ضيف الحلقة - جاد ثابت، مهندس معماري لبناني، يقيم في باريس
تاريخ الحلقة 26/02/2001


جاد ثابت
المعلقة:
مدن وهمية، أشباح بيضاء من الكارتون، أبنية ونوافذ وشرفات يغزلها المعماري اللبناني جاد ثابت كي تأوي أحلام أناس صغار.
يجبل التراب بماء خبرته الطويلة، يحاكي المواد، يطرق الحجر ويرصفه فتنهض جدران، تعلو طوابق، وتقوم بيوت ومساكن وعمارات تشرِّع ذراعيها لمن لفظهم المجتمع، فراحو يدورون تائهين في فلك العوز والغربة والفقر والحرمان.

جاد ثابت:
بعالمنا اليوم بأفتكر الفقر وين ما كان بيشبه بعضه، الفقير بباريز والفقير ببلادنا، يعني بأتصور العولمة وحدت الفقر وين ما كان، والغربة مش شرط أنه الغربة بيكون ببلد تاني الواحد، الغربة ممكن تكون موجودة حتى ببلده.

المعلقة:
في بلاده التي غادرها منذ العام 85 شعر جاد ثابت بالغربة هذه، غربة من ينوء تحت مرارة جيل كامل غادره الواقع حين بادل آماله وطموحاته بسلسلة من الخيبات.

جاد ثابت:
أنا خلقت ببيروت وعشت ببيروت، رغم أنه بِتَذْكرَتيِ يعني جاي من الجبل بس أنا مكان الحياة تبعي بيروت، والمجال اللي عشت فيه بيروت من طفولتي، ولما بأقول بيروت بالذات بيروت الغربية، أنه كنت ساكن ببيروت الغربية لما بدأت الحرب وانقسمت المدينة إلى قسمين، بيروت شرقية وبيروت غربية أنا رفضت هذا التقسيم، وأصريت بالبقاء بالمكان اللي أنا كنت عايش فيه، إلا أنه وصلنا لظروف بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت بسبب -خليني أقول- التعصب الطائفي والنعرات الطائفية اللي صارت، لقيت حالي أمام خيار، أو بدي أقبل بهذا الوضع هايدا وأرجع لعشيرتي وهايدي العشيرة الطائفية أنا ما بآمن فيها، أو بدي أترك البلد، وقررت أترك البلد. طبعاً فيه كتير مهندسين لبنانية تركوا لبنان وراحوا يشتغلوا بالبلدان العربية، أنا خياري أنه إجي على باريز يعني على الغرب بشكل خاص، مرتبط بقناعة وصلت لها إنه بلادنا عاشت فترة من بعد انهيار حلم الوحدة العربية والحلم الناصري ببناء دولة عربية موحدة حديثة، وبأشدد على كلمة حديثة، وصلنا مرحلة تقوقعنا على نفسنا، ومع صعود التعصب الطائفي وبشكل خاص ها التقوقع على بالذات قطعنا علاقتنا مع الحداثة.

ها العلاقة بالحداثة وخيبة الأمل ترجمت عندنا.. عندي كمثقف وكمهندس عربي بإنه حيز عملي في العالم العربي صفَّى حيز محدود جداً، يعني صفى شغلي الأساسي أبني قصور للأمرا وأبني فليات [فيلات] وأبني أمور من ها النوع. يبقى لنا علاقة بالمجتمع، يعني هايدا ترف، ترف كامل، وأنا نظرتي إلى مهنتي مش إنه يكون والله المزين يا اللي.. يا اللي بيعمل بيبني قصر بالطراز المغربي أو بالطراز الاسبانيولي أو بالطراز الـ Renaissance الفرنسية، أو بطراز ما بأعرفش..، أنا مهنتي هي مهنة اجتماعية، المهندس يشارك في بناء المجتمع، يبني مساكن للناس يبني مستشفيات، يبني مدارس، ويشارك في.. في صناعة جسم مدينة، في بناء مدينة حية للناس العاديين.

