- دوافع الهجرة من المغرب إلى إسبانيا
- مسيرة الدفاع عن حقوق الإنسان مستمرة

دوافع الهجرة من المغرب إلى إسبانيا

عبد الحميد البجوقي
عبد الحميد البجوقي: حياتي هنا كانت دائما، أنا جاي من 24 سنة في هذا البيت لأنه كان ثمنه رخيصا فكان منعزلا ما كانش وسائل النقل ما كانش الحافلات تقريبا لا تصل إلى هنا كانت، بقية الطريق أقطعها على الأقدام، لكن مقابل أجر الكراء كان ضئيلا جدا بمستوى لاجئ. هذا هو الـ.. الآن كبرت المدينة وعدد المواطنين بشكل عام يمكن يكون تقريبا ثلاثمائة ألف، عدد السكان، من المهاجرين ممكن يكون هناك ما يزيد عن ستة آلاف، سبعة آلاف إلى غاية عشرة آلاف مهاجر مغربي بالإضافة إلى مهاجرين مسلمين من السنغال من مالي من دول أخرى، أما لما وصلت أنا في 1984 تسجلت في البلدية، أخذت شهادة السكنى، كنت سابع مهاجر يتسجل في البلدية، من خلال الشهادة اكتشفت أنه إحنا كنا سبعة مهاجرين في كل القرية، ما كنت أعرفهم طبعا.

المعلق: من بين حوالي 3,5 مليون مهاجر مغربي في العالم حاليا هناك ستمائة ألف في إسبانيا غادروا وطنهم في أغلب الأحوال بحثا عن رزق أوسع، ولكن فيهم من فر من قمع النظام وضيق صدره بالاختلاف السياسي معه وخصوصا في الثمانينيات التي حكم فيها القضاء المغربي غيابيا على الشاب عبد الحميد البجوقي بالسجن ثلاثين عاما بتهمة الاشتراك  في انتفاضة عام 1984 بمراكش رغم أنه أثبت أنه كان مقيما بالرباط خلال أحداثها، لم يكن أمامه إلا الفرار من وجه حكم عبثي كهذا وكانت إسبانيا الملاذ المنطقي لابن مدينة مارتيل التطوانية التي صبغها الاحتلال الإسباني الطويل بصبغته الثقافية، وكان على البجوقي أن يبدأ في مدريد من الصفر.

