- من المغرب إلى أميركا
- كتبه ومشروعه الفكري

من المغرب إلى أميركا

المعلّق: يتسلّى الدكتور أنور مجيد أحياناً بالدّهشة التي تسبّبها قصة حياته للناس وإن كان هو شخصياً لا يرى في سيرته ما يُدهش. ما العجيب في أن يَعْبُر ابن طنجة المحيط ليستقرّ في أميركا؟ أليست بلد انتهاز الفرص وتحقّق الأحلام؟ وما المدهش في أن يبدأ بدراسة السينما ولكنه ينتهي بالأدب؟ أليست الفنون كلها مجرّد وسائل يعبّر بها الإنسان عن نفسه؟ وما التناقض في أن يصاهر شابٌّ عربيّ أسرةً أميركية؟ ولماذا يستغرب الأكاديميون رئاسته لقسم اللغة الإنجليزية بجامعة نيو إنغلند وهو المغربيّ العربيّ؟ ألسنا في زمن العولمة حيث تذوب الحدود بين الثقافات والحضارات ويسهل أن ينتقل ابن اللغات العربية والفرنسية والأمازيغية والإسبانية إلى مملكةٍ إنجليزية، لا كمواطنٍ عادي بل كأستاذٍ ورئيسٍ أكاديميّ.

أنور مجيد: أنا أنور مجيد، ولد محمد مجيد وعايشة التمسنامي. من مدينة ستانزا في المغرب. وعندي أخوين حسين ورامي. ونشأت وكبرت في مدينة ستانزا، قرأتُ في مدارس مغربية، وقضيت معظم طفولتي في تلك المدينة. زيادةً على المدرسة كنت ألعب كرة القدم في بعض الفرق في المدينة، وكان عندي علاقة مع الناس الذين كانوا يلعبون كرة القدم. وكنت من عشّاق كرة القدم بصفة عامة، أتفرّج على المقابلات في التلفزيون، في المقاهي، في الملاعب، إلى آخره. إذاً كانت حياة مليئة بنشاطات رياضية وبحوارات، كانت حياة اجتماعية خصبة جداً. مدينة ستانزا مدينة تقترب جداً من أوروبا، وقبالة مدينة جبل طارق وإسبانيا، بطبيعة الحال، وهي لغة أتكلمها بزيادةٍ على اللغات الفرنسية والإنجليزية. عندما دخلت إلى ما يُسمّى في المغرب بالليسيه اخترت اللغة الإنجليزية كلغة ثالثة ما بعد العربي والفرنسية. وبعدما تخرّجت من التعليم الثانوي، عندما حصلت على شهادة البكالوريا اخترتُ اللغة الإنجليزية كاختصاص في الجامعة، في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في مدينة فاس. اختياري اللغة الإنجليزية كان نوعاً من الخروج من هيمنة اللغات الرسمية في المغرب، سواءاً كانت الفرنسية أو العربية، وهكذا بدأت مغامرتي مع اللغة الإنجليزية. تخرّجت من جامعة فاس بإجازة، بشهادة الإجازة، ما يُسمّى بالإجازة وما يُسمى هنا Bachelors Degree. وعندما تخرّجت من جامعة فاس، أُتيحت لي الفرصة أن ألتحق بالسلك الثالث لكي أصبح أستاذاً مساعداً جامعياً في نظام التعليم المغربي. ولكن مع الصُدَف حصلت على منحة للتعليم لدراسة الفيلم في جامعة من جامعات نيويورك واخترت ذاك المسار، وقرّرت أن أذهب لأغامر في الولايات المتحدة. وحتى ذلك الحين، الولايات المتحدة لم تكن بتاتاً من محتملات.. من الأشياء التي كنتُ أحتملها في مستقبلي. وجئت إلى مدينة نيويورك في عام 1983. وعندما كنت أكتب سيناريو سكريبت (Scenario Script)، بعض الأساتذة الذين كانوا يدرّسونني في مدينة نيويورك كانوا يشجعونني على أن أكتب أكثر لأنهم كانوا يعتقدون بأن لغتي الإنجليزية كانت لا بأس بها. ومن هناك بدأ اهتمامي بالكتابة، سواءاً قصصية أو غير.. يعني دراسات أكاديمية. عندما كنتُ آخذ أقسام في الفيلم، الأستاذ كان يعطينا تمارين، أن نخرج ونصوّر في الشوارع... وكان في عنّا ما يُسمّى بـ.(..(cro ، مساعدين إلى آخره. وكنّا.. كان قسم في الإنتاج السينمائي وأنتجت في تلك الفترة ثلاثة أفلام صغيرة جداً. من جملتها فيلماً يعني ما يُسمى Autobiography، يعني وحاولت أن أستعمل الفيلم والصور لكي أعطي الناس نظرةً عن هويتي واهتماماتي وتطلّعاتي، إلى آخره، والشخص الذي أنا هو. إذاً عبر الصور، عبر الفيلم، وكانت أوّل مرّة في حياتي استعملت الصور لكي أعطي الناس فكرة عن نفسي. وجود عربي في أمريكا، خلال الفترة التي قضيتها في أمريكا، ليس سهلاً، يعني صعب شيئاً ما بطبيعة الحال، لأن كان مشاكل سياسية وكان اختلافات سياسية بين، مثلاً، بعض الدول العربية والسياسة الخارجية الأمريكية. إذاً دائماً كان هنالك نوع من التوتّر إذا كنت عربي أو مسلم عايش في أمريكا، دائماً كان نوع من مجموعة من التساؤلات، من.... إلى آخره. ولكن بصفة عامة في الفترة التي دخلت فيها إلى أمريكا كان الجو ملائم جداً بالنسبة للمهاجرين أو للمقيمين العرب، وخصوصاً المغاربة مثلاً في أمريكا.

