- من إربد إلى اليونان على طريق الطب
- الطبيب الحكيم.. بين العمل والهوايات

مازن خوري

من إربد إلى اليونان على طريق الطب

مازن خوري: الطب إذا خرج من فكرته كواجب خسر روحه يعني أنك تعيد للإنسان صحته وعافيته أو تساعده حتى يمد في عمره ما ممكن يكون في إطار وظيفي ولا يمكن أنك تقول انتهى دوامي لا، ما لي دخل مش مستعد أشوف حدا أو مش ممكن أشوف مريضا أو في حالة طوارئ خليه يشتغلها واحد صغير وأنت بتعرف أنه أنت هالحالة مش رح يقدر يعملها كويس معناته أنت لازم تبلش فيها أنت بنفسك، فلا يمكن أن تنظر للطب كوظيفة اعتيادية.

المعلق: تتهم الحكومات اليونانية الاشتراكية المتعاقبة منذ التسعينيات بأنها السبب في الأزمة الاقتصادية التي تعصف باليونان الآن وأوصلتها إلى حافة الإفلاس فقد أفرطت تلك الحكومات في الاقتراض داخليا وخارجيا كي تنفق على منح الشعب اليوناني نمط حياة يقترب من نمط الحياة المترف في أوروبا، والدكتور مازن خوري شاهد على وجه واحد على الأقل من وجوه هذا الإنفاق فأي مواطن يوناني يستطيع التمتع بأرفع درجات الرعاية الصحية وتجرى له أعقد عمليات القلب المفتوح وتغيير الشرايين مجانا، لكن هل نستطيع حقا لوم حكومات اليونان لأنها أنفقت هذا المال الوفير على الشعب أم أننا ينبغي أن نحسد اليونانيين الذين تمتعوا لعقود بحكومات تهتم بهم حقا وبأثرياء كأوناسيس يخدمون مجتمعهم؟

مازن خوري: سنة 1993 كانوا خلص هذا المستشفى وكانت عاملته مؤسسة أوناسيس فاونديشن وكانت بدها تشغله، الدولة وقتها كانت تغيرت الحكومة وصار الحزب الاشتراكي وأصدروا قانونا أنه ممنوع عمل مستشفيات خاصة جديدة في الدولة فأوناسيس فاونديشن أهدت المستشفى هذا للدولة وصاروا يدوروا على ناس حتى يبلشوا المستشفى من الصفر، اللي قبلوا التحدي كنت أنا والدكتور ميخايلوس اللي كنا نشتغل مع بعض كنا شراكة في المستشفيات الخاصة وقبلنا أنه نبلش مستشفى مركز قلب، أكبر مركز قلب في الدولة نبلشه إحنا من الصفر نرتب كل شيء فيه، فسنة 1993 عملنا أول عملية قلب في هذا المستشفى كنت أنا والدكتور ميخايلوس وطبعا كان الكل خائفا بلشنا مستشفى جديد وفي مشاكل لكن لحسن الحظ الأمور مشيت بسرعة وبشكل جيد وكانت النتائج ممتازة ونسبة المضاعفات واطية جدا من أوطى المستويات في العالم كله، بلشنا نشتغل أطفال وبعدين بلشنا نعمل زراعة قلب وبعدين بلشنا نعمل قلب اصطناعي وكان كل شيء يصير جديد في أي مكان في أنحاء العالم بالطيارة نطلع نشوفه ونطبقه ثاني يوم. أحد الـ Innovation الجديد في الجراحة هي صارت زراعة الصمامات عن طريق شريان الفخذ أو عن طريق شريان من اليد، رحت دورتين على ألمانيا وعلى فرنسا شفت كيف، لسه كان في مجال البحث كله طبعا، كيف الموضوع كله وبلشنا قبل سنتين الـ project لصنع صمامات عن طريق شريان الفخذ أو عن طريق شريان اليد أو عن طريق.. وصلنا حوالي مائتي حالة لحد الآن خلال هدول السنتين، طبعا كله هذا كانت أول عمليات بتصير في اليونان ومن أوائل المراكز اللي بتصير في أوروبا. أنا من مواليد مدينة إربد عام 1953، أيام الطفولة كنا عشنا في مخيم أو في منطقة الـ ABC في صحراء الأردن الشمالية في مدينة المفرق حيث كان والدي يعمل مع شركة الـ ABC كمحاسب للشركة ومسؤول عن الإدارة المالية في منطقة المفرق والـ H4 والأزرق، وأول دراستي الابتدائية كانت في مدرسة الـ ABC اللي هي كانت مدرسة إنجليزية مختلطة، كان فيها التمهيدي والبستان والأول والثاني والثالث والرابع الابتدائي، بعد إغلاق الشركة المفاجئ انتقلنا إلى مدينة إربد، الوالد اضطر يفتح محلا تجاريا ما كان في مجال للعمل بشيء آخر تلك الأيام ودخلت مدرسة عمار بن ياسر الاعدادية وبعد ذلك مدرسة الأمير حسن الثانوية في إربد وبعدين مدرسة الثانوية على التل في مدينة إربد. أنا كنت أحب الطب لأنه من صغري كمان برضه كانت الوالدة تضلها تحط في رأسي لازم طب أدرس الطب والطب كويس لكن أنا من البداية كانت فكرة الطب فكرة تحرر، فكرة تحرر لأنه بتعطيك الإمكانية أنك تسافر وين ما كان تشتغل وين ما كان، إذا تغيرت الظروف في دولة وتضطر تروح لدولة ثانية ممكن تعيش من هذه المهنة بينما بمهن ثانية صعب أنك تتغير وتتقبل قدرك وما ممكن تغيره، أنا دائما كنت أحب أن يكون في يدي أستطيع أن أغير قدري، كنت أعتقد أن الطب بيعطيك منصبا اجتماعيا منصبا محترما، احترام لنفسك، الإمكانية أنك تساعد وتقدم، الإمكانية أنك تتطور لأن علم الطب علم يتطور يوميا ويتغير كل سنتين يتغير نهائيا.

