ضيف الحلقة

محمد أبو حمام - صاحب مصانع لتصميم وإنتاج معدات إنارة الطوارئ في أوروبا

تاريخ الحلقة

07/05/2001

محمد أبو حمام
المعلقة: يعتمد نجاح المشاريع الصناعية الضخمة التي تستهلك البلايين من الدولارات وجهد أعداد كبيرة من الشركات والأفراد على عوامل عدة أهمها السلامة العامة، لذا فإن القيام بهذه المهمة لا يسلم إلا لنخبة من الشركات المتخصصة وفي مجال إنارة الطوارئ لا يتعدى عددها الخمسة في أوروبا بأكملها، أحدها شركة M.E.W.W التي تقع في بريطانيا، ويعود الفضل في تأسيسها ونجاحها إلى رجل واحد هو صاحبها ومصمم جميع منتجاتها محمد أبو حمام.

قصة نجاحه قد تبدو حظاً تكرَّم به عليه القدر، لكن الحقيقة الجائزة تكمن في إرادة مهولة نشلت صاحبها من حطام نكسات عديدة كان يمكن أن تهبط من عزيمة أي إنسان، فهذه ليست أول مرة يعيد فيها محمد أبو حمام بناء الشركة التي حلم بها، وليس شركته فقط، بل حياته بأكملها.

محمد أبو حمام: أنا من مواليد 2/6 سنة 40، ولدت في عكا بالذات في سراية عبد الله باشا.. عكا القديمة، عبد الله باشا كان والي عكا، ما أذكره عن عكا البلد الوديعة الجميلة، إن كان بأسوارها، وسورها المشهور ومدافعها وبواباتها القديمة اللي في القديم عجزت على نابليون من إنه يقدر يدخلها، وبأذكر طريق المدرسة من البيت لمدرستي الوطنية، الوالد كانت جُلّ اهتمامه وكل اهتمامه الأساسي في حياته القضية الفلسطينية، من ثورة القسام -وكان واحد هو منهم- هذا في 36 لـ 47 وما تلاها، والهيئة العربية العليا والمفتي، فكان بيتنا زي خلية النحل ناس فايته وناس طالعه.
بقدر ما تجمع ذاكرتي اليوم بعد السنين الطويلة أذكر إنه ما.. شفت أوي (..) وحبيت أروح على المزرعة تبع أبوي في بلد جنب عكا واسمها (الدمون) ولما رجعت على عكا مالقيتش البيت ولا لقيت حدا من البيت، فرحت عند عمتي قالت لي إنه إجوا اليهود وصارت معركة واضطرت أمك تطلع بإخواتك الصغار، وناس أخذوها يعني طلعوها، وأنت تظلك عندي، وعرفت بعد فترة يعني.. مش من أول النهار عرفت وين أمي، قالوا أخدونا على (شحيم) ومن شحيم بعدين خدونا على بيروت، وأخيراً التقينا في بلد جنب بيروت اسمه (برج البراجن) أبوي رجع على بيروت عرفت إنه كان بليبيا بيجيب سلاح من شان المجاهدين وبلكي بيستردوا فلسطين، ولكن منُعوا بواسطة الهدنة اللي صارت، وبقينا في بيروت فترة صغيرة على ما أعتقد حتى 52، ثم رحلنا للأردن..

بالأردن دخلت على مدرسة اسمها (المدرسة الهاشمية) وخلال دراستي كنت دايماً أميل للرياضيات والكيميا والفيزيا، ومشكلة الكتاب أو.. دايماً بيبسط الأشياء، ولكن ما بيعطيش (..) الواحد إنه يطلّع، فكان حب الاستطلاع شديد بدي أعرف الراديو كيف بيشتغل أو شو فيه بقلبه، فأخلي أمي وأبوي طالعين من البيت أفتح الراديو ألعب فيه.. أشيل أحط، ففلت.. الخيط تبع الإبرة اللي.. يعني بيختاروا المحطات فيها، ركبته، إجي اتلقوا الدنيا مخربطة هيك.. شو لعبت في الراديو؟ لأ أبداً، إجيوا بدهم يحركوا الإبرة وإذا بيحركوها يمين بتروح شمال بالمقلوب.. يعني الحكاية ما.. ما نفدت بدون قتلة، أكلت قتلة عليها، ومشي الحال، يعني استعداداً لتجربة أخرى!!

المعلقة: ولا يمر إلا زمن بسيط حتى تصحب تجارب محمد الطفل ثقة المصمم الشاب الطموح، فبعد أن أنهى دراسته الثانوية في الأردن، وأنتقل لتكملة دراسته في لبنان، حيث تزوج واستقر، حتى أسس شركته الأولى.

