ضيف الحلقة - رشيد عرب، مقدم أخبار بالتلفزيون الفرنسي - جزائري الأصل
تاريخ الحلقة 19/03/2001







رشيد عرب
المعلقة:

مهنة الصحافة المرئية صعبة جداً، فكيف لا تزداد الصعوبات هذه أضعافاً حين تكون مقدماً للنشرة الإخبارية الرئيسة في القناة الفرنسية الثانية، حين تكون من أصل عربي جزائري، وخاصة حين تدعى رشيد عرب.

رشيد عرب:

وفقت في التعامل مع هذه المهنة الصعبة، في البداية لم أبحث عن سبب لدخول هذا الميدان، فقط اعتمدت على ذاتي وابتعدت عن التصنع، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، خصوصاً أن الآخرين أنكروا علي هذا النجاح، الآن أعيش أجمل فترات حياتي المهنية، أصبحت فيها محل إعجاب، على أن هذا الإعجاب سبقته سنوات كنت فيها محل انتقاد.

المعلقة:

انتقاد وجهه إليه بعض المشاهدين الفرنسيين على صورة رسائل لا تخلو من الذم والشتائم، فقط لأنه من أصل جزائري، ومع ذلك يعمل رشيد عرب منذ الخريف الماضي على إعداد وتقديم برنامج شهري يضعه في احتكاك مباشر مع الشارع الفرنسي.

رشيد عرب:

السوق في فرنسا فضاء متعدد للأصول العرقية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بإمكانك أن تلتقي لاخر اليوم هنا وغداً في أماكن أخرى، فللسوق وقع السحر بأتم معنى الكلمة، وهي دوناً من ذلك كله فضاء لحياة فيها يتم تبادل الآراء بعيداً عن النمطية، وعليه فقد بدلي من الأفضل أن أذهب للقاء أشخاص ممن جرت كالعادة أن يكونوا في موقع المستمع وحسب، حتى يقترب منهم الميكروفون والكاميرا.

الأساس في عمل الصحفي أن تكون له هذه القدرة على الإصغاء إلى مشاغل الآخرين، حتى يتسنى له بعد ذلك أن يرسلها بأكبر قدر من الأمانة، ومنتهى الأمانة يكمن في البث المباشر دون مونتاج، كما هو الحال في هذا البرنامج، أما دوري فإنه يقتصر على الحد الأدنى من التداخلات، حتى أفسح المجال لرأي الآخرين.

المعلقة:

الحد الأدنى من التدخل لا يعني الارتجال بالضرورة، فمثل هذا البرنامج الذي يبث مباشرة يتطلب مجهودات إضافية، وتحضيرات عديدة مسبقة، يقوم بها رشيد عرب، بمعية أعضاء فريقه التقني. إضافة إلى ذلك لابد له خلال التصوير من مواجهة بعض المفاجآت كأن يتعرف إليه مثلاً أحد معجبيه، يناديه مصراً على أخذ توقيع منه.

إنها اللحظات الأخيرة التي تسبق بدء التصوير، تلك التي يقوم فيها الفريق التقني باللمسات الأخيرة وبالتحقق من حسن سير المعدات وأجهزة التصوير على اختلافها، بعد عشرة دقائق من الآن سيبدأ البث المباشر، لذلك يبدو الجو متوتراً في أستديو البث.

رشيد عرب:

صباح الخير، هذه الحلقة الثانية من برنامج (موعد معكم) حلقة جديدة من برنامج ربما تعلمون مضمونه، وللتذكير فهو برنامج يلتقي بكم مرة كل شهر في أحد أسواق فرنسا، وفيه تعبرون بكل حرية.

من أجمل الأوقات بالنسبة لي هو البث المباشر، فهي اللحظة التي يحس فيها الواحد منا أنه في صميم العمل التليفزيوني.

يحتاج الواحد منا في هذه المهنة إلى جذور تمتد بعيداً، ولا أعلم إلى ما تعود جذوري، وليس بالإمكان تحديدها بالظبط. قرأت أخيراً رواية مكنتني من التعرف –ولو قليلاً- عن جذوري، هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة إلي، أرى أن الشعور بالانتماء يشكل عنصر قوة في كل واحد منا.

عندما قدمت إلى فرنسا استقر بي الأمر في (لوران)، والدي كان يعمل هناك في عام 58، أي قبل استقلال الجزائر، كان والدي يقوم على شؤون الوافدين من شمال إفريقيا للعمل بمعامل الحديد والصلب.

