مقدم الحلقة:

محمد خير البوريني

ضيوف الحلقة:

جمال جمعة: شبكة المنظمات البيئية الأهلية الفلسطينية
محسن هاشمي: مدير شركة قطارات الأنفاق في طهران
أحمد عبد الحميد: محافظ شمال سيناء

تاريخ الحلقة:

13/12/2003

- تداعيات بناء الجدار العازل على مستقبل الشعب الفلسطيني
- مشروع قطارات الأنفاق في العاصمة الإيرانية
- فقرة مشاركات المشاهدين
- بدو سيناء.. رمزٌ من رموز تداخل وتمازج الإنسان العربي

محمد خير البوريني: أهلاً ومرحباً بكم –مشاهدينا- إلى حلقة جديدة من (مراسلو الجزيرة). نشاهد في هذه الحلقة:

تقريراً من فلسطين يتحدث عن المسافة بين حلم الفلسطيني بالعيش بكرامة على ما تبقى من أرضه، وبين كابوس محاولات إسرائيل إلغاء هذا الحلم من خلال بناء الجدار الذي يصفه الفلسطينيون بجدار الفصل العنصري، ونرى تداعيات وآثار بناء هذا الجدار على مستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ومن العاصمة الإيرانية طهران نسلط الضوء على مشروع قطارات الأنفاق الذي تحقق الجزء الأول منه بعد عقود من وضع تصميماته، ونرى ما إذا كان قد حقق الأهداف المرجوة المتمثلة في حل مشكلات النقل والمواصلات والتخفيف من حدة التلوث الذي تعاني منه مدينة ضخمة مثل طهران.

ومن مصر نعرض تقريراً نتناول فيه بدو سيناء الذين يتواصلون مع إخوتهم في كل بقاع العالم العربي ويرفضون الاعتراف بالحدود أو الحواجز والخلافات السياسية التي تشتت الشمل، ويعيشون بحرية في الصحراء العربية التي ينتمون إليها مع ماشيتهم وجمالهم.

أهلاً بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

تداعيات بناء الجدار العازل على مستقبل الشعب الفلسطيني

حلم وكابوس ألغت إسرائيل المسافة بينهما أو كادت من خلال إقامة جدارها الفاصل الذي أدت مراحله الأولى إلى عزل الأخ عن أخيه والطالب عن مدرسته والمزارع عن أرضه، وحرمان كثيرين ممن مر الجدار داخل أفنية بيوتهم من استنشاق نسمة هواء تنطلق على امتداد الأفق أو حتى من رؤية غروب الشمس ربما إلى الأبد.

تلك هي الحال بعد أن نفذت إسرائيل جزءاً من سياستها الأمنية ببناء أجزاء من هذا الجدار الذي يراه الفلسطينيون جدار فصل عنصري تغتصب إسرائيل من خلاله أراضي فلسطينية إضافية بهدف فرض أمر واقع عليهم، المأساة تبقى هي العنوان الأوضح على قسمات وجوه الفلسطينيين المنتظرين عند بوابات الجدار العازل في انتظار جنود الاحتلال الذين لا يرون معنى مهماً لذهاب طالب إلى مدرسته كما لا يرون معنى لموت بساتين الفلسطينيين وهي تنتظر عودة مالكيها لفتح سواقي المياه التي تمدها بالحياة، تقرير شيرين أبو عاقلة من هناك.

تقرير/شيرين أبو عاقلة: سجن من نوع جديد أصبح يعيش فيه الفلسطينيون، لا يستثني أحداً ولا ينتهي بفترة زمنية يسرق الحاضر ويحاصر المستقبل، كابوس ينام الفلسطينيون ويستيقظون على أمل أن يختفي، ولكنهم يجدوه أكثر امتداداً وعلواً يوماً بعد يوم.

تسميه إسرائيل الجدار الأمني، ويطلق عليه الفلسطينيون تسمية جدار الفصل العنصري، الذي يأتي تتويجاً للمشروع الاستيطاني بعد عمليات النهب التي لم تتوقف منذ وقوع الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال.

حسن الخاروف (مواطن من مدينة قلقيلية المحتلة المحاذية للخط الأخضر): عندي أرض، كان هناك مشتل تقريباً 13 دونم، جيت في الصباح، .. ما أشتغل، جابوا الجرافات وجرفوه وما ظلليش إشي، انتقلت لأرض ثانية إنما بحبل 80 دونم، انتقلوا إلى هناك أخذوا مني كمان 20 دونم في الجدار والـ 60 الباقين داخل الجدار، هسه لما.. بعاد عن بيتي 3 كيلو، لما أذهب أنا والعمال للمشتل بنلف 40 ، 50 كيلو، عند وصولنا بيلاقونا الجنود بيمنعونا نفوت.

شيرين أبو عاقلة: قلقيلية إحدى المدن الفلسطينية التي بدأت تضيق بأهلها يلفها جدار إسمنتي من الغرب وسياج فاصل مزود بأجهزة مراقبة وكاميرات من الشمال والجنوب والشرق، حوَّل الجدار الإسرائيلي سكان قلقيلية إلى أسرى لا يزورهم أحد ولا يزورون أحد.

حسن الخاروف: حتى النوم أثر على أطفالي الولاد الصغار يعني بيسألوني ليش هاد حطوا إلنا إياه اليهود؟ الولاد هاي بيتي بعيد عن الجدار عشرين متر، الأطفال عندي بيسألوني أنا..أنا بأتحير أيش أحكي لهم، يعني غروب الشمس بطلنا نشوفها.. غروب الشمس بطلنا نشوف، جدار زي هذا الهواء منعوه عنا، فشو بدي أحكي لك يعني؟ الحكي كثير عنه، تمييز عنصري يعني فصل عنصري.