المعلق: اختار جراح القلب الأردني اليوناني مازن خوري لنفسه هذه المهنة النبيلة الشاقة منذ طفولته إذاً ولكنه لم يكن يرغب يوما في أن يكون طبيبا عاديا، أراد أن يكون الأول كما اعتاد في سني دراسته، رفضته كليات الطب في مصر والعراق وسوريا أو هو الذي رفضها لأنها أرادت منه انتماء سياسيا بعينه، قبل في اليونان طالبا يظن أنه قليل الحظ في النجاح ناهيك عن التفوق لأنه لا يعرف اللغة ولأنه قبل ذلك آت من بلاد العرب البدائيين الذين لا يتوقع منهم الكثير في مجال العلوم، ومنذ عامه الأول في اليونان ثأر مازن خوري لنفسه ولنا.

مازن خوري: اليونان كانت آخر ما كنت أفكر فيه، الظروف السياسية والمعيشية في الأردن بين فترة الـ 1967 والـ 1970 كانت قاسية جدا، أنا كنت مقدم طبعا توجيهي وكنت من أوائل المملكة على رغم الصعوبات والظروف الصعبة اللي كنا نمر فيها في إربد والدولة كانت تعطينا بعثات للدول الشرقية روسيا وبلغاريا أي مكان، الوالد ما رضي يوديني على هذه الدول خوفا من أنه لما أرجع مش رح أجد مكانا للعمل لا في الدول العربية ولا في أي مكان آخر لأنه في تلك الأيام كانت روسيا وبلغاريا دولا شيوعية واشتراكية وكنت عندما تعود من تلك الدول عليك الصبغة أنه أنت خطر على أي دولة، سنحت الفرصة أن اليونان قبلت بتلك الفترة عددا كبيرا من الطلاب العرب خاصة الأردنيين والفلسطينيين في جامعاتها بعد ظروف الحرب الأهلية في الأردن ولحسن الصدفة كان لي أقرباء أولاد عم يدرسون في اليونان فالقرار كان أن أبدأ في اليونان ونشوف. المجتمع اليوناني نفسيا وقلبيا وروحيا يميل للشرق، اقتصاديا وسياسيا هو في المنظومة الغربية ومع ذلك الشعب اليوناني بداخله وفي قلبه يشعر شعورا شرقيا ولا زال عندهم في عائلة مش زي يعني في أميركا أو في بريطانيا اللي عمره 16 سنة طلع من بيته وما له علاقة بأهله، هون بيظل عمره أربعين سنة وبعده عند الماما والبابا يعني في البيت وما بيعيش بدونهم وهو ما بيعيش بدونهم. زوجتي أفروديتي أو بيسموها تتيكا، هي خريجة كلية الفنون الجميلة في جامعة أثينا وتخصصها الرسم، ومع أنها ما مشيت بالرسم كمهنة، بتتسلى، بس لها علاقة بالشغلات الحسية والفنية والجمالية والرسمية وبتحب الشغلات. والولد الوحيد هو جورج، أنهى درسته في أثينا وبعدين ذهب إلى بريطانيا، برايتون هدرسفيلد حيث درس هندسة معمارية، هو يعمل بشركة الـ CCC وهي شركة عربية Consildot Construction Company هو العلاقات أكثر أوروبية أكثر منها عربية لأنه هو عاش وكبر هون ما كان يسمع إلا يوناني وبعدين راح على بريطانيا وما كان يسمع غير إنجليزي فهو أوروبي أكثر من أنه شرقي.

