- النشأة والظروف العائلية
- البحث عن سبل التطور وجسور التواصل

النشأة والظروف العائلية

نعمان كنفاني
المعلق: هذا سلوك دانماركي خالص أن تذهب إلى عملك راكبا دراجة حتى لو كنت في الستين من عمرك وأستاذا للاقتصاد في جامعة كوبنهاغن وحتى لو كنت مستشارا تتهافت الحكومات على خدماته الجليلة ويترقب الاتحاد الأوروبي نتائج أبحاثه كالدكتور نعمان كنفاني المولود في دمشق في عام ولادة المأساة الفلسطينية لأسرة من عكا شردتها إسرائيل وسلبها الصهاينة البيت والوطن و المستقبل، الدكتور نعمان المنكب حاليا على دراسة اقتصاديات القطاع الزراعي الأوروبي والتخطيط لاقتصاد الدولة الفلسطينية المستقبلية اختار الدانمارك مستقرا له اختيارا عقليا باردا على حد وصفه، فبعد أن نال درجة الدكتوراه في جامعة لوندس السويدية عام 1982 لم يخطر بباله خلالها خاطر البقاء في أوروبا، اكتشف أن عودته للبنان حيث خط المواجهة مع إسرائيل ما عادت ممكنة فكانت الدانمارك المكان الذي تحلو فيه الحياة بحسابات العقل الباردة.