شيرين أبو عاقلة: بدأت إسرائيل بناء الجدار منذ نحو عام ونصف، أنهت منه المرحلة الأولى التي امتدت من قرية سالم القريبة من جنين والمحاذية للخط الاخضر وصولاً إلى مدينة قلقيلية، وألحقته بمرحلة أخرى تمتد من قرية سالم إلى بلدة تياسير من الناحية الشرقية، أما المرحلة التالية من الجدار والتي كانت أثارت انتقاداتٍ دولية واسعة، فإنها تدخل في عمق الضفة الغربية، وتمتد من مستوطنة (القانا) القريبة من نابلس وصولاً إلى مستوطنة عوفر القريبة من رام الله.

جمال جمعة (شبكة المنظمات البيئية الأهلية الفلسطينية): الجزء الثاني من الجدار اللي هو.. اللي.. اللي في قلب الضفة الغربية، اللي عملياً بيستكمل من عند (القانا) بيطلع إلى الشمال، بيضم كل المستوطنات اللي في محافظة قلقيلية في تلك المنطقة وسط الضفة الغربية بيطلع بشكل متعرج حتى بمحازاة مدينة نابلس 4 كيلو متر هوائي من نابلس ليضم كدوميم، كدوميم.. هاي المستوطنة، بعدين بيجي بيسير باتجاه الجنوب مرة أخرى ليضم (عمانوئيل) ثم الكتلة الاستيطانية لأرئيل 16 كيلو متر من الخط الأخضر في عمق الضفة الغربية لحد.. لعند نقطة زعتر، هاي الخرائط.. خرائط الـ Social Economic Maps بنسميها، خرائط الاقتصادية الاجتماعية، هلا هون سلخوا في الجدار الشرقي كل القطاع الزراعي والمصادر المائية، في غور الأردن نفس الإشي بالجدار الغربي، الجدار الغربي عزلوا كل.. كل سلة الخضار.. الغذاء تبع الضفة الغربية عزلوه.

مواطن فلسطيني: اسمنا مكتوب على كل شجرة في هاي الأرض، لا يحق لأي إنسان إنه يمنعنا.

شيرين أبو عاقلة: من خلال السياج الفاصل تبحث الحاجة سمية غانم عما تبقى من أرضها وزيتونها، موسم العام الماضي كان آخر محصول تمكنت من جمعه قبل أن يحول جدار الفصل الإسرائيلي بينها وبين الوصول إلى أرضها لرعايتها أو معرفة ما حل بها.

الحاجة سمية غانم (من بلدة دير الغصون في الضفة الغربية المحتلة): هذا مزروع قمح، فيه.. فيه هناك عنب، فيه شجرات مشمش بقينا هون بالطريق هذه، خلعوها بقت عنب وصبر وتين وكلاته خلعوه، كله خلعوه، ظل شوية هناك تحت.. شوية، بقت تينة..

شيرين أبو عاقلة: مي (..) مي؟

الحاجة سمية غانم: آه هي هسه..

شيرين أبو عاقلة: شو هو أحكي لي؟

الحاجة سمية غانم: بير، بقى مليان ميه، أجا طلع بالطريق اللي (بحشوها)خسفوا، عبوه كلاته ميه.. تراب..

شيرين أبو عاقلة: (دانا سون) هي إحدى القرى القريبة من مدينة طولكرم والتي سلخ الجدار أراضيها عنها كما فعل بالعديد من القرى المحيطة بمدينتي جنين وقلقيلية، الأرض لمزارعين فلسطينيين ولكن قُوتهم أصبح مرتبطاً بمزاج جنود الاحتلال، هذه قرية (جيوس) حضر هؤلاء المزارعين منذ السادسة صباحاً، انتظاراً لقيام جنود الاحتلال الإسرائيلي بفتح البوابات الحديدية التي نصبت على السياج بين بيوتهم وأراضيهم في مواعيد يفترض أنها محددة، الأبواب تفتح لمدة نصف ساعة فقط صباحاً، يسمح خلالها للمزارعين الفلسطينيين بالوصول إلى أراضيهم قبل إغلاقها في وجه أي قادم منهم بعد الموعد المحدد، ثم يعاد فتحها لنصف ساعة أخرى في المساء، يسمح للمزارعين الفلسطينيين خلالها بالعودة إلى منازلهم.

مريم قعدان (مواطنة فلسطينية من قرية جيوس على الخط الأخضر): صار لنا سنة بالضبط من الزيتون العام واليوم.. لليوم وهذا إحنا هيك..

مواطنة فلسطينية: وإحنا على ها الحال..

مريم قعدان: وإحنا على ها الحال..

مواطنة فلسطينية: يعني بتروحي على الأردن..

مريم فقدان: بتروحي على الأردن قبل.. ما تصلك تعطي الزيتون وقطعة الأرض.

شيرين أبو عاقلة: في ذلك اليوم لم تفتح البوابات، وأبلغ المزارعون أن عليهم العودة بعد ثلاثة أيام أو بعد انتهاء الأعياد عند اليهود، هذا المزارع كان ينتظر لحظة بلحظة الوصول إلى أرضه ليقوم بفتح الماء على زرعه وذاك أُجبر على العودة إلى منزلة وترك أكياس محصول الزيتون في الحقل لعدة أيام.

أحد مزارعي قرية جيوس الفلسطينية المحتلة: نخليه هناك لأنه ما بنقدر.. فيش ممنوع السيارة تفوت كيف بدنا نجيب.. كيف بدنا نمشي إحنا مع الأطفال الصغار، وبعدين أرضه الواحد كيف بده يفوت عليها؟ كيف بده يفوت عليها في الوقت هم اللي بيختاروه هم في أي وقت.

