- ست لغات ودكتوراه في العلوم السياسية
- 25 كتابا ومركز لدراسات العالم العربي المعاصر

ست لغات ودكتوراه في العلوم السياسية

 
بشارة خضر
بشارة خضر:
عندما برزت هواية ابني للطيران كنت في أول فترة غير متحمس لهذا الموضوع، اكتشفت أنه محب للطيران بما أنه يدرس هندسة صناعية يريد في المستقبل أن يدرس هندسة طيران فطبعا فسحت له المجال وموّلت تدريبه للطيران والآن أصبح طيارا ممتازا وعندما أذهب معه للطيران فهو فخور جدا بأنه يكون معلما لأبيه بينما غالبا ما أكون أنا معلمه ومدربه.

المعلق: يتندر تلاميذه الكثيرون في بلجيكا بأن أستاذهم بروفسور علوم السياسة والشؤون العربية بشارة خضر لديه وحده من الطاقة ما يفوقهم جميعا وهم يعنون طاقة الجسد وطاقة العقل أيضا، فالرجل الذي يتحدث ست لغات بطلاقة أهلها ويمارس العمل الأكاديمي تدريسا وإدارة وبحثا وله عشرات الكتب التي صارت مراجع أوروبية معتمدة في الشأن العربي يمتلك ما يكفي من الحيوية ليكون بطل بلجيكا في لعبة الغولف وعازف بيانو قديرا وها هو قد بدأ أيضا في تعلم الطيران على يدي ابنه ميخائيل، هذا فضلا عن محاضراته ولقاءاته التلفزيونية والصحفية التي تكاد لا تنقطع كلما تصدّر العرب نشرات الأخبار وهم كثيرا ما يفعلون. بشارة المولود في قرية الزبابدة الفلسطينية قبل النكبة بأربعة أعوام وقبل وفاة أبيه بعامين مدين بكل شيء تقريبا لأمه التي قالت له "يا بشور لا تكتف من العلم أبدا فالذي يشبع من العلم جاهل". وهكذا كان، شق الفلسطيني اليافع طريقه مسلحا بذهن حاد كالشفرة وذكاء باهر.

بشارة خضر: أنا ولدت في قرية فلسطينية صغيرة اسمها الزبابدة في منطقة جنين في فلسطين المحتلة بعد 1967 ونشأت في هذه القرية في عائلة فلاحية صغيرة فقيرة، عائلتي مكونة من سبعة أولاد ثلاث بنات وأربع شباب وأبي توفى لما كان عمري سنتين فبقيت أمي لوحدها مع هذه العائلة الكبيرة فاضطرت طبعا لاقتناء بعض الأغنام مما مكننا من العيش بشكل جيد ولكن بقيت عائلتي فقيرة ولكن عائلة متضامنة وهذه طبعا من أحسن ذكريات طفولتي أننا كنا عائلة متماسكة في قرية جميلة جدا وهي قرية الزبابدة. تمكنت من الدخول في مدرسة الزبابدة وبعد ذلك دخلت في مدرسة داخلية في بيت جالا وبالإضافة إلى المواد التدريسية العادية تمكنت من تعلم اللغة اللاتينية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية بالإضافة إلى اللغة العربية، وهذه المدرسة مكنتني من العمل في 1964 في مدرسة الفرير في القدس قبل الاحتلال طبعا، وفي نهاية الأسبوع كنت أعمل كدليل سياحي باللغة الفرنسية والإيطالية والإنجليزية الأمر الذي مكنني من القيام ببعض العلاقات الجيدة والصداقات الحميمة مع الأوروبيين الذين كانوا يزورون فلسطين في تلك الآونة. في 25 حزيران 1965 قررت الذهاب لمتابعة دراستي الجامعية في جامعة السوربون في باريس ولكن إمكانياتي المادية كانت قليلة جدا وكان في جيبي ما يعادل مائة دينار فقط وكنت أنوي أن أعمل في الليل حتى أمول أول إقامتي ودراستي ولكني لم أتمكن، والقفزة النوعية من القدس إلى باريس كانت أكبر من طاقتي فقررت الذهاب إلى بلجيكا والانخراط في جامعة عريقة جدا وهي جامعة لوفان في منطقة في مدينة جميلة جدا في بلجيكا وهناك انسجمت لأنني وجدت الجو الملائم والمناسب لمتابعة هذه الدراسة، تخرجت من هذه الجامعة وحصلت على شهادة ليسانس وثم تفوقت في منافسة جامعية وحصلت على بعثة جامعية لدراسة الماجستير في جامعة أميركية اسمها جون هوبكنز يونيفرسيتي ولكن لها مقر في إيطاليا، فإذاً درست في جامعة أميركية في إيطاليا الأمر الذي مكنني من تحسين أولا اللغة الإنجليزية وثانيا اللغة الإيطالية الأمر الذي الآن سمح لي أن أكون محاضرا في خمس لغات، باللغة العربية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية وطبعا باللغة الفرنسية. أخي نعيم درس في جامعة لوفان القانون وأخذ دكتوراه في القانون كان متحدثا بارعا ومثقفا بارزا وأنا كنت أعتقد أنه سوف يختار العمل التدريسي كما أنا اخترت، ولكن هو قرر العمل السياسي وانخرط في العمل السياسي ودخل منظمة فتح وكان طبعا رجلا محترما ومقدرا من قبل الأجهزة الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية وعرفات نفسه قال لي مرة إن كل تقرير كان أخي يبعثه له كان يقرأه من أول كلمة إلى آخر كلمة باعتبار أن هذه التقارير كانت تعطيه فكرة كاملة عن الوضع البلجيكي والوضع الأوروبي بشكل عام. وطبعا اغتياله في بلجيكا أمام بيته كان بالنسبة لي صدمة كبرى، سمعت خبر اغيتال أخي نعيم عندما كنت أشارك في مؤتمر في إنجلترا في حدود الساعة التاسعة صباحا بعد أن أعددت نفسي للذهاب للمؤتمر فتحت الـBBC  وسمعت الخبر (كلمات أجنبية) وعرفت أن هذا الخبر يعني أن أخي نعيم وكانت بالنسبة لي فاجعة كبرى وصدمة كبيرة جدا إذ أن أخي.. لم أفارق أخي نعيم منذ طفولتي إلى هذا الاغتيال في بلجيكا، ولكن قررت أن أتابع هذا المشوار ليس على المستوى السياسي ولكن على المستوى العلمي من هنا جاء اهتمامي في العمل على مستوى الصحافة البلجيكية والأوروبية وكتابة المقالات وإعداد الكتب، وكتبت أول كتاب عن تاريخ فلسطين في السبعينيات وأكثر الكتب التي كتبتها كانت في بداية الثمانينات والتسعينات وأقول إنني الآن قبل أسبوع أصدرت كتابين آخرين يشكلان الكتاب الرابع والعشرين والخامس والعشرين وهذه الكتب كلها تعالج قضايا العالم العربي وقضايا العلاقات العربية المتوسطية الأوروبية.

