- مواجهة التشدد في المغرب وفي بلجيكا
-
جمعية الوئام الأهلية وصورة العرب والإسلام

مواجهة التشدد في المغرب وفي بلجيكا

جنات أحناش
جنات أحناش: عندما أتيت لأول مرة إلى الجامعة أحسست بصدمة الحقيقة لأنه كان أول لقاء لي بالإنسان الغربي بحد التماس، فالفكرة التي كانت عندي عن الإنسان الغربي هو الإنسان الذي يأتي عندما يشاهد معالم تاريخية للمغرب يمر عبر الأحياء الشعبية ويأخذ لنا صورة يعني كنا نفرح، ما عندي في الذاكرة يعني لما نشاهد مجموعة من الغربيين يمرون عبر الأحياء ويأخذون لنا صورة وهكذا، نحن في ذلك الوقت كنا يعني منفتحين فرحين بأنهم يزورون بلدنا وبقيت تلك الصورة عندي في الذاكرة زيادة على أن الفكرة التي كانت عندي بطبيعة الحال عالم متقدم عن عالمنا العالم الثالث ومتطورين من الناحية العلمية وكل هذه الأشياء، لكن لم تكن عندي فكرة صورة واضحة عن كيف ينظرون إلينا في الحقيقة ففوجئت بأنهم يعني ينظرون إلى الإنسان
العربي أو الإنسان الآتي من شمال أفريقيا نظرة دونية، هذا كان مفاجأة بالنسبة لي دفعني في خلال ثلاث سنوات يعني كنت مضطرة إلى أن أبذل مجهودا أكثر من الذي يبذله طالب بلجيكي لحتى تثبت نفسك أنك تستطيع أن تعمل العمل نفسه، المسألة ليست بالجنس أو العرق أو اللون. بعد ثلاث سنين تمكنت الحمد لله من إصدار أول مقال لي في الموضوع الذي تخصصت فيه، بالمناسبة المختبر متخصص في تطوير مواد يعني تساعد على تصفية الماء والهواء من السموم بيسموه الـ purse material  اللي بيستعملوه كذلك كـ  adsorbent أو catalyst في تكرير البترول وهذه الأمور. البحث الذي عملت فيه هو كان ينطلق من مواد أساسية كالطين الطبيعي والطين الاصطناعي في محاولة لصنع مثل هذه المواد يعني بتكلفة أقل، فصدرت لي مجموعة من المقالات تقريبا خمس أو ست مقالات في مجلة علمية عالمية، وأحسست بعد أن صدر لي أول مقال يعني برد الاعتبار نوعا ما لأنه بعد ذلك كما يقولون، الآن فقط يعني نعتبرك ونعدك واحدة منا، بين مزدوجتين.

المعلق: هنا إذاً في أنتورب البلجيكية الشهيرة بأسطورة العملاق الواقف في المرفأ لقطع يد البحارة الذين يتهربون من سداد ضريبة العبور حتى جاء بطل بلجيكي قطع يد العملاق القاسي نفسه ورماها في البحر، هنا في هذه الحاضرة الأوروبية الباردة تدور رحى معركة بين التشدد والاعتدال في الإسلام، الاعتدال الذي تمثله أسرة الدكتورة جنات أحناش ابنة طنجة التي تحدت الانحيازات والمصاعب العملية التي تواجه المرأة العالمة في المغرب وتواجه الباحثة المهاجرة من الجنوب في بلجيكا حتى توجت بشهادة الدكتوراه في أحد أعقد فروع علم الكيمياء التطبيقية. الدكتورة جنات لا تعمل في مجال تخصصها العلمي الرفيع بل هي تكتفي حاليا بدور اجتماعي لا يقل أهمية عن اختراع المرشحات والمنقيات، دورها الذي بدأت تعيه حينما حضرت حفلة التعارف الأول للجالية المغربية والمسلمة في مدينة أنتورب قبل سنوات حينما أجبر بعض المتشددين منظمي الحفل على الفصل في الأماكن بين النساء والرجال، وهكذا أدركت جنات أنها ينبغي أن تكرس وقتها للتعريف بالوجه المعتدل المتسامح للإسلام.

