مقدم الحلقة:

محمد البوريني

ضيوف الحلقة:

تاريخ الحلقة:

28/06/2003

- المقابر الجماعية في العراق
- دار الحجر.. أثر تاريخي يمني

محمد خير البوريني: أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من (مراسلو الجزيرة).

نعرض في هذه الحلقة تقريراً مفصلاً نتناول فيه جانباً من مأساة ضحايا القبور الجماعية التي تم العثور عليها في العراق بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين، ونرى شواهد على أن آلافاً منهم كانوا قد أعدموا رمياً بالرصاص، بينما كانوا معصوبي الأعين خلال وبعد انتفاضة عام 91 التي أعقبت حرب الخليج الثانية، كما نطرح أسئلة لذوي الضحايا عن قوى صمتت على ذبح أبنائهم وأعطت الضوء الأخضر للنظام السابق للقيام بعمليات قمع واسعة النطاق للحيلولة دون سقوطه حسب تعبيرهم.

ومن اليمن نعرض تقريراً مطولاً أيضاً نتناول فيه معلماً من معالم ذلك البلد العربي العريق الذي يضرب جذوره في أعماق التاريخ، بلد الحضارات الأولى التي قَدَّمت الكثير وساهمت في بناء الحضارة الإنسانية دون مِنَّة من أهلها على أحد، والشعب الذي ظل مخلصاً لجذوره ووفياً لتاريخه ومحتفظاً ببساطته وطيبته وأصالته.
أهلاً بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

المقابر الجماعية في العراق

بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين بدأت آلاف العائلات العراقية بالبحث عن أبنائها المفقودين داخل العراق، بعضهم من أفراد القوات المسلحة العراقية والبعض الآخر كانوا يعملون في مجالات مختلفة عندما اندلعت انتفاضة عام 91، التي أعقبت حرب الخليج الثانية وإخراج القوات العراقية من الكويت، كثيرون من هؤلاء الضحايا أعدموا رمياً بالرصاص بسبب مشاركتهم في الانتفاضة أو بسبب عدم الانصياع لأوامر قمعها بالقوة المسلحة، إضافة إلى أسباب أخرى، قيل إن الجثث التي عُثر عليها ربما كانت لضحايا الحرب العراقية الإيرانية، لكن تواريخ اختفاء أصحابها وشهادات الشهود وعصب الأعين وثقب الجماجم بالرصاص والدماء على الملابس وطريقة الدفن الجماعية لا تشير إلى ذلك على الإطلاق، اللافت للانتباه أن ذوي الضحايا يؤكدون أنهم لم يلجئوا إلى الانتقام وإنما إلى القضاء العراقي بعد استتباب الأمر في البلاد، ويسأل آخرون منهم: لماذا سمحت الولايات المتحدة للنظام السابق بقمع انتفاضة عام 91 واستخدام الطائرات المروحية والدبابات في عمليات القمع التي تمت تحت سمع وبصر قواتها في منطقة الخليج؟ تقرير مراد هاشم أعده من العراق.

مقابر جماعية مكتشفة في العراق
تقرير/ مراد هاشم: مكان نائي شمال منطقة المسيب على بعد 50 كيلو متراً جنوب العاصمة العراقية بغداد، الأهالي يعثرون على مقبرة جماعية كبيرة بعدما ظلوا لسنوات يشكون في أن المئات من الأرواح أزهقت هنا ولكن دون امتلاك الجرأة حتى على مجرد الاقتراب من المكان.

مواطن عراقي (من ذوي ضحايا القبور الجماعية): هؤلاء أحباب الحسين والمجاهدين أمامكم يعملون هم أحباب الحسين، جئنا أنا وأخي أبو أوس وأبو مصطفى، سمعنا يعني بها المنطقة هذه أكو مقابر جماعية للمجرم صدام وأعوانه البعثية، ظلينا يومها ست أيام نبحث، لقينا آثار بعدها أخي المؤمن قام يبحث بإيده، كنا.. ما جايبين لا معاول ولا أكو، لقينا جثة شهيد وثاني.. شهيد ثاني دفناهم، خلينا (...) تجوون تصورون والعالم يشوف جرائم صدام المجرم، وأكو مقابر جماعية بعد موجودة هسة عرفناها أثناء الناس الساكنة موجودة هنانا، والتجوال مالنا، أكو مقابر جماعية، آلاف مؤلفة يعني مو 100 أو 200 أو ثلاثة أو عشرة، آلاف مؤلفة.

مراد هاشم: حسب روايات مختلفة كانت أجهزة النظام العراقي السابق قد اقتادت المئات من المواطنين العراقيين عسكريين ومدنيين على متن شاحنات كبيرة إلى هذا المكان وعيونهم معصوبة وأيديهم مربوطة حيث تم إعدامهم بشكل جماعي وعشوائي بزخات من الرصاص قبل أن تهال على جثثهم أكوام التراب.

مواطن عراقي: وتشوفون المقابر الجماعية وتشوفون ظلم صدام وتشوفوه مشدودة عيونه، وإيديه مشدودة ويرميه ويقتله ويدفنه في..، هذا الله لا يقبله ولا محمد، يعني لا إسلام.. أكو شارون يقولون أكو شارون بإسرائيل ولكن -والله- شارون رقم واحد هو صدام حسين، أقسم بالقرآن.. أقسم بالقرآن.. أقسم بالقرآن: كل من عان صدام وشارك مع صدام في كل العالم إنه شارون، والله شارون هو وأعوانه، واللهم ينتقم من البعثية ومن صدام وأعوانه ومن كل من عان.. عان وساعد كل جرائمه اللهم ينتقم منه بحق الحبيب محمد.