المعلّق: يحكي أنور مجيد أنه حينما دخل إلى القنصلية الأمريكية في طنجة عام 1983 لإتمام إجراءات سفره إلى نيويورك، كان المغربي الوحيد الذي يودّ السفر لأميركا في ذاك اليوم. كانت القنصلية فارغةً من طوابير الحالمين بالهجرة للعالم الجديد، حيث يمكن أن يتحقّق الحد الأدنى من الأحلام. كم تغيّرت الأوضاع في ربع قرن، وكم ازدادت صعوبة تعايش العربي في أميركا. ولكن هذه المصاعب المتزايدة تدفع مجيد المفكّر نحو الإيغال في التفكير ليجد العلاج للعلاقة المحتقنة، جرعةٌ كبرى من قبول الآخر.

أنور مجيد: عندما تخرّجت من جامعة سيراكيوز في 1991 سجّلت بدعوة إلى تقديم ملف للالتحقاق بجامعة نيو إنغلند التي أشتغل فيها الآن. عندما التحقتُ بالجامعة كنتُ أشتغل في شعبةٍ تُسمى بشعبة الإنسانيات، ولم يكن هناك شعبة الإنجليزية ولا شعبة التاريخ، كانت جامعة صغيرة جداً وتختص في الدراسات العلمية وما يُسمى Help Professions أي أنّ مثلاً ما يُسمى Occupation Therapy و Physic Therapy زيادةً على الطب. هذه الجامعة الوحيدة في ولاية ماين التي عندها جامعة كليّة Step. ومع مرور الزمن اقترح عليّ العميد أن أؤسّس شعبة إنجليزية مستلقة عن الإنسانيات. وهكذا طُلب من جميع الأساتذة في شعبة الإنسانيات أن يؤسسوا خلايا لكي تصبح مع الوقت، مع الزمن شعب في ميادين، مثلاً، شعبة التاريخ، أو شعبة الفلسفة، أو شعبة العلوم السياسية، أو شعبة... إلى آخره، ولذلك أسّست شعبة الإنجليزية في جامعة نيو إنغلند ومرّت الآن سبع سنوات والشعبة والحمد لله سنة بعد سنة تزيد تفوقاً، ويزيد الطلبة.... يلتحقون بالشعبة. بصفة عامة الشعبة كانت، سواءٌ من المضمون أو من عداد اهتمام الطلبة بالشعبة، تُعتبر شعبه ناجحة. وفي نفس الوقت أريد أن أؤسس شهادة السلك الثالث في دراسات الإنسانيات، في العلوم الإنسانية، تجمع بين الأدب الإنجليزي، بين الأدب بصفة عامة، وبين الفلسفة وبين التاريخ وبين دراسات الأديان، لكي نكوّن برنامجاً لدراسات الماجستير، يجمع بين هذه الاختصاصات كلها في برنامج يكون مدروس جيداً. وهذا هو الاقتراح الذي قدّمته إلى رئيسة الجامعة ونائب الرئيسة جاك، وكلهم مهتمون جداً بهذه الفكرة. وأنا أفكّر الآن أن أكوّن هذا البرنامج في السلك الثالث في الدراسات الإنسانية داخل جامعة نيو إنغلند. من حينٍ إلى آخر يقول لي شخص، يقول لي الناس، هل يمكن يكون، مثلاً، عربي رئيس شعبة إنجليزية في أمريكا؟ دائماً أردّ عليهم بأن الإنجليزية الآن أصبحت لغة عالمية. إذا كنا نتحدث عن العولمة، فمن نتائج العولمة أن يكون عندك عربي رئيس شعبةٍ إنجليزية داخل جامعة أمريكية. إذاً من.. واحدة مما يُسمى بالعولمة هو كونه، مثلاً، عربي أو هندي أو ياباني يمكن يكونوا رؤساء شِعب كانت تقريبياً، دائماً ترجع إلى أمريكيين.

