- البدايات في المهجر
- رحلة المغترب في عوالم الأدب

 طارق الطيب

البدايات في المهجر

طارق الطيب:

ظل مكسور

كنت أسير منتصبا حتى حاذيت جدران البيوت النائمة

ظلي معي منتصب يفيق

انكسر فجأة على الجدران

مكسورا ظل هذا الظل

حتى بعدت عن خيال الحيطان وعن كل قائمة

نظرت خلفي متوجسا حذرا

ظل ظلي منكسرا رغم استواء الطريق.

كثير من الناس يخطئ في مسألة هجرة العائلة من السودان إلى مصر أو نزوح العائلة من السودان إلى مصر، هذا غير صحيح لأن الصحيح هو بس هجرة الوالد من السودان من كوستي إلى مصر وهو الذي تزوج والدتي يعني أصبح هو الشخص الوحيد الذي جاء من السودان إلى مصر. أتذكر في عمر سبع سنوات تقريبا أنني أرسلت رسالة، موضوع وكتبت موضوعا جميلا لا أتذكره الآن إلى مجلة ميكي أو سمير وفوجئت أنه تصلني رسالة من المجلة افتكر ماما لبنى أو ماما مش فاكر ماما، كاتبة لي رسالة ظريفة وجميلة بخط يدها وتتنبأ لي بمستقبل سعيد و.. و.. إلى آخره وأنها أعجبت بهذا وإلى الأمام وإلى آخره، طبعا هذه الرسالة كانت بالنسبة لي يعني وثيقة ما في بعد منها وثيقة، نوبل يعني وأنا لسه طفل صغير، كنت أحملها معي إلى المدرسة وأوريها لأصدقائي وزملائي وإلى آخره، دي كانت بالنسبة لي شهادة حسيت فيها أنه أنا أنا يعني كطفل ممكن فعلا أكتب شيئا يعني. بعمر 17 سنة كانت قصة حب وطبعا معظم قصص الحب عندنا نحن أنه نحن نحاول نكتب شعر، فكتبت فعلا فيها بعض الأشعار وبعض القصائد وكنت أعطي هذه الأشياء لأصدقائي وزملائي مع تغيير الاسم قلت لهم إن هذا اسم صديق لي مش متذكر اسمه محمد أو كذا، استأمنني على هذه القصائد بس أنه ما أقول سيرته ما أذكرش، عجبتهم القصائد وبقوا منتظرين بشغف وبقيت أكتب وأديهم القصائد ونقرأ وإلى آخره. للأسف هذه القصائد لما انتقلت من عين شمس إلى منطقة غمره للجامعة عشت عند خالتي وجدتي في منطقة غمره، أخذت كل هذه الأشياء ورميتها بذراعي للأسف يعني خوفا من أن أحدا من العائلة يكتشف هذا الأدب الذي يعتبر قلة أدب يعني في هذا الوقت، وأنا أعتبر يعني مسألة الحب من شخص جاد ورصين وكنت في البيت يعني مهتما بالدراسة وبهذه الأشياء يعني ما ينفعش يكون الرجل  ده بيحب يعني كان شكلها مش كويس. كان لي أخ موجود في النمسا خالد قبل مني بخمس سنوات، سألته عن الدراسة في النمسا، قال لي الدراسة في النمسا مجانية لدول العالم الثالث، قلت عظيم أسافر إلى النمسا، بالنمسا بجانب أنه أنا أستكمل الدراسة أحاول أن أجد أي عمل صغير مناسب في أي مكان بحيث أنه أنا أستمر فترة أتعلم اللغة ومنها أحسن العمل والدراسة لكن هيهات زي ما بيقولوا، وصلت في يناير فترة صعبة جدا أول مرة أشوف البرد وأول مرة أشوف الثلج والبرد درجة الحرارة تحت الصفر، سكنت في مكان بائس جدا، العمل الوحيد اللي استطعت أحصل عليه كان عملا بائسا أيضا أكثر بؤسا أنه أنا عملت في بيع الجرائد وهو ده العمل الوحيد اللي كان متاحا، إما أنك تبيع جرائد أو توزع إعلانات، اشتغلت في هذا