ضيف الحلقة:

عيسى شمعونكي: أخصائي أمراض نساء وتوليد

تاريخ الحلقة:

02/01/2004

- أصول قدسية.. وذكريات الاحتلال
- مراحل الدراسة في أحضان الوطن العربي

- الطبيب بين النضال والعمل

- طفرات علمية بأيد عربية

- ذكريات التهجير من القدس وأريحا والهجرة إلى أميركا

أصول قدسية.. وذكريات الاحتلال

عيسى موسى شمعونكي: أنا الدكتور عيسى موسى شمعونكي، مِن مواليد القدس سنة 1938، ومُتواجد حالياً على تلة في قرية(Pacific Palisades) ، تَطل على المحيط الباسيفيكي في مدينة لوس أنجلوس، وأعمل كطبيب أخصائي بأمراض العَقَم والنساء والتوليد منذ سنة 1978 فـي مدينـة سـانتا مونيكا، وكـذلك أُعَـلِّم في جامِعَـة (UCLA) في لوس أنجلوس منذ سنة 1977، وأنا الحقيقة بِدّي أشكركم جداً لأنّكم أتحتوا لي الفرصة أنْ أُعرِّفكم على حياتي في المهجر، بحِلْوها ومرها، وأهم من ذلك أنكم أخدتوني بفؤادي وروحي إلى بلادي وشعبي ووطني البعيد عني آلاف، الآلاف من الأميال وأهلاً وسهلاً بكم جميعاً.

المعلِّق: بِرَحابةِ صدرٍ وكل تَرحاب العبارات، استقبَلَنا الدّكتور عيسى موسى في منزله، بضاحية سانتا مونيكا، التي تَقَع فوق رَبوَة عالية تُطل على المحيط الباسيفيكي، مُوفياً بكلّ واجب الضّيافة العربية، التي لم تُبدِّلها الأيام في طِباعه، على الرّغم من طول سنين بُعده عن بلاد العرب، كان لقاؤنا معه بحديثٍ ساده التواضع، عرَّفَنا بحكايات هجرته، وتجربته مع الاغتراب، بادئاً بما رسَخَ في ذاكرته من صور الطّفولة في القدس، وكيف ابتدأت رحلة غُربته عن الدّيار، مجبراً غيرَ مُخيَّر، إلى أن قادته أقداره ليكون جاراً لهذا المحيط الممتد حتى أقاصي العالم.

عيسى موسى شمعونكي: أنا ابن القدس، وُلدت في القدس القديمة، في عائلة فقيرة مادياً، وإنّما كانت غنيّة جداً روحياً، أبوي كان يشتغل يعمل في مَحَل بيع التحف التذكارية، كان دَخْله يَكفي إنّه نعيش عيشة كريمة وفاضلة، والدتي -الله يرحمها- كانت سيدة فاضلة جداً وكانت دَّبَّر تُدبِّر الأمور، فالله كان يحط البركة، كنا عايشين بسعادة تامة بين أخوي وخواتي، جميعاً كنا كتير مرتاحين، أبوي -الله يرحمه- كان يقول، دايماً يعلمنا، يقول دائماً: "يا أولادي، القناعة كَنْز لا يَفنَى" وهادي ضلت بقلبنا لهلا وهادي ساعدتنا كتير في حياتنا، لأنّه دائماً نشكر الله على إلّي عندنا، وإذا الله -سبحانه وتعالى- بِدّو يعطينا أكتر فنحنا نكون ممنونين إلُه, وكتير.. وعشان هيك نشكر الله، أنا سَعيد في حياتي نتيجة هالأشياء اللي حصلت معي خلال الطفولة, الله يرحمه أبوي كان دائماً، في أوقاته اللي يكون فاضي، كان يأعد مع أمي ويتسلوا، الجيران كانوا يسموهم عصفورين..زي عصفورين حُب، فكان يعلمنا المحبة. ما طوَّلت كتير، أنا عشت في القدس 10 سنين بس، فآخر سنة كانت شوي صعبة، لأنّه حصل عدة أمور أثَّرت برضه عليّ، بتذكَّر أبوي -الله يرحمه- كان يبيع قطع التذكارية هادي، في عنده محل في (YMCA) في القدس الجديدة، كان عنده محل، برضه بالقدس الجديدة، تحت أُوتيل (Fast)، مش إِلُه ، كان يشتغل عند ناس وكان يوخد معاش ويوخد برضه.. يوخد برضه زيادة حسب البيع، فكنا راجعين أنا ويّاه من الشغل، كانت حوالي الساعة 6، كنت أتكيَّف لمّا أروح عنده، لأنّه يجيبلي هالكيك وهالحلويات، يعني كنا مكيفين راجعين أنا ويّاه، وكنا عم نطلع الدّرج في شارع ماملا، فإحنا طالعين، كنا هيك الله جابنا على الجهة اليمين، درج عريض كتير، فأجِت قنبلة هاون من محل بعيد، طبعاً لأنه كنّا نحن منطقة عربية، بعتقد إنه أَجَت من المنطقة اليهودية، لأنّه كانوا يضربوا المناطق العربية، ويعني الله سَترنا، أنا وياه، جنبنا فأعِت بس على الجهة التانية من الدرج، الله سترنا، فخِفت طبعاً وما صدَّأنا امْتَى نوصل للبيت.