مراد هاشم: المتابع للمشهد المأساوي يرى في كل شبر قبر وفي كل موضع قتيل، وكل جثة تقود إلى أخرى، المكان كبير الاتساع يشير إلى وجود مزيد من الجثث، حيث يسعى ذوي المفقودين للعثور على فلذات أكباد وأحبة لهم في الوقت الذي تتحدث ثقوب الرصاص في أجساد وجماجم القتلى عن ظروف إعدامهم.

مواطن عراقي (من فريق البحث عن جثث الضحايا): لحد هذه اللحظة ما يقارب الـ 25 جثة وهم مقيدين ومربوطة أعينهم بالأربطة والدماء على ملابسهم وتثير هاي المسألة إثارة إنسانية أمام العالم.

مراد هاشم: تتوقع إنه أكو مزيد من الأشخاص...

مواطن عراقي: أكيد، لأن هذه المقبرة.. مقبرة نائية وبعيدة عن المجتمع، بحيث من قاموا بالقتل والهذا منفردة، ولكن أصوات الطلقات تعلو للمنطقة القريبة بالنسبة للأرياف، فجاءوا قبل قليل وصرحوا بأن المقبرة واسعة والأعداد التي جاءت بالسيارات أعداد كثيرة، وإن شاء الله نبحث عن هذه الأعداد، ونحاول أن نجد هويات أو ما يشير إلى ذويها لتبليغهم إن شاء الله.

مراد هاشم: بعناية شديدة تنقل كل جثة على حدة مع جميع بقاياها ومتعلقاتها إلى مكان قريب، غالبية الجثث تحمل ما يدل على هوية أصحابها كالأرقام العسكرية أو البطاقات الشخصية... هادي كريم من حي الزهراء بمدينة الحلة كان كما تدخل بطاقته طالبا في الإعدادية حينما أعدم وهو ويرتدي ملابس النوم، أما الآخرون فهم من أعمار ومناطق مختلفة كما تدل بقاياهم، ويشهد الأهالي أنهم أعدموا بعد أن تم انتزاعهم من بين أهلهم وأسرهم أو من مقار أعمالهم وذلك عقاباً لهم ودون أي تدقيق أو محاكمة بدعوى مشاركتهم أو مناصرتهم لما سمي بالانتفاضة الشعبية ضد نظام حكم الرئيس السابق صدام حسين في عام 91، الانتفاضة التي كان النظام السابق قد أطلق عليهم اسم الغوغاء وهي الحركة الشعبية التي يقول مطَّلعون إنه تم قمعها بضوء أخضر من الولايات المتحدة الأميركية وتحت سمع وبصر قواتها التي كانت ترابط في الكويت ودول الخليج الأخرى بعد وقف إطلاق النار في حرب الخليج الثانية.

سيد علي العلاق (أحد رجال الدين الشيعة في العراق): هذا المشهد هو واحد من آلاف المشاهد لآلاف البقع من أرض العراق الطاهرة التي ملئت بالمقابر الجماعية، خصوصاً بعد تسلم صدام المجرم الطاغي سدة الحكم في العراق، وهذا المشهد المأساوي حصل بعد فاجعة انتفاضة شعبان المباركة بعد عام 1991، حيث أن القبور أو أجساد الشهداء التي حصلنا عليها الآن ما بين منطقة الخضر والإسكندرية، هذه المقبرة الجماعية وجدنا فيها الكثير من الشباب العسكريين والظاهر أنهم ممن رفضوا الانصياع لأوامر صدام المجرم وزمرته الخائنة بقتل أبناء الشعب العراقي أو بقصف العتبات المقدسة في كربلاء، وأيضاً وجدنا في ضمن هذه الجثث الطاهرة وجدنا أطفال ومدنيين كثيرين ولايزال التنقيب جارياً للحصول على العدد الكامل، لأننا أُخبرنا من شاهد عيان أن عدد الشهداء في هذه المنطقة هم ألف شهيد ونحتمل أن العدد يفوق ذلك.

مراد هاشم: الصلاة والدعاء وقراءة الفاتحة على أرواح القتلى سبقت اتفاق الأهالي على أن يكون القضاء لا الثأر ولا الانتقام سبيلاً للقصاص خشية من توجه البعض للانتقام العشوائي من شخصيات أو أشخاص بعينهم عملوا في أجهزة الدولة في عهد الرئيس السابق صدام حسين.

سيد علي العلاق: الشعب العراقي كله مظلوم وكله مضطهد، والشعب العراقي شعب واعي وحكيم ويدرك أنه يجب أن يتحمل كل أعباء المأساة لاستتباب القانون وسيادة القانون و الأمن الاجتماعي العام، ومن ثم.. من ثم بعد أن تتولى الحكومة القادمة التي يديرها الشعب العراقي بنفسه عندما يدير أبناء العراق الحكم بأنفسهم سوف يقتصُّون لأبنائهم من خلال المحاكم القانونية العادلة التي سوف تأخذ حق كل أبناء العراق.

