ندى صالح
المعلقة:

وقال صاحب (نازلٍ عجوز): حدثنا عن الطعام والشراب، فقال: ليتكم تعيشون من عبير الأرض وكنبت الهواء تقتاتون بالضياء.

بهذه الكلمات من (جبران خليل جبران) بدأت ندى صالح كتابها الأول عن المطبخ اللبناني، ومسيرتها كشاعرة لفن خاص برع فيه الشرق، بشلته فرنسا وأصبح حديثاً هوساً جديداً في المجتمعات الغربية.

كتابها الذي أطلقت عليه اسم "عبير الأرض" زين واجهة أشهر منشآت الطهي في العاصمة البريطانية، حيث تعرض كتب أهم الطهاة، وتحدد النزعات والأذواق العالمية الجديدة في فن المائدة من خلال عروض الطبخ التي تجذب الزوار من جميع الأقطار.

كتبت عنها الصحف الغربية مقارنة إبداعها بفن أبرع طباخي أوروبا، وخلال سنوات معدودة تحولت ندى صالح من خبيرة تغذية، إلى كاتبة، إلى شخصية تليفزيونية، إلى العربية الوحيدة الداخلة اليوم كعضو في المعهد البريطاني للتذوق، المؤسسة التي تلعب دوراً فعالاً في تقييم أبرز المواهب الجديدة في فن الأكل، وتحديد خريطة التغذية، ليست في بريطانيا فقط بل في باقي الدول الأوروبية. يحسدها الكثيرون على نصيبها في الولائم، وتفتخر هي بدورها كسفيرة من نوع خاص للشرق في بريطانيا.

ندى صالح:

أنا خلقانة ببيروت، بس إنما أساسي من.. ضيعة اسمها (المختارة) بالشوف موجودة، ومعلقة كتير أنا بطريقة الضيعة، بحياة الضيعة، لأنه كتير حياة بسيطة بتلاقي هون، بتلاقي ها سجر الصفصاف الموجود، سجر الجوز، التين، الزيتون، يعني الحمد لله إنه كان عندي طفولية حلوة.

بكتبي عم أخاطب الغربيين بطريقة إنه أخليهم تلتفت نظرهم لأكلنا ولطريقة عيشتنا، بأجرب إني أخاطب الغربيين كما بلغتهم، حتى يقدروا يفهمونا.

كتابي الأول كان عن الطبخ اللبناني، فكتابي التاني كان عن المناطق الموجودة على شرقي البحر المتوسط، أخد مع شغل لحتى أكتبوا طبعاً، لحتى أحط.. أوصف شعوري وعواطفي والأشياء واللي زرتها اللي شوفتها والناس اللي تعرفت عليها، فين ما كان يكون إذا كانوا كتير مهم، أو إذا كانوا شخص كتير كتير عادي، يعني كل ها الإشياء ذكرتها بكتابي.

لما أشتغل على كتاب الطبخ بيتطلب مني وقت كتير طويل، ما بأعود في أعيش حياة اجتماعية طبيعية، يعني بدي أبتعد عن الأجواء كلها، ليه؟ لأن أنا بأعمل كل شيء لحالي، بأفوت على المطبخ، بأشتري أغراضي أنا، بأغسلوه أنا بأقطعون أنا، بأجرب كل طبخة بطبختها لوحدي، بأتعب، بس ها الشيء ما بيتوقف عند هون لأن طبخنا الطبخة، وطلعت طيبة لأن فيه مسؤولية كبيرة، لحتى تعملي كتاب طبخ بدك تكون عندكِ الفكر والوعي تقدري.. وأنت عم تكتبي.. مثلاً أنا.. مش إنه بس بدي أكتب كتاب طبخ، أنا ما كتبت كتاب الطبخ حتى.. أو إنه أنشهر، أو إنه أعمل مصاري أو.. فيه عندي تعلق بإشيا بالحياة مرت معي، ذكريات، كل شيء بيصير معي، تعلق العاطفة بأصحاب لي، بمكان انوجدت فيه، وبأحب ها الشيء صرت إني أشاركه مع غيري.

الطباخ في عائلتنا كانت والدتي ووالدي كمان، لأنه والدي صباحاً في الساعة 4.. هايدي ذكريات ما بأنساها أبداً أبداً، ويمكن كتير أثر عليَّ من ها الناحية، من ناحية الإيمان القوي اللي موجود عندي، لأنه كان فيه إش أربعة أو تلاتة ونص صباحاً يتمشى كل البلكون رايح جاي إشي ساعة ظرف ساعة وهو عم بيصلي كل يوم، كل يوم، كل يوم صباحاً بيصلي كان، ساعة، ساعة ونص أحيان، بعدين يحضر لنا الفول المدمس، ويعمل هو الحمص، ويعمل الفول.. وكل شيء يكون حاضر، الخبز طبعاً كان ينخبز بالبيت إلا بعدين صار ييجي من الفرن بعد سنين عديدة.

