مقدم الحلقة:

محمد البوريني

تاريخ الحلقة:

15/06/2002

- الكتابة على الجدران من وسائل الإعلام للفلسطينيين
- قبائل النوبة

- استيلاء الأوروبيون على الإرث الثقافي للعالم العربي والإسلامي

محمد خير البوريني
محمد خير البوريني: مرحباً بكم مشاهدينا إلى حلقة هذا الأسبوع من (مراسلو الجزيرة) نعرض فيها مجموعة جديدة من الموضوعات، ونتواصل من خلالها معكم.

نشاهد من فلسطين تقريراً يتحدث عن أحد أنواع نضال الفلسطينيين ومقارعتهم لإرهاب الاحتلال الإسرائيلي، ونرى وسيلةً إعلامية فعَّالة في زمن العمل النظامي السري التي لا يمكن لأي قوة بطش مهما كان نوعها أن تتصدى لها، إنها الكتابة على الجدران، الكتابة التي استخدمها الفلسطينيون للإعلان عن إضراباتهم واعتصاماتهم وعملياتهم العسكرية وأنشطتهم المختلفة وتحديهم لقرارات الحكام العسكريين في المدن والقرى والمخيمات المحتلة إلى آخر ذلك.

ومن وسط السودان تشاهدون تقريراً حول قبائل النوبة ذات الطقوس والعادات والتقاليد القديمة، ونرى كيف أثرت تلك القبائل وتأثرت بمحيطها إلى درجة التمازج في أحيان كثيرة.

ثم نستعرض تقريراً من العاصمة الفرنسية باريس يتناول مجموعة كبيرة من الصور والوثائق والمخطوطات والمؤلفات العربية العلمية والأدبية والتراثية التاريخية، ونسأل في هذا الصدد: لماذا يبقى إرثنا الحضاري رهيناً ومسلوباً بعيداً عن أرض الأوطان وأضرحة ومقابر من صنعوه من أبناء العرب والمسلمين عموماً؟

أهلاً بكم معنا إلى أولى فقرات هذه الحلقة:

الكتابة على الجدران من وسائل الإعلام للفلسطينيين

من أشكال النضال الفلسطيني الكتابة على الجدران، وقد استخدم الفلسطينيون الكتابة على الجدران لتحقيق أهداف عدة منذ احتلال أرضهم كالتحريض على الإضراب في قرية أو مدينة أو منطقة ما، كما استُخدم على نطاق واسع للتحريض على المقاومة وتحدي قوات الاحتلال والتنديد بممارسات إرهاب الدولة ضد المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية، والمواطنين العزَّل أطفالاً ونساءً وشيوخاً على حدٍ سواء، ومن بين استخدامات الكتابة على الجدران أيضاً التنافس بين التيارات السياسية الفلسطينية المناضلة للترويج والدعاية السياسية الذاتية لكسب مزيد من التأييد الشعبي لها في صفوف المواطنين. لقد أثبتت الكتابة على الجدران أنها سلاح إعلامي نضالي فعَّال في وقت الضيق والشدة والقمع والقهر السياسي والعسكري في أي مكان من العالم، قيل الحيطان دفاتر المجانين، وفي فلسطين الحيطان دفاتر المناضلين.

تقرير/جيفارا البديري من فلسطين.

صورة لاحد الجدران التي تملها الكتابات
جيفارا البديري: في جنح الظلام وباستخدام ضوء القمر فقط يخرج الشبان الفلسطينيون ليس فقط لرفع السلاح التقليدي في وجه الاحتلال، ولكن للإعلان عن آرائهم ومعتقداتهم، هذه الوسيلة والتي يُطلق عليها البعض صحافة الجدران ليست بالحديثة، ولكنها وُجدت منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، الكتابة على الجدران أشبه بالقيام بعملية عسكرية، يلبس كاتبوا الشعارات اللثام يخرجون كمجموعات أحياناً لا يعرفون بعضهم، أحدهم يكتب والآخر يتعامل مع أي خطر طارئ، وآخر يتعامل مع السكان لطمئنتهم عن هوياتهم الفلسطينية.

ناشط من حركة فتح: إحنا المنطقة اللي بدنا نروح نكتب فيها بندرسها ونكون عاديين ماشيين في الشارع وندرسها، ونشوف كيف الحركة فيها، فيه ناس كثير، فيش ناس، منطقة فاضية، ندرس حواليها المنطقة يعني في تردُّد أمني عليها، فيش تردد أجهزة عسكرية.

ناشط من الجبهة الشعبية: اللباس بيكون طبعاً إشي زي جيشي، اللي ما يبينش يعني نزلت في الجبال، السيجارة طبعاً ممنوع تتولع لأنها بتعطي ضوء وبتنكشف، بتكون فيه دورات تثقيف اللي هي في حال يعني.. إن مسك حد، دورات تثقيف عن التحقيق، الإنكار يعني، أي.. يعني أي إشي بيثبتش عليَّ، بتكون فيش معي ولا أي إشي لـ.. إذا انمسكت يثبت شخصيتي.

جيفارا البديري: في الانتفاضة الفلسطينية الأولى كان الخطر قادماً من جنود الاحتلال، أما في الانتفاضة الأقصى فمرور دورية أمن فلسطينية أو إسرائيلية يكون قرار الهروب واحد مع اختلاف العنصر الذي يكتب والمنطقة التي يتواجد بها.