المعلقة:

تزايد أعداد الجزائريين الوافدين إلى فرنسا بشكل ملحوظ بين العام 55، 60، بسبب ما كان يعانيه الشعب الجزائري يومها من المستعمر الفرنسي، حتى صاروا يشكلون المجموعة المهاجرة الثانية الأكثر عدداً بعد الإيطاليين في مقاطعة (لوران). فما الذي جعل رشيد عرب المتحدر من بيئة عمالية يتميز في مجال نخبوي؟

رشيد عرب:

كان والدي كثير الإطلاع على الصحف، وفي أولى مراحل حياتي استهواني المكتوب وسريعاً، ما توجه اهتمامي إلى قراءة الصحف، ومنذ حداثة سني اشتدت رغبتي في الكتابة، يمكنني أن أقول اليوم أنني أكتسب هذه الميل إلى الصحافة من والدي. جزء كبير من شخصيتي تحدده التربية التي تلقيتها منذ ولاتي، والدي كان بيعمل في فرنسا آنذاك، وقامت على تربيتي أمي وجدتي في الجزائر، ورغم أني لم أقضِّ مع الجدة سوى عامين فإنني ورثت منها أشياء لا يستهان بها، لعل أهمهما هذه الثقة النسائية التي تشكل سلاحاً إضافياً بالنسبة للرجل في الحياة، وهذا أمر مهم في رأيي.

المعلقة:

الثقافة النسائية هذه هي أول ما أشار إليه لدى فوزه بالجائزة التي تمنح لأفضل مقدمي ومعدي البرامج التليفزيونية في فرنسا.

رشيد عرب:

منحت هذه الجائزة وأنا على قناعة تامة في قرارة نفسي بأن الأم والجدة تختصران إلى حد بعيد ما بلغته اليوم من نجاح، ولا يفوتني أيضاً ذكر زوجتي التي هي علمتني تقاليد هذا البلد وثقافته. أهدي هذه الجائزة إلى ثلاث نساء: إلى جدتي تلك السيدة التي تعيش على الضفة الأخرى من المتوسط، وإلى أمي التي تعيش في فرنسا، وأخيراً إلى زوجتي (آن) التي اكتشفت معها هذا البلد منذ سنوات عديدة. وأشكركم جزيل الشكر على اختياركم تتويجي شكراً.. شكراً.

منذ سنوات ليست بالبعيدة لم يكن مستساغاً بالضرورة في فرنسا أن تكون صحفياً يدعى رشيد عرب، فمثل هذا الاسم يشكل عاملاً سلبياً في أغلب الأحوال، أما اليوم فإن كل ما كان يشكل عوامل سلبية بالنسبة إلي صار يلعب دوراً إيجابياً. اليوم معروف مثلاً أن لرشيد عرب ثقافة متعددة تميزه عن الآخرين أو أنه اكتسبه من خلال ثقافته وتنشئته ميزة الاهتمام بالآخرين وتفهم مشاغلهم. إذن هنا يكمن الاختلاف، الذي كان منذ سنوات قليلة عاملاً سلبياً في فرنسا، ولم تتغير هذه الرؤية إلا مع تطور مثل هذه المفاهيم اليوم في فرنسا.

اختلافي يمكن أيضاً في نظرتي إلى هذا البلد الذي يبقى دائماً بلد الضيافة، وليس بلد النشأة، على أية حال إذا كنت أنفصل تدريجياً على مر السنين عن بلد النشأة فإنني أكتشف فرنسا وأتعرف إليها يوماً بعد يوم.

عندما أهتم مثلاً بالسياسة الداخلية الفرنسية أجد صعوبة، أقع تحت طائلة نوع من الازدواج، أختلف مع زملائي الفرنسيين في تقدير مثلاً مدى أهمية بعض الأحداث، ربما لأنني كنت أتطرق إليها من جانب آخر، ولذلك كنت أشعر أنني خارج الإطار العام.

قيل لي –كما قيل للكثيرين من جيلي آنذاك ممن هاجروا إلى فرنسا- أن وجودنا هنا لا يعني بالضرورة أننا فرنسيون. قيل لنا أيضاً أننا من هنا ومن هناك في نفس الوقت، وأن علينا أن نستجيب لشروط عديدة حتى نصبح فرنسيين. كان الأمر بالغ التعقيد إلى درجة يصعب معها فهمه.