ذكريات الطفولة في القدس كانت سعيدة جداً، إلاّ لآخر مدة لما بدأت الحرب، بدأت المشاكل، شعرت بخوف والحقيقة السعادة تقريباً راحت وعشان هيك أبوي -الله يرحمه- طلب منّا إنّه نترك وجينا لعمّان في الأردن، فَكّر، لمدة اسبوع أو اسبوعين بنيرجع بعدين لبيتنا.

مراحل الدراسة في أحضان الوطن العربي

المعلِّق: بَعد أحداث العام 1948، نَزَحت عائلته إلى الأردن، وهو طفل في العاشرة من العمر، وفي عمّان استكمل دراسته الابتدائية، وثم الثانوية بمدرسة (Santa College) في العام 1954، ثم سافر إلى العراق لدراسة الطب في جامعة بغداد، ومع قيام ثورة العام 1958 في العراق، وتَبدُل الأحوال السياسية بين العراق والأردن، كان من الصعب عليه العودة لاستكمال دراسته، بعد أن كان قد أتمّ منها ثلاثة أعوام، فسافر إلى مصر لاستكمال دراسته في جامعة الإسكندرية، حيث التحق بكلية الطب، حتى تخرج منها في العام 1964 طبيباً عاماً بدرجة البكالوريوس مع دبلوم الجراحة.

