- مولود رساما
- "تطوان مهدي وإشبيلية بيتي"

مولود رساما

أحمد بن يسف
المعلق: قال حاكم إشبيلية ذات يوم شكرا لأحمد بن يسف لأنه اختار مدينتنا بيتا له، وهذا هو أقصى إطراء يمكن أن يحصل عليه مهاجر مثله مولود منتصف القرن الماضي في تطوان المغربية ويدرس يرسم ويعيش في إشبيلية البهية منذ أواخر الستينيات. أضاف بن يسف الكثير من الجمال للمدينة العريقة التي ما تزال وفية لروحها الأندلسية عبر سنين إقامته فيها والتي تجاوزت الأربعين وما من سلاح لديه إلا موهبته الفطرية المتدفقة ودافع داخلي لا يقهر لتعلم المهارات الفنية لتكتمل مهاراته التعبيرية، وتبدى تفوقه الفني منذ التحاقه بمدرسة الفنون بإشبيلية حينما حصد جوائز العام الدراسي الثلاث كلها دفعة واحدة حاصدا أيضا انبهار أساتذته وحسد زملائه.

أحمد بن يسف: الرسم هو أول لغة كتبت من ميلاد الإنسان إلى يومنا هذا فكان الإنسان الحجري يرسم على الجدران وعلى الكهوف مشروعه اليومي لعائلته وكان يعبر عن المرأة باللون الأصفر والرجل باللون الأحمر، فالرسم يعني ولد مع الإنسان. هذا الشيء يمكن أطبقه على نفسي، أنني ولدت رساما وأنني أحسست بهذا الميدان لما أحسست بوجودي في الحياة. لا أعرف أي لوحة أو أول لوحة رسمتها ولا أول عمل قمت به، كنت أرسم يعني أنا أتذكر كيف بدأت أتكلم ولا أتذكر كيف بدأت أرسم. قبل كل شيء كنت أشتغل بالألوان والأشكال بدون أي خضوع لموضوع، فمع المدة والتطورات الإنسانية والحياة بدأت أميل إلى الواقع التشخيصي فبقيت دائما داخل الاتجاه الكلاسيكي التشخيصي إلى أن نزلت إلى ما يسمى بالواقع الاجتماعي أو الواقعية الاجتماعية هي اللي كان يدخل فيها الاتجاه الانطباعي والتعبيري لكن تقنيتي الحالية تميل إلى الكلاسيكية أكثر وإلى الواقعية الاجتماعية أكثر ولكن المتلقي هو الذي يحكم على اللوحة لأن اللوحة.. هو طرف والفنان طرف ثاني، بدون يدين ما يمكن لك تصفق، بس اعمل هذا الصدى أنه ضروري من كفين، فالكف الأول هو الرسام والكف الثاني هو المتلقي، وأقول المتلقي لا أقول المشاهد، فرق كبير بين المتلقي والمشاهد، المشاهد هو شيء عابر والمتلقي هو الإنسان الذي يتمعن في اللوحة ويتعمق بالنظرة إليها. من حسن حظي لحد الآن لم أرسم أحسن لوحة في حياتي، دائما أشعر وأبتدئ في كل لوحة مع أملي أنها تكون أحسن لوحة ومن حسن حظي لم أصل إلى هذا التقييم. هذه اللوحة هي التعبير على الغارة التي قامت بها إسرائيل على غزة، على هذا العدو الإنساني ولهذا فإن الفنان يصبح موثقا وخصوصا لما الإنسان يكون عنده التزام، أنا التزامي بالفنون التشكيلية والألوان والأشكال وفي نفس الوقت القيم الإنسانية. هذه تشخص البراءة. لا يوجد وقت للخلق والإبداع، اللوحة تبتدئ وليس لها أي وقت محدد، مرارا وتكرارا أكون أشتغل في طرف من اللوحة صغير ولي صعوبات ولي حالات يعني لا أجد فيها مخرجا وأقضي تقريبا 15 و 20 يوما وأنا أشتغل في نفس المكان ولا يطلع شيء، فهناك أشياء اللي ألاقيها صعبة عليّ ويستعصي علي تسجيلها كأنني رسام آخر وآتي يوما وأعملها وأقوم بها وأحل المشكل في ثواني. اللوحة موجودة هناك معاملة بالفورصة تختلف على أي معاملة أخرى على حسب النموذج، فما يمكنش ترسم اليد بنفس المعاملة اللي ترسم القماش أو بنفس المعاملة اللي تمنح التفجرات، هذه الأشياء اللي هي ضروري معرفتها ولهذا كلما كنت تعرف تقنيات أكثر تكون عندك حرية التعبير أحسن.

