مقدم الحلقة:

محمد البوريني

تاريخ الحلقة:

26/07/2003

- الجامع الأزهر ومدينة البعوث الإسلامية
- مرض سارس في الصين

- المنظمة العالمية للفرنكفونية

محمد خير البوريني: أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا إلى حلقة جديدة من (مراسلو الجزيرة).

من أرض الكنانة مصر نعرض لكم تقريراً مفصلاً نتناول فيه الجامع الأزهر ومدرسة البعوث الإسلامية هناك، الأزهر الذي خرّج أفواجاً لا تحصى من طلبة العلوم الدينية والشرعية والإنسانية على مدى ألف عام، ونرى كيف يتعايش الطلبة فيها من مختلف الجنسيات لا فرق عندهم بين طالب وآخر، إلا بالمثابرة والتحصيل والمتابعة والمعرفة.

ونشاهد تقريراً يتحدث عن مرض السارس الذي روَّع مليار وثلاثمائة مليون صيني، وأطاح بمسؤولين ورؤوس حكومية، وأثار ضجة في عدد كبير من دول العالم ونرى آخر ما وصل إليه حال هذا المرض المرعب الذي يمكن أن يؤدي إلى قتل المصابين به إذا لم يجدوا الرعاية الكاملة فور تعرضهم للإصابة.

ومن فرنسا نستعرض تقريراً مفصلاً نتناول فيه المنظمة العالمية للفرنكفونية التي يرى كثيرون أنها حاولت أو تحاول تغيير مسارها الثقافي نحو التجديف بعكس تيار الولايات المتحدة وتشكيل قوة دولية سياسية واقتصادية تقف في وجه التفرد السياسي الأميركي وسياسات واشنطن الاقتصادية في العالم، ونطرح أسئلة عديدة حول دور الفرنكفونية وقدراتها الحقيقية، كما نسأل عن نظرة القوة الاستعمارية السابقة للقضايا المصيرية العربية، وحجم تأثير باريس على دول أوروبا.

أهلاً بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

الجامع الأزهر ومدينة البعوث الإسلامية

منذ نحو ألف عام والجامع الأزهر في القاهرة مركزاً للصلاة والعبادة ومدرسة للفقه وعلوم الدين والعلوم الإنسانية، يأتيه الطلبة من أركان الدنيا الأربع، طمعاً في المعرفة والاستزادة على أيدي نخب من الفقهاء والمدرسين، وكما كانت الجامعة المستنصرية في بغداد عاصمة المنصور والرشيد كما كانت المستنصرية الجامعة بل المنارة الأولى للعلوم في العالم في وقت كانت فيه غالبية أقوام الدنيا تهيم في الجهل وتغرق في وحل الظلمات كان الأزهر كما كانت المستنصرية في العراق منهلاً للمعرفة، مدينة البعوث الإسلامية التابعة للأزهر وهي مؤسسة إسلامية تربوية وتعليمية طلابية خدمية ومعيشية كبيرة، لا فرق في هذه المؤسسة بين عربي وأعجمي إلا بالعلم والمعرفة والمثابرة، وقد ظل الأزهر محافظاً على روح العصر والتطور في المناهج والعلوم كما ظل مواكباً لتطور المعرفة على الصعيد العالمي. تقرير لينا الغضبان أعدته من القاهرة.

تقرير/ لينا الغضبان - مصر: منذ اليوم الأول لإنشائه قبل ألف عام قُدِّر للجامع الأزهر أن يكون أكبر بكثير من كونه مسجداً للصلاة ومدرسة لتحصيل العلم، بنى الفاطميون الأزهر الشريف في مستهل حكمهم لمصر عام 969 للميلاد واختاروا له اسمه نسبةً إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وكان هدفهم من ورائه أن يكون مركزاً لنشر تعاليم المذهب الشيعي، ولكن مكانته كمؤسسة لنشر العلم كانت تزدهر سنة بعد سنة وقرناً بعد قرن، ليتحول مع الزمن إلى منارة للوسطية الإسلامية التي تتسع لكل المذاهب، وترفع لواء الدعوة للعقيدة السمحة البعيدة عن التطرف والابتداع وتُدرس فيها العلوم الدينية بكافة فروعها إلى جانب الآداب والفنون وعلوم الرياضيات والمنطق والفلك، وأخذ طلاب العلم من أمصار اليمن والجزيرة العربية والشام وما وراء النهرين والصين والهند وإفريقيا يتوافدون على الأزهر كما يتوافد الفراش على النور.

الشيخ/ عيد محمد (إمام الجامع الأزهر): كان المسجد جامع وجامعة في الوقت نفسه، وكان المعلوم أن الطلاب يتجمعون أمام المدرس.. مدرس الفقه أو الحديث أو التفسير أو اللغة العربية وغيرها، يجتمعون أمام المدرس طول العام، ثم يُعمل لهم امتحان، فحينما يجتازون الامتحان ينتقلون من عمود إلى آخر، وكان يسمى الشيخ بشيخ العمود، ويستمر الطالب ينتقل من حلقة إلى أخرى، عاما بعد عام حتى يحصل على الإجازة العالية، وكان الطلاب يتلقون العلم أيضاً في أروقة متعددة مثل رواق الجبرتي، رواق الشوام، رواق المغاربة، رواق الصعايدة، وكان هناك أيضاً في الرواق الفاطمي الذي فيه القبلة القديمة إلى أن أُنشئت الجامعة الحديثة فانفصل الجامع عن الجامعة.

