلام أباد وهي التي كانت على الدوام حكراً على خصومهم شكَّل مصدر قلق أميركي حقيقي في ظل عناد الإسلاميين برفض أي تعاون مع القوات الأميركية الباحثة على المطلوبين من القاعدة وطالبان، كل هذا سيشكل تراكمات خطيرة ضد المصالح الأميركية بعد أن انتقل الشارع الباكستاني من سياسة تسيير المظاهرات إلى سياسة الرد العملي عبر سلسلة عمليات عسكرية متواصلة لم تتوقف رغم كل الضربات الأمنية التي سُدِّدت إلى الجماعات الإسلامية المتشددة وشهدت الساحة الباكستانية عمليات استهدفت مصالح أميركية وفرنسية ومقدونية وكنائس ونحوها.

الجماعات الإسلامية المعتدلة تتوقع أن يساعد الأداء الناجح المتوقع للإسلاميين في تسيير شؤون حكومة بيشاور ومع هذا لا يخفي الإسلاميون مخاوفهم بأن يعود العسكر إلى السلطة.

عبد الغفار عزيز: طبعاً هذا الاحتمال وارد، احتمال وارد وبصورة قوية جداً ولكن الجيش من خلال حكم ثلاث سنوات للأسف ارتكبت الحكومة العسكرية أخطاء جسيمة، وإن شاء الله بتأييد من الشارع الباكستاني سوف نتمكن من إقناع الجنرال برويز مشرف أن يختار إحدى.. أحد المنصبين رئيس الدولة أو رئيس الجيش.

أحمد زيدان: التوتر على الحدود الهندية الباكستانية كان مما استأثر باهتمام المنطقة والعالم أجمع وسعى الرئيس الباكستاني برويز مشرف إلى تخفيف هذا التوتر بحظره نشاط جماعات إسلامية مطلوب بعض قادتها إلى الهند، ولكن تم الإفراج عنهما مؤخراً بعد أن تبين أن كل خطوات التهدئة الباكستانية لن تُفلح في دفع الهند خطوة إلى الأمام في تخفيف حدة التوتر بين العدوين اللدودين أو في العودة إلى الحوار مع باكستان، كل هذا جاء بعد أسابيع على وصول حكومة مدنية إلى السلطة بعد انتخابات شكك الكثيرون في إمكان عقدها ولكن ما يزال الجميع يرى أن هذه الحكومة تدار في الحقيقة من (راولبندي) العاصمة العسكرية لباكستان.

مع حلول العام الجديد ورغم تسليم العسكر السلطة لحكومة سياسية مدنية منتخبة في باكستان إلا أنهم ما يزالون الحاكم الفعلي لإسلام أباد وعليهم أن يتعاطوا مع ثلاثية ذات أضلاع ثلاثة:

ضلعها الأول العراق المهدد بضربة أميركية وهو ما سيؤجج الشارع الباكستاني.

الضلع الثاني: إيران المصنفة أميركياً ضمن محور الشر والمحاذية لباكستان.

الضلع الثالث: كوريا التي تحظى بعلاقات عسكرية تقليدية وقديمة مع إسلام أباد والمصنفة أميركياً أيضاً ضمن محور الشر.

وتتهم واشنطن إسلام أباد بتقديم تقنية نووية لبيونج يانج.. هذا الوضع سيضاعف من المتاعب الأمنية للأمن القومي الباكستاني المثقل بالهموم والهواجس بسبب الحرب الأميركية على ما يوصف بالإرهاب في أفغانستان وبسبب التوترات على الحدود مع الهند.

أحمد زيدان- (مراسلو الجزيرة) -إسلام أباد.

الحصاد السياسي في تركيا عام 2002م

محمد خير البوريني: كانت الانتخابات التركية خلال عام 2002 نقطة تحول مفصلية في تاريخ وسياسة البلاد حيث وصل حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب أردوجان ذو الجذور الإسلامية إلى السلطة، الأمر الذي شكل اختباراً جديداً لإمكانية تعايش الإسلام والديمقراطية الغربية في جو علماني صارم، كما شكل تطوراً لنهج الإسلام السياسي إن لم يكن طفرة في تاريخه. أخيراً فإن لتداعيات المسألة العراقية وسجال أنقرة مع واشنطن بشأنها آثاراً مختلفة، تقرير يوسف الشريف.

تركيا والاتحاد الأوروبي
تقرير/يوسف الشريف: ليس من قبيل المبالغة القول بأن تركيا قد عاشت عام 2002 على نبض التطورات في العراق وقبرص وحققت خطوة مهمة وجديدة على طريق العضوية في الاتحاد الأوروبي وإن كان الغالبية يرون أن الانتخابات العامة التي جرت وما أسفرت عنه من نتائج كان أهم حدث خلال ذلك العام.