[فاصل إعلاني]

25 كتابا ومركز لدراسات العالم العربي المعاصر

بشارة خضر: أنا دائما كان عندي هواية الموسيقا وهواية الرياضة، تعلمت البيانو لما كان عمري 12 سنة لـ 18 سنة ووصلت لدرجة جيدة في البيانو ولكن عندما جئت إلى بلجيكا ولم أتمكن من شراء بيانو انقطعت عن ممارسة هذه الهواية ولكن الآن فقط لأريح نفسي عدت لممارسة هذه الهواية بس بشكل غير محترف، أما هواية الرياضة فمارست كرة القدم لفترة طويلة وبعد ذلك لعبة التنس ومنذ عشرين سنة بدأت ألعب غولف ووصلت إلى درجة عالية في هذه اللعبة لدرجة أن بعد سنة 2000 أصبحت بطل بلجيكا في لعبة الغولف لأربع مرات متتالية ووصلت لنهائية البطولة في الغولف في بلجيكا ثلاث مرات منذ سنة 2000، فهذه الآن هي الهواية الأساسية التي أمارسها لأنها هامة بالنسبة إلى العمل للبحث والعمل الفكري وأعتقد دائما أن العقل السليم في الجسم السليم.

المعلق: لا تسمحوا لكلامه المتواضع هذا بأن يخدعكم فالكهل الذي يمارس رياضة الغولف ليريح أعصابه وينشط دورته الدموية فحسب لا يتحول إلى بطل ذي صيت قاري ولكن هذه هي طبيعة البروفسور بشارة لا يساوم ولا يقنع بأنصاف الحلول، فإذا قرر أن يتعلم الغولف فإنه يدأب على ممارسته والتدريب عليه وصولا إلى أرفع مستوياته مستوى البطولة لا أقل منها. وكم يرهق الدكتور بشارة تلاميذه البلجيكيين في مركز دراسات العالم العربي المعاصر في جامعة لوفان حينما يطالبهم بألا يقنعوا بنصف معرفة أبدا فالمعرفة المنقوصة قد تكون شرا من الجهل الكامل، وخصوصا فيما يتعلق بالحالة العربية التي تعرضت لتشويه هائل في وسائل الإعلام الأوروبية مما سجن صورة العربي في وعي معظم الأوروبيين في قفص التنميط فهو البدائي المتخلف الثري السفيه وأخيرا هو المتشدد الإرهابي. يعلّم بشارة تلاميذه بأن العرب هم في معظم الأحوال ضحايا يتوقون لحياة حرة كريمة وادعة، إنه يطالب تلاميذه بأن يتحرروا من التنميط وأنصاف المعارف كي يعرفوا العرب حقا وهي نفسها وصفة البطولة في لعبة الغولف المترفة.