لينا الغضبان: هذه الغرف أُضيفت تباعاً على مدى التاريخ المعماري للجامع، ولكن أكثرية الطلاب سكنوا في منازل مجاورة للجامع فعُرف الحي بالمجاورين وهم طلاب العلم من مصر وغيرها، يأتون للدرس سنوات يقضونها في رحاب الجامع الكبير، ثم يعودون لديارهم دعاة وعلماء وأدباء ومثقفين، ومع الزمن زاد الطلاب عن سعة الجامع والحي، وتنوعت جنسياتهم وتطورت العلوم التي جاءوا لدراستها، فكان لابد للأزهر أن يواكب هذا التطور.

عندما ضاقت أروقة الجامع الأزهر بطلاب العلم من كافة بقاع الأرض جاء التفكير في إنشاء جامعة الأزهر كتطور طبيعي للدور التعليمي الذي اضطلع به الأزهر الشريف على مدى أكثر من ألف سنة من تاريخه، وواكب نقل التعليم من الجامع إلى الجامعة تطوير المناهج لتشمل العلوم التطبيقية الحديثة كالطب والهندسة إلى جانب العلوم الدينية التقليدية والنظرية.

مدينة البعوث الإسلامية بالقاهرة وقد ارتفع صوت المؤذن بالنداء لصلاة الجمعة، شمس الصيف الحارة تسطع فوق المسجد الفسيح، وفي داخله خيَّم جو من السكون الخاشع لا تقطعه إلا همهمات تلهج بذكر الله، اختلفت الألوان في وجوه المصلين وفي أزيائهم، وتباينت لغاتهم وألسنتهم، ولكن اجتمعت قلوبهم على هدف واحد، طلب العلم في جامعة الأزهر الشريف.

في مدينة البعوث الإسلامية اندملت الجروح العِرقية والتاريخية والسياسية وانصهر الجميع في أمة إسلامية واحدة شعارها كلمة التوحيد وغايتها المعرفة الحقة، من إفريقيا، من آسيا، من أوروبا، من أستراليا والأميركتين، من الجزر النائية في المحيطين الهادئ والهندي، جاء الشباب المسلم ليستظل في واحة العلم بالأزهر الشريف الذي فتح ذراعيه مُرحباً بالجميع.

الشيخ/ فرحات السعيد المنجي (مدير مدينة البعوث الإسلامية في القاهرة): كانت تأتي مجموعات من عدة دول، نقول لهم: كل واحد منكم يلقي خارج الباب هذا.. باب المدينة تبعاته وإلى أي حزب ينتمي وإلى أي لهجة وإلى أي.. ليس هناك إلا دين واحد وهو الإسلام الذي أتيت من أجله، ومن هنا.. ومن يسكنون هنا في داخل هذه المدينة كلهم إخوانك وكلهم مسلمون، أياً كانت ألوانهم وأياً كانت مذاهبهم وطوائفهم.

طالب إندونيسي: الحمد لله ليس هنا مشكلة أي مشكلة هنا بالنسبة للتواصل مع الأجانب، كلنا يطلبون علم، كلهم يأتون هنا لوجه الله.. لوجه الله تعالى.

لينا الغضبان: نحن إذن بصدد مدينة طلابية إسلامية ليست كغيرها من المدن الطلابية، بل هي مؤسسة تربوية وتعليمية ومعيشية وخدمية فريدة وعملاقة، تنصهر فيها مظاهر الاختلاف بين الآلاف من الشباب المسلم الذين جاءوا من كل أصقاع الأرض، وقد حمل كل منهم ثقافته وتراثه وتاريخه وحمل أيضاً الأمل في العودة وقد كُلِّلت هامته بتاج من العلم.

محمد سيد طنطاوي (شيخ الأزهر): من الناحية العلمية الطلاب الذين يأتون إلينا من دول شتى وذلك الطالبات هم يجلسون إلى جانب إخوانهم المصريين، لا تفرقة بين طالب مصري وطالب من دولة أفريقيا أو طالب من دولة آسيا أو طالب من هنا أو طالب من هناك، من الناحية العلمية هم يتساوون في الدارسة.

لينا الغضبان: يعيش الطلاب من كل الجنسيات معاً في مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر، ليست هناك أقسام بعينها لجنسيات بعينها، بل كثيراً ما يأوي المبني الواحد في المدينة طلاباً من دول تستعر بينها الحروب وهذه المعيشة المشتركة تشيع بينهم روحاً من الألفة وتذيب الفوارق، ولكنها أبداً لا تلغي الهوية ولا تمحو الشخصية المميزة لكل شعب.

طالب من دولة بنين: علاقتنا بين الإخوة الود والمحبة، ما فيه أي خلاف سياسي ولا يعني (..) دينية أو كذا.. عرقية وكذا، وما فيه أي تخالف ولا أي شيء، كلنا صرنا إخواناً يعني مسلمين.

لينا الغضبان: في السوق الصغيرة بالمدينة يعبر الطلاب عن الحنين للوطن، والتمسك بالثقافة والموروث تحت مظلة الإسلام الوارفة، الخياط هنا يجيد حياكة الأزياء التقليدية لمختلف الشعوب، والكواء يجعلها مهندمة وأنيقة، وهناك حلاق متمرس في قص الشعر طبقاً لأذواق عديدة.

مدينة المبتعثات للأزهر قريبة ولكنها منفصلة عن تلك المخصصة للبنين تمشياً مع سياسة فصل الجنسين في كافة المرافق التعليمية بالأزهر ولتوفير ما تحتاجه الطالبات من أمن وخصوصية، وكان الأزهر رائداً عندما فتح الباب أمام الفتيات لتلقي العلم في أروقته على قدم المساواة مع البنين.