شيرين أبو عاقلة: خلف السياج بدأ نمطٌ جديدٌ من الحياة، تلك الأراضي التي سُلِخَت قسراً وبالقوة عن أهلها وأصحابها ومعها جميع آبار المياه، قرر أهلها عدم تركها وتجشم عناء انتظار رحمة فتح الإسرائيليين للأبواب الحديدية وإغلاقها، فانتقلوا للعيش خلف السياج، هنا لا يملك المزارعون سوى إمكانيات بسيطة، لكنهم يعيشون على الأرض بما تنتجه من خيراتٍ تكفيهم لرعايتها والحفاظ عليها.

أحد مزارعي قرية جيوس الفلسطينية المحتلة 2: ما نقدرش نروِّح.. ما نقدرش نروح.. ما نقدرش نيجي. أنا يعني صار لي 20 يوم هون، يعني أنا لو بدي أروح كل يوم وآجي غلبة، عندي غنم ما بأقدرش (أدشنها) وأروح، لو بأروح على البلد أبيعهم، فيش.. ما بأقدرش أجيب أكل، فيش ميَّه، ما بأقدرش أسوي فيه إشي..

شيرين أبو عاقلة: فبتضطر تنام هون؟

مزارع 2: مضطر أنام هون.

شيرين أبو عاقلة: ويبقى هناك بين الفلسطينيين الذين ابتلع الجدار أملاكهم وحقوقهم من هم أشد بؤساً، كهذه السيدة التي تحولت أرضها إلى شارع أقيم فوقه الجدار.

مواطنة فلسطينية من قرية جيوس المحتلة: هذا (..)، بيتي فيه أخرى إلنا قطعة أخرى أخذوها بكفل الجدار، من الجدار لجوه مش صار يعني ما سمحوا لناش نخش (..) الأرض هذه.. هذه راحت شارع، هذا شارع صار، آه، وهاي ومثل ما أنتِ شايفة اللي ظل فيها..

شيرين أبو عاقلة: زيتون..

مواطنة فلسطينية من قرية جيوس المحتلة: هذه تسع.. عشر.. تسعة.. تسع زيتونات.

شيرين أبو عاقلة: وقد أيش راح؟

مواطنة فلسطينية من قرية جيوس: وبليلة راح سبعين.

شيرين أبو عاقلة: إلى الجنوب من مدينة جنين تقع قرية برطعة الشرقية، قصة معاناة هذه القرية كانت قد سبقت حتى مأساة الجدار بنصف قرن، عندما قُسِّمت البلدة إلى برطعتين شرقية وغربية مما جعل العائلة الواحدة تنقسم هي الأخرى إلى قسمين أحدهما على الجانب الإسرائيلي وما تبقى مع الضفة الغربية، الناظر إليها لا يستطيع أن يميِّز أين ينتهي قسم البلدة الأول وأين يبدأ الثاني، لكن السكان يميزون تلك الحدود، وكذلك يفعل الاحتلال، فلا يدخل الأهل والأقارب من سكان الشرقية إلى الغربية، وإلا وقعوا رهن الاعتقال، امتدادهم الوحيد كان باتجاه الضفة الغربية إلى أن جاء الجدار وعزلهم نهائياً عنها، وأصبح سكانها يعيشون على مساحة صغيرة بين حدود عام 48 والحدود التي رسمها الجدار.

مواطن فلسطيني من قرية برطعة: لا بنقدر نروح ولا بنقدر نيجي، يعني الواحد انفرط على الطريق الله يستره، يعني دكتور فيش دكتور مثلاً، مرضت ولاد نفس الإشي ما بتقدرش تطلع ولا تروح ولا تيجي، واحد بده يفوِّت برضو غرض إله لخلافه.. لخلافه ما بيقدرش يشتغل، يعني من شغلات كثيرة، يعني محاصرة البلد حصار يعني إشي لا يصدَّق يعني.

غسان كبها (رئيس المجلس المحلي القروي لبرطعة الشرقية المقسمة): الجدار طبعاً التهم آلاف الدونمات من أراضي القرية، أصبحت.. أصبح المزارعون الذين كانوا.. كانوا يعتمدون بالأساس على يعني المحاصيل الزراعية أصبحوا عاطلين الآن عن العمل، وفقدوا مصدر رزقهم الوحيد.

شيرين أبو عاقلة: برطعة واحدة من ستة عشر قرية عزلها جدار الفصل الإسرائيلي ضمن المرحلة الأولى التي تم بناؤها، وتضم هذه القرى أكثر من أحد عشر ألف مواطنٍ فلسطيني لم يعد بمقدورهم بموجب الترتيبات العسكرية الإسرائيلية الجديدة دخول الضفة الغربية المحتلة إلى حين استصدار تصاريح خاصة بذلك، ويتابع الجدار طريقه نحو الجنوب ليعزل القدس وبيت لحم، ومن ثم الخليل، ويُحكِم بذلك الإغلاق حول الضفة الغربية.

جمال جمعة: ستكون ضيقة هذه المناطق بالناس.. بالناس الموجودين.. الموجودين فيها، فبالآخر القدس عملياً نهائياً لم يعد هناك إمكانية لأي تواصل ما بين القدس والضفة الغربية، الجدار اللي عم بينعمل بالقدس هو فصل الفلسطينيين عن الفلسطينيين وضم كل القدس الشرقية كاملة، الاستيطان اللي عم بينعمل بالقدس الشرقية داخلياً وحول القدس الشرقية وطرق.. وشوارع الطوق اللي حول القدس ستمنع نهائياً أي تواصل ما بين الضفة الغربية والقدس، وبالتالي قضية أصبحت في.. في.. في موازينهم حسب الواقع اللي فرض مفروغ منها، لا يمكن الحديث عنها كجزء من الضفة الغربية.