أنا عم بأشتغل بأمور يا اللي تربط مهنتي وعملي وأدائي كمعماري بقناعتي الفكرية وقناعتي الثقافية. وهذا اليوم بالعالم العربي صعب جداً لذلك أنا قررت أجي على الغرب حيث تنتج الحداثة، ولكن عم بيجري مثل ما كانوا المستشرقين بييحوا لعندنا أنا عم بأعمل مستغرب أكثر.

المعلقة:
في فرنسا تميز عمل جاد ثابت المعماري في إنتاج سكن لذوي الدخل المحدود، مما جعله يحوز مؤخراً على الجائزة الكبرى لتحسين السكن التي تمنحها الدولة الفرنسية.

جاد ثابت:
مجال عملي الأساسي بفرنسا اليوم هو إنتاج مساكن شعبية، ولما بأقول شعبية يعني مساكن للمحرومين، فعلاً لها الشريحة من المجتمع الفرنسي، لأنه موجود ها الشيء بالمجتمع الفرنسي، بيسموه هم (Le quatre monde) العالم الرابع، يعني مش العالم التالت، العالم الرابع. يعني ها الناس يا اللي ما دخلوا بدولة الاقتصاد مثل ما عم تصير هلا، ها الناس يا اللي مع تطور الاقتصاد الليبرالي وإلى آخره صاروا برات [خارج] العالم.. يا اللي ما عندهم المساكن، يا اللي موجودين بالشارع، يا اللي ما عندهم دخل، يا اللي برة تماماً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. فبده يفكر الواحد كيف ها الناس عم بتعيشن وشو حاجاتها الفعلية للسكن، ويحاول إنه يعطيها على الأقل مكان تحس حالها فيه إنه مكان بالعالم.. مكان بها المدينة يسمح لها إنه تعيش.

اشتغلنا كمان مركز كانت أول تجربة بفرنسا، مركز للمدمنين.. هيروين وإلى آخره، فها المركز اللي اشتركنا في بنائه لأنه نحن كنا المهندسين اللي اشتغلنا مع فريق أطباء وعلما نفس وإلى آخره. والمركز انبنى معونة، يعني الخيارات المعمارية بالتفاصيل، المواد، والألوان، والإنارة، والتركيب، وكل شيء، والأثاث حتى انشغل مع ها الفريق.

المركز بيستقبلهم ما بيطلب منهم شيء، بيستقبلهم، بيحميهم، بيحاول شوي شوي يخلق لهم جو يقدروا يعيشوا فيه، ليقدروا يقدموا على ها القرار كتير صعب إنه يروحوا على المستشفى ويوقفوا الإدمان ويوقفوا الهيروين، هذا قرار صعب جداً، وما ممكن ينطلب من إنسان عايش بالشارع ما عنده شيء إنه ياخده.

فيه صعوبات طبعاً، ولكن ها دولا ناس ما فيه أنه نكبهم برات، لأنه حتى يقدر الواحد يرجع يدخل ها الناس للمجتمع ويسمح لهم إنهم يطلعوا من إدمانهم المفروض أن يكونوا ضمن المدينة ومشاركين في الحياة الاجتماعية للمدينة.

المعلقة:
وراء مجيء جاد ثابت إلى الغرب رغبة الالتحاق بالحداثة، غير أن المفارقة هي في عمله وإقامته في الشق المظلم منها، أي في حيز ما توقعه بمجتمعاتها من ضرر وتمييز وظلم.