طالبة من الصومال: كل البنات هنا يحسوا بالأمان، يعني نحس كأن إحنا ببيتنا لأنه يعني أول ما نخرج بنكتب تصاريح كأن إحنا نستأذن من أهلنا يعني، عشان كده نحس بالأمان هنا أكثر.

لينا الغضبان: في داخل المدينة تعيش البنات من كافة الجنسيات حياتهن العادية، الدراسة في الصباح ثم العودة إلى مدينتهن الصغيرة، اللمسة النسائية ظاهرة في الغرف النظيفة المرتبة.

طالبة من جيبوتي: في خلال وجودي في مدينة البعوث اتعرفت على بنات كثير من كل الجنسيات، لأنه فيه بنات كثير من جنسيات مختلفة، اتعرفت على الإندونسيين والتايلانديين والسنغاليين وكل الإفريقيات، حتى في البنات من لاتين أميركا تعرفت عليهم هنا، فمن خلال التعامل معرفتي عندهم وتعرفت على كل واحدة عاداتها وتقاليدها والأكل بتاعهم وكده والإسلام بتاعه، فحاجات كثيرة اتعرفت عليها.

لينا الغضبان: في جامعة الأزهر تتكامل صورة المؤسسة التعليمية العملاقة التي يرعاها الصرح الأزهري الكبير، فما الجامعة إلا امتداد منطقي للجامع والمدينة، وجاء إنشاء الجامعة فيما بين عقدي الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي كي يواصل الأزهر من خلالها دوره في خدمة العلم وطلابه من كافة بقاع العالم.

د. أحمد عمر هاشم (رئيس جامعة الأزهر): بجامعة الأزهر 350 ألف طالب وطالبة، من بين هذا العدد عشرون ألف طالب وطالبة من أربع وتسعين دولة.. أمم متحدة، نحن الآن في تطوير الجامعة وفي تطوير الخطاب الديني لأخُرِّج دعاة من طراز جديد يخاطبون العالم والمجتمع الدولي بلغته.

لينا الغضبان: أدرك الأزهر أهمية العلوم الحديثة في تعزيز رسالته التي لم يتخلَ عنها يوماً، وهي الدعوة من خلال التعليم، فعمد إلى تنويع مناهج جامعته الكبيرة بهدف ترسيخ أقدام الدعاة في أوطانهم، فأصبح من بين خريجي جامعة الأزهر الطبيب والمهندس وخبير الحاسب الآلي سواء من المصريين أو المبتعثين، وأُنشئت فروع للجامعة والمعاهد الأزهرية والبعثات خارج مصر، وفي السودان وغيره من دول إفريقيا وآسيا، وأخيراً في قطاع غزة استكمالاً للرسالة العلمية الرائدة التي بدأها الأزهر قبل ألف عام.

جامعة الأزهر الحديثة ومدينة البعوث الإسلامية جاءتا استجابة لتحديات النمو في الدور التعليمي للمؤسسة الأزهرية، لكن تلك المؤسسة تظل الوحيدة التي تنصهر فيها قلوب الشباب المسلم في بوتقة من العلم والإيمان ليخرجوا بعدها وقد صاروا على قلب رجل واحد.

لينا الغضبان - لبرنامج مراسلو الجزيرة - القاهرة.

مرض سارس في الصين

محمد خير البوريني: إرهاب من نوع جديد أدى إلى إحداث بلبلة كبيرة في العالم، ليس منظمة دموية أو تنظيماً سرياً أو مسحوقاً قاتلاً أو غازاً ساماً، إنه مرض الالتهاب الرئوي اللانمطي (السارس) الذي أطاح بمسؤولين ورؤوس حكومية في الصين، تقرير عزت شحرور أعده من هناك.

د. جيمس ماكفواير
تقرير/ عزت شحرور: الصين: مكان آخر وإرهاب من نوع جديد، اعتبرته الصين أكثر الهجمات شراسة ضد الجنس البشري وأشد وطأة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عدة أشهر والصين تحصي ضحاياها في الليل والنهار، وجوه تختبئ خلف أقنعة واقية خوفاً من عدو مجهول لا يرحم. زرع الخوف والرعب في صفوف الملايين، وحصد المئات من الأرواح، وأصبح مشهد المصابين بشظاياه الذين يتم نقلهم يومياً إلى مستشفيات العاصمة بكين أكثر المدن تضرراً حدثاً مألوفاً وعادياً في شوارعها وأحيائها، لا يثير الكثير من الفضول أو الاهتمام.

الصين أعلنتها حرباً شعواء على هذا العدو، واستنفرت كل طاقاتها للبحث عنه، فنشرت عيونها في كل مكان يمكن أن يدل على وجوده واقتفت كل الإشارات والعلامات التي قد تكشف عن مخابئه، هذا العدو الذي يسبب مرض الالتهاب الرئوي اللا نمطي أو ما عُرف اختصاراً بسارس تبدأ أعراضه بما يشبه الأنفلوانزا، وقد تنتهي بالوفاة، أعيا علماء البيولوجيا في الصين والعالم على حدٍ سواء، وأبدى قدرة فائقة في التمويه وتغيير الشكل قبل التعرف عليه، فأفزع من هم قائمون على مواجهته والتصدي له على الجبهة الأمامية، وأوقع في صفوفهم العديد من الإصابات والضحايا.

ليو وي خوا (ممرضة في مشفى ديتا للأمراض المعدية): نقوم بإجراءات تعقيم وتنظيف صارمة، ولهذا فنحن مطمئنون.

عزت شحرور: لكن علامات الاستفهام الكبيرة والأسئلة الكثيرة التي مازالت تحيط بالمرض وكيفية علاجه أو اتقاء شره تُبقي الأبواب والنوافذ محكمة الإغلاق على أي احتمالات إيجابية سريعة للخروج من نفقه المظلم في وقت قريب.