مراد هاشم: ويؤكد الأهالي أنهم يعرفون هويات العديد من رجال النظام السابق المسؤولين عن هذه المقابر، ويوجِّهون أصابع الاتهام للقوات الأميركية بحماية بعضهم.

كل قبر وكل قتيل في هذه المقبرة الجماعية يعتبره كثيرون هنا دليل إدانة لعهد ذهب وولَّى، لكنه إن أفلت من حساب القانون، فلن يفلت برأيهم من حُكم التاريخ، ولأن حكم التاريخ على من أمر ومن نفَّذ في الداخل ومن دعم أو تواطأ أو صمت في الخارج واقع لا محالة في يقين وقناعة أهالي الضحايا يركز هؤلاء على طرق أبواب القانون، لعل حسابه يكون عاجلاً وليس آجلاً فتهدأ القلوب الثائرة قليلاً على فقد ذوي القربى، وهو الأمر الذي تبنته طواعية جمعية حقوق الإنسان في محافظة بابل العراقية.

إبراهيم إسماعيل (محامي في جمعية حقوق الإنسان في محافظة بابل): بالنسبة لحقوق المواطنين الذين تم إعدام أحد أفراد عائلتهم وفي بعض العوائل تم إعدام العائلة ككل، بالنسبة لعمل الجمعية حالياً تنظيم أسماء العوائل الذين تم إعدام أحد أفراد عوائلهم وثم إحالتهم إلى محكمة استئناف بابل لغرض إقامة دعاوي على المتضررين من هذا الشيء.

مراد هاشم: وكانت الجمعية قد ساهمت كذلك في العثور على المقبرة التي تقع في منطقة المحاويل بالمحافظة التي تعد الأكبر مقارنة بتلك التي وجدت في مناطق المسيب والمحمودية والسليمانية والموصل وكركوك وكربلاء والنجف وغيرها من مناطق العراق، وكما توحي كثرة المقابر الجماعية بسقوط أعداد كبيرة من المواطنين، فإن كثرة الوافدين إلى هذه المقابر بحثاً عن حبيبٍ أو قريب توحي أن في كل بيت عراقي قتيل أو فقيد.

حسين منديل (رئيس جمعية حقوق الإنسان في محافظة بابل): وجدنا الحقيقة عشر مقابر في الحلة، مقبرة بالإمام إبراهيم الخليل -عليه السلام- مرقد.. مقام نبي الله إبراهيم الخليل -عليه السلام- ومقبرة قبل هذا المكان، ومقبرة في الإسكندرية ومقبرة في المسيب، وهاي مقبرة و أكو مقابر أخرى متفرقة، كل مقبرة بها ما يقارب خمسة آلاف شخص رفات وأغلبهم كانوا مجهولين يعني ما حصلنا.. ما قدرنا نحصل على أسمائهم أو ما قدرنا نحصل على عناوينهم، ولكن حصلنا على علامات دالة ببعض الأشخاص، ممكن حصلنا من خلال حصولنا على هاي العلامات قدرنا نتصل ببعض الناس، وأكو ناس أجت حفرت بمساعدة المحافظة حضَّرت (شفَّالات) أو آليات معدات قدرت تحفر حتى تحصل على هذه الرفات.

مراد هاشم: خمسة عشر ألف جثة –على الأقل- دُفنت في هذه المنطقة التي جعل منها رجال النظام السابق خطًّا أحمر لا يجب أن تتخطَّاه الانتفاضة الشعبية كما يقول الأهالي الذين يؤكدون أيضاً أن مكافآت مُجزية مُنحت لمنفذي الإعدامات.

هؤلاء ومثلهم آلاف واليتامى والأرامل والثكالى والمكلومين ممَّن عثروا على آبائهم وإخوانهم وأبنائهم وأهلهم وأقاربهم المفقودين زادتهم بشاعة المشاهد حُزناً وألماً وكمداً وحسرة، وهم يتوعدون في لحظات غضب وسخط جديدة بالثأر والانتقام.

مواطن من ذوي أحد الضحايا: لقد التقينا بهم عظام الرميم، حملناهم بأكياس ثم توجهنا إلى المنازل، إنها مأساة، إنني أقولها ومن هذا الموقع الذي كثرت فيه العظام في هذا الموقع الذي انطلقت منه ثورة العظام، وصرخنا بأعلى أصواتنا، يالثارات العظام، قولوها وراي يالثارات العظام.. يالثارات العظام.

إننا نقول وعلى كل الأسماع في العالم، على كل الشخصيات والخبراء والاستراتيجيين الذين نسمعهم ونراهم في كل قنوات العالم يتحاملون على العراقيين ويشتمون العراقيين، ويجعلون من صدام حسين رمزاً.

مراد هاشم: لكن يصعب على أحد أن يتوقع عدالة تامة أو إنصافاً كاملاً أو مساءلة قانونية شاملة في وضع كهذا، فالمقابر بالعشرات والضحايا بالآلاف أغلبهم مجهولي الهوية، ولا يستدل على أهلهم.

الحال في هذه المقبرة خير شاهد على ذلك، فالمئات من الأهالي كانوا يبحثون دون جدوى عن أقاربهم بين مئاتٍ من بقايا الجثث التي ظلت تنتظر بدورها ومنذ استخراجها من يتعرَّف عليها، لكن البحث والانتظار سيطولان على ما يبدو، فالضحايا وهم رجال ونساء من مختلف الأعمار من مناطق مختلفة في العراق، بل ومن خارج العراق.