جاد ثابت:
صحيح، ولكن الميزة.. الميزة بالحداثة اللي أنا عم بأتكلم عنه، الميزة إنه مجتمع من ها النوع بيخلق مشاكل ولكن كمان بيخلق الأدوات، وبيخلق المجال اللي بيسمح بمحاولة حل ها المشاكل، هذا الفرق بين المجتمع الحديث ومجتمعاتنا إحنا. بمجتمعاتنا حتماً الجزء الأكبر من المجتمع خارج إنتاج الحداثة، المجتمع كله خارج إنتاج الحداثة، والجزء الأكبر من المجتمع لا يستفيد من الحداثة، فيه شريحة صغيرة فوق تستهلك الحداثة، والباقي لا يستفيد أبداً من الحداثة، مقهور، مقموع، ما عاد يقدر ينتج شيء، لا الإنتاج التقليدي الحرفي الزراعي له معنى ولا قدر يشارك بالإنتاج الحديث، ولا قدر يستفيد من ها.. من الأموال يا اللي عم بتصير.
ولكن بمجتمعاتنا ما فيه أدوات لحل ها المشكلة، في المجتمعات الغربية فيه أدوات، يمكن مش لحل المشكل بس على الأقل لوضع أسس تسمح بمحاولة حل المشكلة.
مجتمعاتنا ها الشيء مش موجود، هايدا الحسرة الكبيرة اللي عندي، إنه عم بأشتغل بالغرب بالوقت يا اللي مجتمعاتنا بحاجة إنه أكتر كتير من المجتمعات الغربية إنه يكون عندنا أدوات من ها النوع، وإن يكون عندنا ممارسة وشغل، مهن، معمار -يعني وأنا معماري بالنهاية- بحاجة فعلاً لها الخبرة هايدى، وهايدى ببلادنا مستحيلة.

عندنا بالعالم العربي معالجة قضية الفقر والجوع وإلى آخره معالجة لا تزال إلى اليوم محكومة بمفهوم الشفقة، الشفقة والإحسان، أنه هذا فقيرن حرام أعطيه.. أعطيه ياكل، أعطيه يسكن، دبره إلى آخره.. بينما الموضوع مش إحسان ولا شفقة هايدا حق، الفقير بيحق له ياكل، بيحق له يسكن، وطالما ما وصلنا للقناعة إنه هيدا حق وعالجنا الموضوع دائماً أنه إحسان وشفقة و إلى آخره، بدنا نظل داخلين بها المشكل يا اللي ما بنقدر نحله، وراح نوصل لوضع راح ينتج باستمرار ثورات وتعصب وعنف وكل شيء طالما المجتمع ما (عم بياخد مسؤولياته) في بلداننا العربية، ما عم بيتحمل مسؤولياته الفعلية اللي هي إنه من واجبه إنه يؤمِّن السكن والأكل والعمل للجميع، طالما ما وصلنا لهون بدنا نظل بوضع –أنا برأيي- سيؤدي إلى انفجارات وإلى.. يعني تجربة الجزائر موجودة، وأنا رأيي تجربة الجزائر قد تعمم على كل العالم العربي.

المعلقة:
لقد عرف العالم العربي تجارب متفرقة مع السكن الشعبي والنتيجة..

جاد ثابت:
فيه تجربة أساسية في العالم العربي هي تجربة حسن فتحي، حسن فتحي يمكن بمعماره العربي اللي وصل بها التجربة إلى آخرها، يعني.. مفهوم حسن فتحي كان عمارة للشعب، وعمل تجربة مدينة أو قرية (جورنا) في مصر، ولكن ها التجربة فشلت لأنه كانت تجربة معزولة، وكانت تجربة منفصلة تماماً عن المسار العالم لإنتاج.. العمارة وإنتاج المدن، واليوم بنشوف تلاميذ حسن فتحي عم يرجع ياخدوا الشكل اللي خلقه حسن فتحي، يعني العمارة التقليدية والعمارة بالطوب وإلى آخره، ليعمروا صورة في جدة وفي مش عارف وين، وليعمروا حتى ضياع (…).
بيعطي تجربة صغيرة بلبنان يعني أو بلبنان ما فيه سكن، ما فيه سكن شعبي، ولما فكروا يعملوا سكن شعبي في الضاحية إجوا بنوا، أو.. خلينا نقول طرحوا لأنه المشروع ما انبنى بعد، بس صار فيه تمويل عربي وصار فيه خرايط انعملت وإلى آخره، لقلع الناس من المكان مطرح ما عم بيعيشوا اليوم على الشط، وعم.. عم بيبيعوا أغراضهم على الطريق إلى آخره، وحطوهم بنوع من (الجيتو)، فعلاً جيتو يعني من الجيتو المسكر المغلق المحوط بحيط.. بجدار، واقعدوا اسكنوا هون ودبروا حالكم، وما تزعجوا حدا.