ناشط من الجبهة الشعبية: إذا إجه يعني إسرائيل طبعاً راح يكون صمود إلنا يعني، أو إذا إجه حتى نفس النتيجة برضو إذا إجه ضابط أمن فلسطيني، لأنه بالنهاية الاثنين يعني يطاردونا.

جيفارا البديري: وخلال تتبُّع طاقم (الجزيرة) لثلاثة ملثمين، اثنان ينتميان لحركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، وثالث ناشط في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي أحد أكبر الفصائل المعارضة لاتفاق أوسلو وجدنا خلال هذا التتبع أن الشعارات في انتفاضة الأقصى لا تختلف كثيراً عن الانتفاضة الأولى من حيث نوع الشعارات المناهضة للاحتلال، لكن المعارضة الفلسطينية -بكافة أطيافها- لا تزال تعاني من محدودية حرية التعبير المتاحة وكثرة التصادم مع القرارات السياسية المنتخبة.

ناشط من الجبهة الشعبية: ممنوع إحنا كمعارضة ممنوع إنه نظهر على التليفزيون المحليات أو على التليفزيونات فيه تغطية إعلامية كبيرة على.. على المعارضة وخصوصاً الجبهة في عليها تغطية كبيرة من جميع الفضائيات وحتى ما نقولش اسمه، من.. الإعلام المحلي، الجرايد يعني بتيجي تكتب في الجرايد أو إشي بتلاقي الجريدة اختصرت نص الموضوع، ما نزلتش موقفك واضح أو تزوير الموقف زي ما صار عدة مرات.

جيفارا البديري: فبالتالي بترجعوا

ناشط من الجبهة الشعبية: فبالتالي بنرجع إنه نكتب شعاراتنا نوصلها لجميع.. خصوصاً في المناطق الشعبية يعني

جيفارا البديري: ومع ذلك فحتى حركة فتح تشهد مشاكل داخلية بسبب القرارات الخاصة بأساليب النضال ضد الاحتلال ليظهر التناقض الواضح والذي يبرز عند وحدة الشعار، ولكن باختلاف الإطار السياسي الذي ينتمي إليه من يكتب هذا الشعار.

ناشط من حركة فتح: إننا في حركة فتح نؤكد، ولن نسمح لأحد بأن ينهي هذه الانتفاضة رغم كل التضحيات الكبيرة التي نقدمها ومازلنا نقدمها حتى اليوم، نؤكد على استمرارية هذه الانتفاضة، لن نسمح لأحد بأن يتجاوز دماء شهدائنا، فدماء الشهداء بالنسبة لأبناء فتح هو خط أحمر قبل القدس وقبل أي شيء آخر، لن نسمح بتجاوزه حتى لو كانت القيادة الفلسطينية نفسها.

جيفارا البديري: وكما تُستخدم الجدران لإبراز التناقضات بين الفصائل الفلسطينية فإنها تستخدم أحياناً لإبراز نوع من التضامن فيما بينها، والذي برز عند اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى، ولكنها ما لبثت أن اختفت.

أحد الناشطين: للأسف الشديد الذي يوحد الفصائل هو موقف مؤلم، المواقف المؤلمة للأسف الشديد هي التي تُوحد فصائلنا، فمثلاً قضية استشهاد أو اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى هي حقيقةً وحدتنا كقضية كتابة الشعارات على الجدران خلينا نحكي لفترة مؤقتة، لكنها لم تستمر، لكن نحن -كما قلنا لك- نأمل بأن تكون هذه الوحدة مجسدة فعلاً بقضية الكتابة على.. كتابة الشعارات على الجدران ومن مختلف القضايا الأخرى، بالرغم من كل الاختلافات الفكرية والمعتقدات بين كل الفصائل الفلسطينية.

جيفارا البديري: عند بزوغ الفجر يخرج الفلسطينيون إلى مدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم، فما يلبثوا أن يجدوا هذه الشعارات أمامهم، التي تعد لهم بمثابة بيانات سياسية للمواقف المختلفة للفصائل، هذا الأمر يعكس اختلافها عن الانتفاضة الأولى، ففي عام 1987 تشكلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة في الأراضي الفلسطينية وبتوجيه من القيادات في الخارج، في ذلك الوقت لم يكن لدى الفلسطينيين وسائل إعلام للتعبير عما يدور في أذهانهم، فالتجأوا إلى الجدران للإعلان عن الفعاليات.

علي الخليلي (صحفي وباحث في الكتابة على الجدران): كل صحافتنا الفلسطينية في ذلك الوقت كانت تخضع للرقابة العسكرية الإسرائيلية الصارمة، ومع ظهور الانتفاضة زادت تلك الرقابة حتى إننا على مدار ست شهور من بعد ظهور الانتفاضة لم نستطع أن نذكر اسم الانتفاضة في صحافتنا المحلية.

جيفارا البديري: لكن ذلك يختلف اليوم عما يراه الفلسطينيون على جدران منازلهم وأسوارها ومحلاتهم التجارية أو حتى على الكتل الإسمنتية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي عند الحواجز العسكرية، الأمر الذي يعكس مدى الجرأة الكامنة في قلوب كاتبي الجدران، ولكن استمرارها يعود لأسباب كثيرة.