عيسى موسى شمعونكي: والسبب الرئيسي اللي فكرت في دراسة الطب، إنّه بيجي الواحد مريض عند الدكتور بيساعده بيشفَى، يقول: "الله يبارك فيك، شكراً، الدكتور ساعدني"، يعني بكسب دعوة منه، فحبيت أنا أدرس طب، طيّب بالصدفة أبوي -الله يرحمه-، لما نَقلنا لعمّان، راح المحل اللي كان يشتغل فيه في القدس، بِدّو يعيش، ما بدو يشتغل، اشتغل موظف بالسفارة العراقية في عمّان، وبعدين أخوي كِبِر شوي، برضه اشتغل في السفارة العراقية في عمّان موظف, فؤلت.. ألي أبوي أحسن شيء يا ابنـي إذا بدّك تـدرس، يعني ما بيكلفـنا كتيـر، بتروح عالعـراق أنا كنـت ماخد (Matriculation of Jordan)، كنت ماخدها بامتياز، فهذه.. يعني أعطوني.. بس رحت قدّمت للطب، إبلونى على طول، وسكنوني في بيت جمب كلية الطب في بغداد بالعوضية، بتذكر كويس جمب، كان هذا بيت للطلبة، فمعناته بَقْطَع الشارع وبكون بكلية الطب، فالفترة اللي بَدأْت فيها دراسة في بغداد كانت 1955 إلى 1958، تلات سنين، كانت أيام حلوة جداً، واتعلمت تشريح.. التشريح، خلينا نقول، وعلوم أخرى، بعد هاك الوقت وجدت إنّه أنا عندي مِيل للجراحة، بهالوقت هذا، لما خلصت 3 سنين ورحت لعمّان، وبعدين ثارت ثورة 1958، سار مدابح .. أبوي -الله يرحمه- ألي: "إنت ما بتصير ترجع للعراق" وفعلاً أنا بديت أخطط فين بدي أروح، فأحسن شيء تلْفنّا وجدنا إنّه في مجال إنّه مصر تئبلني، وتئبل السنين اللي درستها في العراق، وهذا اللي حصل، فأدّمت طلب لمصر ونشكر الله أنّه إبلونى بذلك الوقت ورحت للإسكندرية، جامعة الإسكندرية، وكملت دراسة الطب في جامعة الإسكندرية، فكملت الطب، لكن اللي خلاني أنا أعرف بالظبط إني أنا بحب الجراحة كان السنة اللي قضيتها (In trainship) في مصر، ثلاث شهور كانت بالعيون، تخصص العيون وتلات شهور بالجراحة ولما كنت تخصص العيون علموني كيف أكون (very delicate)، يعني دقيق جداً في عملي الجراحي، فهذه واحدة، بعدين الجراحة العامة، كان رئيسـنا (Resident.. Chief Resident) كان يعـطي شغـل ويعلـم كويس الـ (Entrees) ومن حظي إنّه علمني أشياء كثيرة، اللي شعرت إنَه أنا بتعلم بسرعة جراحة وظلت في بالي، لغاية ما خلّصت الطب وبعدين تركت وجيت لعمّان لأخدم شعبي الفلسطيني في المخيمات اللاجئين.

[فاصل إعلاني]

الطبيب بين النضال والعمل

المعلِّق: بَعد تخرُّجه من جامعة الإسكندرية، عاد الدكتور عيسى إلى عمّان والتحق بالعمل مع منظمة غوث اللاجئين وعلى مدى ثلاثة أعوام قضاها في العمل بالضفة الغربية، حتى اندلاع حرب العام 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية، سافر الدكتور عيسى إلى الكويت، للعمل هناك حتى العام 1971، سافر بعدها إلى لُبْنان لدراسة تخصص النسائية والتوليد في الجامعة الأميركية ببيروت، ومنها نال دبلوم التخصص في العام 1974، حيث سافر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية، رغبةً في استكمال تخصصه في علاج العقم وبعد عام من عمله في إحدى العيادات الخاصة في بوسطن انتقل للعمل في مستشفى (San Joaquin) في كاليفورنيا.