نعمان كنفاني: أنا بقى لي حوالي عشرين سنة بأشتغل بداخل هذه الكلية اللي هي جزء كلية من داخل جامعة كوبنهاغن، مهمتي ووظيفتي هي أستاذ الاقتصاد بالجامعة واحد من أساتذة الاقتصاد دخل الجامعة، التوزيع الأكاديمي لعملنا عملنا كأكاديميين بينقسم إلى قسمين رئيسيين والقسم الرئيسي هو واحد من الأقسام هو التدريس تقريبا نصف الوقت بتاعنا تدريس إلى جانب التحضير للمحاضرات طبعا هذا نصف الوقت، النصف الآخر لازم يروح للأبحاث جهد البحث والتطوير ونشر المقالات الجديدة تطوير المعرفة هذه مهمتنا الحقيقة، حتى الآن الأكاديميا بأسكندنافيا بشكل خاص إحنا ما نزال محظوظين، محظوظين من ناحيتين أولا مجال البحث بتاعنا مفتوح وحر بمعنى أن كلية الاقتصاد عنا في لها خطوط مهام عمل عريضة مجال اهتمامات عريضة بس الأستاذ ما يزال واحد مننا حر بأن يختار مجال التخصص بتاعه اللي بده يعمل فيه وأنا واضح أن بكون خلفيتي اهتمامي متركز بشكل أساسي على قضية الشرق الأوسط منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وقضية موضوع فلسطين الجانب الاقتصادي من القضية الفلسطينية بشكل خاص، الجانب الآخر لما نزال محظوظين فيه كأكاديميين إحنا بأن سواء الإعلام أو رجال السياسة أو.. ما يزال كلمة الأكاديميين بالبلد مسموعة ففي أي نقاش أي قرار بده يتخذه البرلمان أو يتم نقاشه بالصحف أو دائما بيسير الاتجاه إلى سماع رأي ماذا تقوله الأكاديميا لأن الأكاديميا هي مفروض تكون نظريا على الأقل هي طرف مستقل غير معتمد على دخل من أي جهة من الجهات، والمفروض يبلغ بقية الجمهور خلاصة معرفته العلمية بأي موضوع هو موضع نقاش وموضع بحث. بالنسبة لأوروبا أول شيء فاجأني لما إجيت على أوروبا بأتناقش حول القضية الفلسطينية مع الأصدقاء الأجانب اكتشفت أن فلسطين قضية فلسطين مش قضية بديهية بالنسبة للأوروبيين، الآن لما يربى واحد بعائلة فلسطينية هاجرت وبتعرف بيتها وكل المجتمع العربي حوله يعني القضايا التفصيلية للقضية الفلسطينية لا تناقش، هذه بديهيات معروفة ما بحاجة لتبرير ليش خرج والدي ليش ترك فلسطين ليش هاجروا، لما بيجي على أوروبا الواحد الآن كل البديهيات الآن بحاجة إلى تبرير جديد يعني الآن بدك تقنع الأوروبي أو صديق أو عدو بدك تقنعه بأن هجرة والدي من فلسطين كانت تحت تهديد السلاح كانت تحت خوف من اغتصاب البنات اغتصاب زوجته خوف من الموت وهذه مسألة كل القضية الفلسطينية بدها إعادة تفكير وقتها بيصير ما بيكفي الآن أنك بتعرف الخطوط العامة كل مسألة تعرفها بحاجة إلى تبرير وتبرير تاريخي وهذا أدى فيي إلى أنني أعدت النظر بكل التاريخ الفلسطيني أنك تعرفه بتفاصيله حتى تستطيع أنك تناقش بطريقة علمية ومنطقية مع الأعداء مع وجهة النظر الأخرى. ولدت أنا بعد ما وصلت العائلة إلى دمشق يعني أنا ما بأعرفش فلسطين طبعا درست دراستي.. عشت حياة عادية نسبيا حياة طبقة وسطى في حي من أحياء الطبقة الوسطى بدمشق، ما شعرت إطلاقا بسوريا بأن هناك في تمييز ضد الفلسطينيين أو معاملة خاصة نشأت بمدارس سوريا مع أصدقاء سوريين والنشاط السياسي الطبيعي لأي تلميذ بالمرحلة الناصرية طبعا لا يمكن الواحد طالب مدرسة ثانوي أو إعدادي بهداك الوقت ما ممكن أصلا يقدر يتجنبه وهو طبعا لما وصلت لنهاية المرحلة الثانوية كانت حركة المقاومة بدأت، هزيمة الـ 1967 حصلت وبدأت حركة المقاومة وكفلسطيني واضح كان أنه التزمت بنشاط سياسي داخل حركة المقاومة. خلصت دراستي الجامعية من حلب جامعة حلب درست الاقتصاد وبعد هذا سافرت إلى القاهرة للحصول على الماجستير درست سنة بالقاهرة وانقطعت دراستي فجأة مع استشهاد أخي غسان، طبعا انتقلت مباشرة إلى لبنان بالـ 1972. اللوحات الأربع هذه اللوحات رسمها أخي الشهيد غسان وهدول هم بالحقيقة ست لوحات عملوهم (ليتوغرافي) بمؤسسة غسان كنفاني الثقافية، طبعا معروفين ومشهورين اللوحات وبالنسبة لي كمان لهم معنى خاص لأنه كانوا معلقين دائما ببيت غسان الـ original فبتذكرني بأجواء بيروت بتذكرني بأجواء ببيت غسان قبل استشهاده، استشهاد غسان كان له معنى كثير كبير غيّر وضعنا العائلي بشكل كامل وخاصة لما استشهد معه استشهدت معه بنت أختي لميس اللي كانت صبية 18 سنة وكانت أكبر واحدة أو أول واحدة من الجيل الثاني من العائلة بتاعنا يعني من أولادنا 18 سنة بنت بريعان شبابها الحقيقة، هذا طبعا عنى كثير أشياء بالنسبة لأمها أختي الكبيرة توفيت أمها للميس بس يعني أنا مقتنع بأن أختي الكبيرة فايزة توفيت لما ابنتها وأخوها استشهدوا. غسان كان بالنسبة لي أنا كنت صغير إحنا بالعائلة جيلين في جيل كبار وإحنا الثلاثة صغار فكان الكبار صاروا يطلعوا من البيت يشتغلوا غسان راح عالكويت يشتغل بالبداية بعدين انتقل للبنان وإحنا بسوريا، فكان الجيل الكبير خارج البيت مشان هيك علاقتي فيه كانت علاقة رسائل علاقة قراءة مش كثير علاقة حميمة داخل البيت يعني لأنهم كانوا كبار أكبر مننا وخارج البيت، بس من.. يعني أنا فهمت القضية الفلسطينية حقيقة بداية من كتابات غسان مشان هيك كان بشكل من الأشكال مثل أعلى بالنسبة لنا داخل البيت على الأقل قبل ما يكون شخصية معروفة و.. واستشهاده طبعا أدى إلى فراغ كبير للعائلة كلها وغيّر حياتي، غيّر حياتي بمعنى أنه مباشرة أوقفت أنا دراستي وانتقلت إلى بيروت وعشت مع عائلته اللي ظلت، آني والأولاد فايز وليلى اللي ظلوا عايشين ببيروت بهديك الفترة.