شيرين أبو عاقلة: 54% من مساحة الضفة الغربية هي كل ما يتبقى للفلسطينيين لإقامة دولة عليها بعد إتمام بناء الجدار في عام 2005، وربما ليس من قبيل الصدفة إنه ذات العام الذي حددته خريطة الطريق لإعلان الحدود النهائية للدولة الفلسطينية، دولة تريدها إسرائيل دون حدود دولية، أو أفق اقتصادي، أو امتداد لأراضي زراعية، دولة تكون مقسَّمة إلى تجمعات سكنية تعيش تحت رحمة إسرائيل.

شيرين أبو عاقلة - لبرنامج (مراسلو الجزيرة) - الأراضي الفلسطينية.

مشروع قطارات الأنفاق في العاصمة الإيرانية

محمد خير البوريني: بعد عقود من الانتظار تم إنجاز الجزء الأول من مشروع قطارات الإنفاق في العاصمة الإيرانية طهران، المشروع الذي كانت تصاميمه قد وُضعت في عهد شاه إيران قبل الثورة الإسلامية، نسأل ويسأل معنا إيرانيون عن الفوائد التي يجنيها سكان العاصمة الإيرانية من وراء هذا المشروع.

تقرير محمد حسن البحراني من هناك.

تقرير/محمد حسن البحراني: الحقيقة التي يعلمها الإيرانيون أن مدينة طهران المترامية الأطراف والمكتظة بسكانها الاثني عشر مليوناً، كانت عام 1990 على وشك أن تفقد لقبها كمركز للحكم وعاصمة لإيران لصالح مدينة أخرى بعد أن بلغت أزمة تلوث الهواء فيها حداً لا يُطاق، وأصبحت معه حياة الكثيرين من أبنائها لاسيَّما الأطفال وكبار السن والمرضى معرضة للخطر.

هذا التلوث ناجم بطبيعة الحال عن تصاعد استهلاك وقود السيارات، فضلاً عما تبثه المصانع والمعامل المحيطة بطهران من أدخنة وسموم، ولولا الإجراءات الاستثنائية التي عملت بها حكومة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني لما أمكن لمواطن إيراني مواصلة حياته اليوم في طهران بشكل طبيعي، ولعل أبرز هذه الإجراءات زيادة عدد الحدائق والمتنزهات في وسط العاصمة، ومضاعفة المساحات الخضراء من حولها.

أما الإجراء المهم الآخر فتمثل بتنفيذ مشروع قطارات الأنفاق الذي كانت قد وضعت تصاميمه في عهد الشاة شركة فرنسية، لكن المراحل التنفيذية منه لم تبدأ إلا في عام 1989، وكما يقول مدير شركة مترو طهران فإن المرحلة الأولى من المشروع استغرق العمل فيها أربعة عشر عاماً متواصلة، وهي تمتد لمسافة خمسة وثلاثين كيلو متراً تحت الأرض، وخمسين كيلو متراً آخر فوق سطحها.

المهندس/ محسن هاشمي (مدير شركة قطارات الأنفاق في طهران): وقد بدأنا نلمس الآثار الإيجابية لمشروع قطارات الأنفاق، وهي آثار بيئية وصحية ونفسية واقتصادية، وستزداد هذه الآثار كلما أنجزنا مرحلة أخرى من المشروع الذي ساهم بشكل ملموسٍ في خفض معدَّلات استهلاك وقود السيارات والحد من الاختناقات المرورية إضافة إلى تقليله من معدلات الوقت الضائع للأفراد.

لقد أكملنا المرحلة الأولى من المشروع التي تتألف من ثلاثة خطوط، أما المرحلة الثانية والتي تضم خطين آخرين، ويبلغ طولهما اثنين وأربعين كيلو متراً تحت الأرض، فسننتهي منها قبل حلول عام 2010.

محمد حسن البحراني: كانت بداية جولتنا من محطة (ميرداماد) شمال العاصمة الإيرانية، وهنا يكتشف المرء كيف أن المسافرين تعلموا بسرعة من خلال قطارات الأنفاق احترام الوقت وثقافة السرعة، سواء في اقتنائهم لبطاقات الدخول أو في حركتهم لبلوغ محل توقف القطارات في اللحظة المناسبة كي لا يضطر أحدهم للانتظار لخمس دقائق أخرى، وهي الفترة الزمنية الفاصلة بين حركة قطار وآخر، هذه المحطة وهي واحدة من أربعين محطة توقف تم إكمال بنائها حتى الآن، وتعمل من خلال أجهزة التحكم والمراقبة التليفزيونية زُيِّنت جدرانها بالعديد من اللوحات الفنية المنحوتة على الجدران المرمرية الداخلية، وهي لوحات تجسِّد الذوق والأصالة للفن والتراث الإيراني، كما أنها تحكي جوانب من التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي لإيران ولمختلف عصورها القديمة والحديثة، ورغم حرص المسؤولين على إضفاء أجواء مريحة وهادئة على محطات المترو بتوفير بعض الخدمات الضرورية لها، وتجهيزها بمكيفات الهواء وبث القطع الموسيقية المرغوبة، إلا أن بعض المستفيدين من قطارات الأنفاق عبَّروا عن شكوكهم إزاء نجاح هذا المشروع في حل مشكلة النقل والتلوث في طهران.

سيدة إيرانية مستفيدة من خدمات قطارات الأنفاق: لا أعتقد ذلك، لأن المترو لم يحل مشكلة التنُّقل والتلوث، فازدحام السيارات مازال كبيراً جداً، خاصة مع بدء الموسم الدراسي.