أجمل ذكريات اللي الطاولة موجودة فيها هي مع أهلي، أجمل ذكرى بعد هلا عم بأحكي، وعم بأشوف والدتي قدام عيوني، وعم بأشوف والدي كيف محضر لنا الترويقة، كيف والدتي عم تضحك، كيف محضرتنا ها الغدا، أشهى الأكل، ها السلطة اللي بتجنن بها الجوت اللي كبيرة الحلوة، ما بحياتك أنت مفكرة أنه راح أكتب يمكن كتاب طبخ، بس بأفتكر اللي مخليني أتعلق بالأكل يمكن ها الذكرى الحلوة اللي عشتها مع أهلي.

قراري لآجي عى لندن هو بسبب وجود خيي فيها، سكنت معه، وابتدأت أروح على المدرسة. لندن بالنسبة لي صار مثل بلدي، وصار بيتي، طبعاً بأحبها كتير، حبي لها هو الراحة، شعوري بالأمان والنظام اللي موجود فيها اللي بأعتقد ما بتوجد بأي بلد تاني.

ها الناحية هايدي كتير كتير أثرت فيَّ بوجودي بلندن، وبأحب الخضار كتير، وبأحب إنه أمشي عا الطريق أسوق سيارتي وأسمع زمامير كتير، بعدين إذا احتجت شغلة من الحكومة أو إذا عملت كتاب ما بتحتاجي تروحي يكون عندك واسطة مثلاً لحتى يكتبوا عنك، إن بتحس إنه عندهم نوعاً ما حق إذا بتستاهلي بتوصلي.

اليوم عم بأتغدى عند (أنطون موسيمان) من أشهر الطباخين في لندن، وكتير معروف عالمياً. أما طلع كتابي من 5 سنين أو أكتر من 5 سنين حوالي 6 سنين، اندعيت لعنده على المطعم –منه هو طبعاً- وطلب مني وقتها أجي أتعرف عليه، لأن فيه ست وقتها حكتني لحتى أجي وكنت قاعدة معها، وأجى أتعرف عليَّ وقال لي: كتير أعجبت بكتابك، وبأحب أسألك: إذا ممكن تقبلي نعمل عشا هون بالمطعم؟ قلت له: عشا شو؟ قال لي: عشا لبناني للأعضاء تبعوا للمطعم، فأنا طبعاً (..) قبلت، اتفقنا على الوقت، ورجعت على البيت.

هلا المشكلة لما رجعت على البيت خبرت زوجي، لأني أنا أخدتها نوع من التحدي، تحدي عم بأقول لك بدك تبرهني على نفسك إنه مظبوط فيكِ تقفي بها المجالات هيدي، طبعاً أنا بأكتب كتب طبخ، وبأطبخ بالبيت، بس كانت شغلة كتير حلوة بالنسبة ليّ.

بلشنا على تلات أيام، أول شيء نحكي لهم بالأكل وكذا، لأنه كان في Menu ورحت لقيت أصعب.. أصعب Menu، كيف أصعب Menu؟ يعني أول شي قدم أول صحن (بمازي بردي).

طبعاً بعدما اشتغلوا بالمطبخ وخلصوا الأكل كلياته أجى (أنطون موسيمان) قال لي: ندى، بدك تيجي معي لفوق على أودة السفرا لأنه لتتفرجي شو كيف الناس مأخوذين بها الأكل، ولازم من هأعملها دايماً نعيدها، نعمل أكل لبناني هون. هايدا النجاح كان كتير كبير، أكيد بالنسبة إلي كتير كبير، وكتير مهم.

صحيح إنه نشاطاتي صارت مع نادي التذوق البريطاني، ونادي التذوق العالمي، وبالتلفزيون، وكتابة كتبة، وطبخ وبأنوجد دايماً مع شخصيات بتهتم بالتذوق، بس أكتر اللي بأحبه كتير هو السفر.

بسفراتي هايدي اللي سافرت على الشام وحلب واستانبول وما إليه طبعاً، نقول تركيا كلها، صار عندي كتير تجارب حلوة كتير كتير، وبعدين الحقيقة صار عندي نوع من التعلق بها البلدان غريب الشكل، فها السفر هايدا مع نادي التذوق العالمي، كتير بأنبسط فيه حلو، لأنه بتتعرفي على بلدان جديدة، بتتعرفي على أكل، بما إني بكتابي التاني خاصة سافرت كتير اضطريت أسافر على استانبول، رحت على إيطاليا قعدنا في أوتيل، رحت على الشام طبعاً، طبعاً الشام دايماً كانت رحلة يعني مش شيء جديد، وحلب برضو نفس الشيء سافرت لها كتير، بس بسبب كتابي اضطريت أروح أعيش هناك، واتعلمت ودرست أكلهم، ودرست الناس هناك كيف يفهموا؟ وكيف بيفكروا؟ المهمين واللي للأسف للي العالم بيعدهم مش مهمين.