: التمايز بسيكولوجية الشعب المقاوم مازال الاحتلال موجود بصورة أو بأخرى بكل مناطقنا أ،ب،جـ، ولذلك الكتابة على الحيط بالنسبة للمواطن جزء من هويته في مقاومة الاحتلال، هذا الجانب الأول وهو جانب إيجابي، الجانب الثاني جانب الحد الأدنى من المتنفس للمعارضة، المعارضة تجد نفسها أحياناً محاصرة بأنها لا تملك صحف، لا تملك جرائد لسبب أو لآخر، فتجد أمامها الحائط المفتوح لكل الناس والغير خاضع لأي رقابة، فتنزل شعارها مباشرةً عليها.

جيفارا البديري: لا للاعتقال السياسي، لا للتنسيق الأمني، العودة حق لنا، القدس عاصمة فلسطين، وغيرها من الشعارات يؤكد من خلالها الفلسطينيون تمسكهم بالثوابت حتى لو اختلفت القيادات وتبدلت المواقف.

محمد الكسبة (عم الشهيدين): أحسن من الدول العربية، بيعبروا عن حالهم أحسن من الدول العربية.

جيفارا البديري: بهاي الشعارات.

محمد الكسبة: آه

جيفارا البديري: ليش؟

محمد الكسبة: بشعورهم بس، مالناش إلا الحيطان والشيء هذا.

خالد الكسبة (لاجئ فلسطيني): أنا من طفولتي لليوم هذه الشعارات دائماً على الحيطان كتعبير عن غضب وسخط الجماهير في المخيمات.

جيفارا البديري: فيما استمر الفلسطينيون على نهجهم في استخدام الرسومات للتعبير عن أفكارهم، ولكن مع ظهور الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية في انتفاضة الأقصى اختلفت بعض الشعارات لتعبر عن معتقدات أكثر حزماً وحدة، ناهيك عن استخدام بعض الجدران للتعبير عن تأييد القيادة الفلسطينية مع فرض حكومة (آرييل شارون) حصاراً مشدداً على الرئيس الفلسطيني، يأتي ذلك في الوقت الذي لازالت تستخدم فيه الجدران للإعلان عن الفعاليات كالإضراب والجنازات وأسماء الشهداء التي يرى فيها حتى الأطفال تحدياً لواقع الاحتلال.

ندى حسين (طفلة من مخيم لاجئين الفلسطينيين): الشباب بيكتبوا شعارات علشان اليهود يخوشوا المخيم وينغاظوا؟

جيفارا البديري: ليش بينغاظوا؟

ندى حسين: علشان إنه إحنا مهتمين في الشهدا.

جيفارا البديري: وما يؤكد تمسك الفلسطينيين بإعادة الكتابة على الجدران هو استخدامها للإعلان عن قصص الشهداء، فالأخوان سامر وياسر الكسبة لم يتجاوزا من العمر الرابعة عشر استُشهدوا، لم يفصل بينهما من حزن الأهل سوى أربعين يوماً، الوالدة الثكلى التي فقدت أغلى من تملك، قد يعتقد الكثيرون أنها تعاني الأمرين عند قراءة هذه الشعارات التي تملأ جدران منزلها في مخيم قلديا للاجئين، لكنها تسير في شوارع المخيم فخورة بما قدمت متماسكة أمامنا على الأقل.

فاطمة الكسبة (والدة طفلين شهيدين): مش مشكلة بأظن تذكر بيها أكثر وأكثر.

جيفارا البديري: يعني بتشوفيها، بتقفي..

فاطمة الكسبة: آه، هي.. هي يعني في بلغازي مكتوب سامر وشجر حلو بنمرؤ نبته، يعني الأب في الشجر والولاد منبتة كأنها، فشو بدنا نسوي الله يرضى عليهم.

جيفارا البديري: طب هذا ما بيزيد من مأساتك؟

فاطمة الكسبة: لا، بالعكس بيزيد.. بيزيد معناوياتنا أكثر.

جيفارا البديري: يعني بتحسي إن حدا بيذكرك فيهم يعني؟

فاطمة الكسبة: ما هو أصحاب ما هو المخيم، يعني مش واحد غريب بيكتب، قاليش اللي عندي.. قد إيش عندي معزة سامر وياسر، قد إيش هم يعزوا ياسر وسامر نفس الإشي يعني مقابل، مش ولادي لحالهم يعني ولاد المخيم كله يعني.

جيفارا البديري: وهذه الوالدة لا يكفي عليها فقط رؤية كلمات تُكتب، ولكن صوراً تُلصق في كل مكان، وهذا ما أُضيف إلى ما اعتبر أنه صحافة الجدران، يأتي ذلك في الوقت الذي لا تزال فيه الجدران تستخدم بهدف المباركة بالحج، وهي عادة بدأت منذ عهد الأتراك، فعند عودة الحجاج الفلسطينيين إلى بيوتهم يجدون جدران منازلهم مزينة بالألوان تهنئة بأدائهم فريضة الحج، الأمر الذي تراه الحاجة أم علي عادة قديمة حديثة لن يتم التخلي عنها.

أم علي: إحنا هيك عوايدنا يعني نكتب على الحيطان، أي واحد عربي مسلم وبيحج بيت الله هذا حلال كتبه، آه بنكبه مشان يعني زي أيش رجعنا مشان الواحد يعني بده يجي يقول بالمعنى مين ها؟ بيت مين ها؟ وده يكون يفهم بيت أبو علي.. الحاج بيت أبو علي.