محمد أبو حمام: الشركة تأسست سنة 1963م، والشركة ما تأسست لأنها تكون شركة تجارية ضخمة أكتر منها شركة تؤدي تجيب بعض الفلوس تساعدنا على إننا ندرس، إنما يشاء القدر إنه ننجح في الشقتين: في الدراسة وفي العمل، فكان اختصاص الشركة الاتصالات السلكية في مقاسم الهاتف واللاسلكية في أجهزة الإرسال بشتى أنواعها، منها للطيران لشركات الطيران، منها للشرطة، منها لوزارة المواصلات، منها للجيش.

بعد أحداث أيلول وجدت إنه منظمة التحرير عندهم نقص فيما يتعلق بالإعلام والإذاعة، لقيت إني أنا بأقدر أشارك بإني أعمل لهم جهاز إرسال يكون قادر إنه يوصل للأراضي المحتلة، وفعلاً تمكننا من إننا نعمل جهاز إرسال كويس وأدي عمله واستمر في العمل لحد ما تركوا بيروت في الـ 80، لما خلصنا الإذاعة ماكناش قادرين نصدق إنه هاي انعملت بإيدينا، حتى جانا الخبر اليقين إنه هي كويسة وأداؤها كويس من إذاعة إسرائيل عملت تسجيل للإرسال، وقالوا عنه إن المخربين صار عندهم إذاعة بتبث من لبنان، وهيك عرفنا إنه الإذاعة بتوصل مدى كويس وبيكفي وبتقوم بالمطلوب.

[فاصل إعلاني]

المعلقة: نشاط الشركة توسع لإنتاج مختلف الأجهزة الإلكترونية واضعاً أساساً متيناً لحياته في لبنان، ثم يأتي الاجتياح الإسرائيلي ليهدم كل ما بناه، رحيله يأتي كصدمة له يعقبها ضرورة التأقلم مع مدينة جديدة.

محمد أبو حمام: واقع الحال لما انتقلنا للندن من الطرفين غير.. ماكانش مهيأ، لا لندن مدينة فيها اللي في ببلادنا ولا زوجتي كانت قادرة إنها تتحمل إنها تبقى في لندن، بدايات الحياة صعبة إلا إنه مع الأيام نحنا اتعودنا على لندن ولندن اتعودت علينا وصار فيها كل إشي.

المعلقة: وسرعان ما يعود محمد أبو حمام إلى شغفه القديم، فيبدأ بوضع تصاميم جديدة على الورق، مستمداً إيحاءاته هذه المرة من احتياجات البيئة الجديدة وما تمليه عليه من أفكار، شركة M.E.W.W تتأسس مرة أخرى تحت اسمها القديم وفي حلة جديدة، لإنتاج أجهزة الإضاءة الإلكترونية للطوارئ.

محمد أبو حمام: M.E.W.W شركة هندسية للتصاميم وإنتاج التصاميم للمشاريع في بريطانيا، هندستنا في الالكترونيك مختصة في مجال إنارة الطوارئ وباللغة الإنجليزية Emergency lighting systems وبالتالي إحنا مش mass production company أي إن إنتاجنا ليس إنتاج ضخم للمستهلك العادي، إحنا بنقوم بإنتاج ما هو مطلوب لمستشفيات، لمباني حكومية، مكاتب، إدارات، شركات، بندخل في وسائل الحماية فيها، بدا اهتمامي.. بأجهزة الأمان أو إنارة الطوارئ اللي تستعمل في حالة وقوع حادث هي من الحوادث الأليمة اللي حصلت وراح ضحيتها عدد كبير من الناس، ليس في بلادنا العربية فقط إنما بأوروبا أحداث رهيبة في أميركا أحداث رهيبة، وكان الناس بتموت بسبب عدم معرفتهم منين يروحوا ومنين يطلعوا، واشتد اهتمامي بشكل كبير لما حصلت كارثة Gray Gross Station، ومات فيها حوالي الأربعين بني آدم بسبب ما عرفوش الطريق، مش بسبب الحريق نفسه.

لندن تتميز بمكتبتها العظيمة ومكتبة لندن فيها القديم والحديث، وأي باحث لأي موضوع دايماً بيبدأ بأنه يعرف نقطة لازم يعرف نقطة يبدأ منها وإلا مش راح يوصل لشيء، فكانت مكتبة لندن المصدر اللي بيؤهلني أو بيعطيني الكم الهائل من المعلومات لأعرف منين أبدأ، وكانت أكثر من قيمة، انتقلت بعدها للحصول على المعلومات من المصادر الرئيسية لإلها واللي أساساً اتعرفت عليها في مكتبة لندن.
الشركة بدت برأس مال هو العلم، وتطوع أولادي للعمل معاي فيها وبدأنا بأشياء بسيطة جداً جداً لا يعقل إنه حدا شافها في الأول وتوقع إنها تصبح شركة صناعية.. هندسية صناعية في المستقبل.