عبد الحميد البجوقي: المغرب كان مستعمرا ومقسما أو ما كان يسمى بالحماية إلى منطقتين، منطقة الحماية أو الاستعمار الفرنسي ومنطقة الحماية أو الاستعمار الإسباني وتطوان كانت عاصمة المستعمرة الإسبانية أو الحماية الإسبانية فكان وجود إسباني قوي حضور إسباني قوي سواء بالجنود أو بالمسؤولين أو بالشعب المواطنين، كان كذلك استعمارا فقيرا فكان يختلط بالشعب أكثر من الاستعمار الفرنسي الذي كان نوعا ما غنيا، وكذلك القرب الجغرافي، المنطقة منطقة حدودية مع إسبانيا فكل الأخبار سواء تعلقت بالرياضة بالكرة بالتلفزيون بالراديو كانت تنقل إلى المغرب وإلى شمال المغرب مباشرة، كان المواطن من المنطقة يتابع أخبار إسبانيا ويتفاعل معها بالإضافة إلى منطقة حدودية منطقة تبادل تجاري خروج ودخول مستمر، هذه هي العلاقة مع إسبانيا. درست الحقوق بكلية الحقوق جامعة محمد الخامس بالرباط، وبعدها لما هربت لاجئا إلى إسبانيا التحقت من جديد بكلية الحقوق لاكوبلوتنسه بمدريد وتابعت دراسة الحقوق بهذه المدينة بمدريد في جامعة لاكوبلوتنسه. والله انخراطي بالعمل السياسي بدأ تقريبا مع دخولي إلى الجامعة أو قبل شوية بسنة أو سنتين أثناء المرحلة التلامذية، كنت مرتبطا نوعا ما بنقابة كانت محظورة اسمها النقابة الوطنية للتلاميذ بالمغرب وبعدها التحقت بالجامعة فالتحقت بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كانت نقابة قوية وكانت نقابة في المواجهة في مقدمة المواجهة مع النظام المغربي آنذاك للمطالبة بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان إلى غير ذلك، وتحملت مسؤولية الكتابة العامة لهذه النقابة في كلية الحقوق بالرباط، كنت مسؤولا عن أحد الإضرابات المعروفة إضراب 1982 في هذه الكلية بالخصوص. وبعد التحاقي بالنقابة كان التحاقي بصفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كحزب معارض آنذاك وبعدها انخرطت في الجناح اليساري للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو ما كان يعرف بتيار رفاق الشهداء. ظروف مغادرتي المغرب هي ظروف كل الذين غادروا المغرب في السبعينيات والثمانينيات، كل نشطاء العمل الحقوقي كل من كان يزاول ويمارس السياسة من موقع المعارضة من موقع المطالبة بدمقرطة النظام بتغيرات جذرية داخل البلد كانوا يتعرضون إما للاعتقال وإما يضطرون للاغتراب، فكنا متابعين ونشاطاتنا كانت متابعة ولما تحصل أي حالة تستحق تدخل الدولة للقمع نكون في أول اللائحة ولو لم نشارك، وهذا ما حصل في 1984. 1984 منطقة الشمال، تطوان، الناضور، الحسيمة وكذلك مراكش -ولو أنها في منطقة الجنوب- عرفت تدهورات وأحداث ما سمي بانتفاضة 1984 التي ذهب ضحية لها العديد من المواطنين والمواطنات وتدخل الجيش لقمعها وأثناء ذلك أنا كنت في مدينة الرباط أهيئ للامتحانات ومع ذلك كنت في لائحة المتابعين، رفاقي أغلبهم اعتقلوا وحكموا بالسجن أحكاما قاسية كانت أحكام وصلت إلى عشرين سنة بالنسبة لأغلب الذين كانوا في هذه اللوائح ولو لم يشاركوا في التظاهرة أو في الانتفاضة بشكل مباشر، ونحن يعني خمسة أو ستة أعتقد حكمنا غيابيا وحكمت وكان نصيبي من الحكم ثلاثين سنة غيابية. قبل صدور الحكم بمدة غادرت المغرب في اتجاه إسبانيا، هربت بطريقة سرية عبر الحدود ووصلت إلى إسبانيا من طبيعة الحال، مشكلتي الأساسية ما كان عندي أكثر من ألف أو ألفي بسيطة يعني ما يعادل لا شيء، عشرين أورو في ذلك التاريخ، فبعد الوصول إلى مدريد كانت المسألة الأساسية هي البحث عن شيء يأكله الإنسان ومكان ينام فيه، وكان نصيبنا أن نمنا في أنفاق المترو في المرحلة الأولى، طبعا بعد شهر أو 15 يوما والاتصال بلاجئين كانوا في وضعية مشابهة لنا من دول أخرى، أميركا اللاتينية بالخصوص، فهمنا أنه يجب أن نضع طلبا أمام وزارة الداخلية وفي مركز الشرطة بالخصوص وذلك ما فعلنا.

المعلق: حينما تولى الملك الشاب محمد السادس حكم المغرب معلنا مع بدايات الألفية الجديدة طي صفحة الماضي الأليم والعفو عن معارضي النظام مسقطا الأحكام الجائرة التي صدرت بحقهم سارع عبد الحميد البجوقي بالعودة لوطنه بعد 16 عاما من الإقامة المتصلة في إسبانيا، وحينما وطئ ثرى وطنه مصحوبا بتاريخه النبيل في الدفاع عن حقوق المهاجرين المغربيين إلى إسبانيا وحينما عاين الاستقبال العاطفي الحافل له قال لنفسه إنه غادر المغرب وله وطن واحد وها هو يعود إليه وله وطنان. لا مجال إذاً لسؤال البجوقي عن مصاعب الغربة إذ إنه بعد كل تلك السنين في إسبانيا المضيافة لم يعد غريبا فيها.

