- الطفولة والبدايات الشعريّة
- الدراسة والعمل الدبلوماسي في باريس

- النضال من أجل لبنان

- حوار اللغات والثقافات

الطفولة والبدايات الشعريّة

صلاح ستيتية: أنا صلاح ستيتية من مواليد بيروت 28 أيلول سنة 1929، من عائلة بيروتية قديمة. الله يرحمه والدي الأستاذ محمود من مواليد سنة 1905، ويومذاك كان لبنان تحت العهد العثماني فوالده أحب أن يدرّسه التركي لحتى ياخد وظيفة بالدولة، ليه؟ لأن الوظيفة بتعطي جاه، موظف ابن حكومة، مثل ما كانوا يقولوا، وبالوقت ذاته، فيه مدخول ثابت كل شهر. والدي درس التركي بمدارس تركية بلبنان، إنما الحوادث العالمية أدّت للحرب الكبرى الأولى. نتيجة الحرب الكبرى الأولى هي أنه انهزمت تركيا حليفة ألمانيا، وإنجلترا وفرنسا كانوا الدولتين المنتصرتين.

المعلق: كانت بدايات القرن العشرين ملأى بالمفارقات، تماماً كأيامنا هذه، شابٌ أمضى الليالي يتعلّم التركية، لغة الدواوين آنذاك فإذا بفرنسية المستعمر الجديد تطردها وتحل محلّها في لبنان، تاركةً إياه مخيّب الآمال، ليقرّر المبادرة بتعليم الفرنسية لأولاده المستقبليين ومن بينهم الشاعر السفير صلاح ستيتية الذي حصل بعد ثمانين عاماً على أرفع جائزةٍ تُمنح للناطقين بها.

صلاح ستيتية: يعني أنا اليوم أحقق باللغة، أو بحياتي حقّقت باللغة الفرنسية حلم والدي المرتبط باللغة التركية.

المعلق: الموهوبون يولدون متوّجين، والطفل الشاعر صلاح ستيتية كان نجماً في كل مراحل تعليمه، نموذجاً رومانسياً للوسيم الشجي الذي كان بإمكانه وهو في التاسعة أن يُباغت قلبك بقصيدةٍ كالومضة تشبه شعر رامبو يرتجلها ارتجالاً، ولكن موهبته تلك كان من الممكن أن تتبدد لولا حبيبته الأولى.

صلاح ستيتية: والدتي كان لها صفة بأيامها هي أنها كانت دارسة، كانت تكتب وكانت تقرأ وكانت تحب كتير أن تقرأ، فوالدي دائماً يستشيرها بقضايا القراءة، ووالدي بصفته تحوّل تماماً للعربية وكل أصحابه كانوا من الشعراء المعروفين مثل بولس سلامة مثل شبل الملاّط، مثل.. نسيت أساميهم، مثل الشاعر العراقي المشهور صافي النجفي اللي كان يجي تقريباً كل يوم لعنّا عالبيت. وكان هناك ندوات شعريةبالبيت، والطفل، أنا، كان يتسمّع على هالشعراء اللي عميحكوا بلغة معروفة وغير معروفة بالوقت ذاته، ويتساءل أنه شو هي هاللغة هذه؟ ثم لما يروحوا الضيوف والدي يحكي مع والدتي أو يقرأ لها قصيدة، وتجاوبه، أو هي تقرأ أيضاً قصيدة، أو تنتقد الكلام الموزون اللي جاء به والدي، وأنا أسمع. فصرت أعمل مثلهم، يعني صرت بلغتي، لغة الطفل، يمكن كان عمري سبع سنين أو ثمان سنين بأول مرة، عملت قصيدة من دون ما أعرف أنه هذه قصيدة وطبعاً فرحوا كتير والدي ووالدتي أنه عندنا ولد مُلهم.