المعلق: لهذا الشيخ إرادة من حديد، عاقبه أبوه مانعا المال عنه وتباطأت عليه منحة الحكومة لكنه واصل دراسته في مدرسة الفن الإشبيلية بلا طعام ولا مكان لائق للنوم إلا أريكة خشبية في الحديقة العامة حتى أشرف على الموت من البرد وسوء التغذية، ولكن عناده الفني النبيل رقق له قلب أبيه الذي أمده بقليل من المال وجعل الحكومة المغربية تمنحه البعثة الوحيدة لدراسة الفن في تاريخ المملكة المغربية حتى ذلك الحين، وما إن تحسنت أحواله المعيشية حتى وجدت لوحاته طريقها للسوق الفنية. أما النقلة الكبرى له فكانت حينما عرضت لوحاته في أهم متاحف إسبانيا ألبرادو وكان حينها أصغر فنان ينال هذا الشرف منذ تأسيس المتحف قبل مائتي سنة.

أحمد بن يسف: في هذه الحديقة عندي ذكريات لها علاقة بحياتي ومشواري الفني فكم من مرة نمت في هذه الحديقة وجلست فيها عدة أيام وأعتقد أنها شهور حتى أتت المنحة التي أخذتها من حكومة المملكة المغربية آنذاك سنة 1967. فمشوار الفنان بيكون يعني مليئا بالمتاعب والمشقات يعني لا يصل الواحد إلى أي مكان هكذا، فمرارا أن مجموعة من الإخوان يتهمونني بأنني محظوظ ولكن هذا الحظ أنا أبحث عليه يوميا، ولهذا أنا كلما أمر من هذا المكان أتذكر هذه العلاقة الحميمية التي عندي معه وفي نفس الوقت التعيسة آنذاك. آه، هذا مرسمي القديم الذي مكثت فيه أكثر من 35 سنة، من هنا طالعوا عدة معارض تقريبا في خمس قارات، هذا الصرح يحمل اسم ميسّون دلمورو يعني البيت العربي، فله تأثير كبير على حياتي الإنسانية والفنية ولهذا كلما كانت تتاح لي الفرصة أمر من هنا لأتذكر عدة أيام التي مررت بها في هذا المرسم والأعمال التي تدور في ذهني يوميا لما أمر من هذا الحي. يعني مجيئي ومكوثي في إشبيلية كان له عدة عوامل، العامل الأول أن إشبيلية كمدرسة تشكيلية واتجاه في الفنون التشكيلية كان له طابع كلاسيكي واحترافي أكثر من المدن الأخرى، والمدرسة الإشبيلية أو الأندلسية بالفنون التشكيلية معروفة في العالم، هذه واحدة من الأسباب. السبب الثاني أنه وقع معي نوع من الانسجام مع الشعب وأعتقد أنه مشكل ثقافي لأن القيم الأندلسية هي قيم عربية وثقافة عربية ويعني هي إشبيلية وإسبانيا كلها معروفة بالمنشورات السياحية للمآثر العربية، (كلمة أجنبية) ومسجد قرطبة وقصر الحمراء إلى آخره، فإسبانيا اليوم لما يحبوا يعملوا دعاية سياحية للخارج تكون كلها بالمآثر عربية، الأغلبية الساحقة، وختاما أقول لكم أنا لم أختر إشبيلية، هي إشبيلية اختارتني.

[فاصل إعلاني]

"تطوان مهدي وإشبيلية بيتي"



المعلق: حينما ينضج فنان أصيل مثل أحمد بن يسف فإنه يعيد اكتشاف إنسانيته مكتشفا أن الرابط الحقيقي الذي يشدنا إلى الآخرين من حولنا في العالم الرحب ليس اللغة ولا الدين ولا العرق ولا المواطنة بل هو الرابط الإنساني الذي يجعلنا نأسى للمقهورين ونتعاطف مع الفقراء المضطهدين ونصطف مع المظلومين. لوحات بن يسف تحررت الآن من تعقيدات مدارس الفن التشكيلي الحداثية وكل لوحة من لوحاته فيها سعي لمزيد من الارتباط بالناس والتعبير عنهم، وابن يسف يبهجه تخاطف الغربيين للوحاته الثمينة وبعضها قد وصل سعره ربع مليون يورو، لا ينغصه إلا تجاهل الإعلام العربي له، وهو يسأل سؤال مريرا ولكنه مشروع، قبل بث هذه الحلقة التلفزيونية عنه كم من الجمهور العربي سمع عنه؟