عبد الحميد البجوقي: تأسيس الجمعيات كان حاجة للدفاع عن النفس وللدفاع عن مصالحنا كمهاجرين وبالدرجة الأولى في تلك المرحلة كلاجئين، نسبة المهاجرين كانت قليلة في إسبانيا، لاجئين من كل الدول، أول ما أسسناه في تلك المرحلة جمعية الدفاع عن اللاجئين بإسبانيا وكان فيها من جنسيات متعددة، كنت تحملت في ذلك التاريخ نيابة رئاسة تلك الجمعية، لكن كذلك قبل أن نؤسس الجمعيات بحثنا عن المأكل والمشرب، عن الخبز، عن العمل، ما كانت في ذلك التاريخ مساعدات بإسبانيا للاجئين، إسبانيا كانت لم تصدر في ذلك الوقت في 1984 القانون المتعلق باللاجئين اللي صدر في 1985 لاحقا، فكان علينا أن نبحث بكل وسيلة عن لقمة الخبز. انخراطي في العمل دعاني أو أودى بي إلى الاشتغال فيما هو نقابي فالتحقت بنقابة اشتراكية نقابة الاتحاد العام للعمال الإسبان، وقبلها أسسنا جمعية الدفاع عن اللاجئين وبعدها أسسنا جمعية المهاجرين المغاربة بإسبانيا والتي انقسمت إلى قسمين وخرجت منها جمعية العمال والمهاجرين المغاربة بإسبانيا، هذا بالإضافة إلى نشاطات متعددة باعتبار تجربتنا السياسية كلاجئين سياسيين طالعين من المغرب من نشاط سياسي معين فكان نشاط وعلاقات مع مجموعة من الأحزاب في ذلك التاريخ كانت لنا علاقة مع الحزب الاشتراكي الإسباني والحزب الشيوعي الذي تحول إلى حزب اليسار الموحد في إسبانيا حاليا، هذه هي الجمعية التي أسسناها في البداية إلى أن وصلنا في سنة 1989 إلى تأسيس جمعية العمال والمهاجرين المغاربة بإسبانيا التي في هذه السنة تقفل سنتها العشرين.



[فاصل إعلاني]

مسيرة الدفاع عن حقوق الإنسان مستمرة

المعلق: لا يستطيع رجل تجري السياسة في دمه كعبد الحميد البجوقي أن يكف عن ممارستها حتى وإن اضطر لمغادرة وطنه، وكان اشتراكه في تأسيس حركة الاشتراكيين الديمقراطيين المغاربة في إسبانيا الذي انتخب أمينا عاما لها عام 2003 دليلا حيا على دأبه وصلابة معدنه وعلى تشبثه بحلمه النبيل بمغرب ديمقراطي وعادل ومزدهر، ولكن البجوقي ليس سياسيا فقط، إنه معدود أيضا من بين أبرز الناشطين في أوروبا في مجال حقوق الإنسان، وابن تطوان يمزج وجهيه هذين معا ببراعة السحرة المغاربة.