مواطن إيراني مستفيد من خدمات قطارات الأنفاق: لابد من زيادة عربات القطار بشكل كبير، فنحن الآن نضطر للوقوف مدة عشر دقائق في بعض الأحيان لنتمكن من صعود هذه القطارات.

محمد حسن البحراني: لكن غالبية المستفيدين من مشروع قطارات الأنفاق أشادوا بالخدمات التي تقدِّمها لهم هذه القطارات.

سيدة إيرانية مستفيدة من خدمات قطارات الأنفاق: بفضل قطارات الأنفاق بدأنا نصل إلى أعمالنا بسرعة وحيوية، لقد ثبت أن هذه القطارات هي الأفضل.

مواطن إيراني مستفيد من خدمات قطارات الأنفاق: لقد خففت قطارات الأنفاق من تلوث الهواء، وأعتقد أن رأس المال الذي استثمر في هذا المشروع لم يذهب هدراً، ولا أشك في أن المشروع لو أكمل فإنه سيساهم في الحفاظ على سلامة البيئة في طهران.

محمد حسن البحراني: ويتفق مع هذه الآراء سائق القطار الذي صعدنا معه من محطة (ميرداماد) باتجاه محطة الإمام الخوميني، وهو شاب كان قد أكمل قبل أربعة أعوام دورة تدريبية في الصين لسياقة قطارات المترو.

سائق أحد قطارات الأنفاق: من خلال تجربتي العملية واحتكاكي مع المسافرين أرى أن قطارات المترو أدت دوراً مهماً في تنظيم حياة أبناء طهران، إذ علمتهم التعامل بدقة أكبر مع الزمن.

محمد حسن البحراني: ولعل من المزايا التي تنفرد بها قطارات الأنفاق في طهران عما يماثلها من هذه المشاريع في البلدان الأخرى، هو تخصيص عدة عربات من كل قطار لخدمة النساء فقط، مراعاة للجوانب الشرعية كما يبدو، أما الرجال والعوائل فبإمكانهم الاستفادة من عربات أخرى.

مواطنة إيرانية مستفيدة من خدمات قطارات الأنفاق: بعد أن دخلت قطارات الأنفاق الخدمة، تحسن وجه طهران، وأصبحت حياتنا أكثر راحة، والحقيقة فإن هذه القطارات جعلتنا نشعر أن طهران رغم كثافتها السكانية الهائلة، أنها أصبحت مدينة قابلة للسكن والحياة المناسبة.

طالبة جامعية إيرانية مستفيدة من خدمات قطارات الأنفاق: لا نقاش حول الخدمة التي تؤديها هذه القطارات لأهالي طهران لكن ينبغي زيادة عددها ومساراتها لتشمل طهران كافة، وآنذاك يكون بمقدورنا الحديث عن نجاحنا في حل أزمة التلوث والتنقل.

محمد حسن البحراني: ويجيب مدير شركة قطارات الأنفاق على العديد من شكاوى وتساؤلات أهالي طهران المتعلقة بمستقبل المشروع ومدى جدواه في معالجة المشاكل الحقيقية التي بدأت تواجه العاصمة الإيرانية في مجال التلوث وحل أزمة التنقل المتفاقمة على وجه التحديد.

محسن هاشمي: بعد انتهائنا من المرحلة الثانية للمشروع ستبلغ طاقة المترو إلى أحد عشر مليار مسافر سنوياً، وهذا يعني توفير 700 مليون لتر من البنزين، فقد صبرنا طويلا ولم يبقَ لاستثمار ما بذلنا من جهد إلا عدة سنوات قليلة أخرى لندرك قيمة ما حققناه من إنجازٍ ضخم.

محمد حسن البحراني: والواضح أن استثمار المسافرين لقطارات الأنفاق أصبح يتعدى التنقل بين أحياء طهران ليشمل حاجات أخرى يسعى البعض لتأمينها عبر ما يقضونه من وقت داخل هذه القطارات، فمنهم من يجد في خلو بعض المقاعد فرصة لأخذ قيلولة من النوم، ومنهم من يفضل تبادل أطراف الحديث، لكن نسبة مهمة من الشباب والشابات يحاولون استثمار وقتهم داخل القطارات في مطالعة الصحف أو الكتب أو في قراءة المصحف الشريف، وفي كل الأحوال فإن مترو طهران الذي يؤكد المشرفون على بنائه، إنه صمم لمقاومة وتحمل أعنف الزلازل المحتملة وأنه سيكون الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، والسادس من نوعه في العالم، يظل يمثل بالنسبة لجيل إيران الجديد الأمل في إمكانية العيش في عاصمتهم بصحة وسعادة وروح من التفاؤل.

حاجة سكان العاصمة الإيرانية إلى شبكة متكاملة من قطارات الأنفاق باتت ضرورية وفق كل المعايير، ليس للتنقل فقط بل للتخفيف من تلوث الهواء وقهر سمومه.

محمد حسن البحراني - برنامج (مراسلو الجزيرة) - طهران.

[فاصل إعلاني]

فقرة مشاركات المشاهدين

محمد خير البوريني: ونعرض مشاهدينا في سياق هذه الحلقة مجموعة من رسائلكم، البداية برسالة بعث بها المشاهد سامي الذي لم يذكر اسم البلد الذي ينتمي إليه، يوجه سامي اللوم إلى وسائل الإعلام ويقول إنها تغض الطرف عن أعمال الجنود الأميركيين في العراق مثل اغتصاب النساء بوجود مصورين متخصصين في هذا المجال على الأراضي العراقية، ونشر الصور الملتقطة على شبكات الإنترنت.

