- الفنان الشعبي ووَهَج الموهبة
- مركز للخط العربي في لندن
- مزيج من الصوفية والهندسة

[تعليق صوتي]

هذا فنان يعرف جيدا تجربة الانبعاث المتجدِّد عندما يَمَس الصيف لندن عاش ذلك بنفسه وفي نفسه وإن كانت مقدمات تفتحه هو وازدهاره بدأت حيث ولد في الإسكندرية قبل إحدى وستين سنة، أحمد مصطفى تفتح وعيه في الخمسينيات على مزيج من روائح اليود والسمك المقلي ووجوه من كل حضارات المتوسط وأديانه، كانت الإسكندرية مدينة تختصر العالم آنذاك وتعلِّم أولادها أنهم ينتمون إلى العالم بأسره لا إلى مصر وحدها وهناك التقى أحمد مصطفى بمعلمه الأول.

الفنان الشعبي ووَهَج الموهبة

أحمد مصطفى: كان فيه رسام كان يرسم أطقم الكؤوس والكبايات والصواني، أنا كطفل إذا سوئلت إن أنا أنزل أشتري حاجة للبيت فاللي حصل أن أنا كنت أنزل وأقضي أمام هذا المحل وأمام هذا الرجل وقت كنت ماعرفش طوله قد إيه، هذا الرجل بالنسبة لي كان وكأنه ساحر لأن له مساعدين كل ما يفعلوه أنهم بس يعني يدفعوا بالكؤوس أمام إيديه وإيديه تحوِّل هذا الكأس من كأس أو من كوب عادية جدا إلى تحفة فنية بلمسات بسيطة جدا وبألوان مختلفة، كان في بعض الأحيان كان يبقى حامل أربع فرش ألوان بين أصابعه ويلعب بيهم وكأنه يعني كأنه موسيقار على بيعزف على ناي ولكن بالنسبة لي واقع ده وأنا طفل في حوالي الثامنة التاسعة كنت أقف مذهول ولا أمِل يعني الدوشة اللي بتاعت المارَّة ففي بعض الأحيان كنت أو يعني فجأة ألاقي يد والدي على كتفي بعد ما أستغيبوني جدا لكن أنت بتعمل إيه وواقف ليه؟ فطبعا لا أنسى هذه الشخصية وهذا وأعتقد إلى حد كبير أن بدون يعني دور هذا الحرفي كان له أثر كبير جدا على وعيي في هذا الوقت بدون ما أعي.

[تعليق صوتي]

ينظر أحمد مصطفى الآن ببعض الأسى إلى اثنتي عشرة سنة أمضاها دارسا ومدرسا في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية لم يتعرف خلالها إلى على الفن الأوروبي تاريخا ومناهجا وتقنيات وهو أسى تخفف منه ذكريات تفوقه اللافت والجائزة التي تلقاها من يد الزعيم جمال عبد الناصر في عيد العلم عن لوحة كهذه عام 1966 وهي للمفارقة على نمط التعبيريين الألمان، كان إذاً يرسم بريشة مستعارة من الشمال حتى جاء التحول الكبير في حياته الروحية والفنية في الأربعين من عمره أدرك أن عليه أن ينسج شعيرات ريشته بنفسه وأن يعود إلى الضوء الثابت في آخر نفق ذاته إلى حضارته المغزولة من خيط إسلامي وآخر عربي تماما كما يغزل هو لوحاته الآن عالما كاملا من النقطة والحرف.