كتير مهم –برأيي- إنه التراث المطبخ اللبناني أو السوري أو التركي أو العربي إنه يبقى كل الحياة، فبعد 200 سنة مثلاً ييجي واحد يفتح كتاب ندى صالح لو فرضنا، أو حدا تاني عمل كتاب، يقول: إنه يه؟! مكتوب على كبدة السمك، مش قليلة هايدي أكلة كان يعملوها الأرثوذكس ببيروت مثلاً، (ميلك) لك هيدي مذكورة عن الحلو وأهل طرابلس مشهورين فيها. يعني هايدا التراث باقي على العالم كله دايماً، لازم الولد الصغير يتربى ببيته، يحب أكله، ويفتخر بأكله.

خارطة لندن من ناحية الأكل اللي بأعرفه وها شغلة حلو كتير فيه أجمل منه إنها نبرم من مطعم لمطعم يعني، نادي التذوق البريطاني اللي أنا موجودة فيه كعضوة وبأفتخر فيه لأنه حقيقة كتير نظاميين، وكتير مرتبين، وكتير بيحترموا الفرد، بنبرم كل شهر من مطعم لمطعم، وطبعاً بنقدم بأول العشا بنقدم شو هو الأكل اللي راح ينحط بها المطعم، وبالآخر ننتقد إذا كان منيح أو مش منيح، بس طبعاً ما حدا بيسمع لأنه بنخليه شيء سري بيظل بينتنا.

وبآخر السنة دايماً فيه شهائد تقدم، ويقام حفلة بأوتيل (الدورشستر) جميل عم بيصير بمطعم الدورشستر، وبيقدموا شهائد لها الطلاب العاشيين اللي طالعين.. اللي نجحوا، واللي عملوا أكل باحتفالات ونجحوا فيها. فشغلة لذيذة جداً بالفعل ومسلية جداً، وأنا محظوظة كتير إني انوجدت بها الأجواء اللي بأحبها.

اليوم عندي موعد مع الناشر لحتى يفرجوني عن قرب، لأنه كل شيء بيبعتولي إياه صورة عن.. صورة. بقى بدنا نقرر على صورة الغلاف للكتاب، مناقشة الأمور وتحضير الصور، شو راح ينحط بالأول، أي صورة وشو راح ينحط بعدين، وكيف الصورة بدها تيجي، وشو الغلاف بده يكون، بياخد جهد لأنه فيها مسؤولية. بأحب أنا أعمل كل شيء للكتاب، بأحب أطبخ الطبخة، بأحب أهتم بالصحون اللي بتنحط فيها، وأشوف إيه حوالي الصحن.

هلا ممكن كتير إنه نعمل شي رسم فيه صورة، وفيه شي.. فيه رسام فنان شاطر كتير ممكن إنه نعمل شي رسم يد، ونلونه طبعاً. ها الشي موجود ومعمول، بس بدنا نقرر إما صورة مأخوذة للأكل، إما صورة مرسومة وملونة.

ما فيه شك إن الناشر بيتدخل كتير بنوعية الأكل اللي بدك تعمليه، بعد اليوم ممكن إنه اليوم يذكر لي إذا فيه شي طبخة أو طبختين يمكن يشيلوهم، يشيلوهم ليش؟ يمكن طوال، أو صعبين، أو.. ما بأعرف. بس هايدا الناشر كل الوصفات اللي أعطيته إياها بأعتقد إنه راح تدخل بالكتاب.

بس أكون بمطعم لبناني قلبي بينشرح، خاصة إذا الأكل طيب، وإذا صحاب المطعم طيبين، إذا وجههم ضحوك ونفسهم منيحة بأرتاح، وبأحسه امتداد للبنان بالغرب، كأنه موجودة ببلدي يعني، ودايماً بس أكون بمطعم لبناني بأنوجد مع أصحاب إلي، فأول شيء بنطلبه طبعاً حمص ومُتبَّل وتبّولة وفلافل و.. بس إذا أنا شخصياً بدي آكل أطلب حمص ومتبل وفلافل وكبة، لأنه من الكبة إجمالاً بأعرف إذا المطعم أكله طيب أو لأ.

تركت لبنان تقريباً من حوالي –بأقدر أقول- 21 سنة، يعني صارت مدة طويلة، أول ما بلشت الحرب بلبنان الحقيقة. ما بأندم إنه تركت لبنان، لأنه لبنان كانت بحالة كتير كان فترة اللي تركت فيها كانت كتير فيه دم، وبما إنه ما إلي تعاطي، ولا كنت قابلين اللي عم بيصير بلبنان، ولا إلي كلمة يعني ولا فيه يكون إلك كلمة بهيك الحالة، لأن كان فيه أيادي كتير متدخلة بلبنان، ما كنت قصة لبنانية بس.

