- قنبلة تطفئ البصر وليس الروح
- شاعر ومعلم وناشط في حقوق الإنسان
- الأولاد والوطن يشعلون المخيلة

قنبلة تطفئ البصر وليس الروح

جون عصفور
المعلق:
كثيرا ما يتمثل الشاعر اللبناني جون ميخائيل عصفور بعبارة للروائي الإيرلندي جيم سترويس يقول فيها "أنا أمتلك مائة عالم بداخلي فما ضر لو فقدت عالما واحدا هو الذي تراه عيناي". وهذه هي طريقة التفكير الوحيدة التي تمكن يافعا في الثالثة عشرة من استكمال مشوار حياته مبدعا وفاعلا بعد أن يذهب ببصره انفجار عبثي لقنبلة زرعت حينما كان اللبنانيون يتقاتلون آواخر الخمسينيات. فانطفاء البصر أشعل قنديلا سحريا عجيبا في روح جون عصفور يتبدى نوره في شعره الكثيف العريق وفي عزفه المرهف على العود وفي قيادته للتجمع العربي في كندا، نور يمكنه من أن يمارس حياته بكل اكتمالها وأن يسير في الشارع بثقة من يبصر، من يبصر حقا لا من يكتفي بالرؤية السطحية.

جون ميخائيل عصفور: أنا اسمي جون عصفور، جون ميخائيل عصفور، خلقان بعيتانيك بلبنان بالبقاع الغربي، عيتانيك ضيعة حلوة كثير على بحرة الليطاني، بحرة الليطاني قدامها وجبل ميحا وراها وهي على سفوح جبل ميحا وكمان على البعيد مقابل جبل الشيخ، منطقة حلوة كثير، تربيت فيها لصار عمري 16 سنة نقلت على بيروت، عندي إخوة اثنين وأخت، طوني هو الأكبر بعدين انطوانيت بعدين أنا بعدين أخي الصغير فيكتور. أبي وأمي توفوا منذ 20-21 سنة. سنة 1958 بالحرب الأهلية بلبنان كان في مشاكل ما بين الثوار والحكومة وبآب سنة 1958 حديت أنا ورفقاتي بقنبلة صغيرة، ما عرفنا شو هي، قعدنا نلعب فيها ولعت فينا وكان النتيجة تبعها أنه صار عندي أنا فيتاش رتنا يعني هي الرتنا تبع عيوني انفصلت، بعد أربع خمس عمليات لحتى نصلح الرتنا، آخر عملية فقت من العملية ما بقشع. سنة 1961 نقلت على بيروت على الحقيقة مدرسة الضرير موجود ببعبدا، حبيت المدرسة أنا وكان شي مش معقول أنه واحد كفيف يرجع يتعلم، يرجع ينخرط بالسلك الدراسي، بقى المشكلة اللي كانت انطباع أهل الضيعة و انطباع اللي بيعرفونا، فكروا وكلهم بيفكروا هونيك رايح اللي عنده مشكلة جسدية وترك البيت أو أهله بعتوه لمطرح معناته راح على مأوى، فتلاقت أختي هي وراجعة من الضيعة مع واحدة من الضيعة قالت لها شو ما بقى خبز عندكم تطعموه لخيك؟ الحقيقة كانت مؤثرة كثير على أختي وعلى أهلي وعلي أنا وبضل بتذكر هالحادثة هي، وصار عندي بفكر مثل.. يعني حادثة من حوادث كثيرة من هالشكل، أنه أنا بدي جرب المستحيل لحتى  أؤكد لهالعالم كلها أنها غلطانة وأنه يعني فقدان البصر ما رح يعيقني عن اللي بدي أعمله بحياتي وبدي أنتجه.... كمان هي أختي انطوانيت كانت طموحة كثير، وسنة 1964 قرأَت في الجريدة أن كندا عم تطلب مهنيين، مهنيين متخصصين، قدمت طلب وقبلوا لها طلبها لحتى تجي تشتغل هون في كندا، سنة 1968 قررت العائلة كلياتنا أنه نجي لهون، والحقيقة كانت خطوة كثير كثير مهمة، والصعوبات اللي واجهتني كانت أنه كيف بدي أتنقل بمدينة ما بعرفها، كان همي الوحيد ألاقي مدرسة أرجع عليها، كمان صرت فتش على شغل لحتى اشتغل، وهذه الثلاث أشياء توفرت، من بعد شي 5،6 أشهر رحت فتشت على مدرسة لحتى أعدل الشهادات اللي كنت جايبها معي من بيروت، عدلوا لي كل اللي كنت دارسه بالصف العاشر، بقى رحت على سير جورج وليامز، هذه هاي سكول بيعلموا بالليل، صرت أخذ كورسز بالليل وأشتغل بالنهار لحتى خلصت الهاي سكول، سنة 1970 سجلت بجامعة كونكورديا وتخصصت.. أخذت شهادة الليسانس بالأدب الإنجليزي سنة 1974 بعدين سنة 1975 نقلت على ميغيل يونيفيرستي جامعة ميغيل، عملت الماجستير سنة 1975، بلشت علّم كمان بالسنة ذاتها، وبعدني ضليت أدرس، في 1984 عملت الدكتوراه في الأدب الإنجليزي نفسه.