أحمد مصطفى: هي رحلة مش معلومة الاتجاهات ولا ليها خريطة محدَّدة هي رحلة تكاد تكون أيضا رحلة روحية أيضا لأني بالفعل أنا يعني تضرَّعت لله سبحانه وتعالى سائلا إياه وكأني أحدث صديق يعني أنا أُعطيت هذه الموهبة ولكني أوَد أن أسخِّرها من أجل التقرب إلى الله كيف أفعل ذلك لا أعرف الطريق ولا أعرف الإجابة الموصِّلة إلى هذا الطريق ولا هذا التواجد وكنت فخلصت كنت في هذا الوقت أمضيت حوالي عامين في المملكة المتحدة في لندن وحصلت على ما يُسمى بدراسات عليا متخصصة في العمل الفني المطبوع واللي هو يعادل ما يسموه بدرجة الدكتوراه في مصر وكنت في سبيل رجوعي إلى مصر فحدث بصدفة محضه وأنا منتظر الانتهاء من أوراقي والإعداد للرجوع قرأت مقالة في الجريدة الأميركية في سنة 1939 بعنوان عطاء ابن مقلة لخط الشمال العربي وهذا المقال هو حوار بين قطبين أكاديميين واحدة منهم اسمها نابية أبيت هي أميركية وكانت أستاذة المخطوطات الشرقية في (Mitch Portal Museum) وهي تحاور أكاديمي ألماني حول بحثه في الدكتوراه بعنوان خط البديع لابن مقله وبتفهمه في النهاية أن هو وقع في براثن وشِباك اللغة العربية وأن الخط البديع هو أن كلمة بديع هي صفة وليست طريقة كتابة وأن ابن مقلة هو مخترع طريقة للكتابة وأن (Conclusion) اللي هو وصل إليه في إن هو صاحب ما يسمى بالخط البديع (Conclusion) مغلوط وواهي تماما من أساسه فأنا تقدري تقولي شعرت بعار كبير جدا لأن هناك اثنين أكاديميين بيتحدثوا عن عملية مرتبطة بالحرف العربي وبتاريخه وبمدلوله الرمزي في الحيز في الفضاء وأنا لا أعلم أي شيء وأنا في آن واحد عربي وأكتب وتعلمت بالعربية وكتبت بالعربية، فأدركت تماما أن فيه شيء غير سليم يجب تصحيحه اختصارا لما حدث بعد ذلك أقدر أقول لكِ أن أنا عكفت بالعمل على درجة ماجستير حول نظرية ابن مقلة المعروفة بنظرية الخط المنسوب وبعدها تطورَّت إلى امفيل وبعدها درجة دكتوراه المهم خدِت مني 14 سنة ولكنها كانت رحلة راجعا إلى بيتي الحقيقي.

[تعليق صوتي]

أيدرك أحمد مصطفى أن عيني أمه المترعتين طيبة وحنان تفهمان الآن لوحاته المتفجرة بالحروف الحرة المنسابة وبدفء ألوان الشرق وأنهما ما كانتا أبدا تتواصلان معه لو أنه ظل يرسم لوحات مستوردة الأساليب، هل خاض المبدع الإسكندراني رحلة البحث الشاقة عن ذاته الحقيقية أربعة عشرة عاما ليكون أقرب إلى قلب أمه؟ أم أنه أراد أن ينصف عبقريا عربيا يفصله عنه اثنا عشرة قرنا هو محمد ابن عبد الله ابن مقلة أول من جعل من الخط العربي فلسفة هائلة متكاملة تفسِّر العالم وتعبِّر عنه وانتهى به الأمر مبتور اليد واللسان بأمر الخليفة العباسي، المؤكد أنه كلما كان يوغل في البحث عن الأساس العلمي لأشكال الحروف العربية وهو عنوان رسالته التي حصل بها على الدكتوراه في فلسفة الفن بامتياز من الكلية المركزية للفن والتصميم في لندن كلما اقترب من ذاته الحقيقية وازدادت لوحاته صدقا وحرارة وتوهجا.

[فاصل إعلاني]

مركز للخط العربي في لندن

[تعليق صوتي]

فنون أحمد مصطفى مركز يعكف على تطوير البحث في القيم التشكيلية للحرف العربي، الوجود المبدع للفنان العربي ولمركزه في لندن له ثمرات عجزت عن تحقيقها عشرون سفارة عربية في عاصمة الضباب والكلام للناقد الفني جيرني هينزل الذي لفت الانتباه في مقال بمناسبة معرض لأعمال الفنان في الفاتيكان إلى أن اللغة التشكيلية التي تطالع العالم عبر تلك اللوحات الفذة تثبت أن تواصل الغرب ثقافيا مع الحضارة الإسلامية هو وحده الكفيل حاليا بإعادة التوازن إليه بعد أن تآكلت روحه أو تكاد.