[فاصل إعلاني]

أنور مجيد: تعرّفت على زوجتي واسمها ميليسا ويلتش والآن ميليسا مجيد، هنا في ولاية ماين. وماين هي في بورتلاند. وكانت في البداية صداقة، صداقة عادية ولكن مع الوقت تعرّفت على أبيها وأمّها. وأبو... عائلتها كلها تحترف في الجيش الأمريكي. وكانت بطبيعة الحال أمامنا مجموعة من التساؤلات، يعني أنا من المغرب، من دولة عربية إسلامية إلى آخره. ولكن مع حسن الحظ، شجّعوني، هم شجّعوني على التزوّج منها. وأنا اقترحت أن الزواج أن يكون في بلد عربي مغربي، كالمغرب، وفعلاً كان الزواج في المغرب وجاء أبوها وأمها وأخوها وأختها حضروا الزواج وكان الزواج ممتع. أنا بطبيعة الحال، حتى في المغرب، يعني الناس يستعجبون يقولون، كيف أن يكون عندك أربعة أطفال في أمريكا وفي المغرب الناس عندهم معدّل طفلين، ولدين؟ قلتلهم ... أنا كنت أقول لهم أنا جبت العالم الثالث إلى ماين، إلى أمريكا. وقع يعني... هو مش اختيار.. في نهاية المطاف ليس اختياراً وإنما مسألة نصف تلقائية. ولدي الأكبر اسمه رضوان وعمره ثمانية سنوات الآن، وسيكمل تسع سنوات في يوليو، 14 يوليو. والثاني منير عنده سبع سنوات الآن وسيكمل ثمان سنوات، والثالث سهيل والأخيرة صفيّة، وهي الطفلة الوحيدة التي عندنا. أحاول أن أعطيهم مثلاً فكرة عن المغرب وعن بلدهم وعن الثقافة العربية الإسلامية، وهذا جهدنا. واحدة من المتاعب أو من التحديات، أسرة كبيرة وشغل في المكتب وتدريس وفي نفس الوقت الكتابة وإلى آخره.. ويعني أنام أقل. بعض الأحيان أذهب إلى المقهى هنا Star Box، يعرفونني كلهم في Star Box هنا في الحي، هنا عندي كتاب في Star Box، وهذه عادة أخرى جئت بها من المغرب، بأن آخذ الكتاب معي أو الجريدة إلى المقهى، لأقرأ في المقهى. المقهى هو طريقة لتكوين حياةٍ اجتماعية داخل المدن، لأن المدن إذا ما كان فيها مقهى أو محلات لـ For Socializing بما يُسمى بالإنجليزية Socializing ستكون حياة بئيسة جداً، يعني هي كفضاءات للتعارف، للنقاشات، للحوارات، ونحن في البلدان العربية المقهى عندنا، تقريباً، مؤسسة شبه مقدّسة عنّا في الدول العربية. دائماً عندك حب الرجوع إلى المغرب، وأنا أعتقد أن هذا حلم كل مهاجر، ولكن في الواقع، مشاهدة الواقع وواقع المهاجرين بصفة عامة أتساءل هل ممكن؟ هل لا يمكن؟ لكن بصفة عامة أنا كنت أظن الحياة في... الإنسان في... أنا أفضّل أن أعود إلى مدينة طنجة، مثلاً، بصفة خاصة، لأنها مدينة طفولتي وأصدقائي وأصدقاء الطفولة. ولكن في نفس الوقت عندي أطفال هنا، عندي أطفال في أمريكا. أنا الشيء الذي أثّر عليّ كثير، وأردت أن أكتب في هذا الموضوع، هو مرض ابني الأكبر رضوان، عندما جاء... مرض بمرض اللوكيميا، ما يُسمى باللوكيميا، والأطباء أعطوه حدود شفاء 50 بالمئة. وكانت الحالة صعبة جداً. وخلال تلك المرحلة، المساعدة التي التقيناها من، في حيّنا هذا، من الحي الأكبر، من المدرسة التي يذهب إليها ابني، ومن المستشفى إلى آخره، يعني كانت شيء خارق للعادة.. كانت يعني... والذي وقع في نفس الوقت الذي كانت أميركا أعلنت عزمها الدخول إلى العراق، وكانت اختلافات وإلى آخره... في نفس الوقت الذي كنتُ أجرّب فيه العلاقات الشخصية الأمريكية تجاه ابني وتجاه عائلتي، في نفس الوقت كان هناك جو عالمي متوتّر، خصوصاً فيما يتعلّق بالأمريكيين والعرب. كانت عجيبة جداً هذه التجربة. وابني الحمد لله الآن He is in remission ما يُسمى remission.



