ضيف الحلقة - عبد الرحمن الباشا، موسيقي لبناني
تاريخ الحلقة 15/01/2001






عبد الرحمن الباشا
المعلقة:

تبدو حركة أنامله كخط أجنحة الفراش خفيفة ورشيقة تنبض بألف نغمة ولون، بينما تروح ملامحه الندية إلى ما يشبه الابتهال حيث يختلط ماء النشوة بمشاعل الضراعة.. عبد الرحمن الباشا

عبد الرحمن الباشا:

ولدت ببيئة فنية، الوالد توفيق الباشا ملحن مشهور، ووالدتي المطربة وداد، اتنانيتهم بالميدان الشرقي مع إنه والدي يعني كمان عنده ثقافة بالموسيقى الغربية، فحبيت الموسيقى من أنا وصغير يعني كان عمري 3،4 سنين ووالدي عَرَّفني على (زفارت سركسيانا) أول معلمي إلى البيانو، ومعالمه مشهورة ببيروت، تعرفت شوية بشوية على الموسيقى الكلاسيكية طبعاً، لأنه لا يمكن تعلم آلة البيانو على غير طريق من الأسلوب الموسيقى الكلاسيكية، فلما انعرضت علي منح من فرنسا، ومن إنجلترا، ومن الاتحاد السوفيتي قبل والدي إنه أكمل دراستي بباريس على شرط إنه أكمل على البكالوريا يعني ما أترك دراستي الثانوية، هذا اللي صار، دخلت المعهد العالي للموسيقى بباريس بصف (بيير سانكان) شهرته كانت عظيمة كمعلَّم بيانو، وصرت أتعرف أكثر وأكثر على عدة أساليب في العزف ممكنة بالموسيقى الكلاسيكية، وتعلمت طبعاً بالمعهد الكلاسيكي كيف..، شو قد أيش التعليم له أهمية للأداء، لأنه الأداء مش بس موهبة، ولكن تمعن بالأسلوب، الموسيقي اللي عم بيعزفها، لما طلعت من الكونسلفتوار وفزت على الشهادات يعني المفروض آخذها، حبيت أعرف شو مركزي أنا بالعالم، ولذلك حبيت أقدم على المباريات العالمية للبيانو، من أهم المباريات مباراة الملكة إليزابيث ببروكسل، واندهشت وفرحت لما فزت بالجائزة الأولى. هذا شجعني إنه أفرض عليَّ وعلى والدي إنه فعلاً مهنة البيانو صارت مهنتي، ومكاني أنا.. يعني فيه عندي دور ينتظر مني إني ألعبه بها الميدان إن كان من أوروبا، أو حتى من لبنان، ليش؟ لأنه كوني لبناني حتى ولو في الموسيقى اللي عم بأعزفها موسيقى عالمية، عم بأعطي جزء من تراثها، من تراث ها الإحساس جاي من تراث معين.

من فين ولدت ها الموسيقى؟ فيه عندها جذور، من جذور الحضارة العربية بالأندلس لأنه لم بنسمع موسيقى الباروك من سنة 1600 وبعدها بنشعر إنه فيه طرب..، فيه نوع من الطرب انفقد بعدين شوية بالموسيقى الكلاسيكية، وبعده موجود عندنا طبعاً بالمعنى الشرقي، وهذا يمكن هنا بأوروبا ما يقتنعوا عليه كتير موسيقى الباديز كتير قريبة من إحساسنا إحنا يعني أكيد الإسبانيولي اللي راح يعزفها راح يعزفها على الطريقة الإسبانيولية المظبوطة، يمكن الألماني أو الفرنسي مش على طول يفهمها 100%، ولكن أنا أكيد إنه راح أعطيها نفحة مختلفة جاية من جذور.. من جذور ها الموسيقى

المعلقة:

جذور عبد الرحمن الباشا وإن كانت اليوم قد انتقلت إلى أرض أوروبية، فهي ما زالت تمتد عميقاً في تربة التراث الموسيقي العربي متمثلاً بوالده توفيق الباشا، ووالدته المطربة وداد، وبحبه غير المشروط للفن الطرب الأصيل.

عبد الرحمن الباشا:

عبد الرحمن الباشا
والدي بيعطي رأيه ببعض الأحيان بيقول لي مثلاً هذي كانت، هذي كانت أفضل من هذه كأداء، وبيعطيني بعض أحيان ملاحظات بس هو بيبقى عنده استقلال، يعني ميدانه بالموسيقى كتأليف، وكتأليف موسيقى شرقية أكتر، وبشكل خاص الغناء، فأنا ما دخلت أبداً على ها المجال، رغم إنه أنا برأي إنه الغناء الجذر الأساسي للموسيقى، الموسيقى مش ضبط الآلة بالأول، الموسيقى غناء، ولذلك الموسيقى الشرقية بعد يعني محافظة على الأساس للموسيقى، وإن شاء الله بيتطور أكثر وأكثر بيتحافظ عليه، أنا خايف من ها الشيء لأنه ما بأعتقد اليوم موجود اللي كان موجود من خمسين سنة من ناحية الطرب، فن الطرب الشرقي، ووالدي كتير ساهم للمحافظة على هذا التراث.. ما فيني أقول إنه فيه تضارب وبيني وبين والدي، ولكن في تكامل، هذا اللي بيخلي إنه العلاقة الفنية كتير أخذ وعطا بشكل إيجابي.