جيفارا البديري: كما تعكس الجدران اليوم الحالة الاقتصادية الصعبة للفلسطينيين، وذلك باستخدامها للإعلان عن محلاتهم التجارية عوضاً عن اللافتات التي تكلف التاجر مبالغ باهظة، وكما يناضل هؤلاء الفتية، ويتحدون آلة الحرب الإسرائيلية فإنهم مراهقون يستخدمون الجدران أحياناً للمعاكسات.

أجيالٌ بعد أجيال، وصحافة الجدران لا تزال تُعد أحد أبرز معالم مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي إلا أن الكثيرين يرون أن استخدام ألوان متعددة في الكتابة وكتابة شعارات ثم مسحها وكتابة أخرى قد يعكس مظهراً غير حضاري، في وقتٍ يعيش فيه الفلسطينيون في ظل سلطة وطنية يستطيعون في ظلها عقد اللقاءات والندوات والمهرجانات الخطابية وإصدار البيانات السياسية، ليبقى السؤال: هل بالفعل هذا النوع من الصحافة قد يستمر مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي؟

جيفارا البديري - خاص لبرنامج (مراسلو الجزيرة) - الأراضي الفلسطينية.

قبائل النوبة

محمد خير البوريني: جبال النوبة في وسط السودان، سُميت بهذا الاسم نسبة إلى قبائل النوبة المعروفة، تتركز هذه القبائل أيضاً في جنوبي مصر وشمالي السودان، للنوبيين طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم الخاصة التي تعود إلى أصول الثقافة النوبية. عاشوا إلى جانب قبائل مختلفة من بينها القبائل العربية وتمازجوا معها إلى حدٍ كبير في كثير من الأحيان، تقرير إسلام صالح.

منظر عام لاحدى قرى النوبة
إسلام صالح: جبال النوبة اسم يحتل حيزاً كبيراً من جغرافية وتاريخ السودان، تقع في الجزء الجنوبي من كردفان في وسط البلاد، ورغم قلة المصادر التاريخية عن أصل القبائل التي تقطن المنطقة إلا أن عدداً من المؤرخين يذهبون إلى أن النوبة كانوا يقطنون أقاسي شمال السودان حتى دخول العرب إليه في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي فاضطر النوبة إلى الهرب إلى الوسط ووجدوا ملاذاً في هذه الجبال واعتصموا بها من غارات العرب.

ولعل تشابه الاسم واللغة بين هذه القبائل والقبائل التي تسكن جنوبي مصر وشمال السودان يدعم هذا الرأي.

جمعة كوكو (عمدة إحدى قرى جبال النوبة): مازلنا نذكر حديث أجدادنا بأنهم جاءوا إلى هنا من شمال السودان، ونشعر نحن أن هنالك تشابه بين اللهجات في جبال النوبة وبعض القبائل في شمال السودان، وكذلك نشعر أننا أقرب للعرب في العادات والتقاليد.

إسلام صالح: الطقوس المتبعة في دفن الموتى تُثير تساؤلاً حول العلاقة بين ثقافة النوبة والحضارة الفرعونية القديمة.

علي جمعة سنغادي (باحث في التراث النوبي): ها الميت لما يموت لا يُدفن في نفس اليوم، بيحنطوه.. بيحنطوا الجثة وبيخلوها 3، 4 أيام إلى أن يتجمع كل الأقارب والأهل واليوم الرابع يأخذوه إلى المقبرة، يفتحوا المقبرة بتاعة الأسرة تدفن معاه المعلقات.. المتعلقات بتاعته السكين وحربه، ومعالقه اللي كان بياكل بها، وأدوات الأكل بيدفنوها معه، أشياؤه الثانية اللي هي تقريباً خشبية بتاعة الزراعة بالذات بيخلوها من فوق للمقبرة.

إسلام صالح: وبمجئ الاستعمار البريطاني إلى السودان تم تطبيق ما يُعرف بقانون المناطق المقفولة في العام 22 من القرن الماضي، حيث لم يكن بمقدور مواطني شمال السودان دخول النوبة إلا بإذن من السلطات الاستعمارية، وبرغم أن هذه السياسة هدفت إلى ضرب نوع من العزلة الاجتماعية والثقافية على جبال النوبة إلا أن وجود القبائل الرعوية ذات الأصول العربية في المنطقة أدى إلى وجود أنواع من التمازج الثقافي والعرقي بينهم وبين النوبة.

علي جمعة سنغادي: منطقة جبال النوبة منطقة سكنتها مجموعات قبلية مختلفة، فيها النوبة والعرب، والفلاة اللي هربوا قبل السودان، والقبائل النوبية اللي جايه شمال السودان، فلذلك امتزجت هذه الأعراق، ويمكن أنتجت نوع من الثقافة أصبحت مشتركة، عادات الترحال التي كانت قاصرة على أو مقتصرة على القبائل العربية، الآن أصبحت برضو أخذوها النوبة، وفيه مجموعات كبيرة من النوبة.. ترحل وتمارس حياة الترحال زي العرب الرحَّل.