مواطن من ذوي أحد الضحايا وشاهد عيان: وشوفت الحدث سبع قاعات بالمحاويل اللي همَّ دولا، من ضمنهم ابن أخويا وولاد عمي موجودين، القاعة الواحدة بها 150 تقريبا إشي، 150 واحد، 200 واحد، سألوني أهلي قالوا لي إيش لونه؟ قلت لهم (...) وزين إن شاء الله يأخذوه لوحدته حتى وقال يأخدوني لوحدتي يأخدوني على تحقيق إن شاء الله ونطلع ماكو شيء، سبع قاعات متروسة ومن ضمنهم قاعة نساء ومصريين وياهم، شفنا المصريين اطمئنينا قلنا دول هم عرب ويَّاهم ما كو شيء إن شاء الله يطلعوهم، وإذا 17/4 في ذاك الوقت بالـ91، في 17/4 فرغت القاعات، قالوا وديناهم للرضوانية، وظلينا متأملين الزمرة الباغية اللي مقاتلين وياها إحنا وتعبانيين، ولحد الآن.. ولحد الآن ما ندري، وللعفو باقيين متأملين وبالتالي ما طلعوا ولادنا طلعوا هنا بهذه المقبرة الجماعية.

مواطن من ذوي أحد الضحايا وشاهد عيان: هاي مقبرة مو بس بالـ.. بس عراقية، عرب بها، أطفال بها عمرها سنة، نساء.. نعم جنسيات عربية.

مراد هاشم: وبغض النظر عن الظروف والملابسات يعتبر كثير من الأهالي أن المسؤولية القانونية والتاريخية عما حدث تقع في كل الأحوال على عاتق نظام صدام حسين، وأن الجريمة تشاركه فيها الولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول المنطقة، وكل من دعم أو تواطأ أو صمت وهو يذبح شعبه في مجازر جماعية.

علي الذيحاوي (عميد كلية الحلة في بابل): إما أن يكونوا متحالفون معهم، وبالتالي قد اشتركوا في جريمته، وإما أرادوا أن يغطوا على جرائمه لأنه المستفيدون من النفط وغيره، الآن لا ندري كيف لم تمارس به أو لم يمارس به المجتمعات الدولية.. لم تمارس به المجتمعات الدولية لإظهار هذه الجرائم، لأنه نحن توصلنا إلى نتيجة لأنه قد اشتركوا معه وإلا لماذا لم يظهروا هذه الجرائم وهذه المقابر الجماعية؟ لماذا؟

مراد هاشم: الكثير من وسائل الإعلام وهي تغطي أخبار المقابر الجماعية المكتشفة بالصوت والصورة وجدت نفسها هي الأخرى بين فكي الرحى، فهي متهمة بالتآمر مع الأميركيين وتوفير المبررات لهم لاحتلال العراق كما أنها متهمة كذلك بالتواطؤ مع نظام صدام لعدم التطُّرق إلى هذا الموضوع قبل سقوط النظام.

وفي كل الأحوال يغادر الأهالي مواقع هذه المقابر وهم في حالة غضب من الجميع ثائرين ناقمين على ماضٍ يعتبرونه ظالماً وجائراً وساخطين حانقين من حاضر يرونه مرحلة ضياع للأرض والحرية والحقوق ومستقبل لا يرون فيه بارقة أمل قريبة.

مراد هاشم – لبرنامج (مراسلو الجزيرة) – بغداد.

[فاصل إعلاني]

محمد خير البوريني: ونعرض مشاهدينا في سياق هذه الحلقة مجموعة من رسائلكم، ونبدأ برسالة بعثها الطالب اليمني أنور كما هو واضح في عنوانه الإليكتروني بعثها باسم مجموعة من الطلبة اليمنيين الدارسين في جامعة البصرة في العراق، ويقول إن عددهم يصل إلى نحو 60 طالباً في مختلف كليات تلك الجامعة.

يطلب المشاهد من البرنامج زيارة جامعة البصرة وتسليط الضوء على قضية الطلبة العرب الدارسين فيها وأوضاعهم هناك، ويسأل: هل بإمكان هؤلاء الطلبة إكمال دراستهم الآن أو أن ذلك سيؤجَّل إلى ما بعد استتباب الأمن، كما يطلب إجراء مقابلة واحدة مع واحدٍ على الأقل من الطلاب العرب الدارسين في جامعة البصرة للحديث عن أحوالهم. نشكر المشاهد وقد باشرنا بالفعل في إجراء تحقيق حول هذا الأمر بهدف إنجاز تقرير مفصل حول قضية الطلبة العرب في جامعة البصرة، وربما نقوم لاحقاً بإنجاز موضوعات إضافية حول هؤلاء الطلبة في جامعات عراقية أخرى.

ومن العاصمة السورية بعث اللاجئ الفلسطيني أحمد خليفة وهو في الأصل من مدينة حيفا بعث رسالة يطلب فيها موضوعاً حول مصير اللاجئين الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من أرضهم في عام 48، ويعيشون في سوريا ولبنان، ويسأل: ما هي الحلول الحقيقية والصريحة بالنسبة لهم، كما يطلب موضوعاً حول الفلسطينيين من حملة وثائق السفر العربية، ويسأل: لماذا لا يُسمح لهم بحرية الحركة والتنقُّل دون قيود بين أقطار الدول العربية كبقية الإخوة العرب؟

نقول: لا يمكن الإجابة على الموضوع الأول بشكل قاطع في ظل عدم توصُّل الأطراف السياسية المعنية لحلولٍ محددة ونهائية وبوجود مفاوضات ومقترحات حلول مازالت مستمرة منذ أكثر من خمسة عقود، لكن بلا شك أن قضية العودة ومصير اللاجئين كانت على مدى العقود والسنوات الماضية نقطة حساسة جداً بين الفلسطينيين عموماً والعرب والجانب الإسرائيلي.