"
التكنيك المستخدم في معظم أعمالي هو مزج بين الألوان الزيتية والمائية ويعتقد الكثيرون أن هذا التكنيك غريب جدا لأنه يجمع بين الزيت والماء
"
أحمد مصطفى: التكنيك المستخدم في معظم أعمالي بشكل عام هو مزج بين الألوان الزيتية والمائية وقد يعتقد الكثيرين عند سماعهم لاستخدام مثل هذه التكنيك أنه تكنيك غريب جدا كيف يُمكن مزج عنصرين لا يمتزجوا أساسا زي الجمع بين الزيت والماء ولكن هذا التكنيك بالتجربة وعلى مدى أكثر من عشرين سنة أتضح لي أن هذا هو الوسط الأمثل للحفاظ على الحدة اللي بيكون عليها الحرف في هيئته عند الكتابة بالضبط وفي الوقت نفسه إعطاء فرصة للمزج الحر في علاقة الحرف باللون بشكل حر بحيث الحرية الموجودة اللي تخلق البيئة اللي فيها الحرف لا تمس أو لا تشوه الهيئة أو الحدة اللي عليها كتابة الحرف نفسه في أي لون فبتكون النتيجة أن العمل نفسه لازم يخرج أولا بما فيه من الملامس الكتابية والملامس الحرفية والتركيب البنائي كله بتاع العمل قبل في الوسط الزيتي ثم بعد ذلك التعامل معه بالوسط المائي بشكل حر تماما، ثبت بالتجربة أن لأن فيه تباين شديد بين الوسطين أن كل منهما لا يعتدي على مساحة الآخر وهذا بالضبط ما أود تحقيقه في العمل ولازم المستخدم لمثل هذا التكنيك لازم يكون صبور جدا ما يتسرعش في أي خطوة ولازم أيضا يبقى عنده بصيرة تسمح له بتصور نتيجة المزج النهائية بين العنصرين اللون في الوسط الزيتي واللون في الوسط المائي ولذلك تجدي أن العمل منذ بداية مسك خيوط الرؤية بتاعت الرؤية البنائية بتاعت العمل حتى نهايته تماما لا يقل إن لم يزيد لا يقل المدة المطلوبة عن أربعة أو خمس شهور على أقل تقدير، أنا بأعتقد أن أهم الإنجازات يأتي على رأسها تحقيق نظرية ابن المقلة وتحقيق علاقة الحروف المفردة بعضها ببعض من حيث التجانس البصري الذي يحكم هذه العلاقة في علاقة مساحة الحروف بعضها ببعض ثم اكتشاف النقطة اللي هي تسمى نقطة التقدير والتي بدونها لا يمكن للقلم أن يخرج إلى النور، الشيء الثاني هو أن هذه النظرية ثبت وأنها هي المَعين الرئيسي الذي تتولد منه كل أفرع علم الجمال في الإسلام، التحقيق الآخر هو تحقيق هيئة الأرقام العربية التي يستخدمها الغرب والعالم كله وهم يعلمون أنها ذات أصل عربي ولكن سواء العالم العربي أو الإسلامي ما عندوش التوثيق الحقيقي والسبب البرهاني التي قامت عليه هيئة هذه الحروف فبفضل الله استطعنا إن إحنا نحقق أو ننجز هذا التحقيق، بقية أو معظم التحقيقات الأخرى تأتي في صورة معارض مختلفة تحققت في بلاد مختلفة في أرجاء العالم كان منها معرضا لأعمالي داخل الأكاديمية المصرية بروما وهو المعرض الذي أثار نقطة الالتقاء مع المسؤولين في الفاتيكان واتاحوا لي فرصة اللقاء بالبابا أثناء وجودي في روما وبناء عليه دُعيت لإقامة معرض داخل الأرض الباباوية في روما فده كان أول معرض أو يُعد حدث تاريخي لأنه أول معرض يقام لفن إسلامي أو لفن قائم على التصوّر والتفكّر الإسلامي بالمعنى الحقيقي داخل الأرض أو معقل المسيحية الغربية فكانت نقطة لقاء ونقطة حوار مفيدة للجانبين ومَعبَر حضاري كان ذو تجربة فريدة في الحقيقة.

مزيج من الصوفية والهندسة

[تعليق صوتي]

يقول الصوفي المسلم جلال الدين الرومي عندما يصف قلبك وتتحرَّر روحك ستتمكن حينها أن ترى بعيني فؤادك كل ما يوجد خارج هذا العالم سترى حينها الصورة والمصور ولبيتي الرومي أشباه في شعر الصوفية المسيحية وهي فكرة رسم الطريق الإنجاز الأهم لأحمد مصطفى المكعب الذي يختصر الكون وينفتح على تسعة وتسعين سطحا بعدد أسماء الله الحسنى ويواصل كل مكعب داخلي الانفتاح على ذات العدد من الأسطح إلى ما لا نهاية إلى الأبد، الفكرة التي سطعت في ذهنه أفرغ لها نفسه سنوات طويلة حتى تبلورت فلسفة مكتملة فيها من الصوفية ما يمتزج بالهندسة ومن نصوص الدين ما يمتزج بالفن.