طالما بقيت أسباب المرض وطرق انتقاله لغزاً محيرا، وطالما بقيت أعداد المرضى والحاملين للفيروس سراً لا يباح فإن هاجس الخوف والرعب سيبقى أشد تأثيراً من المرض نفسه.

هذه الضربة القوية والمفاجئة أربكت القيادة الصينية الجديدة التي وجدت نفسها أمام أول تحدٍ خطير لم يكن في الحسبان، فاختارت التضحية ببعض الرؤوس بتهمة التكتُّم على أعداد المصابين وسوء الإدارة في التعامل مع الوباء، شملت أكثر من مائة مسؤولٍ على رأسهم عمدة العاصمة ووزير الصحة الذي استُبدل بالمرأة الحديدية المعروفة (أو إي) لتقود هذه المعركة الصعبة.

هذا التحرُّك السلحفائي المعتاد للصين لم يلقَ تفهُّماً من جهات دولية عديدة، ولم يرضِ منظمة الصحة العالمية التي وجَّه مسؤولوها أصابع الانتقاد نحو الصين.

غروهارلم برونهاند (المدير العام لمنظمة الصحة العالمية): هل كانت الأمور ستكون أفضل لو أُتيحت الفرصة لخبراء منظمة الصحة العالمية لدخول المناطق الموبوءة في إقليم (جواندونغ) لمساعدة السلطات في السيطرة على المرض فإن جوابي هنا بالتأكيد سيكون نعم، كان يجب إشعارنا بوقت مبكر.

عزت شحرور: سلسلة من الإجراءات الوقائية فرضتها الحكومة الصينية شملت حملات تعقيم وتنظيف يومية مكثَّفة لمختلف المرافق العامة ونقاط مراقبة في المطارات ومحطات القطار للتأكد من عدم تسلل المرض إليها، ترافقت مع حملات توعية وتثقيف بمخاطر المرض وإرشادات للوقاية من شروره، واتخذت قرارات احترازية أخرى بإغلاق أماكن التجمعات البشرية كالمدارس والمسارح ودور السينما والمقاهي خشية انتشار هذا الوباء القاتل وتفشيه بين مرتاديها، وحرصت السلطات على التأكد بنفسها من التزام الجميع بقراراتها الصارمة التي طالت حتى دور العبادة.

إبراهيم وانغ (مسلم صيني): بعد قرار المجلس الأعلى للأقليات بإغلاق جميع المساجد نقوم بأداء الصلاة في بيوتنا خوفاً من المرض.

عزت شحرور: الخوف جعل من لزوم المنازل اختياراً إرادياً وتطوعياً للكثير من المواطنين وإجبارياً للعديد من المباني التي فُرض عليها الحجر الصحي للاشتباه بوجود حالات إصابة فيها، فحوصر الآلاف من طلبة الجامعات في جامعاتهم، أما الخطوة الأهم فكانت قرار إنشاء مستشفى خاصة لمرضى سارس في ضاحية (شياوبانج شان) شمال العاصمة بكين، يستوعب ألف سرير مجهَّز بُني خلال أقل من أسبوع.

الحكومة لوَّحت أيضاً بعقوبات صارمة قد تصل حد الإعدام لكل من تثبت إدانته في التستر على العدو أو نقله من مكان إلى آخر، فأُقيمت في وجهه الحواجز والمتاريس وامتدت الأسلاك الشائكة خاصة في المناطق الريفية التي منعت اقتراب الغرباء منها لحماية فلذات أكبادها.

إلا أن كل هذه الإجراءات جعلت المواطن العادي يبدو كغريق في بحر من المخاوف، فسارع للبحث عن كل ما يُعتقد أنه قد يقيه شر هذا القاتل الجديد من مواد للتنظيف والتعقيم مهما غلت أسعارها أو اللجوء إلى المخزون القديم من تراث الطب التقليدي الصيني بأعشابه ووصفاته الغريبة، فهي إن لم تنفع لن تضر في ظل غياب علاج فعَّال للمرض.

مواطنة صينية: هذا هو ما يميز الصين عن العالم، إننا نمتلك تراث يعود لآلاف السنين من الطب التقليدي، وهذا ما لا يتوفر لدول كثيرة، أنا واثقة من قدرتنا في التغلُّب على المرض.

عزت شحرور: لكن خبراء الطب الحديث لهم -على ما يبدو- رأي آخر في الموضوع.

د. جيمس ماكفواير (خبير في منظمة الصحة العالمية): هل يقدم الطب التقليدي الصيني أية إضافات للطب الغربي؟ هل له مضار وآثار جانبية؟ حقيقة ليس لدينا معلومات كافية لنعرف.

عزت شحرور: سارس المخيف لم يعد مصدر قلق وخطر على صحة الأفراد فحسب، بل على صحة المجتمع بأكمله، فقد أصاب العديد من مجالات الحياة بالشلل، وتسبب في إغلاق المحال والمراكز التجارية وقطع أرزاق القائمين عليها، وأدَّى إلى فرض عزلة دولية كبيرة على الصين ومواطنيها بإيقاف العديد من خطوط الطيران الدولية والمحلية رحلاتها مما تسبب في إصابة قطاع السياحة رئة الاقتصاد الصيني في مقتل، وبدت المدينة المحرمة أكبر المراكز السياحية في العاصمة والتي كان يؤمها آلاف السياح من الصينيين والأجانب يومياً خالية، وكأنها استعادت حرمتها من جديد، فلا أحد يقترب من أسوارها وأبوابها، تماماً كما كان الوضع عليه أيام أباطرة الصين القدامى، أما مسؤولو وزارة السياحة فلم يعد لهم من عمل سوى متابعة الأرقام وجمعها لحصر حجم الخسائر المترتبة.