فشو بيصير بالعالم العربي؟ عم بينبني مساكن شعبية، ولكن مفهوم المساكن الشعبية إنه بنشيل ناس من المدينة ها الناس بتجي من الأرياف من.. مجمعة بضواحي المدن بنبني لها بنايات، ها التجربة صارت بفرنسا بالخمسينات وبالغرب كله بالخمسينات، واليوم عم تخلق مشاكل كبيرة، لأنه لم بتقلع الناس من الحياة الاجتماعية بتحطه.. بوضع ماله علاقة في بقى.. لا بمحيطه ولا.. ولا بالحياة الفعلية، بتخلقي نوع من المركز اللي بتتجمع فيه كل التناقضات الاجتماعية، وبتتجمع فيه كل.. النغمة اللي ممكن تكون موجودة، النغمة اقتصادية اجتماعية.. ووسائل شتى.

المعلقة:
والآن وبعد سني عمله وإقامته الطويلة في الغرب، كيف ينظر جاد ثابت إلى حداثة لا.. أعداد منفييها يتزايدون يوماً بعد يوم، ألا تشعره باريس مثلاً، باريس الأخرى التي تنتمي إلى العالم الرابع –كما قال- بغربة تضاف إلى غربته الأصل؟

جاد ثابت:
باريس مدينة هائمة، لأنه اللي بيوصلها بالأول بيفتكر إنه باريس هي الشانزليزيه، وهي.. ها الجادات العريضة على الشجر وإلى.. باريس هيك، بس باريس كمان شيء تاني باريس كمان إذا بيبعد الواحد 200 متر من الشانزلزيه بيلاقي باريس مختلفة، باريس شعبية، باريس فيها أسواق مثل أسواقنا، فيها خليط، فرانسوية وأتراك وعرب وهنود وإلى آخره، وكل ها الناس عايشين سوا، كل واحد ضمن نوع من الإطار الثقافي والاجتماعي الخاص، ولكن ها الأطر المختلفة عم تشتغل سوى من نفسها.. بده الواحد شوي يبعد عن القشرة، يبعد شوي عن المظهر العام، لأن السواح بيشوفوه. لما بيعيش في ها المدينة الواحد.. بيكتشف خفاياها، بيكتشف ما هو وراء المظهر العام، وهايدا الشيء الهائل وراءه.

ما فيه مجتمع في باريس إلا بها التناقض هايدا، اللي هو بيخلق حيوية واللي هو الحداثة، الحداثة مش.. مش بس قشور ومناظر عامة ومناظر جميلة وجادات و إلى آخره، الحداثة هو إنه يقدر الواحد في نفس المكان يكون عنده كل ها التناقضات موجودة، ويقدر يركِّب مجتمع يتقدم بوجود ها التناقضات هايدي.

المعلقة:
ونوافذ الغربة أنشرعها أم نبقيها مغلقة؟

جاد ثابت:
لما بأحكي مع مثلاً كتير من ها الجزائرية اللي إجوا على فرنسا بالخمسينات ليشتغلوا وإلى آخره، وبعضهم حاسين بالغربة هون، بس بيرجعوا على الجزائر بيحسوا كمان بغربة ببلادهم، بأتصور الغربة صارت.. صارت موجودة يعني وين مكان، وصارت عند.. عند كل الناس يعني.

الغربة ما عادت مربوطة بمكان، بجغرافيا، الغربة صارت مربوطة بزمن، زماننا اليوم والمكان.

المكان الأساسي يا اللي الواحد يعني بيلاقي نوع من الاستقرار فيه بده يخلقه بذاته بوجدانه بده يعيش حالة غربة دائمة مع المجتمع ومع نفسه هايدا الشيء وصلنا له بتطور المجتمع، وهو يمكن واقع مع بعض الحداثة، لازم نقبل بها الشيء ونعيش معه.