- من الزيتونة إلى بروكسل رحلة في الدين والفنون
- السينما والإعلام جسور بين أطراف الإنسانية

من الزيتونة إلى بروكسل رحلة في الدين والفنون

محمود بن محمود
محمود بن محمود: أنا اسمي محمود بن محمود من أصل تونسي أشتغل ببلجيكا كمخرج سينمائي، عمري 61 سنة، أقيم هنا في بروكسل منذ سنة 1967 حيث أتيت لمزاولة تعليمي العالي في الأول في معهد السينما ثم في جامعة بروكسل الحرة حيث نحن موجودون الآن، هنا تعلمت تاريخ الفنون والصحافة والآن أدرس مادة السيناريو يعني الكتابة السينمائية منذ 22 سنة منذ 1988 تقريبا
في قسم السينما من كلية الآداب والفلسفة. كل سنة أطلب من التلاميذ أو الطلبة اللي يشاركون في أوراش كتابة السيناريو من السنة الأخيرة أن يكتبوا مشاهد في مرحلة أولى مشاهد فكاهية لأنه في الأول الجامعة ما كانتش حاطة في البرنامج تدريس الكتابة الفكاهية ولكن الطلب هذا جاءنا من العديد من الطلبة أنهم يحبون أن يمارسوا كتابة الكوميديا اللي هي صعبة جدا فاشتغلنا على هذه المادة في الفصل السابق واليوم طلبت منهم أن يقدموا مشهدا يروي انقطاع علاقة بين رجل أو امرأة أو بين صديقين أو بين أخوين إلى آخره فالمشهد اللي قدموه هو مشهد درامي مأسوي يعني غايته تحطيم علاقة بين شخصين في ثلاث صفحات مع الحوار يعني مش مشهد صامت، وبشكل عام أطلب من المشاركين أن يتقمصوا الأدوار يعني أطلب من صاحب المشهد أن يوزع الأدوار على زملائه من ذكور وإناث وهم يعني يلعبون الدور لأول مرة حتى يكون يعني هناك حيوية وحماس ونشاط في هذه الأوراش. الشيء اللي ينقصهم هو أنهم يوزعوا الأدوار على ممثلين حقيقيين كما هو الشأن في معاهد السينما ولكن هون يبقى هذا التعليم تعليما جامعيا نظريا إلى حد ما ينتمي إلى كلية الآداب يعني ينتمي إلى نوع من الأدب يعني ليست هناك ممارسة ميدانية، ثم نمر إلى التعليق على هذا الشغل ونقده وتقديم مقترحات حتى يقوم الطالب بصياغة جديدة لعمله يقدمها في مناسبة أخرى، تقييم الشغل هذا أعمله من خلال المشاركة في هذه الجلسات يعني ليس هناك امتحان في آخر السنة ولكن أنا أقوم بتقييم لمختلف الأعمال التي تقدم هنا أمام بقية الطلبة خلال السنة. من أسباب تخلف الإنتاج السينمائي في العالم العربي هو ضعف السيناريو يعني عموما نلاحظ أن مادة السيناريو مرحلة السيناريو في أي مشروع سينمائي في بلداننا العربية مرحلة لم يعتن بها كما ينبغي لأن تدريس السيناريو في البلدان العربية لا يزال متواضعا جدا وأنا أحلم بنقل هذا التدريس وهذه الأوراش إلى البلدان العربية، قمت ببعض التجارب أو المحاولات في لبنان في تونس ربما في الجزائر بعد أسابيع ولكن عموما أحلم حقيقة بأن أنقل هذا العمل إلى معاهد السينما في البلدان العربية.

المعلق: يرقق التصوف قلب الشيخ الزيتوني الوقور ويمنحه البصيرة ليدرك أن الفنون هي طريق آخر للدخول في حوار مع المطلق العظيم فيشجع ابنه محمود على تعلم الفن واتخاذه سبيلا في الحياة على عكس رأي مجتمع مشايخ الزيتونة التونسيين الذين يرون الفن لهوا ولعبا لا يليق بابن فقيههم. ولكن دوران عجلان الحياة الغرائبي كان يدخر لمحمود بن محمود فرصة مذهلة لرد الدين لأبيه المستنير مانحا الإسلام صوتا سينمائيا يدافع عنه في بؤرة انقلاب العالم عليه أيام 11 سبتمبر 2001 ففيلمه "وجد" المتزامن مع تلك الأحداث المأسوية كشف للملايين من المشاهدين الغربيين أن للإسلام وجها من الحب الخالص يتفانى فيه عشرات الملايين من الصوفية المسلمين المنتشرين على امتداد العالم الإسلامي من كابول وكراتشي إلى فاس ونواكشوط مرورا بالقاهرة وتونس، العنف عدوهم، الحب الخالص الشامل هدفهم. وهكذا رد بن محمود الدين لأبيه.