العمل سنة ونصف، لم يتغير المكان لأن الرجل المسؤول عني اللي هو نسميه الـ boss أو chief كان غاضبا جدا مني أنه أنا بأقول له إنه أنا عايز أتعلم وإنه أنا أصلا طالب وبأفكر في الدراسة، كان بيسخر من هذا الأمر فتعمد أنه أنا أكون باقيا في هذا المكان إلى الأبد، إلى أن تعرفت على صديق إنجليزي وقال لي ليه ما بتدرس اللغة العربية لطلاب وطالبات قسم اللغة العربية هنا في الجامعة، وكتب لي إعلانا حطه في الجامعة، لحسن الحظ شافه وولف كانغ أخو أورسولا جاب لها الإعلان وهي كانت في الفترة دي محتاجة معلما، جئت يوم أحد، سبت أو أحد على ما أتذكر، كانت بتكتب أطروحة عن مستويات اللغة العامية والفصحى في البرنامج العام في مصر، سمعت طبعا الكاسيتات، قلت لها ده أمر سهل يعني بالنسبة لي، أنا طفل راديو، يعني متربي على الراديو وعارف حتى الأشخاص والبرامج وكل شيء واللهجات العامية واللي بيتكلم من الدلتا واللي بيتكلم من الصعيد والأسواني والنوبي إلى آخره، في الفترة دي كان في صديق قال لي أنه أنا كنت بأدرس لواحد نمساوي بمبلغ 50 شلنا في الساعة كان مبلغا جيدا، أنا كنت في الجرائد بشتغل خمس ساعات بخمسين شلنا فساعة بخمسين شلنا، قال لي لا، تدريس اللغة العربية مش أقل من 100 إلى 120 شلن فأنا قلت لأورسولا في البداية بتسألني بتقول لي بتأخذ كم في الساعة؟ قلت لها من 100 إلى 120، قالت لي أنا لا حأدفع 120، أنا فوجئت يعني الست ما بتفاصلش يعني مش بتساوم شوي يعني علشان، يعني 120 كثير بس مش حأرجع في كلامي أقول لها طيب لا حأخذ 100، قلت لها خلاص كم ساعة في الأسبوع؟ قالت عايزة ساعتين في الأسبوع، بس أنا حسيت أن ضميري يؤنبني يعني 120 كثير يعني فبدأت أنه أنا آجي بدل ما أديها ساعتين أديها ثلاث ساعات وأحسبهم على أنهم ساعتين، آخذ جزء من جريدة أو مجلة أو أي شيء إضافي وأدرس لها فيه إضافي، الكلام ده استمر 11 شهرا. بنفس هذه الغرفة كنت آجي كان هنا في مكتب صغير أشرب الشاي الأسود كان شاي خفيف شوي كان نفسي أنه يكون شوي ثقيل كنت ساكت وأشربه وهو شاي خفيف، شاي  أسود، آخذ الكاسيتات أفرغها على الورق، أشرح لها بعض المصطلحات وبعض الأشياء وبعض الدروس وبعد 11 شهرا حبيت أنه أنا أتعرف على والدتها وعلى أخوها فذهبت معها إلى الشمال هي في منقطة قريبة من ميرتس شمال رأسا قريبة من حدود تشيكيا، جمهورية التشيك، رحت لوالدتها في الشمال، كان جوا لطيف وأسرة لطيفة ووالدها كان ضابط بوليس بس توفى، حسيت بألفة في المكان وحسيت باقتراب وتطورت فكرة أنه هي فعلا تكون زوجتي وأخذت أورسولا ونزلنا إلى مصر، تعرفت أيضا أحبت تتعرف على العائلة، تعرفت على الوالد والوالدة، عملنا خطوبة في مصر ولما رجعنا للنمسا تزوجت هنا في فيينا، دي كانت البدايات الأولى كانت هي لسه طبعا أيضا طالبة وأنا ما زلت طالبا في الجامعة فساعدتني في هذه الفترة في تعلم اللغة الألمانية وأنا في تعلم اللغة العربية، بس كانت حياتنا المادية صعبة إلى حد ما ولكن كانت تسير يعني.