لم يكن من السهل بالنسبة إلي أن أتفهم التعقيدات الإدارية، وطلب الإدارة آنذاك بالتخلي عن أشياء أنا لم أخترها، هذا اصعب. قيل لي مثلاً أنني كنت فرنسياً منذ ولادتي وحتى سن السابعة، ثم أني لم أعد كذلك من سن السابعة وحتى السنين الأخرى، وعلى كل أنا لم أختر شيئاً من هذا، هذا هو الإرث الإداري الذي خلفه التاريخ، وفوجئت بتغيير الخطاب الإداري، إذ طلب مني الآن أن أختار جنسيتي، ولم يكن ذلك يسيراً. أنا لا ألقي اللوم على أحد هو التاريخ الذي حمل والدي على المجيء إلى هنا، وأعتقد أن بإمكاننا أن نكون في الوقت ذاته فرنسيين وجزائريين بعيداً عن التعقيد الذي يستتبع الاختيار، ولست أدري لماذا نحمل على الاختيار، هذه تجربة تبعت حياتي، لأن الاختيار في ذلك الوقت معناه مثلاً القطع مع أجدادي، وتفضيل الجنسية الفرنسية على الجنسية الجزائرية، كيف نفعل؟

المعلقة:

وكيف تمكن رشيد عرب من الإجابة على هذا السؤال؟ هل انحاز إلى عاطفة تدفعه إلى التشبث بأصوله الجزائرية، أم رضخ لواقع فرنسي يحثه دوماً على الاختيار بدافع تحديد انتمائه، وذلك بالرغم من التعسف الاستعماري في الجزائر؟

رشيد عرب:

أنا اليوم فرنسي، وآسف لجدي وجدتي اللذين آلمتهما حرب الجزائر، أما بالنسبة لي فقد كانت فترة الاختيار صعبة لأنني بدأت حينها أكتشف التاريخ وأفهمه، وكان عليَّ أن أفهم كل ما يجري حولي قبل أن أختار، ولذلك رفضت الاختيار في تلك الفترة واتخذت قراري يوم أدركت أن تعلقي بفرنسا أعمق من.. من تعلقي بالجزائر، اليوم أشعر أنني فرنسي 100%، غير أن طريقة تفكيري تكون أحياناً قبائلية..، أنا أنفرد بهذه الخصوصية التي تميزني عن زملائي ممن نشأوا في (اللوفيرن) أو في (البريطاني)، طبعا انتهى الجميع إلى القبول بهذه الخصوصية، وبالتالي أرى التخلي عن الاعتقاد أن في شخصي شيئاً من الغموض أو ربما من الخطورة بقدر ما فيها من التميز.

أكرر دوماً بأن اللغة الفرنسية ليست لغتي الأم، وربما يبدو هذا الأمر غريباً لتمكني العميق منها، غير أني أقول أن هذه اللغة ليست لغتي الأم، وليست هي اللغة التي داعبت أذني عندما كنت صغيراً، هذا الأمر حيوي ويلازم الواحد منا مدى الحياة.

المعلقة:

أيعني هذا أن انتماءه الفرنسي لم يلغ من ذاكرته أصوات الأهل هناك، وأن رشيد عرب مازال يشعر بالشوق إليهم وببعض حنين؟

رشيد عرب:

لدي حنين لموطن طفولتي، لا أستطيع زيارة الجزائر حالياً وأشتاق إلى ذلك، وعدا هذا ليس لدي أي حنين آخر، لقد استقر بي الأمر على اختيار العيش هنا.

المعلقة:

وأحداث الجزائر اليوم أهي دافع لمزيد من البعد والانفصال، أم أنها عامل يقربه من بلده الأصل؟

رشيد عرب:

عندما استنجت أن الأحداث في الجزائر صارت أمراً يصعب عليَّ فهمه من الداخل، اقتنعت أنه لا يمكنني أن أعيش في هذا البلد، وإذا تعذر على الواحد منا أن يفهم بلده من الداخل فمعنى ذلك أن طريقه قد رسمت في مكان آخر، رغم أن جذوره تبقى هناك، وحين يدرك أن معرفته بالحياة الفرنسية تتطور، في حين يتضاءل فهمه للأحداث في الجزائر، معنى ذلك أن الكفة بدأت ترجح شيئاً فشيئاً.

سيدة فرنسية:

إنه مثال الاندماج، وهو ذكي جداً، وأجد أنه من المؤسف جداً أن يكون قد استبعد من التليفزيون خلال حرب الخليج، هذا.. هذا أمر مخجل.