أحمد مصطفى: هذا العمل التركيبي يشرفني أن هو موجود حاليا بشكل دائم في متحف الفن الإسلامي في ماليزيا الذي أفتتحه سلطان ماليزيا الحالي، أثار انتباه الصحافة هناك ورجال الإعلام والحشد الكبير جدا من المهتمين بأمور مرتبطة بمعنى التوحيد ومعنى.. والمعاني الكامنة في الإسلام، فسلطان ماليزيا بعدما توجهت إليه بشرح سألني سؤال أنا يعني سؤال من أروع ما يمكن فسألني قال لي كيف وصلت إلى هذه الحقيقة وأي كتب قرأتها لكي تصل إلى هذا الموضوع؟ لم أتردد في أن أنا قلت له هو في الواقع أنا لم أقرأ حول هذا الموضوع في أي كتب من الكتب أو في أي عمل منشور ولكن لا أتردد في أن أنا أقول إن أنا شفت هذه الحقيقة في رؤية يعني نِمت عليها وإذا نِمت على التساؤل حولها وإذا بالإجابة تتضح أمامي حينما وجدت الكعبة تُفتح أمامي، فمعندكيش فكرة الرجل تأثر كثيرا وقال لي هذا يعني يمكن أكثر إجابة يعني ترضي فضولي عند هذا الحد لأن أنا بسألك هذا السؤال وأنا مش متصور أن فيه إجابة لأن أنا لم أقرأ ولم أجد أي إشارة حول هذا الموضوع من هذا المنطلق فقلت له هذا كله بفضل الله وما أنا إلا أداة توصيل، يعني فكرة المخترع والفنان اللي هي بنعيش معها أو إحنا كامنة في ذهننا الحالي بمعانيه المختلفة أنا مش في ذهني خالص ما هو المهجر أنا من خلال هذا التباين والتباين الشديد والمتغيرات اللي لقيت نفسي موجود فيها استطعت من خلال إدراكي للوحدة الكامنة فيها بمعنى أن أنا أعرف أصولي العربية أو أتعرف على أصولي العربية وأنا بعيد عن العالم العربي وأعرف أصولي الإسلامية وأنا بعيد عن بلدي الإسلامية وأعرف جذوري المصرية وأنا بعيد عن مصر من خلال التعارضات دي اللي هي بس أنا بطرحها على سبيل المثال أدركت تماما أن فكرة المهجر أو المهجر هي فكرة تقدري تقولي إحنا بنخليها تتملك أو تسيطر على قلوبنا وعلى تفكيرنا إنما هي في الواقع فكرة تكمُن فيها رحمة كبيرة جدا متنسيش أن التقويم الإسلامي تقويم هجري مرتبط إلى حد ما بالمعنى اللي ممكن المهجر يأخذنا إليه فإذا كان المهجر من أجل المعرفة أو من أجل البحث ومن أجل التقرب إلى الله فهذا ده مش مهجر ده هو الطريق الحقيقي نحو المعنى الحقيقي لرحلة الحياة نفسها، إنما إذا كنا واقفين مابنتحركش لأن ما نحبهم ويحبونا وأصحابنا ومش أصحابنا وكل هذا المعاني ومبنعملش ففي الأخر خالص إحنا في هذه الحالة حَكمنا على أنفسنا بمنع بركة لا حصر لها أنها تنزل علينا وبالبلدي كده عندنا في مصر يقولك في الحركة بركة بالفعل في الحركة بركة لأن الحركة بتأخدك إلى زاوية جديدة ورؤية مختلفة وأضعف الإيمان يعني أنها

هتشوفي الكون من منظور مختلف.

[تعليق صوتي]

وهكذا يظل الإسكندراني وفيا للقيمة الأساسية التي علمته إياها مدينته الكوكب كله مكان واحد على كل حال وأحمد مصطفى يُعلِّم أبنه وأبنته الشابين أنهما محظوظان حقا أبوهما مصري عربي وأمهما إنجليزية لهما إذا ثقافتان هائلتان وانتمائان لا يتناقضان وهما ليسا في مهجر سواء كان في لندن أو في الإسكندرية ولو أنه لم يورِّثهما شيئا من موهبته الفذة كفاه أنه أورَثَهما قبول الأخر مع الرضا بالذات لأنه هكذا فقط يلتقي البحران.