المعلق: يكاد توضعه الحميم أن يضللك عن قيمته الأدبية الرفيعة التي تشهد بها جائزة الشعر الكبرى من أكاديمية شرق غرب الرومانية عام 2007، ويكاد صوته الهادئ الرخيم ينسيك أن النمسا اختارته سفيرا لها في عام الحوار الثقافي العالمي، وأن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب دعاه ليكون ممثل الأدباء المهجريين العرب في إطار احتفاء المعرض بالثقافة العربية عام 2004، فالدكتور طارق الطيب الأستاذ في جامعتين نمساويتين بارع في ممارسة لعبة المتسلل الخفي هكذا إلى حكايات الناس والمدن وهو يقدم بتجربة عمره الخمسيني الموزعة بين القاهرة والعريش وفيينا ثم عشرات المدن الأخرى حول العالم التي صار يدعى إليها بعد أن ذاع صيته الأدبي يقدم دليلا حيا على إمكانية أن يعيش المرء في عوالم متعددة حيث الانتماء للتجربة الإنسانية الشاملة وأن ينجو من العيش فيما بين العوالم حيث الجانب الآخر والاستعلاء عليه أو التصاغر أمامه سبل مؤكدة للغرق في لزوجة الاغتراب وفقدان الهوية.



[فاصل إعلاني]

رحلة المغترب في عوالم الأدب

طارق الطيب:

هجرت الليل من النهار

هاجر الليل من المدينة البائسة

ترك لها النهارات الشقية

أخذ قمره ونجومه ورحل

فرحت المدينة بالضياء

سهرت نهارات ولما تعبت

لم تجد ليلا تستريح إليه

هاجر النهار من المدينة المرهقة

ترك العدم

أخذ شمسه وضجيجه

ظل يبحث في المكان عن ظلمة

تحسب له الزمان

تعب النهار

لم يعرف كيف ومتى وأين ينام.

بدايتي الأدبية كانت مع مجلة الاغتراب الأبدي، وصدر أول كتاب لي في ألمانيا بعنوان مدن بلا نخيل، وفيما بعد صدرت كل الكتب في القاهرة
أنا ساكن في هذا الحي، الحي السابع من فيينا، وهذا الحي موجود فيه عدد كبير من المقاهي والمتاحف والمسارح وإلى آخره، ولكن هذا المكان قريب جدا مني اسمه لوكس هنا أو أمارلينغ هاوس وآتي إلى المكانين دول بالذات للكتابة والقراءة، وخصوصا الكتابة. أنا بكتب كثيرا جدا في المقاهي اللي بتشبه هذا المقهى ولا يسرني أو يغضبني أو يزعجني أي من الدوشة المعتادة في المقاهي، الشيء الوحيد اللي بيزعجني جدا هو الموبايل، ده الشيء الوحيد وحتى الآن حتى اليوم أنا لا أحمل الموبايل ولا أستعمله لأني بأحس أنه مزعج كثيرا جدا. الجلوس في المقهى والكتابة في الجو المعتاد تمثل بالنسة لي جو دافئ وحميم للكتابة والقراءة خصوصا الكتابة، كتبت كثير جدا في المقاهي. البداية الحقيقة للكتابة كانت في فيينا سنة 1986 يعني تقريبا بعد وصولي إلى فيينا بسنتين بالضبط، حسيت في الفترة الأولى فعلا بصعوبة في التعامل مع الأصدقاء والزملاء اللي كانوا موجودين هنا، ما كانوش أصدقاء بالمعنى الحقيقي إنما كنت بأحاول أن أخرج مع هؤلاء الأصدقاء أنه نحن نزور متحف نزور سينما حتى ولو أنه ما بنفهمش اللغة بس نتحرك وسط البلد ونشوف الأشياء الثقافية المتاحة مجانا فكانوا بيرفضوا فشعرت فعلا بوحدة أنه أنا وحيد وما فيش جو يعني مفرح فلجأت فعلا للكتابة أنه أنا يعني أبطن حالي بالكتابة. بدأت أكتب عن الخمسة وعشرين سنة اللي أنا عشتهم في مصر، كتاباتي كانت عن فيينا قليلة جدا لأنه ما كنتش أفهم اللغة الموجودة اللغة الألمانية كانت صعبة بالنسبة لي، فبدأت بالكتابة لنفسي، أنا بس أحطها بالدرج أنه أنا أقرؤها بالليل كانت تقريبا كأنها علاج نفساني، بعد فترة وجدت إعلانا موجود مجلة المجلة كانت تصدر في لندن أنه في مجلة اسمها "الاغتراب الأبدي" تطلب نصوصا من الكتاب أو الأدباء أو الناس المقيمين في المهجر تنشرها في المجلة، أعجبني الموضوع قمت طلعت بعض القصص من الدرج صححت قصتين وأرسلتهم إلى مجلة "الاغتراب الأبدي" اللي كان بيصدرها الدكتور صلاح نيازي في لندن، صدرت القصة الأولى وصدرت الثانية وطلب مني قصصا أخرى وبنفس الوقت أرسلت قصصا إلى الأهرام في القاهرة، نشرت وتعرفت عن طريق هذه القصة بناشري الأول والثانية تعرفت على الأخ عادل عزت، الشاعر عادل عزت في القاهرة وإلهامي لطفي بولص اللي ما زال هو حتى اليوم ناشري في مصر. توالت بعد كده القصص كانت كلها قصص قصيرة في البداية، بدأت تنشر كل هذه الأشياء بشكل سريع جدا حتى أنا انبهرت بسرعة الانتشار إلى أن طلب مني الناشر في مصر أنه يطلع لي فيما بعد الكتاب الأول، لكن الكتاب الأول صدر حقيقة في كولونا في ألمانيا اللي هو "مدن بلا نخيل" كانت الطبعة الأولى سنة 1992 صدرت لدى الجمل في ألمانيا فيما بعد صدرت كل الكتب في القاهرة، كانت هي دي البدايات بالنسبة لي أنني أنا أصبحت تقريبا بشكل محترف مش هاوي، أن ما أكتبه ينشر وهذا ما لم أفكر فيه بداية.