المعلق: يقول جون عصفور في قصيدته التي يرثي بها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد "تلمس" أتوافق يا إدوار أن تغمض عينيك الثاقبتين وأن تشاركني لعبة تلمس الوجوه؟ أتوافق على مد أناملك الحساسة لمحاولة التعرف على وطن مستعد منذ الأزل وإلى الأبد كي ينفجر ربما ليموت، وربما ليولد من جديد.

شاعر ومعلم وناشط في حقوق الإنسان

جون ميخائيل عصفور: كان عندي هواية الكتابة باللغة العربية وكان عندي تجربات كتابة شعر وكتابة نثر بالعربي ولما رحت على الجامعة أول الكورسات اللي أخذتهم، أخذت كورس بالفلسفة، كورس بالأدب وكورس بالسياسة وكورس بالتاريخ، فكرت حالي بدي سياسة أو فلسفة، تطلعت لقيت أنه أحسن علامة جبتها طلعت بالأدب الإنجليزي، قلت طيب ليش ما بكفي وأنا بحب الشعر وبحب الأدب. والحقيقة ثاني سنة، ثالث سنة صرت أكتب كتابات متواضعة لسنة 1975، سنة 1975 كتبت أول كتاب لي "نيسان" كتاب شعر ونشر سنة 1976 وكانت هذه الحقيقة تجربة كثير حلوة. بس الكتاب اللي بعتز فيه أكثر شيء هو كتاب اسمه When The Words Burn "عندما تحترق الكلمات" أو حريق الكلمات وهو كتاب دراسة عن الشعر العربي الحديث وترجمات نموذجية لخمسة وثلاثين شاعرا معاصرا من سنة 1947 إلى سنة 1987 نجاح الكتاب هو استعماله بكذا جامعة بأميركا وكندا وأستراليا وأوروبا ككتاب نص يستعمل للدراسة، بكل صف بالحقيقة اللي بفوت عليه تلاميذي بيتفاجؤوا أنه كيف هذا إنسان كفيف جاي يعلمنا، بقى أنا بأخذ وقت يعني ربع ساعة، عشرين خمس وعشرين دقيقة بشرح لهم أنه كيف أشتغل وأنه شو المؤهلات تبعي شو لازم يتوقعوا من الصف اللي عم يأخذوه وبالنسبة للتصليح هين كثير، مثلا التلاميذ بيبعتوا لي الأوراق تبعهم بالإيميل وفيي أنا أقرأهم على الكمبيوتر، وكمان فيهم يعطوني ياهم على ديسكات، أو فيهم يعطوني ياهم بورقة وأنا بعمل لهم سكانينغ وبتسمع عليهم، وفيي أصلحهم من بعد ما أعملهم.. صورهم يعني. هلق أنا ما بعرف أي قفا الصفحة أو أي وجهها، بحطها بالسكانر بأي اتجاه كان، البرنامج بيقدر يأخذ الصورة تبعها ويقرأها لي، هلق لنشوف إذا حطيت أنا الصفحة الفاضية ولا اللي فيها نص، عم بيقول أنه صارت نصفها.. ثلاث أرباع الورقة.. عملها سكانينغ، عملها تصوير، قال لي page appear to be blank يعني فاضية ما فيها شيء، معناتها لازم أشوف الجهة الثانية تبع الصفحة، برجع بعملها سكانينغ مرة ثانية.. خلص السكانينغ، هلق عم يجرب يحولها لنص من صورة.. عم بيقول لي الظاهر أن هذه الصفحة بالفرنسي.. حطها على الفريش.. هذه الهيئة جايتني عزيمة لتكريم السفير اللبناني بكندا.