حكومة (أجاويد) السابقة أولت ملف شمال العراق جُلَّ اهتمامها، ودخلت في مناقشات ساخنة مع واشنطن وأكراد العراق حول حقوق التركمان وما اعتبره وزير الدفاع السابق (صباح الدين شكماكولو) حقوقاً تاريخية في الموصل وكركوك تفرض على تركيا التدخل للحيلولة دون سيطرة الأكراد عليهما، ما جعل أمر دخول الجيش التركي شمال العراق في حال وقوع الضربة الأميركية أمراً محسوماً.

أوميت أوزداغ (رئيس مركز أوراسيا للأبحاث الاستراتجية): لا أعتقد أن الأكراد سيقيمون دولة مستقلة في شمال العراق، وتركيا لن تسمح بذلك مهما حدث، كما أن التركمان ليسوا أقلية في العراق، هذا القول يخالف الاتفاقيات والقوانين الدولية، كما أن وضع التركمان في العراق لا يحدده عشرات من المعارضين في لندن وإنما 60 مليوناً يعيشون مجاورين للعراق في تركيا التي لها الحق دائماً أن تحمي مصالح التركمان في العراق بشتى الوسائل.

يوسف الشريف: وعلى صعيد السياسة الخارجية أيضاً خطت حكومة أجاويد خطوة جريئة لتوقيع اتفاقية تعامل في مجال التدريب العسكري مع دمشق وذلك على طريق تطبيع العلاقات ومد جسور الثقة بين البلدين، وإن لم يزل طريق التطبيع السياسي بينهما طويلاً.

البرلمان التركي عمل بجهد منقطع النظير لإقرار أكبر عملية إصلاح سياسي شهدها دستور الجمهورية التركية من أجل الارتقاء بقوانين تركيا إلى مستوى الاتحاد الأوروبي إلا أن حكومة أجاويد لم يُكتب لها أن تطبق هذه الإصلاحات، إذ عاشت تركيا أوقاتاً صعبة مع دخول رئيس وزرائها المستشفى، خصوصاً أن مرض أجاويد وما خلفه من أزمة حكومية جاء متزامناً مع بداية واشنطن مفاوضاتها مع أنقرة حول ما تطلبه من تسهيلات عسكرية لضرب العراق، وتحديات إقرار الإصلاحات السياسية التي اشترطها الاتحاد الأوروبي في ظل معارضة القوميين والعسكر، وبدأ الصراع يحتدم لتشكيل حكومة ظن طالبوها أنها ستلقى دعماً من الغرب.

تانسو تشيلر (زعيمة حزب الطريق الصحيح): أطالب بأن أشكل حكومة جديدة أترأسها، لأننا على عتبة حرب في العراق، ويلزم تركيا حكومة تكون لها الخبرة في التعامل مع هذا الشأن وتوابعه.

يوسف الشريف: إلا أن تشبث أجاويد بالسلطة رغم مرضه أدى إلى انشقاق حزبه وتشكيل وزير خارجيته حزباً جديداً سعى بالتعاون مع وزير الاقتصاد كمال درويش إلى تشكيل حكومة جديدة ما لبثت أن تبددت أحلامها بعدما وقع بين الشركاء من خلاف فكان الاحتكام إلى انتخابات جديدة أمراً لا مفر منه.

شوكت بولنت ياخنجي (نائب زعيم حزب الحركة القومية): لقد رفض حزبنا مساومة الاتحاد الأوروبي وشروطه، ولذلك حاولت الأحزاب تشكيل حكومة بديلة تتركنا خارجاً، حكومة تنفذ جميع شروط الاتحاد الأوروبي وربما واشنطن أيضاً التي لها نوايا بضرب العراق، إلا أن أحزاب البرلمان فشلت في إيجاد صيغة لهذه الحكومة، كما أن حكومتنا فقدت الغالبية العددية في البرلمان مع انقسام حزب أجاويد، فما كان لنا سوى أن دعونا لإجراء الانتخابات مبكراً.

يوسف الشريف: ووسط أجواء من الترقب جرت الانتخابات البرلمانية التركية وأسفرت نتائجها عما يمكن وصفه بثورة سلمية توجت بفوز حزب العدالة والتنمية وأسفرت أيضاً عن أفول نجوم عدد من الوجوه السياسية البارزة التي حكمت تركيا في العقد الأخير، (مسعود يلمظ) زعيم حزب الوطن الأم، اعتزل السياسة بعد خسارة حزبه الانتخابات، و(تانسو تشيلر) زعيمة حزب الطريق الصحيح، ودعت محبيها بالدموع والأشواق متنحية عن زعامة الحزب وعالم السياسة بعد أن كانت أول امرأة في تركيا تتولى رئاسة الوزراء وتتزعم حزباً سياسياً.

