في 21 مايو/أيار 2000 أعلنت السلطات السورية انتحار رئيس الوزراء السابق آنذاك محمود الزعبي في شقته، حيث كان تحت الإقامة الجبرية، في حين رجح كثيرون اغتياله لتحميله عبء الفساد في الدولة وتمهيدا لرئيسها الجديد بشار الأسد.

طريقة انتحاره وتعامل السلطات مع هذا الحدث كأنه عابر دفع فريق برنامج "نهايات غامضة" الاستقصائي في الحلقة التي بثت الأحد (2017/12/10) إلى البحث في أسرار تلك الدماء التي سالت في غرفة الزعبي هل كانت بيده أم بفعل فاعل؟

بثلاث رصاصات
وإذا كان للمأساة وجهها الساخر فإن طريقة انتحار الرجل تداولها السوريون ولا يزالون، إذ إنها المرة الأولى في تاريخ المنتحرين التي يقتل شخص نفسه بثلاث رصاصات في الرأس.

القاضي الجنائي حسين حمادة -الذي عاصر الكثير من الجنايات لأكثر من ثلاثين عاما في سوريا- يؤكد حق هذه السخرية من رواية النظام، ويقول إن المنتحر في منطقة الرأس لا يستطيع سوى إطلاق رصاصة واحدة.

ويخلص إلى أن الأخطاء الكبيرة في الإجراءات القانونية التي أحاطت بقضية الزعبي تشير إلى أنها عملية اغتيال لا انتحار.

كان الزعبي في بيته تحت الإقامة الجبرية حين طرق الباب ضباط لاعتقاله فاستأذنهم بالصعود إلى الطابق الأعلى لتبديل ثيابه ثم سمع إطلاق نار.

رصاصتا رحمة
ويحكي اللواء محمود علي -وهو رئيس فرع أمن جنائي سابق- أن الرواية المتداولة تفيد بأن أحد ضباط المخابرات صعد معه فسأله "سيادة الرئيس، هل لديك مسدس؟" فقال "نعم"، ثم أخرجه وأطلق النار على نفسه، فما كان من ضابط المخابرات إلا أن أضاف من عنده رصاصتي رحمة على رأس الزعبي.

لم تشيع جنازته -كما يضيف علي- وأمرت السلطات بدفنه في قريته خربة غزالة (في درعا جنوبي سوريا) بحضور خمسة من عائلته فقط ومنع فتح بيت عزاء، في سلوك متعمد لإذلاله حتى بعد موته.

لماذا يذل الرجل المقرب من حافظ الأسد ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب إلى حد يقول فيه وزير الزراعة أسعد مصطفى في حكومة الزعبي إنه قال لحافظ على الهواء مباشرة "والله ليس من أحد بعد الرسول العربي الكريم إلا وأخذ أكثر مما أخذت وأعطى أقل مما أعطيت".

تصفية حساب لبشار
تذهب قراءات ضيوف الحلقة إلى خلاصة تفيد بأن الزعبي كان عليه تحمل كل أوزار المرحلة السابقة مع وصول الاقتصاد في سوريا عام 1999 إلى حال بالغة السوء واستعداد بشار الأسد لخلافة أبيه الذي ما إن يخرج من غيبوبة حتى يدخل أخرى.

دفع بشار الأسد رئيس الوزراء الزعبي خارج أي مظلة رعاية كان يحظى بها مع باسل الأسد الذي توفي بحادث سير عام 1994.

كان رحيل باسل مفجعا لأبيه الذي جهزه لخلافته، ومفجعا للزعبي الذي كان ينفذ له كل ما يطلبه، وفي ذات الوقت يتلقى من باسل رعاية تحفظ كرامته كما يقول مدير مكتب الزعبي وقتذاك بسام جعارة.

مليارات باسل
ما لا يغفر في سوريا هو كشف مفاصل النفوذ المالي العائلي، وفضلا عما يقال إنها كراهية شخصية من بشار الأسد للزعبي فإن الأخير اتهم بتهمة تقصم الظهر ألا وهي تسريب خبر استرجاع أموال باسل الأسد من النمسا والمقدرة بـ13.2 مليار دولار، في حين كانت ميزانية سوريا 3.4 مليارات دولار.

في السنوات التي تلت غياب باسل كانت علاقات بشار بخاله محمد مخلوف وأولاده تتوطد لإدارة إمبراطوريته المالية وضاقت حلقة السلطة حتى إن آل مخلوف كانوا يصدرون الأوامر للزعبي، كما يفيد بسام جعارة.

توبيخات الأسد
لقد بلغ الحال أن الأوامر تأتي للزعبي هاتفيا باسم حافظ الأسد، فإذا ماطل في التنفيذ وبخه الأسد الأب، وإذا نفذ أمرا وصادف أن الأسد في غيبوبة وبخه حين يصحو لأن التنفيذ جرى دون علمه، كما يفيد بذلك بشار الحاج علي، وهو دبلوماسي سابق وابن شقيقة الزعبي.

يعرف الزعبي ما دق وخفي، خصوصا الأموال التي تكدس خارج ميزانية الدولة عبر مكتب تسويق النفط الذي يدار بين ثلاثة، هم حافظ الأسد أو ابنه والزعبي وشخص اسمه داود حيدو، ويباع وتوضع الأموال في حساب خاص.

هذا ما يقوله وزير الزراعة الأسبق أسعد مصطفى الذي يضيف أن حافظ الأسد لم يغفر للزعبي "خطأه" فأنهى حياته رغم أنه كاد أن يعبده.

العبارة القاتلة
أما جعارة فينقلنا إلى ما بعد تعيين مصطفى ميرو رئيسا للوزراء، إذ اكتشف أن خمسين مليون دولار مسحوبة من مكتب تسويق النفط فأبلغ بشار الأسد الذي طلب منه الاستفسار من الزعبي الخاضع للإقامة الجبرية.

ويمضي قائلا "إن الزعبي انزعج من السؤال الذي اعتبره اتهاميا"، وقال لميرو "اسأل بشار فهو الذي يعرف"، مؤكدا أن هذه العبارة كانت الدافع المباشر للرصاصة القاتلة التي اخترقت رأس محمود الزعبي.