بالنسبة للقضية الثانية فهي على درجة أخرى من التعقيد وتتعلق بسياسات دول عربية معينة كما تتعلق بجامعة الدول العربية علماً بأننا تسلمنا العديد من رسائل الشكوى والاستغاثة من فلسطينيين يحملون وثائق سفر عربية حول معاناتهم وصعوبة السفر والتنقل بين الدول العربية نفسها، كما تلقينا رسائل من عرب ليسوا لاجئين أو حملة وثائق ولا فلسطينيين ويشتكون من صعوبة التنقل أو الدخول إلى عدد من الأقطار العربية، وهذه قضية أخرى قديمة متجددة تتعلق بالعلاقات العربية العربية وجامعة الدول العربية أيضاً، على أي حال سوف نحاول إنجاز موضوع بهذا الشأن.

وهذه رسالة من المشاهدة حليمة خلفان أحمد العيسائي من سلطنة عمان، تقترح على البرنامج عدة موضوعات من بينها موضوع حول جبل النور في إقليم بلوشستان الباكستاني حيث يوجد هناك مركز لتجميع المصاحف القديمة وترميمها على يدي متخصصين وتوزيعها على أبناء القرى المجاورة، كما تقترح موضوعاً حول نظرة الغرب إلى الإعلام العربي وخاصة قناة (الجزيرة)، تقترح المشاهدة أيضاً موضوعات تتعلق بعرب وفلسطينيي عام 48 وكيف يتعاملون مع المجتمع الإسرائيلي اليهودي، وتسأل: ما هي أوضاعهم الاقتصادية؟

شكراً للمشاهدة.. للمشاهدة على مقترحاتها القيِّمة، وسوف نعمل على البحث في إمكانية إنجازها.

من تونس بعثت فاطمة بن عمَّار تطلب موضوعاً من مدينة سامراء العراقية ومسجدها التاريخي الشهير، كما تطلب موضوعاً آخر حول الأقلية المسلمة في الصين وما يتعرضون له من مضايقات هناك حسب تعبيرها، وتطلب أيضاً موضوعاً حول الأقلية المسلمة في كوريا الجنوبية.

الرسالة وصلت وما طلبتي من موضوعات يحتاج إلى دراسة وجهد سوف نحاول القيام بما يلزم بهذا الشأن.

من تشاد هذه الرسالة بعثها يوسف ذهب رئيس تحرير صحيفة " اليامين اليوم" وجاء فيها: دولة تشاد مقبلة خلال السنوات القليلة القادمة على الدخول في منظومة الدول المصدِّرة للنفط كما أن فيها الممالك التي قامت منذ القرون الوسطى، وكذلك العديد من الموضوعات التي يمكن أن نسلِّط الضوء عليها.

شكراً للمشاهد على استعداده للتعاون في إنجاز موضوعات من تشاد، ونذكِّر بأننا كنا قد أنجزنا بعضاً منها سابقاً، وسوف نقوم بعرض المزيد في حلقات لاحقة.

مشاهدينا الكرام، نكتفي بهذا القدر، ونتابع معكم البرنامج.

دار الحجر.. أثر تاريخي يمني

دار الحجر أو قصر الحجر أحد الآثار التاريخية اليمنية التي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، يرى باحثون ومؤرخون أنها تعود إلى الحقبة الحميرية من تاريخ اليمن، بناها الأجداد وورثها الأحفاد وزادوا عليها.

التقرير التالي كنت قد أعدته من وادي الظهر قرب صنعاء في رحلة مليئة برائحة التاريخ.

قصر الحجر
تقرير/محمد خير البوريني: وادي الظهر من أخصب الأراضي الزراعية في محيط العاصمة اليمنية صنعاء، للوادي تاريخ عريق يعود إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وتحديداً إلى الحقبة الحميرية، وما قبلها.

دار الحجر أو قصر الحجر شاهد من شواهد حضارات اليمن، يعود إنشاء اللبنات الأساسية لهذا القصر إلى القرن السابع والعشرين قبل الميلاد ويقع في شمالي صنعاء، في الطريق إلى هذا القصر نمر من همدان البلدة التاريخية، يعيش سكانها حياة في غاية البساطة، تغلب عليهم الطيبة، ملامح يمنية تحمل عبق التاريخ والأصالة ورائحة الأجداد، وتراثاً يحرص كثيرون في اليمن على التمسُّك به على الرغم من التغيير الملحوظ في مدن البلاد الرئيسية.

الخنجر اليمني التقليدي، أسواق شعبية في غاية البساطة، يبتاع منها السكان المحليون احتياجاتهم الأساسية.