بشارة خضر: فعندما رجعت إلى جامعة لوفان لأكمل رسالة الدكتوراه وأباشر في إعداد بحث لرسالة الدكتوراه رأيت أن من الضروري أن أؤسس مركزا لدراسات العالم العربي المعاصر، فرئيس الجامعة سمح لي بذلك وأعطاني إمكانيات بسيطة جدا فبدأت في شراء بعض الكتب وأدخلنا مادة تدريسية عن العالم العربي المعاصر، مادة واحدة، وبدأنا مباشرة بعشرة طلاب. ولكن الآن بعد مرور سنوات كثيرة عندي مكتبة من ألوف الكتب يواظب عليها آلاف الطلاب بينما عدد طلابي الآن أكثر من 650 طالبا يدرسون معي ست مواد تدريسية أغلبها عن العالم العربي المعاصر، فهذا أعتقد الشيء الذي أفتخر به أنه بالجهد المتواضع ولكن بنية طيبة يمكن أن نملأ الفراغ وأن ننشئ مركزا يعني اكتسب أعتقد شهرة جيدة داخل بلجيكا وخارج بلجيكا ومكّن الطلاب من التعرف عن كثب على قضايا العالم العربي المعاصر سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. من الاهتمامات الأساسية في عملي هو القيام بأبحاث علمية فكتبت بحدود 25 كتابا هذه الكتب تعالج قضايا مختلفة كتب تعالج القضية الفلسطينية تاريخيا وجغرافيا وطبعا سيسيولوجيا وسياسيا وكتب تعالج قضايا العالم العربي المعاصر، اقتصاد سياسة اجتماع أنتروبولوجيا وجيوسياسة وكتب تعالج العلاقات العربية الأوروبية، الهدف من هذه الكتب أولا إعطاء فكرة مختلفة عن العالم العربي والانتهاء من الآراء المسبقة التي لمستها في بلجيكا داخل بلجيكا وخارج بلجيكا، هذه الكتب لاقت رواجا جيدا عشر كتب ترجمت إلى الإسباني للغة الإسبانية ثلاثة أو أربعة كتب ترجمت إلى اللغة الإيطالية وهناك بعض الكتب التي ترجمت إلى اللغة العربية وصدرت عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، منها كتاب "أوروبا والعالم العربي، القرابة والجوار"، كتاب آخر "أوروبا ودول الخليج العربية، الشركاء الأباعد"، وكتاب ثالث بعنوان "أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية إلى الآن"، والآن هم في قيد ترجمة كتاب آخر دراسة نقدية عن السياسات الأوروبية تجاه البحر المتوسط دول البحر المتوسط وهذا الكتاب سوف يصدر قريبا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. طبعا إعداد كتاب بستمائة صفحة لا يتم بـ15 يوما أو ببضعة أشهر فإعداد هذا الكتاب يحتاج إلى فترة كثيرة من الدراسة والبحث والكتابة ونشر الكتاب، فالكتاب الأخير مثلا عن شرح العالم العربي لأوروبا ويقع في حدود 534 صفحة أخذ مني جهدا بحدود ثلاث سنوات وهذا الكتاب طبعا سوف يصدر في لغات أوروبية مختلفة وأعتقد الهدف من هذا الكتاب هو إعطاء فكرة شاملة عن كافة جوانب العالم العربي سواء على المستوى الاقتصادي أو على المستوى السياسي أو المستوى الاجتماعي وكل القضايا التي تهم اليوم العالم العربي ومن الضروري جدا أن أوروبا تتعرف على هذه القضايا. طبعا بحكم كوني فلسطينيا لا شك أني أعطيت جهدا كبيرا إلى معالجة القضية الفلسطينية سواء على مستوى البحث أو على مستوى المحاضرات داخل بلجيكا وخارج بلجيكا، فأصدرت أكثر من كتاب عن فلسطين تاريخ فلسطين في ثلاث مجلدات، تشريح الصهيونية وإسرائيل، كتاب عن مستقبل فلسطين، وكتاب عن.. تاريخي عن علاقة أوروبا بفلسطين سمي باللغة العربية "أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية إلى الآن" ويقع بحدود 650 صفحة وهذا الكتاب طبعا أخذ من وقتي ما لا يقل عن أربع سنوات تنقيب وبحث وكتابة, وهذا الكتاب ترجم إلى اللغة العربية ترجم إلى اللغة الإسبانية وترجم إلى اللغة الإيطالية ولاقى رواجا واسعا في الأوساط الأكاديمية في أوروبا. ولكن فلسطين لا تدخل في صلب اهتمامي كموضوع بحث فقط إذ أنني أشارك في النقاش داخل بلجيكا وخارج بلجيكا حول القضية الفلسطينية، مثلا في إبان الاعتداء على غزة مؤخرا كنت متواجدا باستمرار في التلفزيون البلجيكي وفي الصحافة البلجيكية وفي المظاهرات للتضامن مع الشعب الفلسطيني، فأنا لا أعتبر نفسي مثقفا منعزلا عائشا في برج عاجي في هذه الجامعة لكن لي تواجد وحضور في بلجيكا وفي خارج بلجيكا على مستوى المحاضرات وعلى مستوى اللقاءات التلفزيونية واللقاءات الصحفية.