جنات أحناش: بحكم أنني أنا البنت الكبرى بالأسرة فكانت علي ملقاة مسؤولية كنا قدوة يعني، ولذلك في اعتقادي أني توقفت من اللعب مبكرا، يعني في المدن العتيقة معروف في مدينة طنجة أن الأطفال يخرجون يلعبون قبالة الباب لكني توقفت عن هذه العملية في سن مبكرة، كان يعني التركيز على مساعدة الوالدة في البيت ثم الدراسة فعيب أنك تخرجي تلعبي، دور القدوة في البيت كان يحتم علي أن أراقب أخوتي أراقبهم في إذا غابت الوالدة أراقبهم في مساعدتهم في المدرسة. الوالد كان دائما يحثنا على التعلم وعلى الوصول إلى شهادات عليا فهذا الجو العام لحب العلم والتعلم بالمقابل كان كذلك حالة شاذة وسط العائلة إن صح التعبير لا زلت أتذكرها لحد الآن، أنه مثلا في السنة الخامسة أنا اجتهد لأعد للامتحانات وأنتظر بفارغ الصبر النجاح فإذا بي أفاجأ بأحد أفراد العائلة يعني ليس العائلة القريبة ولكن يدعو لي بالسقوط، هي مسألة مضحكة الآن ولكنها في ذلك الوقت كانت أحزنتني بعض الشيء، لكن الحمد لله كنت أخشى أن يستجيب الله سبحانه وتعالى الدعاء لكن لم يكن كذلك، الحمد لله، الله سبحانه وتعالى وفقني ونجحت في السنة الخامسة لأن السنة الخامسة في ذلك الوقت في المغرب كانت هي توجيهية يعني لولوج الإعدادي والثانوي حتى البكالوريا. الطموح اللي كان عندي والحب لذلك العلم هو الذي جعلني أن يعني وفقني لأن أنجح أنا للشهادة البكالوريا في التعليم في العلوم التجريبية، ثم بعد ذلك لم يقف عند ذلك الحد طمعت في الجامعة فكان كذلك الأمر ذهبت إلى الجامعة بتطوان بحكم أن طنجة لم يكن يوجد فيها جامعة فكلية العلوم بتطوان، درست الفيزياء والكيمياء حتى حصلت على إجازة في الكيمياء. قدّر الله سبحانه وتعالى أنه في صيف 1993 يعني مباشرة بعد أن حصلت على الإجازة تقابلت مع الأستاذ عبد الله كريم اللي هو زوجي الآن، كان لقاء غير مبرمج يعني أنا كنت أعرف أصدقاء لي في تطوان وهو كذلك كان يعرفهم فلما كان يأتي من بلجيكا يمر لزيارتهم فهناك تمت المقابلة وتم القبول وكان هو كذلك يؤكد على أنه حبذا لو تريدين أن تكملي تعليمك فالتقى الماء على أمر قد قدر. تزوجنا بسرعة خارقة كان الزواج في أسبوع، فسبحان الله كان هناك مشكل كونه من الدار البيضاء وأنا من مدينة طنجة وأناس لا نعرفهم، كذلك العقلية تختلف داخل المغرب ليس كالشمال لكن كل هذه الصعوبات يعني مرت بشكل سريع.



[فاصل إعلاني]

جمعية الوئام الأهلية وصورة العرب والإسلام

جنات أحناش: بعد حصولي على رسالة الدكتوراه توجهت لأتعلم لغة البلد، مع العلم بلجيكا بلد صغير ولكنه منقسم إلى ثلاث مناطق فيتحدثون باللغة الفلمنكية اللي هي اللغة الهولندية لغة جيران بلجيكا لغة هولندا، ويتحدثون الفرنسية والألمانية. والغريب هو أن هذا القطعة الصغيرة من بلد بلجيكا يعني اللي يسمونها فلامبر تتحادث بهذه اللغة وتجعلها يعني حاجزا يعني إن لم تكن تتكلم لغة فلا أحد يتكلم معك رغم أنهم يمكن لهم أن يتحدثوا بالفرنسية وبالإنجليزية لكنهم يحبون أن الشخص الذي الموجود هنا في أنتورب مثلا أو في فلامبر في المنطقة الفلمانية أن يتحدث لغتهم، فكان تحديا يعني بعض الشيء، لكن الحمد لله وفقت فيه فيمكن لي أن أتواصل مع الشباب هنا باللغة ثم مع الأجانب الآن. التجربة التي مررت بها في الجامعة بينت لي شيئا مهما هو أن الغرباء هنا من المغاربة وأتراك كان عندهم يعني حاجز نفسي يعني عمليا لم يكن هناك حاجز، أبناء الجالية لا يفكرون أن يلجوا الجامعة ويظنون أن الأمر صعب بالنسبة لهم، وأهل البلد البلجيكيون كان عندهم هذا المشكل يعني يضعون لأبناء الجالية سُقفا عالية يعني على مستوى اللغة على مستوى أنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى هذا إلى المستوى الأكاديمي وهذه الأمور، هذا جعلنا أن مثلا في جمعية الوئام أن نؤكد في أنشطتنا على تحفيز الشباب للتعلم.