يو تشانغ جيانغ (مدير الهيئة العامة الصينية للسياحة): الإحصاءات التي أجريناها تشير إلى أنه تم إلغاء أكثر من ستة آلاف مجموعة سياحية أجنبية لحجوزاتهم أي حوالي مائة وسبعين ألف سائح خلال شهر واحد، أي بتراجع أكثر من 70% عن نفس الفترة من العام الماضي، ولك أن تتخيل ما سيُخلِّفه هذا إذا استمرت الخسائر على قطاع السياحة والمواصلات والفنادق والخدمات، إن آثار المرض على مدينة كبيرة مثل بكين خطرة جداً..

عزت شحرور: معركة شاقة ومضنية خاضها الصينيون طوال نصف عام إلى أن أعلنوا انتصارهم على سارس، وحرروا وجوههم من الأقنعة الواقية، إلا أن أوان الاسترخاء لم يحن بعد على ما يبدو، فقد يكون العدو ما زال يحتفظ ببعض جيوب المقاومة.

هذا الجدار المتين بناه قدماء الصينيين لاتقاء شر المغول القادمين من الشمال، على سفحه توقفت جحافل الغزاة والطامعين، وبه عزل الصينيون نفسهم عن العالم ردحاً من الزمن، إلا أنهم وفي غمرة انفتاحهم على العالم فاجأهم سارس المخيف بشروره فعزل العالم نفسه عنهم هذه المرة، وإن كان لعدة أشهر إلا أنها كانت أشد وطأة من عشرات السنين، وربما تبقى آثارها السلبية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية باقية حتى فترة أخرى.

عزت شحرور- لبرنامج مراسلو الجزيرة - بكين.

[فاصل إعلاني]

محمد خير البوريني: ونعرض -مشاهدينا الكرام- في سياق هذه الحلقة مجموعة من رسائلكم.

نبدأ برسالة وصلت من المشاهد محمد، ولم نتمكن من معرفة مصدرها، يطلب محمد من البرنامج تقارير مفصلة حول الوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك مصادر الدخل للمواطنين الفلسطينيين، ومصادر المنتجات والعملة التي يتعامل بها الفلسطينيون وقيمتها النقدية، ويسأل هل هناك اقتصاد فلسطيني بالمعنى الكامل للكلمة أم أنه اقتصاد الاحتلال؟

شكراً للمشاهد، ونود هنا أن نذكّر بما سبق وعرضناه من موضوعات بهذا الاتجاه من الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، ونؤكد من جديد أننا سوف نعرض المزيد من الموضوعات في حلقات مقبلة نرجو أن تتمكن من متابعتها.

وهذه رسالة وصلت من جماعة تطلق على نفسها اسم جماعة العراق الأخضر الراعية لحقوق البيئة والإنسان في العراق، حسب ما ورد فيها، تطلب الرسالة -حسب نصها وباختصار- أن يقوم البرنامج بإعداد تقرير يتناول قضية تجفيف الأهوار في جنوبي العراق في منتصف التسعينات من القرن الماضي من قِبَل النظام البائد - على حد تعبير الرسالة- وتسليط الضوء على انعكاسات ذلك على ما حصل من انتكاسات بيئية حادة وتدهور خطير في تركيبة واقتصاد سكان تلك المناطق بين ليلة وضحاها.

شكراً على الرسالة، ونحن بالفعل بصدد إنجاز مجموعة من الموضوعات من مناطق العراق الجنوبية، ولكننا نتوخى الأهم ثم المهم، ونعطي أولويات للموضوعات التي نقوم بعرضها على هذا الأساس، وسوف نعمل على بحث إنجاز تقرير يتعلق بما طلبت من بين الموضوعات الأخرى المختلفة.

من إريتريا أرسل المشاهد وهب الباري رسالة الكترونية يطلب فيها تسليط الضوء على مدينة مصوع الساحلية الأثرية، التي يعتقد أن صحابة رسول الله -رضي الله عنهم- دخلوا إلى الحبشة عن طريقها، وأنها بوابة الإسلام إلى إفريقيا، بدأنا ببحث إمكانية زيارة مدينة مصوع، ونرجو أن نتمكن من ذلك، وأن نتمكن أيضاً من إعداد موضوع يتعلق بالمدينة.

من دولة الإمارات العربية المتحدة هذه رسالة بعثها المشاهد سالم التميمي يقترح فيها.. فيها على البرنامج إعداد تقرير حول العرب من أهل السنة الذي يقطنون الساحل الشرقي للخليج العربي التابع لإيران، ويقول إنهم من أهل شبه الجزيرة العربية الذين نزحوا لأسباب كثيرة من بينها سنوات القحط التي مرت بها منطقة الخليج قديماً، حيث استقروا هناك ومازالوا حتى الآن وهم محافظين على لهجتهم وعاداتهم وتقاليدهم الخليجية، ولكن بعد اكتشاف النفط في تلك المناطق التي يسكنونها برزت ظواهر خطيرة تهدد عاداتهم وتقاليدهم، وتنذر باندثار لهجتهم بعد نزوح آلاف الإيرانيين الأصليين إلى تلك المناطق، ويقول المشاهد إن في تلك المناطق الإيرانية أكثر من مائتي قرية عربية حسب ما ورد في رسالته.