عبد الحميد البجوقي: جمعية العمال والمهاجرين التي كان لي شرف المشاركة أو المساهمة في تأسيسها ورئاستها لمدة 12 سنة إلى غاية 2002 جمعية أولا توسعت بشكل كبير وسط الجالية المغربية، من أقوى وأكبر الجمعيات المنظمة بشكل مؤسساتي، تشتغل بشكل مؤسساتي حيث وصل عدد منخرطيها سنة 2002 لما تركت الرئاسة أنا إلى ما يقرب عن 14 ألف منخرط، الآن لها ربما أكثر ولها ما يقرب عن 14 أو 15 فرعا على مستوى كل إسبانيا. في البداية كان العمل من أجل تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، محاربة العنصرية ضد المهاجرين المغاربة وغير المغاربة، الدفاع عن حقوقهم العمالية، ربطهم بالنقابات الإسبانية من أجل الدفاع عن الحقوق النقابية، مساعدتهم للاندماج، المساعدة في التعريف بثقافتهم، تعليم العربية للأطفال أو لغات دول الأصل، العمل على تقديم الخدمات الاجتماعية، البحث عن السكن، كذلك الجمعية وصلت أن لها دور لإيواء القاصرين الذين يصلون إلى إسبانيا بدون آبائهم ما يسمى بهجرة القاصرين، كانت من الجمعيات الأوائل التي أسست دورا مخصصة كذلك لإيواء النساء المعرضات للتعذيب أو للتعنيف من طرف أزواجهن، دور مخصصة لنساء مسلمات بالدرجة الأولى فكانت من الجمعيات الأوائل التي خصصت دورا لهذا النوع، وكانت كذلك لها دور تعبوي، تأطيري، جمعية أطّرت مظاهرات في الشوارع واعتصامات، أتذكر على أننا أطرنا ما يقرب على خمسة أو ستة اعتصامات في المرحلة التي كنت فيها رئيسا احتجاجا على القوانين المجحفة على القوانين العنصرية، وكذلك كانت دائما جمعية مرتبطة بخرق حقوق الإنسان في المغرب وبالوضعية السياسية في المغرب وخصوصا وضعية الحريات العامة فكانت من الجمعيات التي أطرت مظاهرات أمام السفارة المغربية وبمناسبة حضور المسؤولين المغاربة إلى إسبانيا بشكل قوي وثابت وعرّفت بهذه الخروقات خارج المغرب. الجمعية أولا شاركت في تأسيس أول منتدى للمنظمات الخدماتية في إسبانيا اللي هو منتدى يتكون من تسع منظمات، من هذه المنظمات جمعية العمال والمهاجرين المغاربة بإسبانيا، وفي ذلك التاريخ وقعت إلى جانب هذه المنظمات اتفاقية مع الدولة الإسبانية وكان أول اتفاق حققته الجمعية إلى جانب هذه المنظمات من أجل خصم جزء من الضرائب لصالح الخدمات الاجتماعية، سابقا الخصم من الضرائب كان فقط لصالح الكنيسة ولم يكن لصالح الخدمات الاجتماعية فتحول بموجب ذلك الاتفاق إلى حرية المواطن في أن يوقع تصريحه الضريبي بخصم 5% لصالح الكنيسة أو لصالح الخدمات الاجتماعية، الجمعية ساهمت بشكل قوي في فتح نقاش حول قانون الأجانب لسنة 1987، كان قانونا مجحفا كان قانونا عنصريا كان قانونا يحرم المواطنين المهاجرين من أبسط حقوقهم الأساسية فكان الطعن أمام المحكمة الدستورية في بعض فصول هذا القانون وربحناه في ذلك التاريخ إلى جانب منظمات أخرى، وكذلك فرضنا بالضغط إلى جانب المنظمات النقابية على الحكومة الاشتراكية أولا وبعدها الحكومة اليمينية على تغيير نصوص القانون فصدر قانون 4- 2000  الذي كان قانون أحسن بكثير من القانون السابق، وإنجازات أخرى متعددة يصعب تعدادها واحدة واحدة، هذه عشرين سنة من العمل المتواصل كجمعية. أنا الآن مسؤول على مؤسسات تابعة لجمعية العمال والمهاجرين المغاربة في إسبانيا اللي هي الشبكة الأورومتوسطية للتعاون والتنمية، من المسائل الأساسية والمهمة والمثيرة في تاريخ هذه الجمعية أنها جمعية اهتمت بمصالح الهجرة والمهاجرين ولم تقطع اهتمامها وعلاقتها وتواصلها مع المغرب ومع مشاكل المغرب، فأسست درعا للتنمية، للتعاون والتنمية وهذا الدرع يعمل في إنجاز مشاريع وبرامج تنموية داخل المغرب، الجمعية من خلال هذا الدرع استطعنا أن نسيج مجموعة من المدارس في مناطق وجهات متعددة من المغرب وأهمها الجهة الشمالية التي كانت تعاني فقرا واضحا في تلك المرحلة أكثر من الجهات الأخرى بالمغرب، أسسنا وبنينا مستشفيات بمساهمة المهاجرين وبمساهمة موارد ومصادر أخرى من الوحدة الأوروبية، ومستوصفات، زودنا وأسسنا شبكات للماء لقرى صغيرة نائية كانت محرومة من الماء وكانت تقطع الأميال والأميال للبحث عن الماء فهذا الدرع الأساسي الذي يؤكد مدى استمرار اهتمام الجمعية والهجرة بشكل