محمود بن محمود: طبعا أنا ولعت منذ الصغر بالسينما وبالمسرح وتأثرت في ذلك بوالدي لأن والدي كان شخصا غريبا إلى حد ما، كان من ناحية أستاذ فقه في جامع الزيتونة في الكلية الزيتونية في تونس وإلى جانب ذلك كان متصوفا كان يعني يحتل منصبا هاما في الطريقة الشاذلية في تونس كان ركنا من أركانها البارزين وبالإضافة إلى هذين النشاطين كان مولعا بالفن بالموسيقا على وجه التحديد وبالمسرح وهو الذي لقنني منذ الصغر هذا الميل والولوع بالفن المسرحي بالسينما بالموسيقا بالغناء يعني كان رجلا متحررا جدا ومنفتحا جدا فسجلني في معهد الآباء البيض يعني المعهد الذي كان يديره الرهبان المسيحيون في تونس، وكان أساتذتي بالنسبة للغة العربية من أصل فلسطيني ولبناني وهذا يعني ما جعل والدي يقدم على تسجيلي في هذا المعهد لأنه كان مهتما جدا وحريصا جدا على أن أتعلم العربية أكثر من أن أتعلم الدين لأنه بالنسبة للدين كان هو يعني مكلفا بهذه المأمورية ولكن بالنسبة للعربية كان ذلك هو أهم انشغالاته. تعلمت أيضا المسرح في هذا المعهد معهد الآباء البيض على يدي بعض الأساتذة الأوربيين الذين نقلوا إلى هناك فن المسرح في النطاق المدرسي طبعا، وكان والدي يحضر كل سنة العروض التي كنت أقدمها كممثل أو كمساعد مخرج في ذلك النطاق المدرسي وطبعا بعد نهاية دراستي الثانوية أصررت على الالتحاق بأحد البلدان الأوروبية لتعلم فن السينما وطبعا كان والدي إلى جانبي في هذه العزيمة في هذه الرغبة.

[فاصل إعلاني]

السينما والإعلام جسور بين أطراف الإنسانية



المعلق: يسخر محمود بن محمود ممن يسألونه سؤال الهوية ويتعمد أن يصدمهم بإجابته "أنا لست عربيا ولا تونسيا ولا أوروبيا ولا بلجيكيا، أنا أنتمي إلى فضاء الإنسانية الرحب، أنا مواطن العالم" ويقدم الرجل الذي درس السينما والإعلام معا ومزج بينهما في 12 فيلما وثائقيا يقدم إيمانه الإنساني ذاك في أفلامه التي صنعت على قلة عددها زاوية أساسية في مكتبات المعاهد السينمائية في أوروبا كاشفة بلغة سينمائية صريحة وثاقبة أن البشر قد يخبؤون قبح عنصريتهم خلف أقنعة كثيرة والفن الحقيقي وحده يستطيع كشفها، هذا إن كان فنا حقيقيا وليس زائفا كالكثير مما تقدمه السينما العربية التي لا حل لمأزقها كما يرى بن محمود إلا عبر بوابة تعليم فن كتابة السيناريو بقواعده الأكاديمية والمنهجية التي يطبقها هو في بلجيكا منذ ربع قرن، فأنصاف الموهوبين ومعدومو الموهبة لا يكتفون بالكتابة الرديئة بل هم يفسدون الذوق السينمائي للناس إفسادا شديد التأثير على سلوك الشعوب ومزاجها العام.