يفترش الكثيرون منهم الأرض لتسويق بضائعهم، الاعتياد على مكونات المكان بالنسبة لهؤلاء القرويين يجعل أي مشهد آخر لزائرين أو قادمين جُدُد مثاراً للاهتمام والفضول الإنساني صغاراً وكباراً. الحبحب أو البطيخ من أبرز فاكهة الموسم، متابعة المسير نحو قصر الحجر ومزيد من المشاهد لبلدة تاريخية على طول الطريق الترابي.

يتربع قصر الحجر فوق صخرة تبدو منعزلة عن المكان، ترتفع عن سطح الأرض بنحو 50 متراً أو يزيد، يعلو سطحها قاعدة القصر التاريخي بطبقاته الأربع ومعمارة الفريد الذين يكتسي حُلَّة حميرية ويمنية وإسلامية وعربية في آنٍ معاً، ابتداءً من أسواره الخارجية وانتهاءً بأعلى قمته مروراً بحجارته وطراز نوافذه وما تحمله من زخارف فريدة، الداخل إلى المكان عبر البوابة الرئيسية يجد نفسه أمام صرح حضاري شاهق يشده إلى الدخول إليه ومعرفة تفاصيل محتوياته.

في فناء القصر الجانبي يجتمع ثلة من أبناء البلدة يمارسون رقصة شعبية معروفة تسمى رقصة البراء، ولعلها تشبه الرقصات الشعبية في شبه الجزيرة العربية وما يعرف بالدبكة في بلاد الشام في جزء منها. يشهرون فيها الخناجر التراثية التي تشير إلى الرجولة وشدة وبأس المقاتلين تاريخياً، بينما يجد الحضور فرجة مجانية في يوم جمعة لا متنفس لهم فيه.

كان هذا القصر قد أنشئ فوق حصن حميري يعود إلى نحو 3 آلاف عام قبل الميلاد، إلى أن جاء السلطان المنصور علي الذي بناه على شكله الحالي، وقد استمر العمل في استخدام هذا القصر حتى وفاة الإمام يحيى في منتصف القرن الماضي.

هذا ما يواجه الزائر لدى دخوله مبنى القصر، إنه مجلس الإمام الكبير الذي كان يستقبل فيه كبار الزائرين، وكان قد أنشئ في عام 1359 هجرياً، كما هو منقوش على واجهته الخارجية، باحة المجلس تقابل مبنى القصر الكبير، يحتوي هذا المجلس بعد ترميمه على قطع أثاث تعود إلى ذلك العصر، وأخرى من طراز يتناسب مع تاريخ المكان، البنادق القديمة ومخازن الرصاص التي تلف على الخصر، والأواني النحاسية والفرش التقليدي، يطل المجلس على وادي الظهر الخصيب الأخضر بعد فتح نوافذ الفناء الأمامي، كما يطل على قرية الجابل التي سكنها الإمام يحيى قبل انتقاله إلى قصر الحجر، معظم الزائرين يدخلون إلى القصر من بوابته الشمالية، من لا يعرف تفاصيل وأسرار القصر الداخلية لا يمكنه فتح هذه البوابة إذ فيها مفتاحان داخليان سريان أحدهما سفلي والآخر جانبي، في مقابل هذه البوابة يوجد أيضاً مدخلاً عادياً وآخر جانبياً سرياً يؤدي إلى مدخل آخر، كما يؤدي إلى خارج القصر من الجهة الأخرى، أدراج تلو أدراج تقود إلى طوابق القصر، كان يتسلقها الإمام وحاشيته ومن هم قريبون منه فقط، لكنه أصبح اليوم للعامة الذين يؤكدون أنهم لم يكونوا يجرءون على النظر إلى بوابات القصر الخارجية في عهد الإمام يحيى أو مجرد التفكير في الدخول إليه، غرفٌ وردهاتٌ عديدة تحتوي عليها طوابق قصر الإمام، هذه غرفة الإمام البدر بن أحمد بن يحيى، تحتوي على رفوف للكتب ونقوش وزخارف وزجاج ملون، كما تحتوي على خزانة يتم التسلق إليها بطريقة لا تبدو تقليدية في يومنا هذا، ولكنها كانت كذلك في ذلك الحين، يعتقد أنها كانت خزنة للمال أيضاً، وهذه آثار أقدام حفرت بالصخر يقال إنها من العصر الحميري وتعود للقرن السابع والعشرين قبل الميلاد.

في الطابق نفسه توجد مطحنتان للحبوب كانتا تفيان باحتياجات سكان القصر، ولا يزال استخدام هذه المطاحن شائعاً إلى حد ما في العديد من القرى الريفية في اليمن وغيرها من دولٍ عربية، كما أن إدارة رحاها تقع عادة على عاتق ربات البيوت من النساء.

يتذكر كبار السن من أبناء المنطقة كيف كان الإمام يحيى يحل مشاكل الناس على باب قصره الصيفي هذا؟ وكيف كان يقرض بعض الناس مالاً مقابل رهن ممتلكاتهم لديه، كان يفعل ذلك أكثر من تقديم مساعدات مجانية للناس.

الحاج عبد الله حسن قائد المسعودي (من وجهاء منطقة وادي الظهر): ما أحد يطلب منه مساعدة ونكر، ويقرض ويرتهن.. ياخد الرهن بدل بيت ويقرضك، عندما المديون... ويسلمك هلا.

محمد خير البوريني: ويرون أن وجود الحاكم بين الرعية يحيي البلاد.