مراحل الجنون

خروج عن المألوف

دخول في مراحل الجنون السبع

بحثا عن فردوس

خريطة

مفاتيح

زيتون

أول الجنون لحظة اعتراف

تالي الجنون

ذكرى

ثم سلاسل

ثم حروف

ثم نبوءة عين

ثم حس منثور

آخر الجنون الاحتفاظ بمفتاح الجنون.

يعني لا شك أنه أنا أنتمي إلى مدرسة المهجر الأولى من أيام جبران خليل جبران مرورا بتوفيق الحكيم، سهيل إدريس، الطيب صالح واللاحقين اللي جاؤوا بعد منهم لكن أنا بأعتبر نفسي من ضمن الكتاب، الثمانينات التسعينات، نحن نختلف عن السابقين اختلافات كثيرة، أول هذه الاختلافات أن هؤلاء حين سافروا إلى أوروبا أو إلى الغرب كانوا يتمتعون على الأقل بلغة البلد الذي سافروا إليه، هذا سلاح أول، ثم كانوا بيتمتعوا على الأقل بقدرة مادية أو مالية وبثقافة واسعة، جيل الثمانينات والتسعينات ما أذكره أنا في رواياتي وفي كتاباتي هو الجيل اللي يعتبر الجيل اللا بطل، الجيل المسكين اللي خرج مطحونا، اللي خرج في ظروف قاهرة واضطر إلى الخروج وإلى النزوح إلى أماكن لم يكن يعلمها، لم يكن يفكر أبدا أنه حيكون في هذا المكان. حين تقرأ سيرة حمزة في رواية "مدن بلا نخيل" ستأجد أنه كان يريد أن يذهب إلى أقرب قرية فقط ليجد أي عمل ثم نزح من القرية إلى المدينة إلى مدينة أخرى إلى أخرى إلى القاهرة إلى أن وجد نفسه في أوروبا بدون لغة بدون مال بدون أي شيء ولم يعد هو هذا الند يعني في هذه القديم في مادة يعني الطيب صالح أو توفيق الحكيم أو هؤلاء، كان عندك البطل أو الشخصية الموجودة شخصية ند مقابلة لشخصية الغربي اللي موجود يستطيع على الأقل أن يتعامل معها ثقافيا بنفس القدرة، أما أبطالنا نحن اللاحقين فوضعهم يختلف تماما، هو مهزوم في وطنه ومهزوم أيضا خارج وطنه ولكن بيحاول قدر الإمكان أن يجد حلا وأن يجد مخرجا. أنا كثير من الكتاب يعني الكتاب اللي في عمري أو أكبر أو أصغر تأثروا بالطيب صالح وأنا أيضا تأثرت بالطيب صالح ولكن لن تجد عندي أثرا للطيب صالح في الكتابات بمعنى أن أنقل الطيب صالح حرفيا أو أنقل الطيب صالح بشكل مواز كما كتب عن الغرب، أنا أكتب تجربتي أنا الخاصة، تجربتي الفنية والأدبية تجربتي الحياتية في الرواية من منطلقي الخاص مستفيدا من إنجاز الطيب صالح وفكرته عن الهجرة إلى الشمال، هي أيضا هجرة نفس الفكرة ولكن ليس كل من يكتب عن الهجرة أو كلمة هجرة أنه نذكر دائما أن الطيب الصالح، الهجرة الطيب صالح، هذا جيد هناك تأثير لا شك فيه ولكن الأثر الخالص الواضح من الطيب صالح في أعماله لا أعتقد أنه يوجد بهذه الصورة وأنا أعتبر أن هناك فرقا بين التأثير والأثر. الحقيقة الدعوات اللي وجهت لي من دول عربية بشكل رسمي هي دعوة وحيدة وجهت لي منذ أسبوع إلى الشارقة، نحن الآن في مايو في منتصف مايو 2008 وعمري يقترب على الخمسين هذه هي أول دعوة رسمية من دولة عربية، سبقتها حقيقة يعني لا بد أيضا من ذكر أول دعوة كانت غير رسمية وأنا في مصر في عين شمس كانت من النادي السوداني العام بعين شمس وقدمني فيها للجمهور الدكتور حسن فتح الباب ومنار ابنته كان تقديما جميلا، دي كان أول دعوة غير رسمية تبعها الزميل الشاعر شعبان يوسف هو عفيف إسماعيل السوداني المقيم حاليا في أستراليا إلى ورشة الزيتون بالحلمية والمكان قريب مني جدا المدرسة الثانوية اللي أنا درست فيها قريبة جدا من هذا المكان دي كانت دعوة أيضا غير رسمية وتقديم كتابي "تخليصات" بشكل جميل وحوار استمر لأكثر من ساعتين، الدعوات الأخرى التي وجهت لي إلى مصر كانت دعوات من النمسا، من السفارة النمساوية أنه أنا آتي إلى مصر وأقيم بعض المحاضرات وبعض الندوات على أساس أنني كاتب نمساوي.