الشغلة الوحيدة اللي بأتأسف عليها إنه لما تركت لبنان ابتعدت عن والدتي، ووالدتي كانت بفترة إنه وصلت لعمر كانت بتحب تنبسط إنه تشوفنا حواليها.

طبعاً إنه بحياتي فيه فرح، وفيه بسط وكيف و(ظهرات) وأكل الحمد لله، بس ما فيه شك بكل حياة كل إنسان -مش بس بحياتي أنا –بيمرق على الإنسان إشيا حزينة، وكانت للأسف إلي يمكن ولا.. إنه يكون من المختارين إنه يصير عندي ها الحزن هايدا هو إني أخسر ولدي. وما فيه شك الولد خسارة لكل أم، وفيه أُمَّات كتير تعذبوا عندنا بخلال الحرب أو بالعالم، مش خسروا ولد، خسروا أولاد كتير، بس لما قلت أنا بطريقة مأساوية، لأنه كان بعيد عني، والطريقة اللي توفي فيها –الله يرحمه- كانت كتير مأساوية، فتأثرت، ووالدتي كمان صار فيه مش بس إنه خسرت ابني، لأنه والدتي كانت كتير معلقة في ها الولد، فكمان خسرتها من ناحية لأنه هي نهار وفاته وعرفت بوفاته كمان خسرت والدتي، لأنه حياتها انتهت هي.

لما بلشت الكتابة كانت كتابتي موجهة تعيش حياتي كأنه.. كأنه ابني رجع، وكأن والدتي رجعت، كأنه عايشين، فلما انطبع الكتاب وطلع يمكن هلاَّ فيكِ بتفهمي أكتر ليش ما كان فارقة معي، أنا مش فارقة معي إنه الكتاب -طبعاً مبسوطة كتير ينعرف عالمياً- بس أهم شيء في حياتي كان إنه أفتح الكتاب، وأقراه، وأتطلع هيك، وأشوف كأنه زياد موجود بالكتاب، وكأنه والدتي كمان ممثلة بالكتاب، فلما طلع الكتاب وقريته فتحته ارتحت.

كل يوم بأطبخ لعيلتي، كل يوم إذا كنا بالبيت، كل يوم بأطبخ لعيلتي بس اليوم عندي أصحاب إلي فعملت كام شغلة أكتر، وبما إنه كل النهار مشغولة وعم بأركض بالفعل جيت آخر لحظة تحتى أحضر كام أكله.

إذا أصحابي مثل اليوم –يعني عندك كام شخص مش كتار- أصحابي اللزم هيك تحتى يكون عندي مثل الحقيقة جايين هيك، تلفنتلهم إمبارح عشية قلت لهم: إيش عاملين؟ تعالوا عندي.

الليلة.. اليوم عاملة (سمكة حرة) عندي سلطة الفليفلة هايدي حلبية وكتير كتير طيبة، هايدي جبتها من حلب كتير جديد، بس مثل ما شايفة هون هي أساساً بحلب مثل ما أكلتها كانت منعمة أكثر الفليفلة، بس أنا بأحب أتركها شوية تشقف، بألاقيها هيك بتقرش تحت (الطن).

زوجي وبنتي بيشجعوني كتير بشغلي، اتنيناتهم، بنتي عندها كمان تذوق، زوجي عنده كتير وبنتي عندها كتير، عندها.. مع أنه ما بتطبخ بس هي رايحة

بالـ design تبع (التيب) غير شي بس، بس لما تدوق الأكلة كتير شاطرة طعمة الأكل، بالفعل الإشيا اللي تقل لي عنها بس تدوقها ليه إيش مظبوط، بقى صار عندي كتير ثقة فيها.

أنا عيلتي صغيرة، عندي بنت وحيدة، بس الله يخلي الأصحاب، ها الشي امتداد عيلتي هم أصحابي. بأحب أرجع على لبنان، بأحب أرجع على لبنان.. لبنان اللي كنت أعرفه، لبنان الحلو، لبنان.. بعده لبنان حلو، إنما بالنسبة إلي تغير، بس أرجع على لبنان اليوم فيه.. فيه شي.. في شي بالمي [بالماء] فيه شي بالهوا، فيه شي بالسما فيه شي بالشعب، بتحس فيه تعلق تنبسطي، بنفس الوقت في.. فيه نوع من الحزن.

لبنان كان مجمع الشرق والغرب، كان مجمع المال، كان كل شيء.. الثقافة، كل شي يطلع من لبنان، وبرضو بيظل يطلع من لبنان، لأنه شعب حي، وشعبه طيب، طيب ومحب وعيِّيش.