المعلق: الوئام هو اسم الجمعية الأهلية التي أسستها جنات مع زوجها ابن الدار البيضاء وأحد أساتذة اللغة العربية المعدودين في أوروبا، والوئام اسم يكشف المغزى الحقيقي لكل العمل الدائب المبذول، إذ ينبغي أن يتصالح المهاجرون الجنوبيون إلى بلجيكا مع أنفسهم أولا وأن ينظروا بشجاعة إلى مكونات هويتهم وأن يغربلوها ليتخلصوا من عوالق التشدد والتطرف وتهميش المرأة ورفض الآخر، على هذه العملية الداخلية الصعبة المركبة أن تتم بالتزامن مع السعي للاندماج في المجتمع البلجيكي بالخصوصية اللافتة بوحدته الوطنية الصلبة رغم انقسامه اللغوي وتفتته العرقي. الابنة الكبرى لأسرة طنجية صغيرة تحملت مسؤولية أن تكون قدوة حسنة لأخيها وأختها، وهي تمارس عملها الاجتماعي بين المهاجرين الجنوبيين بنفس روح الأخت الكبرى تضرب المثل بنفسها من كل النواحي، تواصل التعلم حتى أرفع درجة، وتتقن لغة الناس في أنتورب وهي الفلمنكية الهولندية لتستطيع التواصل معهم، وتؤسس مع زوجها أسرة مستقرة سعيدة يزدهر الأولاد الأربعة فيها بتناغم عميق بين محيطهم وهويتهم العربية.

عبد الله كريم/ زوج الدكتورة جنات أحناش: فكرة الوئام جاءت كنتيجة لتدريس بعض أبناء المسلمين في بيتي بتشجيع من زوجتي والحمد لله، كنت أدرسهم اللغة العربية، اللغة العربية وشيء من الدين والحمد لله فهم فرحوا بهذا الأمر وهم قد سبقوا، هؤلاء الشباب كانت لهم يعني لأنهم نشؤوا في هذه الأرض وكانت لهم تجربة مع جمعيات غير مسلمة فقالوا وشجعونا على أن ننشئ جمعية حتى ينتقل هذا الخير الذي هم.. هذا الخير يعني تعليم اللغة العربية وتعليم الدين لا يبقى عنده حبيس البيت، حبيس هذا البيت اللي كان عندي وأن ينتقل إلى الجميع ينتقل إلى فضاء أوسع وأرحب، من هنا كانت الفكرة والحمد لله وقلنا بسم الله وعلى بركة الله بسم الله مجراها ومرساها، وهكذا انطلقت الجمعية في سنة 1995.

جنات أحناش: بحكم أن المجتمع فيه بنات وأولاد كان لا بد من العمل ليكون فيه حض للنساء، فكنت أنا يعني المرأة الوحيدة التي شاركت في تأسيس هذه الجمعية، فمن هنا كانت البدايات هو فرض للوجود يعني التعريف بمن نحن، ماذا هدفنا، تحسيس الناس الموجودين هنا المهاجرين بأنه لا بد لهم من أن يعملوا شيئا حتى يكونوا فاعلين في هذا المجتمع. آخر أحد في كل شهر عندنا لقاء خاص بالفتيات والنساء، كانت الحاجة إليه ملحة لأن هناك كثيرا من الغبش حول بعض الأحاديث النبوية مثلا حول فهمنا كمسلمين، لماذا لما دور المرأة المسلمة في المجتمع هنا في بلجيكا وفي سائر المجتمعات، هذا الغبش موجود يعني حتى في بلدي المغرب مثلا فكانت الحاجة ملحة لهذا الأمر. أرتأينا أن ندرس الأمور واحدة واحدة يعني كما يقولون، في البدايات كان مسألة لباس المرأة كيف يكون لباس المرأة المسلمة، إذا كان هناك مشكل في العمل، إذا مثلا لا بد للمرأة أن تعمل هل لها أن تضع حجابها إن لم تجد عملا، علاقتها بربها يعني تتأثر بهذا الأمر، أن نبحث في كتب بحكم أني أستطيع هذا الأمر لأني أعرف اللغة العربية نبحث في كتب علماء وباحثين في هذا الأمر ونستشير أيضا يعني المتخصصين في هذا المجال ثم نحاول أن نفهم الموضوع بشكل أوضح حتى نفتح المجال للمسلمات في هذه الأرض بأن تعمل بكل يعني أريحية وبانطلاقة لا يعيقها يعني حجابها أو كونها أنها مسلمة.