إسلام صالح: ولذلك فإن النوبة أنفسهم يرفضون أية دعاوى تتحدث عن اضطهاد عرقي يمارسهم ذوي الأصول العربية ضدهم.

حازرحال (أمير قبيلة نوبة قادوغلي): كل القبائل اللي هنا انصهرت مع بعضها وتمازجت وتزاوجت، وبالتالي أصبحوا كالأسرة الواحدة، فمن أين يأتي الحتة بتاعة الاضطهاد مع إنسان أنت بتربطك به علاقة رحمية وبتربطك به صلة دم، وبتربطك به علاقات يعني ما.. ما سهلة؟ فهنا ما فيه حاجة اسمها عن اضطهاد، والشيء اللي بيزعمه الغرب ده شيء ما له أساس من الصحة، يمكن إحنا كلام زي ده بصراحة يُنسب لنا وإحنا نستنكره، ونعتبر إن هذه إساءة بالنسبة لنا، أنا بأعتقد إنه نحنا في موقف ممكن جداً يُدرس تدرس الدول الأخرى وخاصةً زي الدول الغربية اللي بتعيش مشاكل من النوع ده عشان تيجي تحذو حذونا وتحل مشاكلها، بل ما يجوا يتهمونا بمثل هذه الاتهامات الجائرة.

إسلام صالح: هذا هو جبل أنجولو آخر قمة في سلسلة جبال النوبة جنوباً، حيث النوبة يحتفظون بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة.

برغم أن معظم النوبة يحترفون الزراعة في السهول إلا أنهم مازالوا يفضلون سُكن الجبال كتقليد أصيل لديهم.

صلاح (مواطن من قرية أنتولا): من سكانة الجبال طبعاً نحن لما قمنا لقينا.. في النهاية لما صعدنا من الجبال..، والناس المدن عايشين في.. في الأراضي، ويقولوا لا للناس كان رحلوا الجبال كان في سنة الحرب.. الحرب بتاعة الإنجليز، هو الناس كان رحلوا الجبال، وبدا بنوا في الجبال، بدأوا يسكنوا في الجبال كان، ونسبهم الوحيد همَّ كانوا زمان راحوا الجبال وبنوه ولحد الآن ناس لسه عودة سكان الجبال معه.

إسلام صالح: تجوالنا في المنطقة كان فرصة للتعرف على أسلوب النوبة في حفظ مخزون العام من الغلال، وهذه معصرة لاستخلاص الزيت من بذور السمسم، موسم الحصاد يقترن عند النوبة باحتفالات تُؤدى فيها رقصات تعكس تراث وثقافة المنطقة، هذه الرقصة تسمى عندهم برقصة "الكامبلا" هذه ليست مشاجرة، ولكنها نوع من أنواع الرياضة التي يمارسها النوبة، وإن كانت تبدو عنيفة بعض الشيء، وكما يقترن موسم الحصاد بالعديد من أوجه التراث النوبي فإن الحصاد أيضاً يعتبر الوقت المفضل لعقد الزيجات، حيث يكون الوضع الاقتصادي للأسرة في أفضل حالاته، برغم ما أراده الاستعمار الإنجليزي في السابق بأن تعيش جبال النوبة في عزلة ثقافية واجتماعية إلا أنها أثرت بثقافتها ويتراثها بقية مكونات الحضارة السودانية لتعطي مثالاً من الحتمية التواصل بين الثقافات.

إسلام صالح - لبرنامج (مراسلو الجزيرة) - كادوجلي عاصمة جبال النوبة.

محمد خير البوريني: وإلى فقرة الردود على بعض رسائلكم والتي نتواصل من خلالها معكم ونتعرف على آرائكم ومقترحاتكم التي تخص البرنامج، وتثري العمل بما يعود بالنفع علينا جميعاً.

وهذه الرسالة عبر البريد الإلكتروني الإنترنت بعثا المشاهد عثمان السيد يطلب عثمان من البرنامج التطرُّق إلى ما يقول أنها مشكلة الشباب العربي المتعلقة بشركات الإنترنت وما يُشاع بين الشباب الآن من إدمان على المحادثة التي تسمى "آتشت"، موضوع جدير بإلقاء الضوء عليه من جوانب مختلفة لمعرفة ما يحيط به.

ومحمد الأعرج من عجمان في دولة الإمارات العربية المتحدة، يطلب محمد تسليط الضوء على مدينتي سابكا وميليليا المغربيتين المحتلتين من قبل إسبانيا. سبق وتطرقنا لقضية المدينتين المتنازع عليهما مع شرح وافٍ حول وضعهما في برنامج (نقطة ساخنة)، وفي هذا البرنامج نحاول البحث عن جوانب لم نتطرق إليها سابقاً، ونرجو أن نتمكن من مشاهدة ما طلبت.

ومن ليبيا بعث المشاهد آية فصادوا رسالة يقول فيها: إن هناك تقصيراً في تعريف الشعوب المجاورة لليبيا وبالأخص الخليجية منها بخصوصيات ليبيا الثقافية ويقول عندما زرت مدينة دُبي العربية لم أتمكن من التواصل مع المواطنين فيها بغير اللهجة الليبية المشوبة بلكنة ثقيلة لأسباب منها أنني لست عربي، ويضيف المواطن الليبي أنه أمازيغي، وأنه يطلب من البرنامج التعريف بمناطق يقطنها الأمازيغ في ليبيا، ويعدد بعض تلك المناطق. شكراً للمشاهد الليبي على رسالته. ونقول أننا سبق وحاولنا طرح عدد من الموضوعات من ليبيا ومن ضمنها هذا الموضوع، ولكننا لم نوفَّق في ذلك، نعدك بأن نحاول من جديد.