نشكر المشاهد سالم التميمي، ونؤكد من جديد أننا نواجه صعوبات كبيرة في إنجاز تقارير كهذه من إيران، حيث يحتاج خروج مراسل (الجزيرة) لإنجاز موضوعات خارج العاصمة طهران إلى موافقات خاصة من السلطات الإيرانية المعنية، وعادة لا تتم الموافقة على إنجاز موضوعات كهذه، وكنا قد حاولنا سابقاً أن نتناول قضايا تتعلق بالعرب والأكراد في إيران، ولكننا لم نحصل على الموافقات المطلوبة، على أي حال سوف نبقى نحاول، ونرجو أن نوفق في ذلك.

أبو عبد الله من المملكة العربية السعودية، يطلب أبو عبد الله من (مراسلو الجزيرة) تسليط الضوء على الغجر أو النَّوَر في المجتمع السوري -حسب المصطلح الشعبي الدارج في بلاد الشام- ويقول: إن الجدل قد كَثُرَ حول الغجر من أين أتوا؟ وما هو موطنهم الأصلي؟ وما إلى ذلك من تفاصيل، الرسالة وصلت، ولكن لا يمكن أن نلبي ما طلبت في وقت قريب لأسباب معينة، علماً بأن الغجر يعيشون في العديد من دول العالم وليس في سوريا فقط، حتى أنهم مواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة في غالبية تلك الدول، نأمل أن نتمكن من ذلك في وقت لاحق، ونرجو أن يكون ذلك قريباً.

مشاهدينا الكرام، نكتفي بهذا القدر من الردود على رسائلكم ونتابع معكم البرنامج.

المنظمة العالمية للفرنكفونية

في ظل تفاقم الأزمات الدولية وتكريس الأحادية في صنع القرارات السياسية والاقتصادية في العالم، حاول الفرنسيون التجديف بعكس التيار الأميركي، الأمر الذي فُهِمَ على أنه تحوُّل في خط سير المنظمة العالمية للفرنكفونية، من منظمة تُعنَى بالثقافة الفرنسية إلى تجمع دولي يهدف إلى الوقوف في وجه السياسات الأميركية، ومن ضمنها السياسات الاقتصادية الدولية.

ما هي الفرنكفونية؟ وإلى أي مدىً يمكن لفرنسا أن تبتعد عن واشنطن في سياساتها دون أن تدفع ثمناً باهظاً؟ وأين وصلت دول الفرنكفونية التي تسعى إلى تغيير المفاهيم التقليدية في التعامل مع دول العالم في ظل الأحادية الأميركية التي لا تجد من يقف في وجهها على أرض الواقع؟ ثم أين دور المنظمة في اتخاذ القرارات بشأن القضايا الدولية المصيرية؟ على الرغم من أن عدد الدول المنتمية إليها يعادل ثلث العالم تقريباً، وما هو دورها الفعلي في قضية حوار الحضارات والثقافات والحيلولة دون تصادمها؟ وكيف تنظر فرنسا القوة الاستعمارية السابقة إلى العالم العربي وقضاياه المصيرية؟ وما هو تأثيرها على الساحة الأوروبية؟ أخيراً وليس آخراً ما هو مصير الفرنكفونية؟ تقرير ميشيل الكيك من باريس.

بيير أندريه فيلتزر
تقرير/ ميشيل الكيك - فرنسا: المنظمة العالمية للفرنكفونية هل هي فقط مجرد منتدى أو نادٍ أو تجمع تلتقي فيه الدول التي تجمعها اللغة الفرنسية فحسب أم أنها بدأت تتحول إلى كتلة سياسية واقتصادية لتواجه كتلة أخرى تتمثل بالولايات المتحدة والدول الأنجلوفونية المنضوية تحت لوائها؟ خصوصاً وأن فرنسا هي التي تتزعم هذا المنتدى الفرنكفوني الكبير، وتحاول في ظل أحادية القطب الواحد المفروضة على العالم من قِبل العملاق الأميركي، تحاول -أي فرنسا- أن تحلم بأنه مازال يوجد لها مكانٌ على الساحة الدولية، وبأنها قادرة أن تجمع تحت جناحيها هذا العدد الكبير من الدول الذي يفوق الخمسين دولة من بينها عددٌ كبير من الدول الإفريقية مستعمراتها السابقة، ولكي تنفض الفرنكفونية عنها غبار ذلك الماضي الاستعماري حاولت أن تتحرر من هذه الصبغة، واتخذت لنفسها مفاهيم تتعلق بمبادئ وقيم أساسية لها طابعها الإنساني والحضاري، فأصبحت الفرنكفونية مرادفة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية الثقافية والحضارية، مفاهيم قد تستهوي الكثيرين لكنها أحياناً قد تكون بعيدة عن التطبيق والممارسة الفعلية، غير أن الرغبة في تحقيق هذه الطموحات تبقى كبيرة وتحتاج إلى تضافر وتضامن.

الرئيس الفرنسي/ جاك شيراك: تريد الفرنكفونية أن تحقق ذاتها وأن تندفع إلى الأمام، ومن أجل أن يكون لها وزن في العالم عليها أن تكون على مستوى التحديات الكبيرة المفروضة، وعلينا أن نبني أولاً وأخيراً منظومة أخلاقية عالمية في التعاطي السياسي بين الدول، تقوم على ثلاثة أمور أساسية، السيطرة على الذات، احترام الآخر، والتضامن.