كتبه ومشروعه الفكري

المعلّق: يقوم المشروع الفكري لأنور مجيد، كما يتبدّى في كتبه الأربعة، على ثلاث أفكارٍ أساسية. أُوْلاها أن السياق الثقافي للحضارة الإسلامية ظل حياً وفاعلاً ومتجدداً، ما دامت روافد الأفكار المختلفة عنه تتعايش معه، ولم يُصب بالجمود إلا حينما أقصى عنه كل الرؤى المخالفة لتياره الرئيسي، بدعاوى الكفر والزندقة والهرطقة. وثانياً ضرورة السعي لتغيير مفهوم العمل في الذهن العربي كمجرد وسيلةٍ للتعيّش، وتبنّي المفهوم الياباني الغربي الذي يجعل من العمل غايةً سامية من غايات الحياة الإنسانية. وثالثاً الحوار مع أنفسنا ومع الآخر هو طوق النجاة الوحيد.

"
ألفت كتابا تناولت فيه كيف ينشأ التزمّت عند الشعوب؟ وما هي أسبابه؟ وهي دراسة نقدية ثانية لبعض التيارات الفكرية والسياسية وحتى الإستراتيجية الغربية، وكيف تعامل الغرب مع بلدان العالم الثالث؟
"
أنور مجيد: نشرتُ إلى حد الساعة ثلاثة كتب وعندي كتاب آخر، رابع سيخرج في شهر سبتمبر 2007 وبالتالي إذاً تقريباً عندي أربع كتب الآن. الكتاب الأول هو (سي يوسف) وهو عمل إبداعي، وهي دراسة فعلاً لشخص عادي مغربي من مدينة طنجة، كان لاعباً لكرة القدم في شبابه، كان ذو شهرةٍ محلّية وأصبح ما يُسمى an accountant or Book Keeper في معمل صابون في مدينة طنجة، هناك تزوّج بامرأةٍ إسبانية. وهي فعلاً قصة تعني حياة هذا الشخص داخل المجتمع، وكيف كانت نوع من التجربة التي عشتها أنا في مقاهي طنجة. والكتاب الثاني يُسمى Unveiling Traditions، وهو دراسةٌ نقدية لبعض المفاهيم في الفكر التقليدي الإسلامي، وفي نفس الوقت دراسة نقدية لبعض المفاهيم الغربية، سواء كانت لا علمانية أو كانت مثلاً تتعامل مع مفهوم العولمة. فهذا الكتاب الذي نُشر في سنة (11/ سبتمبر/2001) أعطت الكتاب أهميةً أكثر مما كان... إذاً فكان هذا الكتاب عنده صدى لا بأس به داخل الأوساط الثقافية في أمريكا وفي دولٍ أخرى. وتتمةً لهذا العمل نشرتُ كتاباً آخر يُسمى Freedom and Orthodoxy، وهو يتابع مفاهيم، كيف يُخلق التزمّت عند الشعوب؟ ما هي أسباب التزمّت؟ وهي دراسة نقدية ثانية لبعض التيارات الفكرية والسياسية وحتى الاستراتيجية الغربية. وكيف تعامل الغرب مع بلدان العالم الثالث بما فيهم الهنود الحمر داخل أمريكا، أو الأفارقة أو العرب. كيف يُسبّبوا إلى انكفاء على الذات، إلى انكماش على الذات في هذه المجتمعات، وإذا كنّا نشتكي من التعصّب داخل بعض المجتمعات سواء في الدول العربية أو في العالم الثالث أو في إفريقيا، فمن