- العمل في المركز الثقافي الإسلامي بمدريد
- طريق العمل الدبلوماسي ومصداقية المترجم

العمل في المركز الثقافي الإسلامي بمدريد

 
 محمد العفيفي
المعلق:
المصادفة وحدها قادت المنوفي سليل الفلاحين الأزاهرة محمد العفيفي لهذه المدينة الجليلة الجملية مدريد، مصادفة تعود إلى ما قبل نصف قرن حين سجل نفسه في مدرسة الألسن دارسا للروسية وحينما تأخر عن زملائه قليلا لإكمال أوراقه خيرته الإدارة بين الإيطالية والإسبانية وبعد تردد وقع اختياره على الإسبانية لأن أعداد الناطقين بها أكبر، ولكن تحوله إلى أحد أبرع المترجمين الموثوق بهم سياسيا بين اللغتين لم يكن قط مصادفة.

محمد العفيفي: ده أكبر معلم إسلامي في إسبانيا، من أكبر المعالم الإسلامية في أوروبا، افتتح في عام 1992، سبتمبر 1992، أنا ابتديت في المركز الإسلامي قبل الافتتاح يعني إحنا اللي أعددنا للافتتاح وكده وكانت مهمتي من البداية إلى أن أنهيت في عام 2008 العمل من أجل أن يكون منارة للتعريف بعالمنا التعريف بثقافتنا وفي الوقت نفسه أن يكون دار حاضرة للقادمين من دولنا والمقيمين هنا، كنت المتحدث الرسمي باسم المركز وأحضر ندوات، موائد مستديرة، محاضرات في الجامعات، تصريحات لأجهزة الإعلام، مواكبة الأحداث المعينة وتغطيتها. مرينا بظروف في غاية الصعوبة يعني مثلا 11 سبتمبر 2001، وبعدين أحداث مدريد في 11 مارس 2004 وكان لا بد من التعامل مع المجتمع ومحاولة فتح قنوات الحوار، مما لا شك فيه أنه ممكن يكون في اختلاف في وجهات النظر ورؤى مختلفة ولكن كنت كل اللي بأبحث عنه هو أنه حتى في التعامل مع الرأي العام الإسباني أنا كنت دائما أقول يعني وما زلت لأنه أنا بأمارس، أنا محلل سياسي وبأمارس الاتصالات الإعلامية والعمل الإعلامي لكن دائما أقول إن اختلاف الرأي ما في مشكلة لكن أنا اللي بأبحث عنه هو دقة المعلومات عنا لأنه أحيانا هناك خلط ما بين أنه ممكن تكون عادة في مكان ما وتنسب إلى أنها إحدى دعائم أو إحدى أسس الفكر الإسلامي أو الدين الإسلامي أو العمل الإسلامي، طيب فأنا كنت بأحاول مع الرأي العالم أن أقول أنا أنت أبدي الرأي كما يحلو لك لكن اللي يهمني أنك تنطلق من معلومة صحيحة.

إبراهيم بن عبد العزيز/ مدير المركز الثقافي الإسلامي بمدريد: معرفتي بالأستاذ محمد العفيفي تمت منذ أن استلمت إدارة المركز، فأنا في مدريد منذ سبع سنوات وهو كان موجودا في المركز مسؤولا في قسم الإعلام والعلاقات العامة بالإضافة إلى أعماله الجانبية الأخرى التي يقوم بها كمهام المشاركات في المؤتمرات ومهام الترجمة حيث إنه مترجم محترف، وقد عاصر هذا المركز منذ نشأته. تعرفون أن المركز الثقافي الإسلامي في مدريد كان يعني بجهد مشترك بين الحكومة السعودية والحكومة الإسبانية وبالذات كان الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله هو الذي تكفل بإنشائه كاملا، فالأستاذ محمد العفيفي عاصر المركز منذ نشأته وهذه من نعم الله عليه وعلى المركز، أما كيف هي عليه فهو استفاد الحقيقة أنها آخر فترة له في حياته الوظيفية وقضاها في هذا الجو الإسلامي الذي لا يجده الكثيرون في الغربة وعايش مشاكل المسلمين وكان يعني لسانا فصيحا يعني ناطقا بهموم المسلمين ومشاكلهم أمام وسائل الإعلام الإسبانية. أما استفادتنا نحن منه، استفدنا منه لأنه يجمع ثلاثة جوانب مهمة في شخصيته، خبرته الدبلوماسية فهو دبلوماسي خبير، عمله في الترجمة كمترجم محترف، خبرته الإعلامية كإعلامي متمرس، اجتمعت هذه الثلاث وساعدت على أداء متميز خلال عمله وكان بين قوسين -إن صحت العبارة- الناطق الرسمي باسم المسلمين في إسبانيا.