ميشيل الكيك: وإذا كان قادة الدول المنتمية إلى الفرنكفونية يُشكِّلون ثلث العالم، فهل يملكون القوة السياسية التي تؤهلهم قول كلمتهم الفصل في الموضوعات الدولية المطروحة؟ فالمستجدات والتطورات التي شهدها العالم مؤخراً من جراء العديد من النزاعات كرَّست أكثر فأكثر أحادية التصرف، وانجرار الكثير من الدول وراء موقف الأقوى، لذلك حاولت فرنسا في إطار تزعمها للفرنكفونية أن تقول بأنها تريد إضفاء الديمقراطية على كل مشاريع العولمة التي تستهوي البعض ويرفضها البعض الآخر، مؤكدة على الهوية والخصوصية وعلى الأوجه الثقافية والحضارية المختلفة، ذلك أن الاقتناع السائد لدى السلطات الفرنسية، هو أن حوار الثقافات أصبح أمراً مُلحاً، لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

بيير أندريه فيلتزر (وزير التعاون والفرنكفونية): إن التصادم بين الحضارات قد يحدث إذا لم تكن هناك معرفة للآخر، وإذا لم يكن هناك احترام متبادل بين الشعوب والثقافات والديانات، أو حوار بشأن العديد من المفاهيم، إن الفرنكفونية وعندما تدافع عن التعددية الثقافية وعن احترام الهوية الخاصة لكل شعبٍ من الشعوب تعمل من أجل عدم وقوع التصادم الذي قد ينتج أولاً وأخيراً عن عدم فهمنا للآخرين.

ميشيل الكيك: هذا الهدف الذي تسعى إليه الفرنكفونية أرادت فرنسا أن تسوِّقه لتجعل من المنتدى الفرنكفوني كتلة سياسية تعود بالربح والفائدة والمنافع لها ولمصالحها في الخارج لاسيما في الدول العربية والخليجية، فكان هذا الانفتاح المبني على الاحترام المتبادل بوابة لعبور المصالح السياسية والاقتصادية الفرنسية إلى هذه الدول، وكانت القمة الفرنكفونية الأخيرة التي انعقدت في لبنان شاهداً على أهمية التفاعل بين الشعوب، ففرنسا تعتبر نفسها الأقرب إلى الشعوب العربية بحكم العلاقة التاريخية أولاً وبحكم الجغرافيا ثانياً، كما أن لبنان هو المحاور الأول لفرنسا في العالم العربي، فوجود فرنسا في لبنان هو وجود شراكة مع العالم العربي وهذا ما تريده باريس في إطار توسيعها لمنتداها الفرنكفوني في حين بدأ العرب أنفسهم يتقربون أكثر فأكثر من فرنسا ومن الأوروبيين كونهم اتخذوا مواقف عقلانية ورصينة وهادئة في العديد من قضايا النزاعات الدولية وفي طليعتها العراق والأراضي الفلسطينية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

عمرو موسى (الأمين العام لجامعة الدول العربية): ليست الفرنسية مجرد لغة، ولكنها ثقافة عالمية، كما أن العربية ليست مجرد لغة وإنما ثقافة قومية ورابطة حضارية، وفيما بينهما جرى الكثير من التفاعل الحضاري والتعاطف الفكري، ورغم كل ما كان عبر التاريخ من نقاط خلاف فإن مساحة اللقاء والعمل المشترك اليوم أرحب وأوسع، نعم إن علينا إن نعي عِبَرَ التاريخ، وواجبنا هو أن نقف معاً حتى لا يقع العالم في ورطة تاريخية وتنهزم الحضارة الإنسانية في لحظة كم أَمِلْنا أن تكون لحظة انتصار وانطلاق.

ميشيل الكيك: وهكذا فإن القيم الحضارية والأخلاقية التي حاولت أن تزرعها المواقف المتزنة للدول الفرنكفونية في عالم يوصف بالجنون وتحكم المادة أدت إلى هذا الانفتاح، ونلاحظ أن الانفتاح العربي بدأ يتجلى بوضوح أكبر في اتجاه الفرنكفونية، مما بات يعطيها بُعداً يتخطى اللغة الفرنسية حيث بدأت تتعزز الاتجاهات السياسية لهذا المنتدى الكبير الذي يضم خمساً وخمسين دولة هو عدد المنضوين تحت لواء المنظمة العالمية للفرنكفوية من بينها ست دول عربية هي: مصر والمغرب وتونس ولبنان وجيبوتي وموريتانيا. في حين بدأت الجزائر -وهي ليست عضواً في المنظمة العالمية للفرنكفونية- بدأت تعي ضرورة الانضمام إليها، وقد دُعي الرئيس الجزائري بوتفليقة إلى القمة الأخيرة للفرنكفونية في بيروت، ذلك أن الجزائر وهي إحدى أهم الدول الناطقة بالفرنسية بقيت بعيدة عن الانتساب إلى الفرنكفونية منذ استقلالها في العام 62، خصوصاً وأن جبهة التحرير الوطني كانت صوتت على قانون تعميم اللغة العربية على حساب الفرنسية، لكن بوتفليقة وبعد وصوله إلى الحكم في العام 99 عاد وشجع استخدام اللغة الفرنسية متحدثاً عن المستقبل مع أوروبا.

عبد العزيز بوتفليقة (الرئيس الجزائري): علينا الآن أن ننفتح نحو العالم، فنحن على مسافة قريبة جداً من فرنسا، ومن مختلف العواصم الأوروبية، لذلك علينا أن نتحمل مسؤولياتنا التاريخية تجاه فرنسا، وأن نتحمل أيضاً مسؤوليات قربنا الجغرافي من أوروبا، وإذا كان هناك من مستقبل عربي وإفريقي فهذا المستقبل يجب أن يكون مشتركاً مع الدول الأوروبية وتحديداً مع فرنسا.

ميشيل الكيك: وهكذا فإن المستقبل للعالم العربي في مغربه ومشرقه قد يكون فعلاً مع أوروبا كونها الأقرب إلى هذا العالم، من هنا تبدو الحاجة الضرورية إلى الفهم المشترك للعديد من النزاعات وإلى هذا التوجه المشترك أيضاً نحو معالجتها.