أحمد بن يسف: بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس فريق إشبيلية كلفني رئيس الفرقة بتصميم جدارية لتسجل الذكرى المئوية لفريق إشبيلية وهذا كان سنة 2003، فبعد الدراسات وبعد الأبحاث التي قمت بها -وأعطاني الحرية الكاملة للتصرف لا من ناحية الموضوع ولا من ناحية الموقع وهذا شيء يعني يشكر عليه- فقمت بعدة استعدادات وبعدة تسويدات أولية ومن التسويدات التي اختاروها اختاروا هذا الموضوع الذي هو داخل الثقافة التشكيلية الأندلسية، فقضيت في إنجازها تقريبا سنتين ونصف، وأعتقد، أعتقد كما يقولون هي أكبر جدارية في العالم على الخزف لأن خصوصية الخزف تختلف تماما عن الصباغة الزيتية أو الصباغة المائية لأنه لما تكون ترسم بالألوان يعني تقريبا تكون مطفأة بدون شعلة حتى دخولها إلى الفرن وخروجها من الفرن، لأنه لما تكون تكون ترسم ما تكونش الحقيقة تفرق بين الألوان لأن ألوان صباغة الخزف قبل دخوله على الفرن تكون تقريبا في نفس درجة الألوان وفي نفس اللون، ولهذا كان بالنسبة لي شرفا كبيرا ومسؤولية في نفس الوقت يعني كرسام وكمشترك بالفرقة لأنني من المشاركين في فرقة إشبيلية ومساهم معهم في الإدارة فكانت المسؤولية متضاعفة وبطبيعة الحال اليوم أنا أعتز بها لأنها هي معلمة مدنية في وسط المدينة وفي واجهة الملعب وهذا يشرف. فاختياري لهذا العمل لم يكن اختيارا يعني زبونيا أو صدقة، يكون اختيار قدرة ومعرفة وجدية ومواظبة في العمل لأن هذا ما يمكن يصل له الإنسان إلا بالجدية والمواظبة في العمل، إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. بسم الله الرحمن الرحيم، بطبيعة الحال بطاقة التعريف أنا أحمد بن يسف من مواليد مدينة تطوان شمال المغرب من الأب الحاج محمد بن يسف ورقية الصوردو رحمهما الله، بعد دراستي الابتدائية بالمعهد الحر والثانوية بالقاضي عياض التحقت بمدرسة الفنون الجملية بتطوان وبعدها سنة 1967 التحقت بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بإشبيلية. والدي، كانت العلاقة يعني كعلاقة أب مع ولد ورفض كان يزعله كثيرا وجودي أنا على هذه الوضعية، لأن المعاناة التي قضيتها في صراعه معي لأتخلى عن هذا الميدان جعلني أضاعف المجهود لأبين له ولأظهر له بأن هذا الميدان محترم كجميع الميادين، وهكذا بدأت الممارسة وكان هدفي من الدراسة هو معرفة التقنية والخصائص التي تحوم بهذا الميدان لأنه كان أملي أن أعيش من هذا الميدان ومن أجله وإليه، ولهذا سبب لي هذا الاتجاه عدة مشاكل في الحياة وهذه المشاكل عكست في عملي، يعني كما تعرفون أنني في حياتي الشخصية تزوجت ثلاث مرات، ولله الحمد أعتقد أنني أصبت في المرة الثالثة وكما يقولون في المغرب الثالثة.. أتمنى أن يكون هذا الزواج هو الزواج الأخير إن شاء الله.

آنا ماريا بيلاسكس/ زوجة أحمد بن يسف: تعرفت على أحمد هنا في إشبيلية عن طريق أصدقاء لنا، لأن حياتنا في تلك السنوات كانت مختلفة تماما فقد ساهموا في تعارفنا وهكذا بدأت علاقتنا وأنشطتنا معا. بالنسبة إلى حياتي مع أحمد فكانت فريدة من نوعها دوما لأن الفنانين لديهم عادة طبيعة خاصة وهو تحديدا لديه طبيعة مميزة على المستويين الشخصي والعملي. وأنا كنت دائما حريصة على انتقاء الشخص الذي سأتزوجه وأعايشه، فهو شخص حنون ومحب لعائلته.