[فاصل إعلاني]

البحث عن سبل التطور وجسور التواصل



الدانمارك بلد صغير يبلغ عدد سكانه 5.5 ملايين نسمة، وفيه نظام خدمات اجتماعية مميز
نعمان كنفاني: بآخر الثمانينيات لما قررت أن الدانمارك هي مجالي الحيوي القادم بدأت جديا أن أعرف كل شيء أحاول أدرس وأتعلم كل شيء عن الدانمارك بما فيها طبعا اللغة، وأول مشكلة واجهتني بتعليم اللغة أن ما كانش في صلة اتصال مباشرة بين العربية اللغة العربية واللغة الدانماركية فاستخدام القاموس كان مسألة معقدة لأن بده يروح الواحد للإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني أو وبعدين لغة ثانية من الدانماركي للإنجليزي ومن الإنجليزي للعربي، فبدأت فكرة مشروع أن أعمل قاموس لغة عربية، كأي قاموس بيعمله أي واحد بيبدأ بأن بيعمل جدول مشانه استعماله الذاتي هو وبعدين القائمة بتكبر، فهذا أول قاموس عربي دانماركي عملناه بالتعاون تعاونت أنا وإيلين وولف صديقة بتتقن العربية كمان إحنا الاثنين اشتغلنا مع بعض منعمل وهذا زي ما نقول لأول مرة أول قاموس دانماركي عربي. الدانمارك بلد صغير 5,5 مليون نسمة الآن، وبلد بيمتاز زي بقية إسكندنافيا بأن السكان اللي فيه متجانسون إلى حد بعيد، البلد معزول بشمال أوروبا ما فيهاش هجرات ما صارش عليها هجرات، نظامه السياسي على امتداد على الأقل مائة سنة الماضية تربط بين المسؤولية اللي بيتحملها الفرد وإحساس كل فرد بأنه جزء من هذا المجتمع زي العائلة يعني والعائلة ما بتسرق من بعض، ففي نظام خدمات اجتماعية ممتاز بس في معه نظام من المسؤولية موجود ومنتشر الآن، لما تجيب مجموعة أجانب من خارج هذا المجتمع يعيشوا فيه ما عندهم هذه عقلية كيف المسؤولية تجاه هذا النظام بأنك لما عم تأخذ منه هذا النظام لازم تدفع له بمرحلة لاحقة. كل هذا عقدت وجود الأجانب فبأذكر بنهاية التسعينيات طلبوا مني أن أكتب مقالة عن الأجانب بالدانمارك كيف بأحس الأجنبي بالدانمارك أو.. وهذا في شغلة كمان لأن الدانمارك دولة صغيرة كثير بيهتموا كمان كيف الآخرين بيفكروا فيهم، فطلبوا مني أن أكتب مقالة حول الموضوع وكتبت مقالة ويعني نشرت على نطاق واسع، الدانماركيون عندهم تقليد أن إحنا هذا السلوك ليس سلوكا دانماركيا، عرفت كيف؟ يعني هيك فهمهم للعالم بأنه في سلوك دانماركي هو السلوك القويم المضبوط المقبول وفي سلوك
(unmundanesh) بهذا المعنى بالإنجليزي، فكتبت مقالتي وبعدين صارت إلى كتاب أن قديش الدانماركيين يسلكوا بالسلوك الدانماركي. كتاب آخر اللي كتبته أنا الحقيقة بشكل خاص لي بس بعدين نشر وهو كتاب مختصر عن تاريخ فلسطين تاريخ القضية الفلسطينية كتبت هذا الكتاب لابنتي لما كانت طفلة صغيرة دائما أقول لها إن أبوك فلسطيني، لما يصير عيد ميلادها نرفع العلم الدانماركي والعلم الفلسطيني دائما بعيد الميلاد بتاعها، وهي طفلة صغيرة إجيت مرة وسألتني بابا كيف واحد يمكن يكون فلسطيني وعمره ما راح على فلسطين؟ ويعني هذا السؤال فتح -بتعرف أحيانا الأسئلة البريئة الصغيرة بتفتح كهوفا من التفكير- برأسي أن حقيقة إش معنى أن أكون فلسطينيا؟ أنا وبتعرف هذا قبل أوسلو قبل ما أبدأ أنزل على فلسطين، فكتبت لها هذا الكتاب لها حتى أجاوب على السؤال تبعها هذا أن كيف واحد ممكن يكون فلسطيني وعمره ما راح على فلسطين، والآن الكتاب استخدم بكثافة بالمدارس الدانماركية عن تاريخ القضية الفلسطينية. التدريس الجامعي بالدانمارك بأوروبا بشكل عام أو العالم الغربي بشكل عام هو تدريس مؤسس على الـ research  على البحث يعني الأستاذ مفروض يدرس مادة هي مجال البحث اللي بيعمل فيه، ومتفق عليه يعني بشكل عام بأن المدرس بيكون جيدا بالمادة بتاعه إذا كان له أبحاث فيها إذا كان متعمقا فيها إذا كان up to date  بيطور الجهد. وواحد من الاهتمامات اللي شغلتني لمدة طويلة بمجال البحث تبعي الاتحاد الأوروبي السياسة الزراعية المشتركة، وكنا نعمل course لتلاميذ من مختلف الدول الأوروبية نجمعهم مع بعض التلاميذ من خمس دول أوروبية وكنا نحط التلاميذ مع بعض يشتغلوا مجموعات لمناقشة الاتحاد الأوروبي السياسة الزراعية وتطوير السياسة الزراعية أن كيف الاقتراحات اللي بيجي فيها التلاميذ أنفسهم لتطوير السياسة الزراعية وكان هذا دائما يصير الموعد تبعنا مباشرة قبل موعد انعقاد المجلس الوزاري تبع الاتحاد الأوروبي لمناقشة واتخاذ القرارات الحقيقية وكنا نبعث قرارات التلاميذ بتاعنا إلى المجلس الوزاري ببروكسل. الآن بأقول هذا كان موضوع كثير الـ course مهم وبالنسبة لي لأن كانت فرصة أني أشوف أنظمة التعليم بأربع خمس جامعات أوروبية، الخلفيات الثقافية لتلاميذ جايين من أربع خمس دول وكيف هدول لما نعمل مجموعات مشتركة نعمل مجموعة بتضم تلاميذ من أربع خمس دول وكيف هدول يقدروا يشتغلوا مع بعض. نفس التجربة صارت معي لما نزلت على بيرزيت لما درست ببيرزيت درست فصلا بالكامل درست مادتين course بالتجارة الخارجية وcourse بالاقتصاد والتطوير، كمان كانت فرصة بالنسبة لي أتعرف على طريقة تفكير تلاميذنا بالدراسات العليا الجامعية العربية.