نجيب المشاهد بأن الموضوع الذي يطرحه ينطوي على قدر كبير من الخطورة، فهناك الكثير من الحديث حول هذا الموضوع وغيره وقد نشرت بالفعل صور من هذا القبيل على شبكة الإنترنت، ولكن من يمكن له أن يؤكد أن هذه الصور هي أصلاً لنساءٍ عراقيات أو أنها حقيقية، ومن يمكن له أن يؤكد أيضاً أن الصور المشار إليها تم التقاطها في العراق، أما من ناحية طلب معالجة الموضوع في البرنامج فهناك مشكلة جوهرية تواجه من يحاول أن يتناول موضوعاً مثل هذا، وهي كيف يمكن التحري عن وقوع مثل هذه الحالات في بلد عربي مسلم ومحافظ وذي تركيبة قبلية متشددة لا تسمح بالتحقيق العلني في مثل هذه القضايا إن وجدت بأي شكل من الأشكال.

الرسالة التالية من المشاهد يوسف مختار الحميدي، وهو مواطن تشادي من أصل عربي يقيم في الجماهيرية الليبية، يقول يوسف: سمعت مرة أنكم كنتم في تشاد ولكنكم للأسف لم تطلعوا على التحف والروائع العربية التشادية من عادات وتقاليد عربية أصيلة والتعرف على لغتهم العربية -ويعني بذلك العرب في تشاد- العرب الذين إذا سمعت لهجتهم وكلامهم لا تصدق أذنيك وتظن أنك في العصر الجاهلي وترى الفروسية والقيم والأخلاق العربية الإسلامية، ولكن للأسف -يقول يوسف- أن هؤلاء القوم مهمَّشون من جانب الدولة التشادية، ويواصل أن هؤلاء، مازالوا حتى الآن يشربون مياه الآبار التي تتراوح أعماقها بين ثلاثين وأربعين متراً، ويستخرجون الماء منها بواسطة الجمال أو الثيران أو الحمير، وفي موسم الخريف -يقول يوسف- يتبع هؤلاء الكلأ مدة ثلاثة أو أربعة شهور ثم يعودون إلى ديارهم وهكذا الأمر طيلة حياتهم.

نشكر المشاهد يوسف، بخصوص الأفكار التي قدمها حول العرب في تشاد فنقول له إن الموضوع جديرٌ بالتناول لتعريف مشاهدي (الجزيرة) بالجوانب التي تم طرحها ونود هنا أن نشير إلى أننا بصدد إجراء دراسة وافية حول الموضوع وإمكانيات معالجته.

وهذه رسالة من المشاهد عبد الخالق عبد الرحمن البدوي الذي لم يذكر اسم البلد الذي ينتمي إليه، يطلب عبد الخالق تقديم تقرير عن قصة قبة الصخرة المشرفة والهيكل والمخطط الصهيوني في بيت المقدس والنفق الذي حفرته إسرائيل تحت المسجد الأقصى.

نشكر المشاهد الأخ عبد الخالق، ونقول له أن (الجزيرة) تناولت هذه المواضيع وغيرها منذ فترة ليست قصيرة وفي أكثر من تقريرٍ موسعٍ ومفصل، ونود أن نلفت الانتباه مجدداً إلى أن إسرائيل قامت ومنذ احتلالها للقدس عام 67 بحفر العديد من الأنفاق داخل أسوار المدينة القديمة وليس نفقاً واحد فقط، كما تفضلت وذكرت في رسالتك، نأمل أن تتاح لنا الفرصة لتناول هذه الموضوعات وغيرها من جديد حول المدينة المقدسة، ولكن من جوانب أخرى مختلفة.

مشاهدينا الكرام، نكتفي بهذا القدر من الردود على رسائلكم في هذه الحلقة ونتابع معكم ما تبقى منها.

بدو سيناء.. رمزٌ من رموز تداخل وتمازج الإنسان العربي

تداخل الأرض العربية يجعل من الاستحالة بمكان فصل الإنسان العربي عن أخيه في أي بقعة على امتداد الوطن الكبير، وذلك على الرغم من التقسيمات والاختلافات بين أنظمة الحكم في هذا البلد أو ذاك، البدو العرب شعارٌ للتداخل والتمازج وعنوانٌ من عناوين رفض الحواجز بين أبناء الأمة الواحدة مهما ارتفعت الأسوار وتعددت الحواجز التي لا يرونها أكثر من مجرد حواجز وهمية لا تُغيِّر شيئاً من واقع الحال.

ولماَّ كان الجمل رمز البدوي ورفيقه وصديقه في الصحارى الشاسعة منذ الأزل فأنه يحرص على اختياره أصيلاً تماماً كما هو وكما اعتاد أن يختار الأشياء بحرص وروية وأن يتعرف عليها ويتعامل معها بالفراسة والفطنة.

دولٌ عربية تحاول إحياء الموروث الاجتماعي في وقت ُيحييَّ فيه كثيرون الجمال العربية إذا ما أصبحت سبباً للتقارب العربي ورمزاً لإزالة الحواجز والحدود. تقرير حسين عبد الغني من صحراء سيناء.

تقرير/حسين عبد الغني: الصحراء العربية هي الكائن الحي الوحيد الذي مازال يرفض الاعتراف بالحدود بين الأقطار العربية، والبدوي ساكن هذه الصحراء هو المواطن العربي الذي يعتز بأن جغرافيته الوحيدة هي الصحراء المفتوحة، وأن البدو في كل مكان هم أشقاؤه الحقيقيون، وبدو سيناء المصرية في تعلُّقهم بأشقائهم في كافة الصحراوات العربية هم التجسيد الحي لهذه الحالة.