بأشعر بمتعة عظيمة بعض أحيان بفن الطرب، لأنه فيه أشياء بتتنفذ، فيها تتنفذ بالمعنى الشرقي ما في حدا ينفذها هون بالموسيقى الكلاسيكية، لأنه الموسيقى الكلاسيكية ابتعدت كتير عن ها الجذور اللي كانت عم بأحكي عنها من الموسيقى الأندلسية، ليش قليل هلا بالشرق اللي بيسمعوا موسيقى كلاسيكية؟ الحقيقة لأنه بالشرق نسمع كتير، يعني فيه كتير من الناس بيسمعوا موسيقى جاية من الغرب بس موسيقى خفيفة، طبعاً: الروك، والراب وغيرها، أنا برأيي لأنه هايدي الموسيقى بتتطلب جهد عقلي، وبتطلب جدية، وإجمالاً الناس بيهربوا منها لأنه فيها جهد ما بيحبوه، بيلاقوا بنظرهم إن الموسيقى نوع من التسلية، بدنا نتسلى، بدنا نرقص، بدنا نعمل حفلة، نتسلى، ونحط موسيقى، أما الموسيقى الكلاسيكية هي يعني الواحدة بده يسمعها كأنه عم يقرا لفلسفة لأفلاطون، أو عم بيقرأ لكبار من الكتاب مثلاً ما بأعرف لمارتين، فولتير أو غيرهم، ففيها جهد، ما فيه واحد يكون سطحي مع الموسيقى، بده يتعمق، فلذلك اللي بده يعطي يعني هلا شو دور الفنان؟ شو دور العازف؟ ها الموسيقى موجودة حبر على ورق، كيف بده يُوَصِّل كل ها التعمق، كل ها لفكرة، كل ها الجمال بده يعطيه حياة، بده يُوَرِّي ها الشعلة للجمهور، إذا هو مش بمستوى التعمق وها الارتفاع راح يوصل للجمهور شيء يعني مش هيهمهم كتير، أو راح يقول ليش يا حلو وخلاص بيفتح كتاب بيفتح تلفزيون بيمشي الحال.

أنا خادم لها الموسيقى وبدي أعطيها من جوفياتي بكل نقاوة ممكنة، والفنان إذا ما عنده إلا بلد واحد وعايش ببلده أكيد بيكون ناقصه يعني جزء مهم من فنه ليش، لأنه الفنان حتى يسير فعلاً من بلده لازم يكون بره من العالم كله، لازم يكون حتى فقد شوية بلد، حتى يعرف شو بلده، وبعدين كي يعرف هو كيانه الشخصي، شو اللي بيفرقه هو عن غيره من البشر إن كان من نفس البلد أو من غير البلد، فطبعاً أنا اليوم بأوروبا موجود هون بفرنسا، ليش فرنسا؟ لأنه أولاً صحيح إنه دراستي وثقافتي كمان فرنسية وزوجتي فرنسية فصار بلدي الثاني رغم إنه بلد يعني جيد أكثر، اخترته أكتر الحياة الفنية، لأنه مركز للفن، والفنان بحاجة إلى مركز، مركز بيتغذى منه، وبياخد وبيعطي فيه، فلذلك أنا موجود بأوروبا وعملي هون، ولكن بأشتاق كتير.. بيشتاق لطفولته الواحد، فين مكان طفولته يعني، الفنان أكتر انتماؤه لبلده، انتماؤه لطفولته، منها بينبع كل.. كل إلهامه يعني كل أحاسيسه مرتبطة بها الشيء.

هلا مثلاً لمَّا بدي أعزف لشوبان، شوبان ترك بلده، كان عمره عشرين سنة، وعاش بفرنسا، وكتير من مقطوعاته بتعبر عن حنين الرجوع لبلده، ولكن ها الحنين حنين الطفولة المفقودة أكتر من ها البلد الملموس، لأنه كان فيه يقدر يرجع على بلده، ولكن حبَّ.. يمكن بالنسبة له حب يكون عنده صورة عن بلده مثالية أكثر ما تكون حقيقيَّة. أنا لمَّا بأعزف لشوبان كمان بأشعر بها الحنين.

بس إذا بدي أرجع على بلدي وأنا بأرجع طبعاّ كل سنة، الحنين مش عم بيداوي، ما فيه داء لأنه مش بلدي الحنين، طفولتي، فهذا اللي فقده يعني الإنسان أبدياً، ها الطفولة هي منبع للفن، منبع للحنين ومنبع للخيال كمان، يعني عم بأستغلها بفني مع إنه بعض الأحيان عم تجرحني.