المعلق: الأستاذ الجامعي الوقور نعمان كنفاني يكشف كل يوم عن مواهب متعددة دفينة تحت ركام من نظريات الاقتصاد ومصطلحاته، ففي عام 1986 شارك في كتابة وتصوير فيلم سينمائي يمزج بين الوثائقية والدراما وحواره باللغتين العربية والدانماركية يكاد يحكي سيرته الذاتية في مرحلتها الدانماركية الطويلة ويدور حول مأزق الهوية الذي يعانيه فلسطيني مستقر بالدانمارك، وحينما كان على وشك ترك كل حياته والعودة للمشاركة في حمل أعباء القضية أتته رسالة من صديق طفولته يطلب فيها منه مساعدته على اللجوء إلى الدانمارك، وينتهي الفيلم بعد أن طرح عشرات الأسئلة المهمة عن حياة الفلسطيني بلا وطن هنا وهناك ولكنه ككل الأعمال الفنية الحقيقية يتركنا لنبحث نحن عن الإجابات.

الدانمارك تعرضت عام 1864 لهزيمة توازي في مستواها الجغرافي والمعنوي هزيمة العرب عام 1967
نعمان كنفاني: يعني للأسف معرفتنا بتاريخ الدول الأوروبية تاريخ الدول الأوروبية الصغيرة محدود يعني لربما نعرف شوي عن تاريخ إنجلترا تاريخ فرنسا ألمانيا بس الدول اللي تاريخها الصغيرة هذه تاريخها كثير مهم بالنسبة لنا، خذ مثلا الدانمارك، الدانمارك هي في 1814 دولة تحولت من إمبراطورية إلى دولة كثير صغيرة فقيرة، هزمت مع نابليون، كوبنهاغن احترقت مرتين حرقت مرتين من الأسطول الإنجليزي، بريطانيا احتلت الموانئ وأخذت كل الأسطول الدانماركي، وبدأت أسعار الحبوب تنزل البلد زراعي هي فالفقر كان مدقعا بالـ 1814 بداية، مع 1864 أصيبت الدانمارك بهزيمة مع ألمانيا هزيمة تعادل مع مستواها الجغرافي والمعنوي تعادل هزيمة العرب بـ 1967، شوف الفرق مائة سنة بين هزيمتهم وهزيمتنا الآن شوف شو حصلت الدانمارك كيف عملت خلال المائة سنة هذه الفرق وين وصلت الدانمارك الآن، أي مؤشر اجتماعي أو اقتصادي. الدانمارك واحدة من الدول الإسكندنافية الخمس الأوائل بالعالم مهما كان هذا المؤشر
welfare  الاقتصاد، التعليم ليش؟ هذا السؤال اللي بيشغلني كثيرا وأحد الأجوبة الممكنة على هذا السؤال هو الحنكة يللي تميزت فيها المجموعة المثقفة في أواسط 1850 ،1860 بالدانمارك، كيف هذه المجموعة المثقفة هديك الفترة أولا بدأت حركة التنوير اللي أدت بنهاية 1850 إلى تأسيس الحكم الديمقراطي للدانمارك نهاية الحكم المطلق الملكي، من جهة ثانية تأسيس التعاونيات بأن الفلاحين بدهم يتعاونوا مع بعض تأسيس التعاونيات للنجاح بظروفهم الاقتصادية تحسين ظروفهم الاقتصادية، المسألة الثالثة الثقافية وهي فتح المدارس الشعبية لتعليم الكبار والصغار مش تعليم أكاديمي لا، تعليم الفن الزراعي فن الزراعة كيف تربية الحيوانات وتعليم أصول التعايش مع الفكرة الديمقراطية.