المعلق: يستقبل أهل فيينا بقدر كبير من الانجذاب السحري جرس الكلمات العربية في قصائد طارق الطيب التي تتلى عليهم هكذا. فلغة هذا السوداني المصري النمساوي لغة عمرها ألفي سنة تشرق منها شموس صحراوية صريحة وواحات نخيل وبشر يتشبثون بكبريائهم رغم الفقر والجهل والطغيان ويتلمسون بكثير من الارتباك طريقهم نحو التواصل مع أنفسهم ومع الآخرين ولكنهم لا يكفون عن المحاولات النبيلة. يتنبأ طارق الطيب باستبصار الفنان بأن يشهد المستقبل القريب ميلاد مدرسة أدبية جديدة للعرب في مهاجرهم المتعددة تقدم التجربة الفذة للجيل الذي ولد في أوروبا لآباء عرب فتعلم أن يكون عربيا وأوروبيا معا، وهو جيل لن يسكت عن  القمع والديكتاتوريات العسكرية في الجنوب ولا عن التمييز والتفرقة في الشمال، جيل سيحاول أدبيا على الأقل أن يزهو باختلافه.

طارق الطيب: توقعاتي للحركة الأدبية في المهجر توقعات متفائلة خصوصا في السنوات الأخيرة كل السنوات الثلاثين الأخيرة، لو أخذت فيينا كمثال أو المحيط الألماني نجد أن المنشورات باللغة المترجمة إلى اللغة الألمانية من العربية أو مكتوبة مباشرة من عرب يجيدون اللغة أصبحت يعني أكثر بكثير، دور النشر،كثير من دور النشر بترحب بوجود أعمال عربية على مستوى جيد فتوقعي وإحساسي أن المستقبل الآتي حيكون في صالح كثير من الكتابات العربية أو الأدب العربي.

نصائح الجدة

نصائح جدتي لي وأنا صغير كانت

كل جيدا حتى تكبر

وكبرت

اشرب ماء كثيرا

لا تسهر ولا تدخن حتى تعيش أطول

سهرت ودخنت

وما مت

لكني في مساء عمري

جلست أمام التلفزيون المفتوح مرة

لأشاهد أحذية ثقيلة تبلط العالم

لأسمع أرقاما لا نهائية لمن صعدوا توا للسماء

في سباقات الدفن السريع

من ذلك الوقت

أصبحت لا أكاد أنام.