عيسى موسى شمعونكي: وفي شهر حزيران سنة 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية وأصبح اللاجيء لاجئاً مرة ثانية، في هالفترة هذا.. هذه وجدت إنه بحب أغيّر الجو، فانتقلت إلى الكويت حيث اشتغلت في (Southwell Hospital in Al-Ahmadi)، في البداية كنت طبيب طَوارئ، بعد ذلك كنت مسؤول عن الأمراض السارية وفي أثناء عملي قابلت من جميع الأجناس وخاصةً شعوبنا العربية، اللي كانوا يشتغلوا بالكويت وأيضاً الكويتيين وكلهم شعب طيّب وأيام كانت حلوة، بين سنة 1968 و1971، في هاي الفترة نفسها كانت مهمة جداً في حياتي، لأنّه قابلت زوجتي وتزوجنا، وأجاني ابني الأول مُوسى في الكويت، فهو كويتي، ونؤله الكويتي، في هالفترة هذه كنت قرّرت إنّه لازم أتخصّص بأمراض النساء والتوليد، فأدمت استقالتي من(Southwell Hospital) وجئت إلى لبنان، حيث درست أمراض النساء والتوليد في الجامعة الأميركية في بيروت لثلاث سنوات، (Residency) وحصلت على دبلومة في أمراض النساء والتوليد، أثناء عملي في الجامعة الأميركية في بيروت، كانت أيام جميلة جداً من حياتي، بس بحب أؤول إنّه لما كنت أتدرب أمراض النساء والتوليد، أنا ما قبلت أعمل أي عملية إجهاض، هذا نوع من التدريب بيساعد الطبيب إنّه يعرف شو لازم يعمل، بس ما كنت أعمل هاي العملية وإنّما كنت أعمل كل شيء غير عن هذا وأررت وأتها إنّه أنا تخصصي في البلاد العربية كِمِلْ، بس لازم أكمّل تخصصي في الخارج، فجئت إلى أميركا سنة 1974 كمهاجر، وفي نفس الوقت مشان أكمّل تخصصي في أمراض النساء والتوليد، فأول سنة قضيتها في بوسطن، من 1974 إلى 1975، كانت مُهمة جداً لأنّه تعرفت على البلاد وعاداتهم وتقاليدهم، واشتغلت (Fellow in Gynecology) والشخص اللي أتخصّصت معه كان من أحسن الأخصائيين في العمليات النسائية، فتعلمت منه كتير وطلب مني أن أبقى في بوسطن معه في (Clinical Boston)، بس أنا كان عندي أحلام أُخرى، أولاً بدي أحصل على الـ (American board OBGYN) وكان أحـد المتطلبـات إنّه لازم أعـمل سنة (Chief Resident)، فقدّمت، وأجاني (جاءني) طلب في إنّه إبلوني في (San Joaquin Hospital in California) وهذا كان حلم لأن نحن نَنْتقل إلى كاليفورنيا، لأن كاليفورنيا طَقسها بيشبه فلسطين ولبنان وكنّا من الأساس أنا عم بفكر إنّه بالمستقبل إذا بدي بنتئل إلى بلد في أميركا، بحب أكون في كاليفورنيا، فهذه الله ...بتوفيق من الله أجت الـ (Position) إلِي، وانتقلت إلى كاليفورنيا، خلصت السنة هذه، طبعاً بعد ما أكملت المتطلبات ميشان الـ (American board)، جلسنا امتحانين، الامتحان الأول كتابي والامتحان الآخر بيكون أسئلة عن الحالات اللي عملتها من الـ (Board) بالكامل وأعطوني الدبلومة سنة 1980.

طَفَرات علمية بأيدٍ عربية

المعلِّق: بعد سبعة أعوام من وصوله إلى الولايات المتحدة الأميركية، حصل الدكتور عيسى موسى على البورد (Board) الأميركي في علاج أمراض العقم وذلك في العام 1980 وهو العام الذي فيه افتتح عيادته الخاصة ليتفرغ لمزاولة مهنته، التي يسعى من خلالها تقديم سبل العلاج للمحرومين من نعمة الإنجاب، من خلال عمليات جراحية دقيقة يجريها في عيادته الخاصة، كعمليات التلقيح الصناعي وعمليات أطفال الأنابيب، بالإضافة إلى عمله في تدريس التخصص بجامعة (California, Los Anglos) وخلال الأعوام العشرين الماضية استطاع الدكتور عيسى أن يقدم العديد من الحلول الطبية لمَرضاه ويحتفِظُ... وبسعادة، بألبوم يضم صور العشرات من الأطفال الذين اختاره الله أن يكون سبباً في قدومهم للدنيا.