محمد العفيفي: المركز 12 ألف متر مربع في المسجد عندنا في قاعة من أكبر القاعات للمحاضرات، صالتان للمعارض، في مكتبة، في مدرسة، المدرسة اللي موجودة هي مدرسة معترف بها من السطات الإسبانية ودي حاجة في غاية الأهمية، ليه؟ لأن الأطفال اللي بيدرسوا في هذه المدرسة بيستطيعوا بعد ذلك أنهم يواصلوا تعليمهم داخل مختلف أفرع التعليم في إسبانيا، فدي مسألة بتثري أبناءنا لأنه بيحافظ على ثقافته وفي الوقت نفسه بيندمج داخل المجتمع، والمحافظة على الثقافة لا تعني الذوبان، المقصود أن الدار تبقى مفتوحة أمام الجميع، هي مش صومعة مقفولة وما إحناش عارفين الناس اللي جوه بيعملوا إيه، لا، ده مكان مفتوح والنوافذ مفتوحة ويجوا يشوفوا أنه في مسلمين، آه ممكن نتكلم معهم وممكن نتحاور وبيعرفوا لغات وممكن كذا، فده يعني. محمد عبد المغيث العفيفي من مواليد إحدى قرى محافظة المنوفية ميت عفيف، مركز البغور، المنوفية دي إحدى محافظات الدلتا. العائلة بشكل عام كانت عائلة يعني متدينة أزهرية، والدي رحمة الله عليه هو كان خريج كلية الشريعة، وإحنا كنا ستة أبناء له وأنا ابنه الكبير، فكان كل همه تعليمنا ده اللي كان يهمه لأن أول أولوياته التعليم. فترة الصغر درسنا في المدارس والمدرسة الثانوية كان التوجه أنه أنا يعني أحب الأدبي ما دام ما بأفهمش في مسألة التقنية والعلوم والأحياء وده فدرست في القسم الأدبي، كنت أحب اللغات. كان في حاجة عندنا اسمها مكتب التنسيق وحسب الدرجات اللي حصلنا عليها نوزع على الكليات فأنا لما أخذت الثانوية العامة كان من الممكن أن أدرس حقوق في كلية الحقوق أو في كلية الآداب فجاءتني كانت اللي هي كلية اللغات حاليا دي كان اسمها مدرسة الألسن، فجاءني على أساس أنه أروح مدرسة الألسن فمن حبي للغات قلت آه مدرسة الألسن كويس. وأنا أنهيت دراستي في اللغة الإسبانية في عام 1964، في عام 1967 حصلت على منحة للدراسة هنا في إسبانيا، فكانت المنحة لدراسة اللغة الإسبانية وإجادة اللغة الإسبانية فجئت إلى مدريد في عام 1967، درست دبلوما في اللغة وعملت دبلوما في الدعاية والسياحة والإعلام، قعدت أمضيت سنتين بعدها عدت إلى القاهرة في عام 1969 بعد كده ظليت في عملي كنت في هيئة الاستعلامات تبع وزارة الإعلام لحتى عام 1975 بعد كده أتيت إلى إسبانيا كدبلوماسي في السفارة المصرية ملحق صحفي لمصر في إسبانيا من 1975 لـ 1980.

[فاصل إعلاني]

طريق العمل الدبلوماسي ومصداقية المترجم

المعلق: هل تقوم الدول المهزومة عسكريا بإرسال أبنائها في بعثات علمية بالخارج؟ نعم، بل إنها ينبغي أن تفعل تماما كما فعلت مصر في سنة النكسة، مصر التي أرسلت محمد العفيفي ليكمل امتلاك مهارات الترجمة الفورية في إسبانيا، صحيح أنه ذهب لمنحة من المركز الثقافي الإسباني في إطار اتفاقية التبادل الثقافي بين البلدين ولكن وزارة الإعلام منحته على الأقل تصريح سفر وإجازة من عمله. اعتمد العفيفي بصلابة الفلاح على نفسه تماما ليستهلك مدخراته القليلة في الرحلة التي طالت عامين وحينما عاد إلى مصر في العام الأخير من حكم عبد الناصر كان العفيفي الشاب معدودا الأفضل والأكثر تأهيلا بين المترجمين المصريين عن الإسبانية وإليها.