أحمد بن يسف: اليوم إحنا عشرين سنة وإحنا متزوجين، عندي خمسة أولاد، مع الزوجة الأولى عندي ثلاثة وهي طبيبة، عندي عمر وهو كذلك طبيب وعندي فاطمة هي صحفية وعندي ياسمينة تعد من أجود الطلبة في تاريخ جامعات إسبانيا، عندها الرقم القياسي من ناحية الأول، ولما أنهت دراستها أعطوها الجائزة الكبرى كطالبة لتقوم بالأبحاث في إسبانيا وخارج إسبانيا. من الزواج الأخير والثالث عندي مع آنا ماريا بيلاسكس وهي أستاذة للتاريخ والجغرافيا، عندي معها ماريا ونور، اثنتين، كل هذه التقلبات في حياتي انعكست في أعمالي.

آنا ماريا بيلاسكس: وحين تتعرف على شخص من حضارة ودين مختلفين وتفكر في العيش معه فمن البديهي أنه سيهمك معرفة عالمه كاملا، لذا بدأت أقرأ عن الإسلام فقرأت القرآن وكان أحمد بدوره يشرحه لي، وتأثير ذلك كان واضحا في تصرفاته فهو كان مسلما ممارسا للدين بحيث يتأثر الإنسان بأفكاره، بالإضافة إلى أنني أعتبر أن المسيحية والإسلام يشتركان في نقاط كثيرة، هكذا عرفت الحضارة الإسلامية وقرأت القرآن ومن خلال معرفتي الخاصة ومعايشتي لأحمد اعتنقت الإسلام.

أحمد بن يسف: من حسن حظي تحققت بعض أحلامي وأنني أعيش حياة أحلام الطفولة، فاليوم على استعداد لتهيئة مؤسسة تحت عنوان مؤسسة "ابن يسف بيلاسكس" من اسمي واسم زوجتي. وهذا أنا اقتنيت بيتي الذي ولدت فيه بتطوان والآن على استعداد لفتح هذه المؤسسة بمعرض تحت عنوان "تطوان مهدي وإشبيلية بيتي" وهذا المعرض سيدشن إن شاء الله في السنة المقبلة بإشبيلية وثم بعده سينزل إلى المؤسسة ويبقى ثابتا في المؤسسة، وهذه المؤسسة ستحتوي على معرض دائم لتجربتي الفنية كأنه معرض استعادي لمشواري إلى يومنا هذا. تاريخ التعليم في الفنون الجميلة جديد لأن التعليم في الفن التشكيلي كان دائما على مستوى معمل وأستاذ وطلبة ليس كلية أو مدرسة عليا للفنون الجميلة. فأنا اليوم كنت أتابع بعض الرسامين في مراسمهم يعني كانوا يصدم من الناحية التقنية لأن اللوحة تحتوي على اثنين، الإبداع والتلقائية والتقنية، لأن معرفة التقنية تعطيك حرية التعبير أكثر، كلما عرفت تقنيتك أحسن وعرفت تقنية الفنون التشكيلة أكثر تكون لك حرية التعبير أكثر. أنا التزامي بالفنون التشكيلية والألوان والأشكال تعطيني في نفس الوقت القيم الإنسانية، هذه اللوحة تكريم للصحفي منتظر الزيدي تكريما للشجاعة والشهامة وللكرامة ولهذا قمت بهذه اللوحة لأن اللوحة أنا قلت مرارا وتكرارا إن الرسام زيادة على اهتمامه بجمالية الألوان والأشكال إنه يصبح موثقا للحياة التي يعيشها، فبطريقة غير مباشرة يتحول الرسام من مبدع تشكيلي إلى موثق في هذه الظروف، فهذه اللوحة تكريم لمنتظر الزيدي، وأنا أغتنم هذه الفرصة لأقدم هذه اللوحة إلى باراك أوباما كهدية للبيت الأبيض.

المعلق: لا بد أن الرئيس أوباما سيسره أن يزين مكتبه البيضوي بلوحة لك يا ابن يسف ولكن ليس بالضرورة لوحة حذاء منتظر الزيدي. يحكي ابن يسف أنه شعر بالدهشة البالغة حينما رأى لوحاته مطبوعة على أوراق العملة المغربية وهو الذي كاد يموت جوعا بسبب الفقر في أول عهده بإسبانيا، ويحكي أنه اصطحب معه ابنه الأكبر عمر لزيارة أبيه وقال له إن حفيدك حقق حلمك المحبط فيّ أنا وصار طبيبا فإذا بالحاج محمد يسف يمتعض ويرد قائلا، كنت أريد طبيبين. ويحكي أن زوجته الحالية آنا ماريا اعتنقت الإسلام الذي قدمه هو لها إسلاما مبدعا منفتحا يليق بالفنانين ويقدم للإنسان تجربة اكتمال فريدة بين الروح والجسد. هذا فنان جميل سلوكا وكلاما وإبداعا ومن الممتع تأمله والإنصات إلى لوحاته.