عيسى موسى شمعونكي: من أهم العمليات اللي سببت تطور كبير في علاج العقم عند المرأة والرجل هو أولاً عملية الـ (IVF Uterine Embryo transfer) أو تلقيح وإخصاب البيضة خارج الجسم، ثم نقل الجنين إلى داخل الرّحِم، هذه أول عملية مهمة، في هذه العملية نَعطي المرأة نوع من الأبر.. نوع من الأبر والعلاج، علشان يتكون بيضات كثيرة ثم نسحب هذه البيضات تحت .. بمساعدة الـ (Ultrasound) عن طريق المهبل وفي نفس الوقت بنأخذ الحيوانات المنوية من الرجل K ونضعها مع البويضات، فبتتلقح البويضات، في بعض الأحيان، إذا الرجل ما عنده إلاّ حيوانات منوية قليلة جداً، أو غير قادرة على التحرك الجيد، نقدر تحت الميكروسكوب نوخذ تحت المجهر، نوخد حيوان منوي واحد ونحقنه داخل البويضة فيصبح يصير تلقيح وإخصاب، برضه بيصير جنين طبيعي ونحطه داخل الرحم برضه بتحمل المرأة هذه العملية الأولى اللي اسمها (IVF Uterine Embryo transfer plus IVF Ex-Uterine Embryo transfer) العملية الثانية اسمها (Gift)، (Gift) أنا بطلّع عليها بقول هادي عبارة يعني هدية وهي هدية الحقيقة لأنه معنى gift (Gamete Intrafallopian Transfer)، بالعربي وضع الحيوان المنوي والبيضة داخل أنبـوب (Fallop) عن طريق المنظار والتلقيـح والإخصـاب يصير طبيـعي داخـل أنبوب (Fallop)، ثم الجنين ينتقل بطريقة طبيعية إلى الرحم ويصل باليوم الرابع أو الخامس ويلصق بالرحم وبيصير حَبَل وبوّلْده طبيعي و...ثالث عملية نفس العملية زي (gift) اسمها (ZIFT) أو واحدة ثانية اسمها (Tubal Embryo Transfer)، بنكون إحنا لقحنا وأخصبنا البيضة خارج الجسم، ثم أخذنا الجنين، أو البيضة الملقّحة ووضعناها داخل أنبوب (Fallop) عن طريق المنظار، بيصير بتعيش الجنين، في أيامها الأولى، في محيط طبيعي داخل أنبوب الفالوب, اللي الله خلقه لهي الشغلة هاي وبعدين بينتقل وبيوصل للرحم باليوم الرابع ..الخامس أو السادس وبيلصق في الرحم وبيصير حبل طبيعي، هذه عمليات مهمة جداً ساعدتنا وطوّرت علم علاج النساء، الذين يجدوا صعوبة في حمل الأطفال والذين لا يقدرون أن يحملوا أطفال.

المعلِّق: ما دامت الأرض أرض الله، وكل ما عليها صَنعة من صنائعه وإبداعات خَلْقه، بشَرقِها أو غَربِها، وعلى اختلاف ألوانها والجهات، بَشَر هنا، بَشَر هناك، وكلُ له على نفسِه بينة، مسرحُ كبيرٌ هي الدنيا، ولكلٍ دورٌ أو مُؤَديه أو لاعبُه، وعاقلٌ مَن لعب دوره وأدّاهُ كما يَجِب، بحبٍ ومسئوليةٍ تجاه امتحان الحياة، بفصولها وفُضولها المبدع، على اتساع المَسْرح الرّحب، بين جُموع القادمين والراحلين، من عَدَمٍ إلى وُجود، فغيابٍ حتى يحين البَعْث ونَشْر الكتب.