عبد الله الكريم: قراءة القرآن الكريم، ياسين، ياسين قلب القرآن وهي كانت عبارة عن ماذا تقديم الإسلام تقديم تحسين صورة الإسلام في هذه الأرض، لأن كانت هناك في 2006 أقول كانت هناك ضجة حول الأفلام الكرتونية وحول السخرية التي كانت طالت الحبيب صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبدأت المظاهرات في هذه الأرض فنحن أردنا أن نمتص هذه الغضبة ونوجهها توجيها سليما قلنا بأن هؤلاء الناس الذين يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم وضد القرآن هم ينطلقون أساسا من العولمة من السياسة وينطلقون من الأقلام المسمومة التي كانت كتبت عن الإسلام بأي لغة من اللغات، فلهذا يعني قمنا بطرح القرآن الكريم بشكل جميل حفل حضره الجميع باللغة الهولندية بقراءة من أبناء المسلمين هنا في هذه الأرض وكان جميلا جدا، استحسنا الأمر وقلنا بأن في كل سنة إن شاء الله تعالى يكون هذا الأمر، هدفها هذا يعني هذا من المناشط يعني إذا يكون مرة مرة مناشط إشعاعية. إذا سئلنا ما هو تصورنا للمستقبل نحن نسعى بإذن الله عز وجل أن تتحول الجمعية إلى مدرسة وإلى جامعة، يعني جامعة أقصد ليس بالجامعة أقصد مدرسة يعني كفكر الانفتاح لدين الإسلام وهذا الإقبال للشباب، تعليم اللغة العربية بالخصوص لأبناء المسلمين وغير المسلمين، التربية الجمالية للطفل لأن هذا مهم جدا، نحن فقط يعني لحد الآن اقتصرنا على التربية الجمالية هو ربطهم بالأغنية وربطهم بالنشيد الإسلامي ولكن طموحنا أوسع، هناك مسرح هناك سينما هناك آفاق كثيرة يعني يجب أن نطرقها لأن التغيير، تغيير الذات تغيير أبناء الجالية كفكر وكمجتمع يبدأ من النفس، ثم هذا وجهنا يجب أنه نجمله ويجب أن نظهره لغير المسلمين.

المعلق: أخوها وأختها مهاجران بدورهما إلى بلجيكا وأبواها يعيشان في إسبانيا، أسرة الدكتورة جنات إذاً تؤمن بأن أرض الله الواسعة مفتوحة على اتساعها أمام الساعين لحياة أفضل وفرص رزق أوسع من تلك التي تضيق بالناس في المغرب وفي معظم أرض العرب، والعودة النهائية إلى مسقط الرأس في طنجة ليست الآن خيارا مطروحا، فبلجيكا التي تمنح التعليم والرعاية الصحية مجانا وتدفع إعانات بطالة سخية تغري بالالتصاق بها وخصوصا لأم أربعة أولاد عددهم قابل للزيادة. والدكتورة جنات كدأبها لم توقف مطاردتها لأحلامها الواسعة لحظة واحدة فهي تتهيأ لمزيد من الدراسة المختصة التي ستؤهلها لتعليم الكيمياء في المدارس الثانوية إذ هي تؤمن بأن المعلم كاد أن يكون رسولا، وهي تحب أن تكون القدوة للأجيال الطالعة كي تفيد التقدم البشري أكثر، نعني تقدم الغرب والعرب معا.

جنات أحناش: الحمد لله المستقبل يبدو لي.. أنا متفائلة من هذه الناحية أولا لأنه في البداية كانت صعوبات وكان عملية الاندماج صعبة لأننا لم نكن نعرف كيفية التعامل مع الناس في هذا المجتمع، الآن كل العوامل تؤثر، حركتنا في العمل الجموعي صيرورة الأحداث على مستوى العالم الإسلامي والعالم العربي في كل هذا الذي مضى أثر نوعا ما بإيجابية على واقع المهاجرين هنا في بلجيكا وفي أوروبا وفي العالم بصفة عامة، أنا متفائلة من حيث أن إنسانية الإنسان هي التي ستنتصر إن شاء الله في النهاية، وفي أمل أن الإنسان يتعايش مع بعضه سواء يعني بغض النظر عن جنسه أو انتمائه أو دينه.