الحاج عبد الله حسن قائد المسعودي: هذا يعني لو يجي هنا حاكم كنا أحياناً إنه هذا الحاكم، لما يجي الحاكم في المنطقة الدنيا تحيا، وكان يجي هناك ما أنا فاكر... ذلك.. أحيي من ذلك، لكن لابد الآن لو جانا حاكم يسكن هنا كما كان (البدر) كما كان، لكن، ها الحاكم يحيي الدنيا.. أحياء حياة يعني حية.

محمد خير البوريني: ويؤكدون أن البلاد كانت تعيش حالة عزلة وانغلاق.

الحاج عبد الله حسن قائد المسعودي: اللي حصل للناس في كل عصر، المبسوط مادياً موجود، والمنعدم مادياً موجود، والعامل مع الناس موجود، والمستخدم من الناس عمال.. هم الآن موجود، في كل عصر وفي كل زمان، والراحة النفسية طول ما أنا مرتاح البال هذا كلام أسميه انفتاح يسمى دا الحين، كان الانفتاح مغلق، الناس همهم إنه يأكل، يشرب، يتحصل على يومه، يزرع، يحصد، يتاجر يربح وبس ما من طموح زيادة لما حصل هم هذا وغم هذا، الناس إحنا بهمهم.. من نقاشهم اللي هم نقاشهم.. مثل هم طلع وراه مستشار، يهمه نفسه كل ما وقع عليه حالة من حال أفضل يتلقي أفضل منها، تحدث فيها، وإن على حاجة.. على الناس كلهم كان أنا مغموم في حالة ولا إنه كل حاجة وهذا لا يصح.

محمد خير البوريني: ويتذكرون سلسلة الانقلابات السياسية في حياتهم.

الحاج عبدا لله حسن قائد المسعودي: ما إحنا هناك كان عندنا أحداث كثيرة، الانقلاب على يحيى والانقلاب على أحمد والانقلاب على ابنه والانقلاب على السلال والانقلاب على الإرياني، والانقلاب على الحامدي والانقلاب على.. انقلاب خارجي، هذا من عند الحمد لله هذا الله يحفظه علي عبد الله صالح، ما قدروا... بعدين انقلب أول ما تولى، بعدين الحال استقر هناك من لما جانا لحد الآن.

محمد خير البوريني: مجلس الإمام العلوي داخل القصر حيث كان يستقبل الخاصة من ضيوفه، يحتوي هذا المجلس على فراش ووسائد مذهبة، كما يحتوي على دلال القهوة العربية وبعض قطع الأساس التي تدل على العصر، وإبريق ماء وعلبة تبغ الشيشة الكبيرة، أو ما تسمى شعبياً في اليمن المداعة، إضافة إلى الشمعدان، كما يوجد فيها خزنة مغلقة، والكثير من الزخارف، يشرف هذا المجلس بدوره على وادي الظهر من جانبين، في مكان آخر من القصر غرفة خلوة الإمام يحيى وقراءة القرآن والتأمل، وتسمى في اليمن الكُمَّة، يتذكر من عاصر الإمام من جانب آخر أوقاتاً عصيبة أقلها انتشار الأمراض والظلم والجوع.

الحاج علي حسن عبد الكريم (من سكان وادي الظهر): أنا كنت عايش هنا، هان في بلدي بوادي ظهر، وكان الوقت حابك عبس، كان الناس يموتوا من الجوع، وكان الناس تطأ حافية، وأحياناً معانا أحذية، وكان الوقت مش تمام في هذا التاريخ، واليوم الحمد لله المدارس والمستشفيات والمستوصفات والطرق المعبدة، والتليفونات والكهرباء، إحنا في نعمة شاملة.

محمد خير البوريني: كما كانت الأمية تكتسح البلاد.

الحاج حسن عبد الكريم: مكاتب صغيرة.. مكاتب صغيرة قديمة.

محمد خير البوريني: شو يدرسوا فيها؟

الحاج علي حسن عبد الكريم: يدرسوا فيها فقهاء، وكانوا يدرسوا غير القرآن وبس، ما كانوا بيدرسوا إلا القرآن والحساب.

محمد خير البوريني: وعن رصد التاريخ حول رأي الناس بالإمام يحيى.

الحاج علي حسن عبد الكريم: فيه ناس كان يحبوه، وفيه ناس ما يحبوش.

محمد خير البوريني: ليه؟

الحاج علي حسن عبد الكريم: من الظلم.. من الظلم.. كان.. كان يقطع الروس ويحبسهم في الحبوسات ويؤبدهم ويقتل، ويلقى الرهاين في الحبوسات من أبناء المشايخ جدهم رهاين يجلسون في الحبس أبناء المشايخ،... رهاين عنده،... في الحبس، أبناء المشايخ الكبار.

محمد خير البوريني: وكيف كانت علاقة الناس بقصر الإمام؟

الحاج علي حسن عبد الكريم: ما حد يقدر يدخله، ما حدا.. ما حدش طايل يشوفه من الخارج.

محمد خير البوريني: هذا القصر؟

الحاج علي حسن عبد الكريم: هذا القصر ما حدش طايل يزيح عينه قصاد القصر، ما حدش طايل.

محمد خير البوريني: ليه؟

الحاج علي حسن عبد الكريم: من خوفه الإمام، من خوفه، من خوفه الإمام ما حدش كان طايل يشوف..