المعلق: خلال قرن واحد إذاً تحولت الدانمارك من دولة مهزومة عسكريا مفلسة اقتصاديا إلى دولة تتباهى بأن شعبها هو الأسعد على ظهر الأرض وكان الإيمان بالناس والاستثمار فيهم هو سر التحول بتثقيفهم وإشراكهم في حكم أنفسهم، يود الدكتور نعمان كنفاني أن ينقل روح التجربة الدانماركية هذه إلى وطنه العربي فيشغل نفسه هذه الأيام بتأسيس بيت الدانمارك في فلسطين. زيارات الدكتور نعمان المتكررة إلى رام الله وعمله في رسم ملامح الاقتصاد الفلسطيني يدفعان عنه الإحساس السطحي بالغربة أما في العمق فإن لدى هذا الاقتصادي الفنان مفهوما مختلفا تماما للاغتراب لا مكان فيه للأسى على انتفاء الوجود المادي المباشر على أرض الوطن بل هو اغتراب ثقافي بالأساس يعزل المثقف العربي في القاهرة أو دمشق أو رام الله عن العقل الجمعي للناس الذين يسير إلى جوارهم في شوارع المدينة ولكنه لا يراهم ولا يستطيع التواصل معهم، هذا هو الاغتراب.

نعمان كنفاني: موضوع الغربة لازم نفكر فيه مرة ثانية، كان زمان الواحد يتغرب يروح يترك أولاده يترك إلى دولة لغة جديدة ثقافة جديدة أكل جديد كل شيء جديد عليه يكتب مكاتيب تضيع المكاتيب، قطيعة، الآن الوضع مختلف يعني الآن بالدانمارك في حوالي 350 ألف أجنبي شرقي يعني مش من أوروبا أو من أميركا، بيمثلوا تقريبا حوالي 6% من السكان بس عددهم داخل الدانمارك داخل كوبنهاغن حوالي 20% الآن في مناطق بداخل كوبنهاغن بعد موجة الهجرة اللي إجت على الدانمارك، فيها محلات عرب فيها حلاقين عرب فيها مأكولات عربية الآن البيت العربي موجود مفتوح بيفتحوا الستلايت ما فيش قطيعة ثقافية ما فيش قطيعة جغرافية حتى بيفتح تليفون بيتصل بأهله، بطلت غربة، عرفت كيف يعني؟ جيتنا لهون الآن، لأن في مجتمعات عربية مغلقة كاملة بإمكانه الواحد عمليا يعيش بالدانمارك داخل مجتمع عربي 100%. دائما بأقول بالنسبة لنفسي المثل عندي أنا كانت العائلات اليهودية المندمجة بداخل المجتمع الدانماركي العائلة اليهودية بالدانمارك لما يدخل على بيته ويسكر الباب يكون يهوديا 100% بيمارس تقاليده وطقوسه واحتفالاته وكل شيء بس لما يطلع من باب بيته يسكر الباب بيكون دانماركي 100%، الآن كيف هذا اليهودي تمكن أن يخلق هالمعادلة الكثير صعبة هيدي؟ حتى الآن الجيل يللي موجود بالدانمارك المهاجرون أجوا للدانمارك ما قدرنا نلاقي هذا الحل، أمنيتي أني ألاقي هذا الحل الأمثل بأن أكون شرقيا 100% وبنفس الوقت دانماركيا 100% وهي المعادلة الصعبة.