المعلق: فور وصوله مونتريال، كان عليه أن يتعلم طريقة التعامل مع شوارع المدينة ومرافقها فلجأ إلى مدرب محترف وبعد الدرس الأول أبلغه المدرب بثقة بأن أمامه شهرا كاملا على الأقل من التدريب قبل أن يسمح له بالخروج وحده إلى الشارع، وفي اليوم الثاني خرج جون وحده وركب الحافلة وقطع نصف المدينة حتى طرق الباب على مدربه الذي أصابه الذهول ومنحه في الحال شهادة التجوال. جون الذي توج كشاعر لجائزة جوزيف ستاوفر الرفيعة من مجلس الفنون الكندي عن ديوانه "سمكة من السقف"، وتوج كناشط في مجال حقوق الإنسان بجائزة التقدير الأسمى من رئيس الوزراء الكندي، جون يعرف جيدا أن التحيز العرقي خطر ماثل في كل الأحوال حتى في كندا.

"
انخرطتُ في عدة جمعيات وأسست جمعية اسمها الجمعية العربية لحقوق الإنسان الكندي العربي، هدفها الدفاع عن كل الذين أهدرت حقوقهم
"
جون ميخائيل عصفور:
وقت اللي بلشت أعرف كيف أروح وأجي بالمدينة وتعرفت على التسهيلات اللي موجودة للي ما بيقشع من كتب مسجلة من مجلات من الإنترنت ما عادت إعاقة كبيرة، بس الإعاقة كمهاجر الحقيقة كثير مهمة للمهاجرين كلياتهم. بفترة من الفترات بحياتك بتفكر أنك تأقلمت وصرت مقبول من المجتمع كإنسان، كفرد مساهم بهالمجتمع، كواحد عم بيغذي المجتمع وبتغذى من المجتمع وبيقدم لتغيير المجتمع وعم بيعلّم وعم بيساهم بالأشياء السياسية والاجتماعية بيطلعلك شغلة من مطرح ما كنت متوقعه بترجع بتتذكر أنك أنت مانك.. أنت غير شكل عن العرقين اللي أسسوا هذا البلد اللي هم الفرنساوية والإنجليز. الحقيقة انخرطت بعدة جمعيات ألفت أنا وأصدقاء ثلاثة أربعة جمعية اسمها الجمعية العربية لحقوق الإنسان الكندي العربي، الهدف منها أن نعمل لوبي، نعمل دفاع عن كل اللي منحس أن حقوقهم مهدورة وحقوقهم تمس بها، وبعدين لستة سنوات انتخبت رئيسا للاتحاد العربي الكندي وهو مظلة لثلاثين أو خمس وثلاثين جمعية من جميع أنحاء المدن بكندا، وهذا الاتحاد عبارة عن مؤسسة تدافع طبعا اجتماعيا وسياسيا عن حقوق الإنسان العربي الموجود بكندا. تعرفت على زوجتي بمغيل.

الأولاد والوطن يشعلون المخيلة

جون ميخائيل عصفور: حطيت إعلان لناس إذا بيحبوا يجوا يقرؤوا لواحد ما بيعرف يقرأ، فعجبتها الفكرة أنها جاية بدها تقرأ لي أنه أنا ما بعرف أقرأ، ما عرفت أنه ما بقشع أقرأ، وتعرفنا وصرنا نطلع سوا وتزوجت سنة 1984 والله رزقني صبي سنة 1989 اسمه جون كمان، وبنت سنة 1998 اسمها ميخائيلا، زوجتي كندية من وينت تيك بتشتغل محررة Editor وابني بالسيه جيب مدرسة تحضير للجامعة، وبنتي بتخلص الهاي سكول هالسنة.. بعتقد هم الأهم من أي شيء عملته بحياتي، الحقيقة الأولاد بيعلموه كثير للإنسان وبيشعلوا له المخيلة تبعه بالوحي وبالـ.. وكاتب قصائد عنهم، آخر قصيدة أنه بيكونوا عم يركضوا بالبيت هم وصغار وناطرين سانتا كلوز وبدهم يفتحوا الهدايا وبدهم يعملوا وبدهم.. وأنا عم اتسمع على أصواتهم وعلى ضحكهم.. تخلص القصيدة، ثاني مقطع من القصيدة بيقول.. يا الله القصايد بتجي لإلك مثل ما بتجي ضحتكهم لألي أنا.