محمود بن محمود: بعد أن أنهيت دراستي في معهد السينما وفي الجامعة هنا لم أصور أفلاما قصيرة، انخرطت مباشرة على مستوى الفيلم الطويل وهي تجربة "عبور"، وتجربة "عبور" مستوحاة من أحداث عشتها بعد أن وقع رفضي من قبل الحدود الإنجليزية سنة أظن 1976 أو 1977 لأسباب تافهة يعني أوراق وما أوراق وتأشيرة وما تأشيرة وأرجعوني إلى بلجيكا، لما عدت إلى الحدود البلجيكية يعني هذه الأحداث تدور على سطح البحر يعني بحر الشمال الفاصل بين إنجلترا وبلجيكا كان معي في هذه المغامرة شخص من أصل بولوني، هذه الأحداث تدور أيام الستار الحديدي والفاصل بين المعسكر الغربي والمعسكر الإشتراكي وهذا الشخص لما عدنا إلى الحدود البلجيكية وقع حجزه هناك وزجوا به من جديد على متن الباخرة بينما أطلقوا سراحي أنا بحكم أنني مقيم في بلجيكا ولو أنه كان في تأخير بالنسبة للأوراق والإدارة وإلى آخره. وتصورت أن هذين الشخصين شخص رجل مسافر من أصل عربي ومهاجر من أصل بولوني سيبقيان هائمين على متن هذه الباخرة بين الضفتين الضفة البريطانية والضفة القارية أو البلجيكية وانطلاقا من هذه التجربة كتبت سيناريو اللي هو سيناريو فيلم "عبور" أول أفلامي الروائية ويعني عالجته بشكل مجازي، يعني هو الفيلم ليس تصفية حسابات مع الحدود الإنجليزية والشرطة الإنجليزية والبلجيكية بقدر ما هو مناسبة للتفكير في أمور الحرية وأمور الحدود لطرح بعض المواقف الفلسفية والسياسية من خلال هاتين الشخصيتين. سنة 2000 عرضت علي قناة ART الفرنسية تصوير فيلم حول الترانيم الدينية عند المسلمين فكتبت سيناريو صياغة للتلفزيون باسم "ألف صوت وصوت" وصياغة للسينما باسم "وجد"، هذا الفيلم صورته سنة 2000 على مراحل يعني اتباعا للروزنامة الصوفية والإسلامية صورت المولد النبوي الشريف في القاهرة وصورت ما يسمى بالعرس عند الهنود لدى الطريقة الشيشتية مثلا وقدمت الفيلم في مهرجان البندقية في سبتمبر 2001 يومين قبل العملية الانتحارية التي استهدفت نيويورك، وفي الأول يعني الجمهور تقبل هذا الفيلم كمجرد فيلم وثائقي حول الصوفية والترانيم عند المسلمين والطرق والإنشاد الصوفي إلى آخره ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر أصبح الجمهور والنقاد هنا في الغرب خاصة يقرؤون هذا الفيلم وكأنه رد على الإسلام المتطرف بحكمه يبرز إسلاما مسالما إسلاما سلميا إسلاما معتدلا. أنا تناولت موضوع الترانيم الصوفية من زاوية عائلية يعني هنا في سيرة ذاتية شكلت خلفية لهذا الفيلم وهو ما ورثته عن والدي الذي كان كما قلت من أركان أو من أقطاب الطريقة الشاذلية في تونس. أنا كل أعمالي السينمائية تميزت بهذا المزج بين الثقافتين الثقافة العربية والثقافة الغربية لأنني كبرت في وسط وفي بيئة كانت تتعايش فيها الثقافات وغايتي في كل هذه الأفلام هو أن أغير مفهوم الغرب للثقافة العربية وأن أغير أيضا مفهوم العرب للثقافة الفرنسية أو الثقافة الغربية يعني هو مد جسور بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط حتى يصبح الحوار ممكنا والتقارب ممكنا، ولكن على مستوى الأسلوب إلى حد الآن أنا اشتغلت بشكل يمكن أن نصفه بأنه شكل تقليدي ولكن أعتقد أن القفزة النوعية ستقع يعني بإذن الله مع المشروع المقبل لأني تأثرت كثيرا في السنوات الأخيرة بتجربتي في الفيلم الوثائقي. هذا السيناريو فيلم روائي أشتغل عليه الآن في بروكسل هو فيلم يعني يتحدث على شوية أمور الدين والتعصب الديني في وسط الجالية العربية التي تعيش هنا في بروكسل، والفيلم هذا هو قصة مستوحاة من أحداث حقيقية عشناها هنا في بروكسل وكشفها الإعلام بالتفصيل قبل خمس أو ست سنوات فاقتبست من الصحف ومما سمعت وقرأت في هذا الموضوع وكتبت هذه القصة الروائية وقدمت القصة لوزارة الثقافة هنا في بروكسل للحصول على الدعم، والفيلم يعني المشروع حصل على الدعم قبل أسبوعين ونحن الآن في انتظار المشاركة الفرنسية لأنه ضروري أن يكون في إنتاج مشترك بين بلجيكا وفرنسا ونحاول نتأمل أن نصور الفيلم في أكتوبر المقبل حتى يكون جاهزا لمهرجان كان 2010.