[فاصل إعلاني]

الطبيب الحكيم.. بين العمل والهوايات

مازن خوري: بعدما أنهيت دراسة الطب في اليونان بامتياز عدت إلى الأردن لأعمل في مستشفيات الدولة لسنة الامتياز وهي سنة تدريبية بعد إنهاء الطب، عملت في مستشفى عجلون وهو كان مستشفى تابع للإرسالية الأميركية ومعترف به من الدولة الأردنية، قدمت امتحانات الـ ECFMG لأميركا وكان الهدف أنه أطلع على أميركا أتخصص ونجحت في الامتحان وقبلت في الجامعة، بتلك الفترة حصل اختطاف طائرات وفجأة السفارة الأميركية ألغت كل فيزنا فكانت الفرصة موجودة هون في أثينا فحتى ما أضيع الفرصة ما تضيع علي السنة ذهبت إلى اليونان وبلشت التخصص في مستشفى حكومي في قسم الجراحة العامة وجراحة الأوعية الدموية، عملت في هذه المستشفى أربع سنوات وحطيت برضه طلبات حتى أبدأ في جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية وكانت مدة التخصص كمان أربع سنوات، برضه قدمت وأخذت البورد اليوناني لجراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية، طلبوا مني أنه برضه في الأردن أقدم امتحانا للبورد الأردني فسنة 1986 نزلت على الأردن عملت امتحانات التخصص اللي هي البورد جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية وطلبوا مني أن أنزل أشتغل في الأردن، أخذت العمل في مستشفى البشير وكنت رئيس قسم جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية في البشير، عملت أربع سنوات. في الأردن كان في وقتها أزمة اقتصادية والرواتب كانت واطية جدا ولسه التخصص والعمل في القطاع الخاص لسه كان.. ما كان في لسه، فالراتب في الأردن مع أني أنا كنت عندي ثلاثة تخصصات وكنت رئيس قسم كان الراتب لا يكفي حتى لأجار البيت فحصل أنه وقعت الدولة اليونانية تعاقدا مع كل المستشفيات الخاصة في أثينا وفي فارونيل أن الدولة تغطي نفقات جراحة القلب للمرضى المؤمنين في الدولة في المستشفيات الخاصة فاتصلوا بي من المستشفيات الخاصة في أثينا أنه تعاقدنا مع الدولة على أساس نعمل عمليات القلب المفتوح في المستشفيات الخاصة فإذا بتحب رح يكون في شغل كثير والدخل رح يكون ممتازا جدا، فطلبت إجازة بدون راتب من المستشفى حتى أعمل على الأقل سنة أو سنتين في أثينا لزيادة الدخل.

المعلق: ما يزال اليونانيون المحدثون يطلقون على الطبيب اسما يقربه من معاني الحكمة والفلسفة وهم لا يتوقعون من الطبيب الحكيم أقل من أن يكون وفيا لمهنته المزدوجة طبا وحكمة وهو شرط صعب لممارسة الطب بنجاح في اليونان ولكنه كان سهلا على الدكتور مازن خوري الأردني الذي تفتح وعيه والمأساة الفلسطينية على مرمى حجر فتبلورت داخله فلسفة متكاملة محورها المراهنة على انتصار الإنسانية وهدفها التخفيف من عذابات البشر بأي وسيلة وفي كل وقت وإذا أضفنا لذلك مهارته الجراحية الفائقة التي يشهد لها كبار أطباء العالم عرفنا السر الذي يجعل مرضاه اليونانيين يعتبرونه حفيدا مباشرا لأبي الطب أبقراط ليكون مازن خوري ابن إربد الحفيد الأردني الوحيد للطبيب اليوناني العبقري القديم.