المعلق: يكشف ابن الزبابدة الفلسطينية للقارئ الأوروبي عبر مشروع فكري شاسع بحجم 25 كتابا أن الغرب يخاطر بمصالحه الجيوسياسية إذا ما ترك المنطقة العربية نهبا للفوضى وفريسة للفقر والطغيان وإذا ما أخفق في فرض حل عادل للمأساة الفلسطينية التي ساهم الغرب نفسه في نشأتها، ويذكّر بأن أخطر ما يخشاه الغرب الآن أي الإرهاب وتدفق المهاجرين هما ثمرتان قبيحتان لشجرة زرعها الغرب بيديه في الماضي القريب ثم غسل يديه من إثمها وأدار ظهره لها بوقاحة، ويطرح البروفسور بشارة حلا وحيدا لا يقبل القسمة ولا المساومة، ينبغي طرح مشروع شامل للنهضة العربية على الصعيدين السياسي والاقتصادي يقف وراءه الغرب بكل قوته ولتكن نقطة البداية حل القضية الفلسطينية بإنشاء الدولة ودعمها حتى تقف على قدميها، إن على الغرب أن يتوقف فورا عن مناصرة الطغاة وأن يقف بكل ثقله وراء التيارات الليبرالية المعتدلة في العالم العربي وأن يضخ استثماراته في العالم العربي رافعا معدلات وعي الناس ومستوى معيشتهم هذا إن أراد الغرب إصلاحا حقيقيا لأحواله قبل أحوالنا.

بشارة خضر: انهماكي في العمل الجامعي وانهماكي في العمل التضامني مع القضية الأساسية اللي هي قضية فلسطين طبعا منعتني من الزواج لفترة طويلة فشاءت الصدف أني التقيت بامرأتي لما كان عمري 38 سنة وهي أصغر مني تقريبا بـ18 سنة فأحببتها وهي شاطرتني هذا الحب واتفقنا على الزواج، ولكن في الوقت اللي عائلتي كانت موافقة على هذا الزواج عائلتها رفضت هذا الزواج باعتبار أني من أصل عربي باعتبار أني أكبر منها سنا لكن امرأتي عنيدة فهي طبعا أحبتني ويبدو أنها لا تزال تحبني، فتزوجنا والآن عندنا ولدين، بنت وصبي ميخائيل وياسمين، ميخائيل يدرس هندسة صناعية رابع سنة في الجامعة وياسمين تدرس إدارة أعمال ثالث سنة جامعة. لسوء الحظ أولادي لم يتعلموا اللغة العربية مش من قبيل الصدفة أن نحن العرب نكون بنتكلم عن لغة الأم بحكم كون امرأتي بلجيكية فأولادي ما تعلموا اللغة العربية لكن يعني يمكن أن أجزم أن إحساسهم وشعورهم هما يعني عربي تماما ويشاطرون همومي ويعني يشعرون بما أشعر ويتألمون عندما أتألم لما أنظر المشاهد المذابح التي صارت مثلا في غزة في الآونة الأخيرة. بحكم عملي في الجامعة كمدير مركز دراسات العالم العربي المعاصر فالعالم العربي هو همي وهو اهتمامي الرئيسي كل يوم فأنا لا أعتبر نفسي مهاجرا أو مغتربا لأن كل عملي في هذه الجامعة يدور حول العالم العربي والتعريف بقضايا العالم العربي المعاصر فأنا إذاً لا أعتبر نفسي مهاجرا بالمعنى الثقافي للكلمة.