ومرة أخرى أرسل إبراهيم الأحوازي رسالة على عنوان البرنامج على شبكة الإنترنت يطلب فيها زيادة المناطق العربية ذات الحضارة العريقة في إيران، وهي مناطق الأهواز أو خوزستان حسب التسميتين العربية والفارسية.

نجيب المشاهد بالقول إننا تلقينا العديد من الرسائل المماثلة من السادة المشاهدين حول هذا الموضوع، ونقول إننا حاولنا سابقاً ومنذ سنوات وكررنا المحاولة بعد ورود مجموعة من الرسائل إلى البرنامج، ولكننا -للأسف- لم نتلقى رداً إيجابياً من السلطات الإيرانية أو حتى إبداء أسباب، حيث يحتاج مراسل (الجزيرة) في طهران إلى تصريح خاص عند القيام بأي عمل خارج العاصمة الإيرانية أو في أي منطقة من المناطق الإيرانية، نعدك بأننا لن نوقف المحاولات بهذا الشأن، ونرجو أن نتمكن من الوصول إلى الأهواز في وقت قريب وأن نتمكن من الحصول على الموافقة المذكورة.

والمشاهد ممدوح، يطلب ممدوح الخوض في موضوع أثر الجامعات العربية على دفع الشباب العربي إلى الهجرة من خلال طلبها مجموع عالياً في تخصصاتها، كما يطلب طرق موضوع الجامعات الخاصة في العالم العربي والأعباء المادية التي تضعها على كاهل ذوي الطلبة من خلال أقساطها الكبيرة التي يصعب على بعض الناس دفعها، الأمر الذي يجبر بعض الطلبة على ترك الدراسة، ويقول أيضاً: أعرف بعض الناس الذين انتحروا بعدما يئسوا من الحصول على الفرع الذي يرغبون الدراسة فيه نقول: موضوعات جيدة سنقوم بدراستها ومحاولة تنفيذها على ضوء ذلك، ما تفضلت به واضح وضوح الشمس في العديد من الدول العربية.

ورسالة أخرى وصلتنا من ليبيا في هذه الحلقة بعثها صلاح الهادي غبيق يطلب فيها تقريراً حول المضايقات التي يتعرض لها المسلمون في الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب بعد أحداث الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي، نُجيب هنا بأننا كنا قد عرضنا تقارير حول هذا الموضوع ولاسيما من بريطانيا، ولعلك تذكر الجمعيات الإسلامية -على سبيل المثال- التي تعرضت للإغلاق بعد تجميد أموالها، وهي الجمعيات التي يؤكد القائمون عليها أنهم يقومون بأعمال خيرية تساعد المحتاجين والفقراء والأيتام وغير ذلك، القضية كبيرة وسوف تشاهد المزيد حولها، ولكن من مناطق مختلفة في حلقات لاحقة.

ورسالة من محمد أبو سعيد أو سي عيد يطلب المشاهد التركيز على الموضوعات التي تخص مجال الطيران المدني وأخبار شركات الطيران في المنطقة والعالم ومواضيع تخص السلامة الجوية، ويقول إن كثيرين يهتمون بهذه الموضوعات.

نُجيب المشاهد بالقول: لقد سبق وأن عرض البرنامج موضوعات تتعلق بالطيران، ولكنها ليست متخصصة كما ورد في رسالتك، عندما نرى أن هناك موضوعاً قوياً ويفرض نفسه في هذا المجال فلن نتردد في طرحه، تذكر أن (الجزيرة) عرضت سلسلة من الحلقات الوثائقية المتخصصة في هذا المجال، على أي حال نرجو أن تشاهد ما طلبت من خلال البرنامج عندما تسنح الفرصة.

مشاهدي الكرام، نكتفي بهذا القدر من الردود على رسائلكم حسب ما سمح به وقت البرنامج، نعود الآن لمتابعة فقرات هذه الحلقة.

استيلاء الأوروبيون على الإرث الثقافي للعالم العربي والإسلامي

استولى الأوروبيون على قسم كبير من الإرث الحضاري العربي والإسلامي على مدى القرون الماضية، وبات يعرض في متاحفهم بعشرات آلاف القطع الأثرية،صور، ومخطوطات، ومؤلفات تؤرخ لأحداث وشخصيات، وأماكن وعلوم، وتراث، عادات، وأدب، وتاريخ، مركز (فرانسو ميتران، الفرنسي واحد من الأماكن العديدة التي عرضت وتعرض فيها تلك الصور والمخطوطات والمؤلفات تحت مسميات عديدة، ولكن لماذا لا يعود الحق إلى أصحابه؟ ومن هو المسؤول عن استمرار ضياعه قروناً من الزمن ابتداءً من انهيار دولة الخلافة، حيث بات هذا الإرث نهباً للمستعمرين والرحالة والمستشرقين وبعثات التنقيب عن الآثار وجيوش الغزاة وباعة التاريخ والماضي التليد من أبناء هذه الأمة، الماضي الذي أضاء الدنيا نوراً ومعرفة ومهد السبيل بقوة للحضارة التي نشهدها اليوم. من هو المسؤول عن بقاء إرثنا في أيدٍ غريبة؟ وأين هي حكومات الدول التي سرق هذا الإرث من الأرض التي تحكمها وإن لم يكن ذلك في عهدها، ولكن لماذا نطالب باستعادة هذا الإرث؟ هل نحن جديرون بالمحافظة عليه؟ وهل كان سيبقى أصلاً حتى يومنا هذا؟ ألم تقم الدول السارقة -أو سمها ما شئت- بحفظه وصيانته وإبقائه في أفضل حال، تقرير عياش راجي من باريس