مازن خوري: أنا أعمل كمدير مشارك، إحنا اثنان مدراء في مركز القلب اللي هو أوناسيس.. مركز يعمل حوالي ألفي عملية قلب مفتوح سنويا وفي القثطرة بيعمل حوالي سبعة ثمانية آلاف حالة برضه سنويا وإحنا بنستقبل كمان حتى مرضى غير مؤمنين مرضى من دول البلقان بدون حتى دفع من ألبانيا من صربيا من البوسنة من كل المناطق هذه وحتى من قبائل الغجر كلهم بيتلقوا العلاج هون مجانا، طبعا هذا بيساعدنا على أن نعمل ونشتغل على أساس علمي بحت بدون النظر إلى الربح المادي للمستشفى، ما عنا هيك مشكلة. وكوني عربيا لا أعتقد أنه حاجز، هو حافز لأنه لما تكون أنت في دولة أجنبية حتى تستطيع أنك تتنافس مع أندادك لازم تبذل مجهودا مضاعفا ولازم قدراتك تكون أعلى وإمكانياتك أعلى وتكون تصل لدرجة أنه لا يمكن يستغنوا عنك حتى تستطيع أنك تتنافس على المناصب العليا وهذا بحد ذاته حافزا يعني أنت زي تمشي في سيارة ومضطر تمرق عن الكل ما بدك تخلي واحد يتدارك، بدك تمشي other ways الفرص حتى لو كانت متساوية هي ليست متساوية لما تكون أجنبيا في بلد، حتى لو أنت كنت تعتبر نفسك مش أجنبي لأنك عشت سنوات طويلة وبتعرف كل شيء وما بتعتبر نفسك أجنبيا بس هذا موجود في كل المجتمعات يعني حتى في عائلتك وفي دولتك وفي مدينتك إلا يكون في الظروف أصعب لك لما تكون خارج دائرتك. أنا كان عندي هوايات كثيرة جدا جدا، كلما عم تمرق الأيام كل ما عم يكبر الواحد كلما كانت متطلبات العمل أكثر كلما صار الوقت لممارسة الهوايات أقل وأقل وأقل، أنا من طفولتي كنت في الطوابع عندي طوابع كثيرة وهلق في عندي مجموعة كويسة، الموسيقى، القراءة كنت يوميا على الأقل أخلص كتابا، غير هيك أنا طبعا أي شيء له علاقة بالبحر أعشقه طبعا هذا ممارسته بتصير بالصيف، الشيء الثاني المشي يعني خليني أمشي بالغابات وبالجبال وعلى شطوط الأنهار ساعات لا أمل، أحب أعيش في الطبيعة يعني وأنا أحد الأسباب أني تركت مركز المدينة أنا في المدينة عنا شقتين بيتين في وسط البلد كنا عايشين هناك بس صارت الحياة متعبة هناك الضجة وحركة وضوء فأحبيت في يوم من الأيام أنه يصير عندي بيت على أطراف المدينة أعمره ويكون عندي حديقة ويكون عندي شجر أبلش فيه ويكون عندي ورد ويكون في عندي عصافير ويكون عندي في بركة ويكون عندي في هدوء. هو لا شك يوم من الأيام يعني رح تكون حتمية العودة، متى وأين وكيف في الوقت الحاضر لا أعرف لأنه أنا الآن عندي من سنة 1977 علاقات بشركات التأمين وبالتقاعد ومركزي في المجتمع هلق عالي جدا على أعلى المستويات، علاقاتي الاجتماعية على أعلى المستويات، علاقاتي بالدولة مستوى عالي جدا فمو بسهولة بتقدر تترك كل الأمور هذه وترجع تبلش من أول وجديد. طبعا أنا كل سنة أرجع الأردن وكل سنة أروح على عمان مرة مرتين وكل سنة أشارك في المؤتمرات الطبية اللي بتصير في الأردن وكل سنة مع جمعية اليونانيين في عمان ننظم مؤتمرا طبيا أردنيا يونانيا ومنجيب معنا من اليونان حوالي 250، 300 شخص سنويا بينزلوا معنا وبيشوفوا كل الأردن وآثارها ومجتمعها ووضعها السياسي ووضعها الاقتصادي وبيرجعوا بيعطوا فكرة ممتازة عن المنطقة العربية بشكل عام وعن الأردن بشكل خاص وعن أهل البلاد وعلاقاتي موجودة، يوم من الأيام لا بد من العودة.

المعلق: هذا الرجل عضو في 17 منظمة عالمية طبية وله أكثر من مائتي بحث ومقال عن جراحة القلب وله مشاركات مشهودة في علم المؤتمرات الجراحية العالمية منها ثلاث عمليات رائدة أجراها ونقلت مباشرة من غرف العمليات إلى قاعات المؤتمرات، ولكن هذا كله لا يهم مرضاه أكثر من اهتمامهم بأنه طبيب قلوب يملك قلبا ينصت إليهم ويظل إلى جوارهم حين يحتاجونه ويبتسم له ابتسامة دافئة كشمس الأردن، ولعلنا نحصل منه على نصيحة نحافظ بها على قلوبنا المثقلة فوصفة صحة القلب إذاً تأتيكم عمليا من طبيب القلوب الأشهر في اليونان مازن خوري، اطرحوا المرارة جانبا تنجو قلوبكم من الأوجاع وتحافظ على شبابها.