هيرفيه بورج (رئيس جمعية الصحفيين الفرنكفونيين): إذا استطاعت أوروبا أن تتوحد وتتضامن مع بعضها البعض قد يكون لها وزن في مواجهة أحادية الولايات المتحدة، إن بناء الوحدة الأوروبية يتأخر، لكنه يتم رويداً رويداً.

ميشيل الكيك: وماذا عن مستقبل الفرنكفونية؟

هيرفيه بورج: أؤمن بالفرنكفونية، لأنني مؤمن بحوار الثقافات، وعلينا أن نناضل من أجل الفرنكفونية ومعركتنا لن تكون خاسرة لأنها ليست معركة من أجل اللغة فقط، إنما من أجل تفعيل الحوار، إيماناً منا بالتعددية وأهمية التلاقي بين كافة الشعوب.

ميشيل الكيك: وفي الوقت الذي يحاول فيه هذا التجمع الفرنكفوني الكبير أن يثبت وجوده من خلال توحد موقف بعض الدول الأوربية إزاء النزاعات الدولية، إلا أن الانقسامات الأوروبية - الأوروبية جاءت لتحد من طموحات الفرنسيين في أن يكون للفرنكفونية أي وزن أو ثقل سياسي، إضافة إلى كل المشكلات التي حلت بالقارة الإفريقية وأهمها مشكلة ساحل العاج الذي يعتبر بوابة فرنسا إلى إفريقيا ومستعمراتها السابقة في هذه القارة السمراء، فساحل العاج جاء ليقض مضاجع المسؤولين الفرنسيين وليشكل عامل إلهاءٍ لهم، وليفكك شيئاً فشيئاً أحلام المستعمر الفرنسي القديم ببناء صرح الفرنكفونية وإمكانية تحول هذا الصرح إلى كتلة سياسية قوية من شأنها أن تفرض نفسها وآراءها ومصالحها على الساحة الدولية، وهناك من بين المسؤولين الفرنسيين مَن بات على اقتناعٍ تام بأن فرنسا لا يمكنها أن تُهمِّش نفسها، ولا يمكنها بالتالي الابتعاد عن الحليف الأميركي، وإلا خسرت الكثير من مصالحها في عدة دول من العالم حتى في قلب عرينها الإفريقي، وإذا كان البساط السياسي سُحب شيئاً فشيئاً من تحت أقدام الفرنكفونية نجد أيضاً أن اللغة وهي الرابط الأساسي بين الدول الفرنكفونية نجد أن هناك من يحاول سحبها أيضاً لصالح الإنجليزية خصوصاً بعدما دُرست في العديد من القمم الأوروبية الأخيرة إمكانية تكريس اللغة الإنجليزية كلغة وحيدة للتخاطب الرسمي السياسي بين دول الاتحاد الأوروبي، هذا الهجوم على اللغة الفرنسية لم يَرُق للكثير من أنصار الفرنكفونية الذين تجمعوا أمام الأكاديمية الفرنسية في باريس محتجين على بعض الإجراءات الأوروبية التي لا تصب في مصلحة اللغة الفرنسية، علماً أن القضاء على اللغة قد يؤدي شيئاً فشيئاً إلى القضاء على الهوية.

الفرد منيو (أحد مؤسسي المنتدي الفرنسي الدولي): إن هدفنا هو إفهام الفرنسيين بأن لغتهم الفرنسية باتت مهددة، تحديداً من قِبل المؤسسات الأوروبية التي تريد أن تصبح اللغة الإنجليزية لغة وحيدة متداولة في القارة الأوروبية، لذلك دعونا إلى هذا التجمع، ونريد أن نتوجه إلى القصر الحكومي للاحتجاج ضد المفوضية الأوروبية التي لا تحترم القوانين الأوروبية، ونريد مطالبتها بأن تعتمد اللغة الفرنسية كلغة عمل مثلها مثل الإنجليزية من دون أي تمييز.

ميشيل الكيك: إذن المطلب الذي رفعه هؤلاء الذين ينتابهم الشعور بأن لغتهم الفرنسية قد تذوب هو التوجه إلى حكومتهم بأن تقف في وجه كل تهديد قد يطال اللغة، لا بل العمل على اتخاذ اجراءات تكفل حمايتها في وجه ما يعتبرونه هجمة تستهدف بالتالي الحضارة والهوية.

وفي وقت تسعى فيه الفرنكفونية لأن تكون كتلة سياسية لها تأثيرها ونفوذها تكثر المشكلات التي تفككها من الداخل، مما يجعلها غير قادرة على معالجة العديد من النزاعات حتى في قلب دولها، والمهم أن تحافظ الفرنكفونية -على الأقل- على الرابط اللغوي وعلى تفاعلٍ ثقافيٍ وحضاريٍ بين الشعوب قد تكون له أهميته الكبرى في تلاقي الحضارات وليس في تصادمها.

ميشيل الكيك - لبرنامج مراسلو الجزيرة - باريس.

محمد خير البوريني: إلى هنا نأتي -مشاهدينا- إلى نهاية هذه الحلقة من البرنامج، يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوا تفاصيلها بالنص من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت والصوت والصورة عند البث، كما يمكن مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: reporters@aljazeera.net

أو من خلال العنوان البريدي على صندوق بريد رقم 23123 الدوحة - قطر.

وكذلك من خلال الفاكس على رقم 4860194.

في الختام هذه تحية من صبري الرماحي مخرج البرنامج ومن فريق العمل، وتحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.