ذكريات التهجير من القدس وأريحا والهجرة إلى أميركا

عيسى موسى شمعونكي: هاجرت في حياتي ثلاث هجرات، هجرتين قَصْرية، وهجرة اختيارية، الهجرة الأولى سنة 1948، كُنت عشر سنين، كنا نايمين في البيت، في القدس، سمعنا صوت بكاء، فطلعنا نشوف مين اللي عم بيبكي، قالوا نحن جايين من دير ياسين، اليهود ذبحونا، فطبعاً الوالد خاف علينا وقال لنا يا أولادي بدي أخذلكم سيارة تاكسي، بتروحوا على عمّان، بتقعدولكم أسبوعين لما الأحوال تهدأ وبترجعوا...وطبعاً بَدَل ما نقعد أسبوعين، قعدنا هناك كمهاجرين مدة أطول لأنّه بيتنا كان أخدوه اليهود (ok).

الهجرة الثانية كانت برضه قصرية، بعد ما أنا أتخرجت وصرت طبيب أررت إنّه لازم أشتغل في مخيم للاجئين اسمه مخيم عين السلطان سنة 1967 اليهود احتلوا القدس، احتلوا كل الضفة الغربية وأريحا، محل ما كنت أنا أشتغل، فاضطريت إنّي برضه أهاجر الهجرة الثانية، لأنّه اليهود احتلوا المنطقة، بهذاك الوقت كمان اليهود كانوا يضربوا اللي حتى اللي عم بيهاجروا بقنابل النابالم (Napalm)، فهذه كانت الهجرة الثانية.

الهجرة الثالثة كانت اختيارية وأنا عندي أحلام إنّي أتخصص بأمراض النساء والتوليد وبنفس الوئت إذا فيه تخصص أكثر من هيك برضه بدي أتخصص، أنا بالنسبة إِلِي نَظرتي للهجرة إنّه الله -سبحانه وتعالى- خلق الأرض للإنسان ليعيش فيها ويملكها، الإنسان من جميع أجناسه وألوانه ولما جيت لأميركا وَجدت هالكل هالناس، المُختلفين الألوان والأجناس، تعيش فيها سواسية محميين بالدستور، فالدستور الأميركي بيحمي المهاجر كما يحمي المواطن، فهذه الأُمور سهّلت كثير على حياتي في أميركا، لأنّه تطابق تفكيري بالنسبة للأرض .. هي الأرض لكل الناس.

طبعاً هذا ما بيمنع إنّه أنا بشتاق كتير ودائماً أشتاق إلى فلسطين وخاصةً القدس وشوارع القدس القديمة اللي مبلطة، اللي كنا نمشي عليها، كنا نروح دائماً نشتري الكعك بالسمسم مع بيض الحميم ونفطر مع شاي وكنا نلعب بشوارع القدس ونروح على الأماكن المقدسة، أنا بتمنى طبعاً إنّه لما أموت أنا أندفن بالقدس، بَحِِن إليها كتير من كل قلبي، لشعبي، للهجة الفلسطينية وإنّما بشكر الله -سبحانه وتعالى- إنّه جيت على بلد، الدستور يحترم حرية الإنسان، اللي هي أميركا الحقيقية وعشان هيك أنا عايش في أميركا وأولادي موجودين هون وزوجتي ونحن سعيدين في حياتنا، مع إنّي أنا بختلف اختلاف تام بالنسبة لسياسة أميركا بفلسطين ويعني بَحْزن إنّه أميركا ما عمّالة لهلا تساعد الفلسطينيين إنه يَحصلوا على بلد إليهم بكرامة ويعيشوا بكرامة وهذا الشيء الحقيقة بيحزّني، بس في نفس الوقت نشكر الله على عطيّته.

المعلِّق: تُرى كَمْ مِنَ الأجيال سَوف تَتْبع من قبلها وكًمْ من الخُطى سوف تسير على ذات الطريق ارتحالا وغربة، عبوراً إلى ما وراء البحار القصيّة، رحيلاً عن ديار أَوهَنتها الحروب ومُسلسلات الهزائم، فهل تُلام النفس إذا ما أدركت أن العُمر عمرٌ واحد ولابد أن تحياه بسلامٍ وكرامة، كرامةٍ ليس من بدٍ في تحققها إلا بالرحيل عن الأوْطان.