المصمم أو المكتشف لأي شيء في أكتر الأحيان وفي كل الأحيان ما بيحبش يكون اكتشافه إله، بيحب اكتشافه يشوفه.. ويشوف نتيجته الناس تستعمله وتحصل الفايدة المطلوبة منه، فما بالك في أجهزة لسلامة الإنسان وبرضو فيها lighting فكنت أنا بأجي على الشركة كل يوم من البيت صدف إنه فيه شركة في الطريق بتشتغل في الـ Lighting فقررت أوقف أعرض اللي أنا بأصممه، كانت تقريباً.. 89، كان اسم الشركة (إنتولايتنج)، ففوتت، استقبلوني ما واجهتش مشاكل، عرضت عليهم التصاميم تبعي، أعجبوا فيها، وتصادف إنهم كان عندهم مشاريع عديدة منها (اليوروستار).. اليوروستار هو القطار اللي بيعبر النفق اللي أنشأته فرنسا وبريطانيا تحت بحر المانش الواصل بين الجزر البريطانية وأوروبا، وفعلاً استعملت معداتنا بالكامل في الـ offices Eurostar بشكل، ومازالت موجودة وشغالة بصورة جيدة، وشدني هذا بصورة كبيرة إنه أحصل على متعتين، متعة الركوب في اليوروستار لباريس كل أسبوع.. أسبوعين، أروح في عطلة نهاية الأسبوع، أو أستمتع بإنه أثناء ركوبي باليوروستار فبأشوف.. المعدات تبعنا مستعملة في مبانيهم، متعة ما بعدها متعة، بعد اليوروستار والـ PROJECT اللي أخدته شركة "إنتولايتنج" وتعاملنا مع العديد من قمم الشركات البريطانية، حصلنا على شرف تزويد الـ.. Milleriun بكل معدات إنارة الطوارئ، وتلاها الشعور الدافع المولد لإنجازات أكبر.

إحدى الشركات الرائدة في أوروبا وهي (ريجياني) من جملة مشاريعها كان البيانو وهي السفن اللي بتعبر القنال الإنجليزي باتجاه أوروبا لما أعادوا تجهيزات السفن استعملوا تجهيزات ريجياني، جميعها مجهزة بمعدات إنارة الطوارئ لإلنا، وكان سروري إني أشوف هاي المعدات راكبة حتى بالسفن اللي بتعبر القنال مش بس Train.

في البداية زوجتى كانت في (فريق) الشركة اللي تودي وتجيب وتنضف وتطبخ وتطعمينا، وهاي كلمة تطعمينا كانت شغلة مش هينة، لأنه أساساً ما كانش معانا مصاري كفاية ناكل فكنا تطبخ ما يكفي لوجبة أكل واحدة وكانت (ريما) معاي، وكان أسامة، وكان خالد، وماكانش فيه أسامي لهاي الوظايف أبداً لهاي الأفراد، كنا نشتغل كل إشي، اليوم ريما مديرة القسم المالي في الشركة، خالد مدير قسم المبيعات الخارجية أسامة مسؤول قسم المبيعات الداخلية، أما زوجتي فتفرغت للبيت لأنه أصبح بالإمكان أن نطعمينا ثلاث وجبات.

لا يستطيع إنسان في الوجود إنه يصور مشاعر لإنسان ناجح من الداخل، الإنسان الناجح لما بيشوف إبداعاته بيزيد إنتاجه، المؤسسة اليوم لا يوجد فيها شبر واحد فاضي، أو الإنتاج مش مُباع لشهرين أو لثلاثة قُدام، نتعاقد على المواد الأولية لسنة، الشركة كانت بتعيش بالأول على القروض والمساعدات اللي بتيجي من الحكومة، فيه كتير مرات يعطونا قرض طويل المدى، الشركة الآن لديها فائض من المال حتى دفع فينا إنا نشتري مبني تاني ونبدأ تطوير مصنع كامل مرادف لهذا المصنع، إذا بدّي أروح أعمل نفس الصناعة في مصر، فيا إما بدي أحمل كل المواد معي مرة واحدة، أو بدي يكون موجود في مصر مجموعة شركات كلهم بيقوم بدوره أو بصناعته بيعطيني إياها.