محمد العفيفي: أول مؤتمر عملت فيه وكنت مترجم تحريري كان مؤتمر قمة عدم الانحياز الثاني اللي عقد في القاهرة في أكتوبر 1964، كنت لسه متخرج وبالتالي فإن علاقتي بالترجمة والمؤتمرات منذ أن تخرجت من دراستي، علمت في الترجمة التحريري، بعدما أنهيت البعثة والمنحة اللي كنت فيها هنا في إسبانيا وعدت إلى القاهرة كنت في نفس الوقت مع العمل الإعلامي اللي كنت فيه كنت أيضا بأعمل في المؤتمرات الدولية كمترجم فوري، فبعدما أنهيت الفترة الدبلوماسية قلت يعني طيب أنا بعد كده حأرجع وبعدين حأروح مكان ثاني أعمل نفس الشيء. الحقيقة أن الترجمة والعمل الدولي بوابة معرفة واسعة وثقافة ليس لها حدود، يعني الواحد يروح يعمل في مؤتمر ممكن يكون عن اتفاقية دولية أو مؤتمر الخبراء اشتغلوا في إعداد الوثائق بتاعته ممكن تكون سنتين قبلها، الواحد يروح على الجاهز يلاقي مستندات جاهزة أول.. ويسمع كلام وبتاع، كل ده، دي ثروة، دي ثروة. دي أول صورة لي مع رئيس دولة وهي مع الرئيس جمال عبد الناصر في عام 1969 وكانت مقابلة في مقر إقامته في منشية البكري وكان وزير عدل لغينيا الاستوائية، غينيا الاستوائية كانت مستعمرة إسبانية ونالت استقلالها وكانت المقابلة هناك وبعد انتهاء الزيارة كان بيصافحني الرئيس جمال عبد الناصر. الصورة الثانية دي ترجع إلى عام 1997 ده كان جلالة ملك إسبانيا ومعه سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز كان وزير الدفاع في ذلك الوقت وهو الآن ولي العهد السعودي، كان في زيارة رسمية هنا في إسبانيا، وده كان في قصر إقامة جلالة الملك الإسباني. هذه الصورة مع الرئيس حسني مبارك، الرئيس حسني مبارك جاء في زيارة سنة 1985 وكان رئيس الحكومة الإسباني في ذلك الوقت فيليب ديمونتاني وده كان قصر الضيافة في مدريد بعد وصوله فيه. الصورة دي صورة الحقيقة عزيزة جدا على نفسي، كانت بعد مغادرة خادم الحرمين الشريفين في عام 2008، كان في زيارة رسمية لإسبانيا وبعد توديعه في المطار ومغادرته للبلاد جلالة الملك الإسباني بيصافحني وبيقدم الشكر لي يعني برقة على خدي بعد انتهاء الزيارة. الصورة دي في المطار خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز وجلالة الملك الإسباني لدى وصوله في الزيارة التي أشرت إليها. الصورة دي مع فخامة الرئيس علي عبد الله صالح رئيس جمهورية اليمن ودي كانت زيارة في شهر يناير 2008 ومقابلته مع جلالة الملك الإسباني ودي هدية بيقدمها لجلالة الملك وأنا بينهم. بعد انتهاء زيارة الرئيس حسني مبارك سنة 1985 فالرئيس بيسأل بيقول للسفير، المترجم أنتم شفتم أتعابه وإلى آخره؟ فقال له المترجم مصري ورفض أن يأخذ أتعابه، وقال الرئيس جاء زيارة.. طبق وجابوا هذا الطبق ووقع عليه محمد حسني مبارك هدية من الرئيس حسني مبارك. يمكن الإضاءة اللي بتوضع على الملتقيات دي الحقيقة يعني فيها بعض المبالغة الكبيرة، يعني تبص تلاقي قفولة وبتاع والتقفيل واللي.. في الواقع هؤلاء الشخصيات الكبرى دي هي يعني أكثر إنسانية بكثير من الانطباع اللي ممكن يكون عندنا عنهم، وحاجات ممكن.. ثغرات بسيطة، حاجات بتحصل وممكن وده يعني أنا فاكر مرة مع الملك