المعلق: يفقد الدكتور جون عصفور ابتسامته في حالات قليلة، من بينها أن يفكر في وطنه لبنان، كتب عصفور ذات مرة يقول: "لبنان لم تعد خريطته السياسية مفهومة بالنسبة لي، لبنان بطوائفه المتناحرة ومذاهبه المتصارعة، لبنان الذي تمزقه الأطماع وشهوات السيادة والسيطرة ما عاد وطنا بل هو مجرد مساحة من الأرض يعيش عليها أربعة ملايين مكتئب".

جون ميخائيل عصفور: الكومبيوتر هو لاب توب عادي بس فيه سوفت وير اسمه جوز، جوز بيقرأ شو في على الـ screen شو في على الشاشة exactly، المهم أكثر شيء في هذا البرنامج أنه بيقدر يزيح كل الغرافيك على جنب وبيهتم بس بالنص اللي موجود على الصفحة، كمان في مثله شبيه له بالعالم العربي برنامج اسمه SR بيقرأ الـ screen وبيقدر كمان يعمل سكانينغ للنصوص، وفيي كمان أروح على الإنترنت، بدي أروح على الإنترنت إكسبلورر بعمل كونترول اسكيب، كمان بعمل بي، آي، آي، آي..  إجا إنترنت اكسبلورر بدخل عليه.. هذا الهوم بيج تبع أول واحده، أول صفحة.. مثلا بدي أروح على السايت تبع عيتانيك.. هلق رحنا على غوغل، وغوغل جاب عيتانيك.. وهذه عيتانيك هوم بيج أول انتري.. وهذه عيتانيك.... الحالة النفسية اللي تركها الحرب، حرب الصيف سنة 2006 بلبنان على العالم أثرت كثير علي وبدي أعالجها بطريقة أو أخرى. ضلت الفكرة برأسي لحتى صاروا.. كتروا وراء الخريف بالجنينة ورا، وبدي لحتى جمعهم وزتهم بالزبالة، بقى ذكرت قدام اثنين ثلاثة لحت يجوا يساعدوني ما حدا إجا، الأولاد كمان ما عندهم وقت، طلعت علي المسألة بقى يعني هذه قضية مانها مهمة كثير بس بتأخذ وقت وأنت عم تجمع ورق وعم تعبيهم بهالكياس، طبعا رأس الواحد عم يشتغل، عم يشتغل أنه.. والشيء المؤثر بالقصة اللي صارت أنه أجتني فكرة أنه حتى شغلة من تجميع الورق وزته في الزبالة، تجميع ورق الشغل وزته بالزبالة قد ما هو بيضجر أو قد ما هو فيه جمال هذه شغلة اللبنانيين كلياتهم بسبب الحرب ما عندهم وقت ولا عندهم فرصة أن تتوفر لهم هالشغلة هذه. ظلت الفكرة برأسي أنه.. تجميع الورق والحقيقة كيف بدي أربط تجميع الورق هون من الأرض من تحت الشجر بالحرب بلبنان، طلعت القصيدة أنه، كفاية كفاية هالحرب، وكفاية قتل هالعالم وكفاية سفك الدماء، وإذا صح لي الفرصة أنه جمع ورق أو كون عم بشتغل بالحقلة مثل ما بيشتغلوا الفلاحين بالجنوب بكون عم بشتغل بشي حقل أجمع التبغ، بس عم دور على القنابل اللي تركها الحرب واللي تركتها إسرائيل لحتى جمعها قبل ما تفقع بطفل لبناني.