المعلقة:

وجعه من خسارة أرض الطفولة هذه الجنة المفقودة أبداً هو مَنْ دفع عبد الرحمن الباشا ربما إلى الدوران في فلك تنعدم فيه جاذبيَّة الانتماء السياسي والجغرافي، وهو انتماء يحدُّ في نظره من إبداع الفنان، ولا يتطابق بالضرورة مع مهمته.

عبد الرحمن الباشا:

الفن أول علم ما عنده بلد، يعني الإبداع، الإبداع هذا ملك الإنسانية، ما ملك بلد معين، فإذا طلع من عندنا يطلع، نحن راح نكون فخورين، أنا بأعتقد يعني الافتخار نحن بنزيد شوية عليه، الافتخار لازم يرجع للمبدع، مش لأهله أو لأبنائه، وللإنسانية طبعاً، للمبدع وللإنسانية، لأنه اللي بيبدع بيدخل إلى جوف الإنسان، لعبقرية الإنسان ككل، مش لشعب معين، ما حدا، ما فيه فن، لأن فيه طبعاً سياسيين نحن بحاجة إليهم، السياسي عم بيشتغل لبلد معينة، لفئة معينة، الفنان مش المفروض يشتغل لفئة أو لبلد معينة، عم بيبدع للإنسانية، فنحن بمرحلة غير سياسية، بمرحلة إنسانية محض، هذه المرحلة اللي بتهمني، إذا نحن عندنا ها العقلية إنه الفن طريقة.. طريقة سياسية معناته إنه بحياتنا مش هنقدر نطلع فن عالمي، طبعاً فيه، هلا بيطلع من أوروبا فنون وطنية، فنون سياسية يمكن، ها الفنون إجمالاً حياتها صغيرة، يعني قصيرة جداً، محلية، لمَّا بيكون فيه فكرة غير الجمال بالفن الفن بيموت، لأن الفن ما عنده إلا مبدأ واحد هو الجمال، التعمق بالإنسانية، وهذا عالميته، هلا الفن الكلاسيكي منه وطني ومنه عالمي. لمَّا بده يكون عالمي ما بيكون غربي أكثر منه شرقي، وهلا.. نفترض هلا نحن أم كلثوم لما وصلت على باريس وعملت حفلة كان فيه طبعاً عرب كتير بالمسرح عم يسمعوا أم كلثوم، بس كان.. كان فيه أجانب، شو رأينا.. شو رأينا بها الأجانب؟ بس فخر إنه مغنية عظيمة عربية عم تغني وإجوا يحضروها؟ لأ. هذا الفخر ما له طعمة. أهم من هيك إنه.. نعرف إن ها الجمهور الغربي استوعب حد شعر بشيء مختلف عنه، فتح له شوي نظره على العالم، عرف إنه فيه شيء مختلف عنه موجود مهم، هذا اللي هذا، إذا نحن متعلقين بشرقيتنا وبعمقنا، إذا نحن فخورين من ها الشيء لازم نكون فخورين بإنسانيتنا كمان، لازم نحن نكون إنسان قبل ما نكون شرقي، والفنان دوره بها الميدان دور مهم كتير.

المعلقة:

ومع هذا ألم يحدث أن اصطدام عبد الرحمن الباشا وهو العربي المقيم في بلد أوروبي بمكونات واقع مغاير لا يتوافق مع شموليَّة تطلعاته الإنسانية؟

عبد الرحمن الباشا:

اسمي طبعاً، انتمائي كوطن من لبنان، شرقي عربي، بيزعج نوع من يعني.. فئة من العالم، وعم بأخسر طبعاً عم بأخسر، بس هذا الشيء بأعتقد يعني نوع من تضحية مجبور عليها، فيني أقول إنه لسوء الحظ من الشرق مش عم بيجي ها (الإكليبي)، مش عم بيطلع ها التوازن إنه يشجع عبد الرحمن الباشا شوية أكتر من مبدع أوروبي، ليش؟ لأنه لا المبدع أوروبي، ولا عبد الرحمن الباشا مسؤولين عنه.

المعلقة:

وحدها الطبيعة أياً كانت هويتها تبقى أمينة له، يستوطنها فتغذي روحه، وتعينه على إعادة ترتيب علاقته بالأشياء. يلجأ عبد الرحمن الباشا إلى نقائها وسكونها، فتحاوره وينطقها هو بما يحن إلى سماعه من كلام.

عبد الرحمن الباشا:

الموسيقى ما بتطلع من ضجة السيارات، ما بتطلع من ضجة العمال، بتطلع من غناء العصفور، بتطلع من فراشة مرقت، بتطلع من حفيف الورق، الأغصان، الشجر. بيلاقي الواحد عايش بتناسق مع طبيعته، ما بيكون عم بيتحارب معها، البيت اللي قاعد فيه أنا عجبني لأسباب، لأنه بيخليني أفكر إنه أنا شوي بلبنان، ما إني منعزل 100%، ولكن بأشتاق، هذا كمان بيرجعني لأصلي.. لطفولتي، وبيخليني أنا أكون يعني نقي مع نفسي ومع فني، فلذلك ما بأتخلى لا عن لغتي ولا عن وطني.