جملة الأسباب الرئيسية هو طريقة تعامل الغرب مع هذه الدول. وتتمةً لهذا العمل عندي كتابٌ آخر سيخرج يُسمى A Call for Heresy، نوع من الفكر التحدي، أو الزندقة بما يُسمى في اللغة العربية. وهو فكرٌ كان له.. ذو أهمية في القرون الأولى في التاريخ الإسلامي، ولكن أصبح عندهم الآن مفاهيم للزندقة، مثلاً، عندنا مفاهيم سلبية جداً، ومع ذلك بعض المفكرين المسلمين الكبار، مثلاً، الرازي، كان من جملة الناس الذين كان عندهم أفكار تختلف مع الأفكار السائدة في وقتهم، ومع ذلك كان مفكراً، يُعتبر مفكراً عظيم في تاريخ الإسلام. يجب علينا أن نخلق داخل العالم العربي والإسلامي بصفة عامة ثقافة تُتيح وتشجع النقد، النقد الذاتي، يعني نقد حضارتنا ونقد نفسنا، بدون أن نترك ذلك المجال النقدي إلى آخرين، ويسبب في تزمتٍ أكبر داخل مجتمعاتنا. فاهتممت بقضية الإسلام داخل أمريكا لأنني رأيت مجموعة من الأمريكيين أو مجموعة من الغربيين بصفة عامة يدرسون ثقافتنا وديننا بنوعٍ من التفتّح لا يوجد عندنا داخل المجتمعات العربية والإسلامية. فأصبحت من جملة مهمتي أن أنظر إلى ثقافتي بمنظور نقدي، حتى تكون عندي الحرية الشخصية لأنقد نفسي بنفسي ولا أتيح الفرص لأناسٍ آخرين أن ينقدوني عبر مفاهيمهم خاصة. بعد أحداث سبتمبر، 11/سبتمبر/ 2001، التقيت مع سيد مغربي، يُسمى خليل غوراد وهو رجل أعمال في كيناريكيت ومدينة نيويورك، اتصل بي وقال لي... وفكرنا في تكوين مجلّة Tingis. تغيّر المفاهيم عند عامة الناس داخل أمريكا بأن شعوبنا وثقافتنا متعصّبة وإلى آخره، ولذلك أسّسنا مجلة مغربية أمريكية تعنى بشؤون الفكر، وهي أول مجلة من نوعها سواءاً في المغرب أو في أمريكا التي صدرت بالإنجليزية والمجلة تصدر الآن في الإنترنيت. ونشرنا سنتين في المجلة ولكن كانت يعني... تطلّبت مطالب مادّية باهرة ولم تكن عندنا مساعدات، فلم نستطع أن نكمّل في النشر ولكن استطعنا إلى الآن أن تبقى داخل الإنترنيت.

المعلّق: يحلو لابن طنجة أنور مجيد أن يتمثّل بجملةٍ كاشفة قالها ذات يومٍ ابن القدس إدوارد سعيد، "بقدر ما يُوغل الإنسان في المهجر تشحب بداخله فكرة الوطن حتى تتلاشى". ومجيد يدرك جيداً المعنى العميق لكلام سعيد، يدرك أنه يحذّر من فقدان الهويّة ونسيان الملامح الأصيلة للذات. ولكن مجيد يدرك أيضاً أن المهجر في زمن العولمة وثورة الاتصالات لم يعد النأي عن الوطن كحيّزٍ جغرافي. المهجر قد يكون داخل الوطن قطيعةً نفسية مع الفقر والجهل والطغيان والتشدّد وهذا هو أشدّ معاني المهجر إيلاماً.