الدراسة والعمل الدبلوماسي في باريس

المعلق: ماذا سنفعل لهذا الولد المُلهم يا محمود؟ تسأل الأم المفتونة بابنها المبدع، نعلّمه، يرد الأب بحزم. ومن الكلية اليسوعية في بيروت يحزم الفتى حقائب الغربة إلى باريس، التي مُنح فرصة دراسة الأدب في سوربونها الشهير، ولكنه بنزق الشعراء كرّس جلّ وقته للمقاهي حيث يتوهّج الفنانون.

"
أسست مع عدد من الكتاب الفرنسيين مجلة كان لها أثر في تطوّر الحداثة، وكنت أوّل شخص أسّس بلبنان صفحة أدبية بجريدة سياسية
"
صلاح ستيتية: طبعاً لما جيت على فرنسا كان رغبتي أن أدرس ولكن بالوقت ذاته أن أكتب، فتعرّفت على عدد من الكتّاب، كانوا شباب مثلي، وأصبحوا اليوم من تاريخ الأدب الفرنسي، كلنا سوا أسّسنا مجلة وكان لهذه المجلة أثر في تطوّر الحداثة. من بعد سنوات الدراسة بفرنسا عدت لبيروت وكنت أوّل شخص أسّس بلبنان صفحة أدبية بجريدة سياسية، ثم أوّل من أنشا ملحق ثقافي لجريدة، لأنه من البداية كان يهمني أن أظهِر للعرب، عن طريق اللغة الفرنسية، أهمية الثقافة العالمية، وللقارئ الأجنبي أهمية الثقافة الجديدة والإبداع الجديد باللغة العربية. في هذه المرحلة لبنان بلّش يهتم بصورته العالمية وما كان هناك بعد مستشارين ثقافيين للبنان بالسفارات، السفارات كان عملها عمل دبلوماسي وعمل قنصلي، وإذ يوماً ما وزير الخارجية، كان فيليب تايلر، يبعت ورائي ويقول لّي بتحب تروح كمستشار ثقافي إلى أوروبا؟ قلت له وين أسكن؟ قال لي تسكن بباريس، طبعاً أنا باريس بعدني تاركها كان لي خمس، ست سنين، تاركها وعانّة على قلبي، وعندي أصدقاء في باريس، وقلمي عميكتب باللغة الفرنسية، إنما رغبتي أن أمثّل الثقافة العربية على مسرح عالمي، وباريس مسرح عالمي.

المعلق: مُذ صار في أول شبابه رئيساً لتحرير جريدةٍ ثقافيةٍ كبرى بالفرنسية، مروراً بعمله الدبلوماسي في باريس، وصولاً إلى سنواته الطويلة في منظمة اليونسكو، وهو طوال ذلك العمر يدعو للانفتاح المتبادل للثقافات على بعضها عن طريق الحوار الجاد الدائم، وهو يغزل شعره كله حول فكرةٍ تتردّد بلا انقطاع في كل دواوينه، التي توشك أن تصير ثلاثة عشر ديواناً، هناك لغةٌ واحدةٌ كامنةٌ وراء تشرذم اللغات هي لغة الشعر، تماماً كما أن هناك امرأةً واحدة كامنة وراء تعدّد النساء الصاعق لقلوب الشعراء.

صلاح ستيتية: المشكلة الأساسية اللي كنا نعالجها بالمجموعة العربية كانت قضية فلسطين، قضية فلسطين، حرب 67، ثم حرب 73، حتى مع الأسف تبعت قضية لبنان وعند ذلك تشعّب الموضوع، وصارت مهمتي الأساسية الدفاع عن القضية اللبنانية على الصعيد الدولي، ومحاربة الاستيلاء الإسرائيلي على كتير من الأراضي اللبنانية.

[فاصل إعلاني]

النضال من أجل لبنان

المعلق: يمكن لشاعرٍ رقيق كصلاح ستيتية أن يتحوّل في لحظةٍ جندياً يحارب لأجل وطنه الجريح لبنان، يمكنه أن يكرّس الوقت الذي يتمخّض عادةً عن قصيدة لكتابة مقالة رصينة مدعّمة بالحجج والشواهد تندّد بالوحشية الإسرائيلية تجاه وطنه، ويساعده اسمه اللامع في فرنسا على نشرها في اللوموند أو الفرونسوار. يمكنه أن يجول العالم مسلّحاً بشهرته الأوروبية المدوية وبجواز سفره الدبلوماسي، ليشرح للزعماء بكلمات شاعر حقيقة ما كان يجري على الأرض في لبنان، زمن احتراقه الكبير.