محمد خير البوريني: إلى جوار غرفة الإمام كان حمامه الخاص، جانب منه للاستحمام والجانب الآخر للوضوء، الشرفة الجنوبية للقصر كانت تخصص لنساء الإمام اللواتي كن يرافقنه إلى مقر إقامته الصيفي، فكان لديه منهن أربع نساء، تطل الشرفة أيضاً على وادي الظهر الأخضر، ويمكن من خلالها مشاهدة الأبراج المحيطة بالقصر التي كانت عيون حراسها لا تنام، ترقب بحذر وتسهر على أمن حاكم كان له من الأعداء الكثير، ومن شرفة النساء أيضاً تبدو مدينة (دورم) الحميرية التاريخية ظاهرة للعيان على ظهر جبل مقابل، تغير اسمها مع مرور الزمن، ويعرفها الناس باسم طَيِّبة، تعود هذه الآثار العريقة إلى خمسة آلاف عامٍ مضت، هذا مسجد طَيِّبة، أما هذه الكهوف فقد كان يسكنها الحميريون في سابق الزمان، ومازالت شاهداً عليهم على سفح أحد الجبال المحيطة بوادي الظهر.

في العودة إلى داخل القصر الذي يحتوي على ردهات وأروقة عديدة، وجدنا ابتكارا لثلاجة تقليدية لحفظ اللحم وتبريد المياه وأنواع من الطعام، السر في ذلك أنه يقع في الجهة الشمالية من المبنى وقد صمم ليكون مكاناً بارداً على مدار العام.

أما هذا المكان فكان يستخدم لغسل الثياب ونشرها إذ بنيت فيه حجارة سوداء تمتص حرارة الشمس، وتعمل على تجفيف الملابس بسرعة إضافية، في الجهة الأخرى يقع بئر مركزي كبير يعتمد عليه القصر في التزود بالمياه، يحتوي على كميات كبيرة من المياه الجوفية، البئر عميقة بحيث لا يعرف لها قرار، إلى الجوار كهفان متداخلان يعتقد أنهما كانا يستخدمان لتحنيط الموتى، التحنيط الذي تروى عنه قصص وأساطير كثيرة في وادي الظهر، وإلى الجوار خصص مكان لحفظ الخبر أو اللحم بعد إنضاجه.

الخارج من القصر يرى المحكمة ومقر الكُتَّاب العاملين لدى الإمام حيث كان الفصل بالأحكام يصدر من هذا المكان، وقريباً من المحكمة تقع غُرف حراس بوابة القصر، وغُرفٌ أخرى كانت تستخدم مصفاً لعربة خيلِ الإمام ودوابه عموماً، خارج سور القصر ولكن بمحاذاته كان يقع البيت التابع لكاتب الإمام الخاص الذي يُعنىَ بمراسلاته، ويتكون البيت الصغير نسبيًّا من ثلاث طبقات كما أنه لا يرقى إلى مستوى فخامة بيت الإمام بأي حال، وفي الجوار أيضاً يقع الحمام البخاري الذي كان قد بني في عهد الإمام المنصور قبل نحو 400 عام، وقد استخدمه الأئمة الذين تعاقبوا على هذا القصر، بالإضافة إلى عامة الناس، لكن أحداً لم يكن يُسمح له بالدخول إلى الحمام والاستفادة منه لوجود الإمام بداخله، حيث كان يحجز سلفاً لاستخدامه الخاص، تسخين المياه في هذا الحمام كان ولا يزال يتم بطريقة بدائية تتمثل بالاعتماد على روث الحيوانات مصدراً للطاقة، يضاف إلى الروث بعض النفط.

أحد سكان وادي الظهر: هذا كان رماد، وهذا كان الروث يخلطوا كله ينزلوا هاي الملة.

محمد خير البوريني: مع النفط.

أحد سكان وادي الظهر: مع النفط ويوقدوا تحت الخزان وبعدين الماء يخرج حامي، طبيعي.

محمد خير البوريني: الروايات حول قصر الحجر لا تنتهي منذ إنشائه الأول قبل آلاف السنين، وحتى يومنا هذا.

بشير محمد العزي (مرشد سياحي في دار الحجر): بعد مقتل الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين في سنة 1962، بقى القصر في حالة سيئة، وهم ادخلوا فيه.. في بعض التعديلات في السبعينات، وهو بقى في حالة سيئة حتى عام 1987، وسُلَّم لوزارة السياحة، وقامت بترميمه حتى عام 1991، واستمرت حالة القصر سيئة حتى عام 1974 سُلِّم للقطاع الخاص، قام القطاع الخاص بترميمه وتكميل الترميم ومباني أخرى إلى جانب القصر.

محمد خير البوريني: كان وادي ظهر الشهير هذا يزرع عبر التاريخ بما لذَّ وطاب من أنواع الفاكهة والحمضيات، ولكن عندما تفوقت زراعة القات الذي يمضغه اليمنيون على سواها من الزراعات، بات هذا الوادي فقيرا بأنواع الزراعات الأخرى.

محمد خير البوريني: من اليمن نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من البرنامج، يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوا تفاصيلها بالصوت والنص والصورة من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت، كما يمكن مراسلة البرنامج أيضاً عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: reporters@aljazeera.net
أو من خلال العنوان البريدي على صندوق بريد رقم 23123 الدوحة قطر.
أو الفاكس على رقم 4860194.

في الختام هذه تحية من صبري الرماحي مخرج البرنامج ومن فريق العمل، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.