عيد أبو مرزوقة (مدير عام نادي الهجن المصري): البدوي لا يعرف الحدود، يعني البادية امتداد، يعني كل قبيلة موجودة هنا في سيناء لها أصول في الجزيرة العربية، فقد قبل أن يقول أنا كويتي أو عُماني أو مصري فهو بيقول باسم القبيلة، واسم الجنسية هذه تخص الجواز فقط أو البطاقة.

حسين عبد الغني: وإذا كان البدوي العربي في كل صحراء هو شقيق البدوي فإن الجمل يبقى اللاعب الرئيسي في الصحراء، وبين مثلث البدوي والجمل والصحراء تدور عجلة الزمن لتنسج نوعاً من العلاقات شديدة التميز والخصوصية تؤكد السمات المشتركة للمجتمع البدوي، وتعطي لأهل جنوب وشمال سيناء الفرصة الدائمة لتأكيد صلتهم ببدو المنطقة العربية.

د. حمد شعيب (باحث في التراث البدوي): الإبل تمثل حقيقة البدوي في حلِّه وترحاله في أفراحه وأتراحه في كل شيء، هي الإبل عبارة عن معاويل الدهر كما يقولون.

حسين عبد الغني: هذه المكانة الخاصة للإبل أفرزت في بدو سيناء من هو متخصص فقط في تربية الإبل وهو ما جعل الإبل تنعم برعاية خاصة من البدوي الذي لا يدخر جهداً في تدليلها والاحتفاء بها، وقد خلقت تاريخية العلاقة بين الطرفين لغةً مشتركة يفهمها كل منهما ولا يفهمها غيرهما.

محمد سولم عودة (مربي إبل في سيناء): سبحان الله هو الجمل هذا بيفهم زي البني آدم بس إكمني ما بينطق أنت تشوف لما.. وهو ماشي يعطيك قفاه لو مقبل مثلاً على زرع أو على حاجة (وَكْل) قدّام تقول له (أرر) مثلاً (..) علم بالكلمة دي هو بيروح ثانِ كدا، شوف هو عارف الناطق، اللي أنت مرابي معاه، لما تيجي تنخخه بيبرك، لو قام مثلاً قومة غلط بتديه عصايتين هو بيعرف القومة هذه غلط بيفضل نايم نصف ساعة وساعة.

حسين عبد الغني: ولهذا لم يكن غريباً أن تلاحظ (الجزيرة) أن الأسماء التي اشتهر العرب بإطلاقها على الإبل حباً فيها وتدليلاً لها موجودة بذات التعبيرات الحميمية في شمال سيناء من رفح إلى شرق القناة، فالإبل هي الكحيلة لسواد عيونها، وأم الحيران لأنها ترشد من يضل عن مضاربه، وهي أيضاً الغدة والشومة لمن يصيب الفرسان من كرب وبلاء إذا غضبت وهي نادراً ما تغضب، وكما نظَّم الشعراء العرب على مر العصور القصائد في الإبل فعل أهل سيناء، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد التغزل في ناقته كما يفعل مع حبيبته من بني الإنسان.

لكن السيناوي يفرق دائماً بين أصيل الإبل وهجينها، ويحرص كما في كل قبائل الصحراء العربية على اقتناء الأصائل منها إما عن طريق دفع الغالي والرخيص لشرائها أو تهجينها لخمسة أجيال متعاقبة للحصول على جمل أصيل والتباهي به.

دخل الله سليم (بدوي من قبيلة الحويطات): لو جبت جمل أصيل وجبت نتاية مش أصيلة حوالي خمسة وعشرين سنة لما تلحق الأصل، ونعد الجمل بنقول عليه الجمل بيدي واحد يبقى ابنه فيه واحد، لو جاب نتاية ونط عليها أصيلة يبقى يصير فيه اثنين وكذلك لما نوصل لخمس.

حسين عبد الغني: وبعد طول تأخير بسبب الاحتلال الإسرائيلي لسيناء لأكثر من عقدين من الزمن انصرف فيهما بدو سيناء عن الاهتمام بسباقات الهجن مقارنة بما حظيت به هذه الرياضة العربية القديمة من اهتمام في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً في فكرة تنظيم سباقات الهجن في مصر، وتحول سباق سنوي في مدينة العريش عاصمة شمال سيناء إلى مهرجان فني وثقافي يجتمع فيه أبناء القبائل العربية من مختلف البلدان للتسابق في ميادين الركض والتباري في ساحات الشعر النبطي والغناء البدوي الذي أثبتت التجربة أن روحه وإيقاعاته واحدةٌ وإن اختلفت الصحراوات وتعددت أنساب القبائل.

عيد أبو مرزوقة: الآن أتحدث عن منظومة تراثية متكاملة، يعني (البلوت) أو المحور سباقات الهجن ولكن هذه السباقات بننسج حواليها منظومة تراثية بالبلدي مابنشحتهاش من بره، دا تراثنا العريق، تراثنا العربي الأصيل وأنا النهارده بأقول بأعلى صوتي أن البادية أصل العرب.

حسين عبد الغني: وكما كان تراكم الخبرة في العلاقة بين الجمل وصاحبه في صحراء الخليج والجزيرة العربية هو الذي حدد الشخص المناسب لركوب الجمل حسب المهمة فإن بدو سيناء أدركوا أن المتسابق الذي يقود الإبل في سباقات الهجن لابد أن تتوافر فيه شروطٌ محددة، فلا يجب أن يزيد وزنه عن خمسين كيلو جراماً، إلى جانب ضرورة تمتُّعه بمهارات خاصة تمكنه من قيادة الجمل، ولذا فإن أبناء القبائل السيناوية يحرصون على تدريب صبيانهم على القيام بتلك المهمة الخطرة، وهو ما اعتبره البعض مخالفاً للدين نظراً لما ينطوي عليه من احتمال تعريض حياة هؤلاء الصبية للخطر، لكن أبناء القبائل العربية من سكان سيناء يعتبرون خوض أبنائهم لهذه السباقات دليل شجاعة وإقدام، ولا يأبهون كثيراً لما قد يتعرض له الصبي من مخاطر أثناء السباق.