عام بوطنها الأصل حاولنا أن نمارسه بشكل عصري بشكل حداثي بشكل متطور وهذا ما نجحنا فيه بدون شك لأن الأصداء والواقع يثبت أن نجاحنا كان باهرا على هذا المستوى. ظروف العودة كان لها علاقة بوفاة الملك الحسن الثاني وصعود الملك محمد السادس إلى السلطة إلى العرش فكانت بداية مرحلة جديدة، وشخصيا إلى جانب مجموعة من اللاجئين التقطنا إشارة واضحة من طرف الملك الجديد أن هناك مرحلة جديدة يجب أن نساهم جميعا في بناء المغرب، وكان هناك شعوران، الشعور الأول غريب وعجيب في نظري لأنه شعور المغادرة من إسبانيا يعني بعد 16 سنة في إسبانيا، نحن بشر، الإنسان كونته مشاعر وعواطف جديدة وعالم جديد، فرغم ارتباطي المستمر بالمغرب على مستوى الخبر وعلى مستوى التواصل وعلى مستوى العلاقة التفكير في كوني سأعود اليوم أعادني إلى 16 سنة لما كنت أغادر المغرب نحو إسبانيا نحو المجهول، لكنني عدت ولما وصلت إلى المغرب كنت مشدوها، حسيت كأنني أطير، كان ميناء طنجة مغلقا للعموم، أعتقد أن السلطات أغلقته للعموم، كان عدد غفير، عدد كثير يمكن خمسمائة -ميناء صغير- خمسمائة واحد في الميناء بين النساء والرجال والزغاريد، المشهد اللي أثارني وأجهشت بكاء لما وصلت أنني رأيت في وسط القاعة أمي وهي -رحمها الله- وهي تحمل ورودا في يدها في انتظاري، لكنها على عكس ما كنت أنا باكيا كانت ضاحكة ومبتسمة، تستقبل الحياة بحضوري وكذلك استقبلت الحياة بحضورها وبوجودها، هذا كان المشهد الذي أثارني بقوة، بقوة، بالإضافة إلى عدد الأصدقاء والإخوان الذين وجدتهم في الميناء، فاجأني أكثر أنني لما رحت إلى البادية لزيارة أقارب في البادية وأصدقاء وجدنا عددا غفيرا، أكثر من ألفين أعتقد أو أكثر  في انتظارنا بالزغاريد وبالرقص وبالاحتفالات فشعرت على أنه قد حصلت على تعويضي من هذه التضحيات. وهناك من حصل على تعويض مادي بعد تأسيس لجنة المصالحة في المغرب وتعويض الضحايا ماديا، أنا كنت من الذين رفضوا تقديم طلب التعويضات المادية لأن تعويضي المادي حصلت عليه في اعتراف الإنسان المغربي البدوي المواطن بهذه التضحيات من خلال عملية الاستقبال والاحتفال التي وصلت إلى داخل قلوبنا لأنه كان يرافقني إخوان آخرون في هذه العودة. والله معاناة المغترب تختلف عن معاناة المعتقل، المعتقل يعتقل داخل الوطن ويعاني في زنزانة، المغترب له حظ ألا يعيش في الزنزانة المقيتة التي يعرفها المعتقل ويعرفها أي شخص ويهابها لكنه يعيش بعيدا عن جزء من وجوده اللي هو الوطن، في الحالة دي أنا شخصيا كان من الضروري أن أستمر بهذه العلاقة مع الوطن وبعد العودة كان اهتمامي للانطلاق من جديد في العمل السياسي وخصوصا العمل الجماعي لأن العمل الجماعي داخل البلديات هو عمل قريب مباشر من المواطن، وترشحت للانتخابات الجماعية بـ 2003، نجحنا بشكل مفاجئ يعني كان نجاحا ليس نجاحا كبيرا ما حصلناش على الأغلبية لتشكيل مكتب المسير لكن حصلنا على القدرة على تأسيس فريق للمعارضة داخل البلدية ومارسنا العمل السياسي إلى يومنا هذا، إلى غاية هذا اليوم، ولا زلت أفكر أن أستمر في ممارسة عملي الجماعي داخل مديني الصغيرة التي ولدت فيها بل للوصول إلى مسؤولية سير المدينة وحينها أعتقد علي أن أطلق عملي بالمهجر وأن أعود لمباشرة هذه التجربة لعلنا نؤكد قدرتنا كذلك في التسيير داخل الوطن ما دام أننا خارج الوطن سيرنا مؤسسات كبرى واستطعنا أن نثبت أننا في مستوى على الأقل تسيير أو تسيير لا بأس به في أقل حالاته.

المعلق: هل لاحظتم أي عجمة في كلام الرجل؟ لا، إنه يتحدث عربية سليمة رغم ربع قرن في إسبانيا ورغم أنه صاحب ثلاثة كتب بالإسبانية تحلل العلاقة الملتبسة بين قطبي غرب المتوسط، الرجل الذي يمثل إسبانيا رسميا في اللجنة الأوروبية لمكافحة العنصرية واللا تسامح دون أن يحصل على الجنسية الإسبانية لم يقبل أن يتوج بهذا الشرف الفريد من نوعه إلا بعد أن تأكد أن اختياره لا يعود لأسباب انتخابية تافهة تستهدف تذويق المشاركة الإسبانية في تلك اللجنة الحقوقية القارية بوجه عربي، تأكد من ذلك في كل مرة يهاجم بشراسة فيها انحرافا حقوقيا ما للحكومة الإسبانية دون أن يؤدي ذلك لطرده من منصبه الدبلوماسي الرفيع. أوليه إسبانيا، أوليه البجوقي.