رشيد عرب
رشيد عرب:

يثقون بي لأني أصبحت وجهاً مألوفاً لديهم منذ سنوات، ويلتقي بي بعضهم يومياً، وعليه فقد نشأت بيني وبين المشاهد علاقة جيدة، علاقة ثقة، ولعل هذا هو من طبيعة مهنتي، فعلي أن أكسب قدراً من محبة الناس، وهذه المحبة لا تتحدد بمدى الشهرة التي أتمتع بها، أو بما أنجزته في السابق بل تتحدد من خلال عمل اليوم.

رجل شارع:

إن له أهمية بالغة بالنسبة إلى الجالية المغاربية في فرنسا، وأرجو أن يسير الشبان على خطاه.

رشيد عرب:

أنا أدرس في معهد للصحافة، ومن خلال ملاحظاتي لا أرى أن للشبان العرب فرصاً هينة، قرأت مؤخراً في أسبوعية فرنسية أنني نموذج للاندماج في المجتمع الفرنسي، هذا غير صحيح، أنا لست نموذج لأي شيء، فقد عولت على نفسي في الاندماج في هذا المجتمع، وعلى العون الذي لقيته من عائلتي وأصدقائي، ولم تساعدني الإدارة الفرنسية أو التليفزيون الفرنسي على هذا الاندماج.

رجل شارع آخر:

الحقيقة أن السؤال لا يطرح اليوم بشأن ذوي الأصول البولندية أو الإيطالية أو الأسبانية أو بالبرتغالية، فلماذا يطرح بشأن رشيد عرب؟!

رشيد عرب:

اهتمام الإعلام بي ليس مرده كوني أعمل بالتليفزيون، ولكن لأني ولدت على الضفة الأخرى من المتوسط، لم أعد أحتمل هذه اللقاءات، ولهذا السبب صرت أرفض المقابلات. ليس معنى هذا أني أتنصل من جذوري، أعتقد أني نجحت لسنوات في الابتعاد عن هذا الجدل لأني أعلم أن مثل هذا الأمر كافي لقضاء على مستقبلي المهني، وكأن اسمي "رشيد عرب" أصبح سيفاً مسلطاً عليّ. منذ عشرة سنوات عملت على تجاوز هذا الأمر بحمل الآخرين لا على نسيان اسمي بل على نسيان مصدره.

بائع في السوق:

أنا معجب به كثيراً ونحن نفخر بعمله في التلفزيون كعربي ومسرورون أيضاً بذلك.

رشيد عرب:

أعلم جيداً أن هذه المسألة تطرح حتى من قِبَل من يحبونني، وعليه فإني أتجه إلى كل مشاهدي هذا البرنامج وأقول لهم: أني لو سلمت لهذا الجدل لقضيت يومي مردداً اسمي: رشيد عرب.. رشيد عرب. هذه هي الحقيقة الواجب إدراكها على من يريد فهم طبعي، وأحياناً أبدو للبعض حاسماً في هذا الأمر، دعيني أقول لك بأن صبري ينفذ في الكثير من الأحيان، ولا أطيق أن يطرح على السؤال نفسه في كل مرة.

بائع في السوق:

إنه نجم من نجوم التليفزيون، وهو لطيف إلى حد بعيد، وهو مصدر فخر بالنسبة إلينا كعرب ومثال يحتذي به.

رشيد عرب:

يسعدني أن يعتبرني البعض ممن يقاسمونني الجذور بمثابة النموذج بالنسبة إليهم، وليس من عيب في أن يحث هؤلاء أبناءهم على اتباع المنهج نفسه، لا أنسى أن بدايتي كانت هكذا، وخلال فترة المراهقة أدركت أن طريق النجاح تمر حتماً بالمدرسة، ثم بالجامعة، ثم بالمهنة، بهذه الطريقة فقط أعتقد أن بإمكاني أن أكون نموذجاً.

المعلقة:

لم يتحول رشيد عرب بالنسبة إلى أقرانه من أبناء الجالية العربية المهاجرة إلى نموذجٍ يحتذى فحسب، بل أن تحديه الأكبر يكمن في دخوله إلى قبل المشاهد الفرنسي العادي، وتحوله إلى وجه من الوجوه المعروفة المحببة لدى كامل الشعب الفرنسي.

ومع ذلك يبقى رشيد عرب الاستثناء الذي يشذ عن القاعدة في بلدٍ يمتاز بخلائطه المتنوعة من الشعوب والجنسيات، ويحتاج كبير الاحتياج إلى التأكيد على انفتاحه، عبر سير نجاحات مشابهة لتلك التي حققتها قلة نادرة من أمثال رشيد عرب، لا سيما في ميدان التليفزيون الفرنسي.