الجمل ليس فقط سفينة الصحراء، ولكنه توأم البدوي، ورفيقه في حلِّه وترحاله على ظهره يقضي البدوي ساعات طويلة، وأحياناً أياماً، وفي المقابل لا يعبأ الجمل بفقر صاحبه أو باتساع رزقه، يصبر على قسوته وشدته، لكنه يفرح ويحس حين يدلـله ويحنو عليه.

الاهتمام السيناوي بسباقات الهجن لا يتوقف عند حدود التجهيز للمباريات، لكن القائمين على تنظيم هذه المسابقات يحرصون على تنظيم ندواتٍ على هامش السباق يتدارس خلالها البدو طرق الحفاظ على إبلهم وعلاجها وتبادل الخبرات حتى تلتقي الخبرة والممارسة مع العلم مما يسهِّل اختيار الإبل القادرة على المشاركة في السباق، وقد انضمت الدولة المصرية إلى موكب الدول التي تحتفي بسباقات الهجن كمظهرٍ من مظاهر التنوع الثقافي بمصر، وكوسيلة للتقارب والتواصل مع البلدان العربية.

اللواء/أحمد عبد الحميد (محافظ شمال سيناء): طبعاً ده عمل عربي بيوحَّد الدول العربية بصرف النظر عن أي انتماءات أو أي خلافات أو كلام من دا، ودا اللي بيدور في.. في هذا المهرجان إن إحنا بنوحد العرب.

حسين عبد الغني: هذا الاعتزاز من جانب البدوي بتقاليده وأعرافه القبلية القديمة حدَّ من قدرة يد التغيير والتحديث، وعلى الرغم من أن تلك اليد قد طالت الكثير من مظاهر الحياة في سيناء المصرية وتحول الكثير من بواديها وواحاتها إلى مناطق جذب سياحي إلا أن أبناء القبائل العربية من سكان سيناء مازالوا يعتمدون في إدارة شؤونهم الداخلية على القضاء العرفي الذي مازال قادراً على حل كثير من المشاكل التي قد تنشب بين أبناء البادية، وبالتالي تفادي وصول المشكلة إلى السلطات الحكومية أو ساحات المحاكم.

وتتخصص كل قبيلة في سيناء في حل نوعية معينة من الخلافات، وتلجأ إليها القبائل الأخرى للحكم فيه وترضى بالأحكام الصادرة من قضاتها العرفيين.

قاضي عرفي من قبيلة عربية: دا القبائل مجتمعة متفقة على جميع نزاعاتها تنحل عن طريق القضاء العرفي، وفي الالتجاء للقضاء العرفي بتجبر كل قبيلة متنازعة إلى القبيلة الخاصة بشيء معين من القضاء.

حسين عبد الغني: ومن التقاليد التي يتمسك بها البدوي في سيناء الاعتزاز بدور المرأة في حياة القبيلة، وتحظى البدوية في سيناء بمكانة رفيعة لدى زوجها وأسرتها، وهي مكانة اكتسبتها البدوية بدورها الفاعل في كسب رزق الأسرة ورعاية الأغنام والاعتناء بالإبل، ولم يستطع التطور الحادث في حياة البدو النيل من عادات النساء البدويات خاصة في الملبس، فما زالت البدوية التي لا تجد غضاضة في أن تسمى العجوز بمجرد زواجها حتى وإن كانت في العشرين من عمرها مازالت حريصة على ارتداء الزي التقليدي الذي يغطي معظم وجهها فيحجبها عن عيون الرجال، حتى وإن كانوا من أبناء قبيلتها.

وتبقى سيناء المصرية شأنها شأن بقية مدن ومحافظات مصر شاهدةً على تنوع مصادر الثقافة المصرية وسط قبولٍ عام لخصوصية كل إقليم على حدة وهو ما يؤكد فكرة التنوع في إطار الوحدة، ولعل خصوصية سيناء تتمثل في أن ساكنها البدوي العاشق لحريته وميله للتنقل والترحال هو أول من يتشبث بأرضه ويدافع عن بوابة مصر الشرقية.

بين الرغبة قي قطف ثمار المدنية الحديثة والحرص على الحفاظ على الموروثات الاجتماعية لأهل البادية يقف أبناء القبائل العربية في سيناء غير معترفين بالحدود السياسية التي تفصلهم عن أبناء عمومتهم توَّاقين لِلَم الشمل وممسكين بتلابيب الانتماء العربي، حتى لو جاءت في صورة لقاءات سنوية للهجن تعيد ضخ الدماء في شرايين الأُخوَّة القديمة.

حسين عبد الغني – لبرنامج (مراسلو الجزيرة) – شمال سيناء.

محمد خير البوريني: إلى هنا نأتي –مشاهدينا- إلى نهاية الحلقة من البرنامج، يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوا تفاصيلها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والصورة عند البث، كما يمكن مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: reporters@aljazeera.net

أو من خلال العنوان البريدي على صندوق بريد رقم 23123 الدوحة – قطر، وكذلك من خلال الفاكس.

في ختام هذه الحلقة أنقل إليكم تحيات مخرجها صبري الرماحي وفريق العمل، وهذه تحية أخرى مني.. محمد خير البوريني. إلى اللقاء.