المعلق: في قريته التونسية الصغيرة على أعتاب العاصمة وقبل خمسين عاما تعلم محمود بن محمود كيف يكون قبول الآخر جزءا من التشبث بإنسانية الإنسان وكيف يمكن أن يجتمع في دار سينما القرية التي يمتلكها ويديرها تونسي يهودي يجتمع سكان القرية من تونسيين مسلمين ويهود وإيطاليين وفرنسيين وإسبان يجتمع كل هؤلاء لمشاهدة سحر الفن السابع وأبطاله الفاتنين ويخرجون من السينما الصغيرة وقد صاروا أقرب إلى بعضهم وأقدر على التفاهم والتعايش بلا حديث عن أغلبية وأقلية، فالحلم السينمائي علم الجميع أن الحياة أقصر وأثمن بكثير من أن نضيعها في وضع الأسوار حول أنفسنا بل ينبغي استثمارها ببناء الجسور نحو الآخرين. سيدهشكم رجل قلبه مفتوح على العالم كله إلى هذا الحد حينما يبوح لكم بأنه كلما تقدم العمر به ازداد حنينه لمسقط رأسه وملعب صباه تونس، ورغم أنه لم يعان يوما من مشاكل الاندماج في المجتمع البلجيكي المضياف إلا أن الغربة أخذت تتسلل إلى قلبه الآن في خريف حياته، الرجل يحن لشيخوخة تدفئها شمس جنوب المتوسط والذكريات، الكثير من الذكريات.

محمود بن محمود: هذه زوجتي ماري تعرفت عليها سنة 1976 وتزوجنا وعايشين مع بعض من أكثر من 35 سنة الآن وهي تنتمي من الأول إلى الوسط الفني لأنها زاولت تعليمها العالي في معهد الفنون الجميلة بأكاديمية الفنون الجميلة ببروكسل واشتغلنا مع بعض في كل الأفلام الروائية اللي صورتها، أولها كان فيلم "عبور" سنة 1981 اللي قامت بتصميم الديكور تبعه وصممت أيضا اللافتة الأفيش للفيلم، ثم فيلم "شيشخان" سنة 1991 اللي هذا صورته في تونس واشتغلت معي هناك لأول مرة تشتغل في تونس بالتعامل مع طاقم فني تونسي، وثالث فيلم هو "قوايل الرمان" سنة 1999 أيضا صور في تونس، وكل هذه الأفلام يعني تدور في أجواء مختلفة والأفلام هذه كلها نخطط لها قبل أشهر مع بعض في البيت ونتحدث كثيرا على الاتجاه الجمالي اللي يأخذه الفيلم وعلى صياغة المشاهد، وإحنا الآن نحضر مع بعض الفيلم الجديد اللي باش يتصور هنا في بلجيكا بعد ستة أشهر تقريبا. أنا أنتجت إلى اليوم ثلاثة أفلام روائية، 12 فيلما وثائقيا، كان بودي أن أنتج أكثر أفلام لأن الأفكار موجودة والرغبة موجودة والتجربة يعني الحياتية موجودة اللي من شأنها أن تزود الأفلام وتغذي الأفلام لكن للأسف الإمكانيات ما كانتش دائما متوفرة وكما تعرف ضروري أنك تشتغل في نطاق إنتاج مشترك بين الشمال والجنوب لازم تلقى مواضيع ترضي الطرفين وربما أنا في العديد من مشاريعي لم أتمكن من إرضاء الطرفين، ولكن بالنسبة للمدة المتبقية سأحاول أن أصور أفلاما أخرى يعني أعبر فيها عن أفكاري ومواقفي في آخر حياتي اليوم.