الإسباني، الملك الإسباني بص لي وقال لي أنت تلاقي ريقك نشف هاتوا له حاجة يشربها، فالجرسونات اللي موجودين يجيبوا بتاع. يعني ممكن تكون في لمسات إنسانية وفي هذا أكثر بكثير من بتاع، إنما اللي أقدر أقوله هو إنه لا تتصور، لا تتصور قدر التوتر اللي بيبقى موجودا حوالين، بعدما تخلص عملية.. تلاقيهم بيجروا واللي بيفتح اللي مش عارف إيه واللي بيعملوا بتاع، بعد ده كله ما يخلص والناس تقعد في الصالون ويتقفل الباب تجد ناس ثانية خالص، هدوء راحة بساطة ويتكلم ممكن إزاي صحتك؟ وشايفك أحسن شوية، وأنت كويس؟ المترجم ما هواش طرف في المحادثات، المترجم شخص موجود، هم أطراف الحوار لو عندهم الآلية ما كان المترجم حيكون موجودا وبالتالي فإنه ما هواش طرف في هذا الحوار، هو يقوم بمهمة وكل ما له علاقة بهذه المهمة ينتهي فور خروجه من العمل اللي كان بيقوم به. فترة 1975 الحقيقة كانت فترة رائعة، ليه؟ لأن التحول اللي حصل في إسبانيا، لأنه كان العام اللي توفى فيه فرانكو، توفي فرانكو في 20 نوفمبر 1975 فالفترة اللي أنا قضيتها في السفارة من 1975 إلى 1980 شهدت فترة التحول الكامل اللي حصل في إسبانيا من نظام الجنرال فرانكو إلى الديمقراطية، فكانت فترة تحول في كل شيء. 15 سبتمبر 1975 كان يواكب العاشر من رمضان، العاشر من رمضان 6 أكتوبر 1973 وبالتالي جاء هذا الحدث بعد عامين من حرب 6 أكتوبر، مجموعة من أربعة أشخاص قاموا بهجوم على السفارة -فلسطينيون- اللي حصل أن منظمة التحرير والسيد ياسر عرفات أجروا اتصالات سريعة وكده واتحلت على أساس أن ترسل لنا طائرة تأخذنا جميعا الرهائن مع الخاطفين ونترك إسبانيا وإلى دولة أخرى، فأرسل لنا الرئيس هواري بومدين طائرة وأخذتنا إلى الجزائر وانتهت عملية الخطف هناك في الجزائر. سعادة الفرد في أنه يعني ربنا أكرمه وعمل العمل على أفضل ما يكون لأنه دي طرائف، حاجات صغيرة، لأن مسألة أنه اللي يكتب مذكرات ولا يكتب قصص ولا يعمل مش فاهم إيه ولا بتاع، أنا ما بأعترض على أنه في ناس بتعمل هذا أو كده لكن أنا الحقيقة قمة سعادتي في أنه يعني أخذت مصداقية في.. ليه؟ لأنه مما لا شك فيه أنه إن لم يكن الأخلاقيات إلى جوار الاحتراف ما.. فإذا كان الواحد يعني لما بأقول لك إن أطول 45 دقيقة حصلت لي في حياتي كانت مع عبد الناصر كان سني 26 سنة، لما ترجمت لعبد الناصر الـ 45 دقيقة، طيب لما أنا كان سني 26 سنة كنت حريصا على البتاع مما لا شك فيه أن اللي بعد كده واللي بعد كده.

المعلق: ما يزال العفيفي حتى الآن هو الخيار الأول لأي حاكم عربي يزور إسبانيا ويريد مترجما كفؤا يمتلك إلى مهارات النقل اللغوي الفوري أدوات الدبلوماسي القدير وأناقته، والأهم أنه المشهور بالتزامه الصارم بأخلاقيات مهنته الحساسة فهو لن ينطق كلمة واحدة -مهما ألححتم عليه- تتعلق بفحوى المحادثات التي كان يترجمها فهو ابن لتقاليد عريقة صارمة تقول إن على المترجم أن ينسى ما كان يترجمه فور انتهاء عمله، والكثيرون يتصورون أن هذه عبارة بلاغية لا ينبغي أن تفهم حرفيا، إلا أن محمد العفيفي درب ذاكرته على مهارة النسيان التي هي في عرف التراجم السياسيين أهم من مهارات التذكر.