صلاح ستيتية: وشاءت الظروف، انقسم لبنان على نفسه، فكان هناك حكومتين، حكومة سليم الحص _وأنا كنت ملتزم بحكومة سليم الحص_ وحكومة عون، الجنرال عون. وجرّبت على قدر الإمكان أن لا تفرط وزارة الخارجية، لمّا كنت مدير الشؤون السياسية والقنصلية، عملت كل جهدي روح قِبَل حكومة سليم الحص، فبهذه الفترة عالجنا كتير من القضايا، جرّبنا نرجّع لبنان إلى الصواب، إلى الخط الواحد، وهيّأنا طبعاً لمؤتمر الطائف، وبعد ما، الحمد الله، نجحنا في توحيد لبنان، رحت لآخر مهمة كسفير لهولندا، طلب مني لإنه، أنا حبّيت هولندا، وبعدين بعد سنوات الحرب بلبنان كان بدي بلد رايق، قلت لهم هولندا بعرفها، وبهولندا ما في لبنانيين منقسمين على بعضهم، إنما لمّا رحت كسفير لهولندا كانوا اللبنانيين على أثر الحرب الأهلية تدفقوا لهولندا، وطبعاً رجعت لهمّ الجالية، بتمزقها السياسي.

المعلق: خطة فراره إلى هولندا فشلت. لاحقت الشاعر الدبلوماسي هموم وطنه المنقسم على نفسه، عاود حملها هناك في أمستردام وما يزال يحملها هنا في بيت تقاعده على حدود الريف الفرنسي الجميل، فالرجل الموشك على الثمانين يجنّد كل طاقاته الفكرية وكل علاقاته الثقافية العالمية الرفيعة ليكون أحد المبشرين بثقافة الحوار بيننا نحن العرب وبين أنفسنا، وهي الخطوة التي لا بد أن تسبق أي حوارٍ مع الآخر. صلاح ستيتية يرى أن القطار المسافر إلى المستقبل موشكٌ على التحرك من محطة الزمن العربي، وتذكرة ركوبه هي قبول الآخر والحوار معه، وإذا ما فاتنا هذا القطار لا يتبقّى أمامنا إلا رحمة الله الواسعة. يقول ستيتية في ديوانه (الغبار في نهاية المطاف):