صورة لمخطوطة كتاب
عياش دراجي: مثلما للطقس مواسم فإن للثقافة مواسمها أيضاً، وهنا في باريس كان موسم الشرق هذا العام حافلاً بالمعارض وزخم المتاحف، فقد احتضن مركز (فرانسو ميترن) التابع للمكتبة الوطنية مؤخراً ثلاثة معارض، وكانت بداية زيارتنا من معرض لصور فوتوغرافية قام بالتقاطها نحو ثلاثين مصوراً غربياً فيما بين 1840 و 1880.

سيلفي أوبينان (مسؤولة الصور الفوتوغرافية في مكتبة باريس): اخترت هذه الفترة، لأنه بالنظر إلى الصور التي بحوزة المكتبة الوطنية في باريس نخلص إلى أن تلك الفترة عاش فيها المصورون المسافرون الأكثر أهمية، وإن انتاج الصور آنذاك كان هو الأجمل والأكثر مصداقية.

عياش دراجي: هذه الصور التي تعتبر أعمالاً نادرة وربما فريدة من نوعها تؤرخ للسفر والسياحة الغربية في المشرق العربي خصوصاً امتداداً من مصر وسوريا ولبنان، وفلسطين، وحتى تركيا شمالاً، وقد أسهمت حملة (نابليون) على مصر في تسهيل عمل أولئك السياح المصورين إلى أن ولدت السياحة الحديثة بين عام 1870 و1880.

سيلفي أوبينان: الصور الأولى التي التقطها المصورون تعكس اهتماماتهم، ففي مرحلة أولى كانوا مهتمين بعلم الآثار، وهي المرحلة التي اكتشفت فيها المعالم المصرية القديمة أو أثار الفن الإسلامي، وإذا كان الاهتمام أثرياً في مصر، ففي القدس كان الاهتمام دينياً، وفي تركيا اهتم المصورون بفن عمارة المساجد ومظاهر الحياة العامة.

عياش دراجي: في لبنان وفي بلاد الشام عموماً كانت أكثر الصور مجملة لمناظر المدن بشكل عام كهذه الصورة التي تبدي مدنية بيروت عام 1859، ولكن هل أثرت الأحداث الراهنة سلباً على تنظيم تظاهرات ثقافية في باريس تتعلق كلها بالوطن الإسلامي؟

سيلفي أوبينان: على العكس، لقد اعتقدنا أن تنظيم عدد من المعارض في موسم الشرق مع الالتزام بنبرة هادئة وثقافية ومريحة لا يمكن إلا أن يكون أمراً جيداً للجميع.

عياش دراجي: وقد أقيم معرض خاص لعالم الجغرافيا أبي الحسن الحمودي الطالبي الملقب بالإدريسي، الذي ولد في مدينة سبت المغربية عام 1100 للميلاد وطاف بلدناً حتى استقر به المقام في صقلية في بلاد صاحبها (روحية الثاني) النورماندي، وقد ألف كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" المسمى أيضاً كتاب "رجار"، لأن ملك صقلية هو الذي طلب منه تأليف الكتاب، وغدا أشهر الآثار الجغرافية العربية.

أما المعرض الثالث والأهم فقد أقيم في مركز (رشيليو) تحت شعار الكتاب العربي من المخطوطة حتى الكتاب المطبوع، فمكتبة باريس تملك اليوم نحو سبعة آلاف ومائتي مخطوطة عربية، وقد واكب المعرض تطور الكتاب العربي، وعرضت عند مدخله صحيفة من ورق البردي كتبت في القرن التاسع الميلادي، كما عرضت بعض أشهر وأكبر المخطوطات القرآنية المكتوبة على القضيم أو الجلد، فالقرآن الكريم، والكتب النفيسة ظلت تكتب على الجلد حتى القرن الرابع عشر الميلادي خاصة في المغرب العربي، إذا تراجع استخدام الجلد في المشرق العربي مع تطور استخدام الورق، وهذا المصحف الكامل الذي كتب بماء الفضة على الورق يعود إلى بداية القرن الخامس عشر الميلادي.

آني فرناي نوري (مديرة قسم المخطوطات الشرقية): الكتب المعروضة اغلبها مخطوطات حقيقية، وتغطي كل الميادين المعرفية، نجد في الدرجة الأولى مصاحف ومخطوطات قرآنية جميلة، ونجد أيضاً كتب علمية وفلسفية وكتب لعلوم الدين والجغرافيا وعلم النبات

عياش دراجي: نماذج لمخطوطة لموطأ الإمام مالك وأخرى لكتاب سيبويه في النحو، ومخطوطات أخرى مغربية ومشرقية عرضت هنا في معرض الكتاب العربي أيضاً. صناعة الكتاب العربي لم تقتصر فقط على الورق والخط، فالزخرفة احتلت مكاناً مرموقاً في فن إظهار رونق الكتاب العربي، وقد بقيت الزخرفة ملازمة الخط حتى بعد دخول الطباعة، خاصة في مصاحف القرآن الكريم.