الصناعة العربية هي أمل كل عربي من أكتر من خمسين سنة، ولكن لم يخطط لها جيد، فهي بحاجة لأرض صالحة تنبت فيها، فعلى العربي إذا بده يطلع من إطار المستهلك لمنتجات دولية لصانع محلي، عليه إنه يقدر يعمل حماية داخلية شخصية لصناعته مهما كانت متواضعة، والقادرين يتمكنوا من إنهم يوجدوا مجموعة الحلقات المفقودة للشباب اللي عندهم إمكانيات عقلية أن يبدعوا، أما ما يسُمى بصناعة محلية حالياً يؤخذ ترخيص من.. من (فيلبس) أو ترخيص من (ناشيونال) أو كذا وبينعمل مصنع تجميع في مكان ما من الوطن العربي، أنا لا أعتقد إنه هاي صناعة عربية لا من قريب ولا من بعيد، مثل ما بدأت باتفاق على الورقة بتنتهي بطفي مفتاح من فيلبس بيسكر المصنع.

المعلقة: وسط ضوضاء المصنع وعمله الذي يرتبط بالأماكن العامة يجد الباحث والمبتكر أسعد لحظات حياته في ساعات العزلة التي تسمح له أن يختلي بأفكاره وإبداعه.

محمد أبو حمام: الرسم بالنسبة لإلي هي إجازة داخل نفسي، بأروح من الشغل تعبان بمليون.. خاصة إنه معباي بالقراءات، والقرارات الفنية والعلمية واللي يعني مخيفة في كتير من الأحيان، وخاصة إنه طبيعة عملنا مرتبطة ارتباط كلي بسلامة الإنسان، لأنه معداتنا بتركب أساساً لسلامة الإنسان، فيبكون تحت ضغط شديد، وبدك تاخد إجازة تترك الشغل مش معقول، بس بدك دماغك يرتاح، فالرسم بيعطيني فرصة، قد أيش الفرصة قليلة أو كتيرة بتكون رائعة.

من العادي لما بأمسك أنا رسمة ما أحبش أفلتها، زوجتي بتنبسط إني بأرسم وبتتضايق إني ما بأحكيش، باخذ يعني.. وأصبح لنفسي 100% يعني مش أنانية، إنما.. بأنعزل لأنه بدها تركيز، بدي.. بدي أعمل الشيء والرسومات 99 % أما منظر طبيعي، أو صورة إنسان ذا قيمة يعني أتصور أول بني آدم عمل لمبة تنُير هو (أديسون) بأحب.. يعني مش أرسمه لأنه بدي صورته بأقدر أشترى صورته من أي مكان، لأنه وقت ما بأرسمه أنا.. لابد أعرف عنه اكتر، ها دول الناس اللي بدي أعرف بأحب أنا دايماً يكونوا على صلة إما بأرسمهم، إما بأقرأ عنهم، إما.. بأشوف وين أنا قد أيش مقصر، يعني من شان ما أكبرش على حالي الأصلي، وأنا ما عنديش هوايات على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد خارجة، أنا لا بأعرف ألعب شده، ولا بأعرف ألعب طاولة، ولا بأروح على السينما، مش بأقول السينما غلط، إنما بأشوف إنه فيه وسائل إني أبدأ فيها يومياً وأشغل بالي فيها، السينما عبارة عن انجاز قصصي، وكل إنسان في الدنيا عنده قصة، فليش ما يكون لي قصة أكتبها أنا بمنجزي؟ ولهذا بأحب دائماً ما يدخلش دماغي أي شيء.. أي شيء على الإطلاق ما إلوش قيمة، إن كان أدبية، أو خلقية، أو علمية.

لكل عمل طيب نتائجه الطيبة، والحمد من جملة النعمة اللي الله أنعم علينا فيها أصبح عندي أحفاد، وأحفادي ثلاثة: يسرا وياسر وعمر، يسرا وياسر في فلسطين برام الله، أما عمر فجنبي، طبعاً بحكم إنه جنبي أجملهم بالنسبة لإلي لحد ما يجوا اللي في رام الله.

أنا صحيح بأحمل الجنسية البريطانية، ولكني فلسطيني مهاجر، مازلت فلسطيني، وسأبقى فلسطيني، والحمد لله، وبأكون مخطئ لوما فكرتش في العودة في فلسطين، وما بأظنش إني أخطئ مثل هذا الخطأ، لأن كل عملي ودراستي وإنجازي بالقدر اللي كان مطلوب مني من شان أحقق معيشتي وتعليم لأولادي، كان العمل على قدم وساق للعودة لفلسطين.. قائم، وأنا شخصياً إن لم أعد إليها حي فسأطلب أن أدفن في فلسطين.