نخلةٌ عجوز تُصيبي بعمى الألوان

والحشرات التي تأكل قلبها المتحجّر

لا تعرف إلا لغة الخراب

هذه ليست ابتسامة، هذا فكٌ محطمٌ منذ ألف سنة



حوار اللغات والثقافات

"
حياتي كانت حوارا على صعيد عملي الدبلوماسي والأدبي، وفي نظري الشاعر يجب أن يتمتع بنقاء تام ويعود إلى الينابيع الأساسية للعاطفة للإحساس، للصورة التي يريد التعبير عنها
"
صلاح ستيتية: هالبيت أنا ساكنه إلي 15 سنة عايش فيه، يعني من بعد ما رحت إلى التقاعد. أنا كنت يومذاك سفير في المغرب وحابب أنه يكون عندي محل بفرنسا وصادفت بأنه عرفت بأنه بهالضيعة اللي عايش فيها اليوم، فيه بيت قديم من القرن السابع عشر للبيع، جيت للمنطقة وشفت صاحب البيت، والبيت عجبني، اشتريته بسرعة. وأنا مولع بالقطع الفنية وبالمتاحف، عندي مثلاً هالقطعة القديمة اللي عمرها ألفين سنة وهي تابوت طفل بيزنطي، وهالقطعة نفيسة لأنها وثنية، علماً بأنه كان ابتدأ عهد المسيحية بالمنطقة بجنوب لبنان. البيت ما كان هيك في القرن السابع عشر، فيه أشياء تغيّرت، ولكن عندي صور للبيت بالقرن التاسع عشر، بعده قريب كتير مما كان عليه بالقرن التاسع عشر، والشيء الطريف بأنه هالضيعة اسمها le trampelier sur morlder أي مدينة الترامبليه على نهر المولدر، مولدر اسم النهر، النهر اليوم صار تحت الأرض، ما بقى موجود بصورة ظاهرة، وأنا في قسم من النهر بيمر تحت بيتي، يعني إن نزلت على القبو بالبيت عندي محل أقدر أشوف مرور الماء تحت بيتي وكأنها سر الوجود، وراء مظاهر الوجود، يعني في رمز لوجود هالماء السريّة تحت بيت الشاعر. ما بقدر قول بأنه الإبداع الأدبي، العمل الأدبي كان على هامش حياتي الدبلوماسية، لأ، كان في هناك حياتين لصلاح ستيتية، الحياة العملية، والحياة الأدبية، وكان فيه دائماً تواصل بين هالحياة وهالحياة. أنا كاتب، إن صح التعبير، راكب على حصانين هو حصان اللغة العربية والثقافة العربية، حصان أصيل، وحصان الفرانكوفونية، فكثير من مراحل حياتي كانت مرتبطة بالإزدواجية. فإذاً سافرت كثير وحاضرت كثير بالعالم العربي بإطار الأشياء اللي أعتبرها قلب، جوهر ما أفكّر به بالنسبة لقضايا العالم، بالنسبة لقضايا الفكر، بالنسبة لارتباط الحضارة العربية أو الإسلامية بالحضارات الأخرى، بالنسبة للّغة، الحوار اللغوي بين العربي والفرنسي، وطبعاً أنا شاعر، بالنسبة للشعر. نظرتي إلى الأشياء هي الذهاب من جذوري العربية والإسلامية للوصول إلى حضارة الآخر، إلى ثقافة الآخر لكي آتي بزوادتي أنا وأقدّمها للآخر ولكي أقطف من شجرة الآخر تلك الثمرة التي من شأنها أن تروي عطشي لتذوّق حضارة الآخر. حياتي كانت حوار على صعيد عملي الدبلوماسي، وكانت أيضاً حياة حوارية على صعيد عملي الأدبي. بهذه الطريقة أقدر أقول صلاح ستيتية شاعر عربي يكتب اللغة الفرنسية، بمعنى آخر بأن ضميري، بأن تكويني الداخلي هو تكوين شاعر وكاتب عربي مائة بالمائة ولكن أداة التعبير، أداة الوصول إلى الآخر هي تلك اللغة التي أحببتها منذ الطفولة والتي أصبحت لغة الاتصال بالنسبة لي، يعني أنا لا أشعر حالي أبداً بعيد عن العالم العربي ولا أشعر حالي منفي باللغة الفرنسية، اللغتين، العالمين هم مملكتي. أعتبر بأنه الشاعر يجب أن يكون نقاء تام وعودة إلى الينابيع الأساسية للعاطفة، للإحساس، للصورة التي أريد أن أعبّر عنها. طهارة اللغة وشفافية المعنى هما أساس الوصول والاحتفاظ على سر الكون.

المعلق: لماذا فرنسا دولةٌ متحضرة؟ لأنها تضع تمثالاً لشاعرٍ من أصلٍ لبناني في ميدانٍ بإحدى بلداتها، ولأن الفرنسيين عيّنوه عضواً في لجنة تجديد اللغة الفرنسية ومنحوه جائزة ماكس جيكوب الرفيعة للشعر، لتُوضع إلى جوار الجائزة الكبرى للفرانكوفونية وهي نوبل المبدعين بالفرنسية والتي تُوّج بها عام 1995. ولكن السؤال الأهم لدى ستيتية هو: متى تكون الدول العربية مثل فرنسا؟ وإجابات الدبلوماسي الشاعر بسيطةٌ وواضحة، حينما يقرأ العربي كتاباً كل شهر، على الأقل، كما يفعل الفرنسي.