آني فرناي نوري: فن الكتاب العربي يتميز بالأصالة، وهو يركز على الخط العربي وعلى الديكور الهندسي، فتحفظ القرآن من رسم الأشخاص جعل الكتاب العربي يركز أكثر على الهندسة،وبقى رسم الاشخاص مقتصراً على الكتب العلمية فقط وبعض الكتب أو النصوص الأدبية، مثل "المعلقات" أو كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع.

عياش دراجي: المعرض كان أيضاً فرصة للاطلاع على نموذج من مخطوطة لصحيح البخاري تم خطها في عام 1727، وقد كتبت بالخط المغربي، ومخطوطة لأحدث كتب ابن حجر العسقلاني تم خطها وتغليفها في القاهرة خلال القرن الخامس عشر، أما هذا فهو الجزء الثاني من كتاب "القانون" لابن سينا، أشهر كتاب عربي في الطب، والذي كتب في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما هذه المخطوطة أنهيت في القرن الثالث عشر، ودخلت مكتبة الملك الفرنسي عند نهاية القرن السادس عشر.

آني فرناي نوري: أعتقد أن رغبتنا في تنظيم المعرض هو الانفتاح على الجمهور المغاربي وإظهار ثراء الثقافة العربية للعرب المقيمين في فرنسا عموماً، وأيضاً إبداء الاهتمام الفرنسي القديم بالثقافة العربية، كما أن المعرض هو انفتاح على الجمهور الفرنسي والأوروبي الذي لا يعرف عن الثقافة العربية للأسف إلا القليل.

عياش دراجي: وقد اطلع الجمهور أيضاً على بعض نفائس الأدب العربي ومخطوطاته القديمة، ومن أبرزها هنا مخطوطة لكتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع، ويعتقد أنها خطت في دمشق عام 1200 للميلاد، وهي أقدم مخطوطة من كتاب ابن المقفع الذي يعود إلى القرن الثامن الميلادي، كما عرضت مخطوطات من مقامات الحريري، التي ألفها أبو القاسم بن علي الحريري في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وهو أحد نحوي البصرة، وكان الحريري موضع احترام أهلها لفرط ذكائه وفطنته وفصاحة لغته، أما فن تغليف الكتاب العربي فقد كان صناعة قائمة بذاتها لها قواعدها وحساباتها وقد عرضت هنا نماذج فنية رائعة تبرز إتقان هذه الصناعة والبراعة فيها، وكانت الزخرفة على الجلد المدبوغ تبدو وكأنها زخرفة على الخشب ويكون الكتاب تحفة فنية فضلاً عن قيمته المعرفية، وقد واكب المعرض صناعة الكتاب من المخطوطة وحتى الكتاب المطبوع، وهذه النسخ تؤرخ لبدء الطباعة في الوطن الإسلامي، علماً بأن العمل بها تأخر لأسباب تقنية وسياسية، فقد كان يخشى من شيوع الأخطاء المطبعية خاصة عند طبع مصاحف القرآن الكريم، وقد بثت مكتبة باريس في هذا المعرض فيلماً يطلع الجمهور على فنون الخط العربي وأبجدية إتقانه.

الفن المعاصر استخدام الكتاب كمادة جمالية مجردة مثل هذا العمل الذي تبرز فيه الفكرة وتعطي إيحاءات مختلفة، وقد اختتم المعرض بلوحات فنية تؤكد أن المخطوطة القديمة والمخطوطة المعاصرة كلها أدوات حضارة ومعرفة وفن وجمال.

الكتاب العربي تاريخ حافل بالفن والإبداع والعناية، إذ كان قرة عين المثقف في الماضي، فبعد كل هذه المخطوطات التي رأينا لا يسعنا إلا أن نتساءل عن حال المخطوطات العربية في عقر دارها. عياش دراجي لبرنامج (مراسلو الجزيرة) باريس.

محمد خير البوريني: من باريس نأتي -مشاهدينا الكرام- إلى نهاية حلقة هذا الأسبوع من البرامج.

يمكنكم متابعة تفاصيل هذه الحلقة بالصوت الصورة من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت، والموقع هو: www.aljazeera.net

كما يمكنكم مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي:

Reporters@aljazeera.net

ذلك فيما يتعلق بعمل البرنامج من طلبات أو اقتراحات أو آراء، أما العنوان البريدي فهو برنامج (مراسلو الجزيرة) صندوق بريدي رقم 23123 الدوحة - قطر، أو من خلال رسائل الفاكس على الرقم التالي: 009744860194

نونوه المشاهدين المهتمين بإرسال الرسائل عبر الإنترنت أو الفاكس أو البريد العادي على عنوان البرنامج ضرورة كتابة أسمائهم بشكل واضح ومنفصل في نهاية كل رسالة حتى نتمكن من عرض الاسم على الشاشة.

حتى الحلقة المقبلة هذه تحية من المخرج صبري الرماحي وفريق البرنامج، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني، إلى اللقاء.