النور شفيق (رئيس تحرير صحيفة تركش ديلي نيوز): الشعب قام بانقلاب صامت، أعلن وفاة جميع السياسات القديمة التقليدية، وطالب بالتغيير والتحديث وأعطى هذه الفرصة لحزب واحد فقط، هو حزب العدالة والتنمية وهذه يمكن أن تعتبر بداية عهد جديد في تركيا، لأن الشعب صوَّت لصالح التغيير والإصلاحات وضد السياسات التقليدية التي تريد إبقاء حال تركيا على ما هو عليه وتريد فرض وصايتها على سياسات تركيا، أنا أرى أن هذه الانتخابات هي أهم حدث جرى في تركيا خلال الـ50 سنة الماضية.

يوسف الشريف: وبين ليلة وضحاها وجدت تركيا نفسها وقد عهدت بنظامها العلماني أمانة بين يدي زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، ذي الجذور الإسلامية، إلا أن وصول الحزب إلى السلطة فسِّر على أنه مصالحة عقلانية جرت على أرضية سيادة الديمقراطية بين الأوساط العلمانية والإسلام السياسي في تركيا.

رجب طيب أردوغان (زعيم حزب العدالة والتنمية): لسنا حزباً إسلامياً، فنحن نعتقد أنه من الخطأ ممارسة السياسة باسم الإسلام، ولكننا سنثبت للعالم أن الديمقراطية والإسلام يتفقان ولا يتعارضان، وأنه يمكن أن تقوم دولة إسلامية ديمقراطية وعصرية.

يوسف الشريف: وفي هذا الإطار أعطت الحكومة الجديدة الأولوية لعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي، ولحل المسألة القبرصية، وحصلت تركيا على تاريخ مشروط لبدء المفاوضات على العضوية نهاية عام 2004.

حكومة العدالة والتنمية أعلنت عزمها تطوير علاقاتها مع الدول العربية، وخصوصاً في المجال الاقتصادي، والإبقاء على مستوى العلاقات مع إسرائيل، مع الإشارة إلى أن العلاقات مع تل أبيب كان قد أصابها الفتور خلال الفترة الماضية بسبب سياسات شارون وما قام به من مذابح.

عبد الله غول (رئيس الوزراء التركي): نود بصدق أن نطوِّر علاقاتنا مع الدول العربية والإسلامية، ونريد أن نطوي صفحة الماضي وما حدث به من أخطاء، وأن نبدأ بداية جديدة من أجل صالح شعوبنا.

يوسف الشريف: الحكومة الجديدة وجدت نفسها أمام تحدٍ صعب وملح، ألا وهو الملف العراقي والمطالب الأميركية بتقديم تسهيلات عسكرية تركية لضرب بغداد من خلال فتح القواعد العسكرية الجوية التركية، واستضافة عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين لدخول العراق من الشمال. ورغم تأكيد الحكومة رفضها للحرب والتزامها بقرارات الأمم المتحدة إلا أن الضغوط الأميركية جعلت الحكومة توافق على سياسة ردع العراق والإعداد المشروط للضربة.

فهمي كورو (محلل سياسي تركي): واشنطن لم تكن راضية عن حزب العدالة والتنمية والسفير الأميركي رفض زيارة الحزب مراراً، لكنه كان أول من هرول إليه بعد فوزه في الانتخابات وذلك لأن واشنطن تريد من الحكومة دعمها عسكرياً ضد العراق، وحكومة العدالة والتنمية متمسكة بالشرعية الدولية وتعلم أن للحرب عواقب وخيمة على تركيا والعراق، ولذلك فهي تحاول أن تُلبي الحد الأدنى من المطالب الأميركية بسبب ما عليها من ضغوط، أما السماح لعشرات الآلاف من الجنود الأميركيين بدخول الأراضي التركية فهذا أمر يصعب على الحكومة قبوله إلا بغطاء أممي أو تحالف دولي واسع.

يوسف الشريف: ولعل تركيا تجسد أفضل مثال للقول بأن الجغرافيا هي التي ترسم السياسات وتاريخ الدول وإن طغى الملفان القبرصي والعراقي على أحداث عام 2002 السياسية في تركيا فإنهما سيترأسان أيضاً الأجندة السياسية في العام القادم دون أدنى شك.

يوسف الشريف-لبرنامج (مراسلو الجزيرة)-أنقرة.

محمد خير البوريني: إلي هنا نأتي مشاهدينا إلي نهاية هذه الحلقة من البرنامج، يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوا تفاصيل هذه الحلقة بالصوت والصورة والنص من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:www.aljazeera.net

كما يمكن مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني على reporters@aljazeera.net

أو من خلال العنوان البريدي على صندوق بريد رقم 23123 الدوحة - قطر.

ومن خلال الفاكس على رقم 4860194.

في الختام هذه تحية من مخرج البرنامج صبري الرماحي ومن فريق العمل، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.