ضيف الحلقة

فاروق الباز - مدير مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن

تاريخ الحلقة

23/07/2001

- دراسته وسفره إلى أميركا
- عمله في وكالة ناسا

- جهوده ودوره في هبوط أول إنسان على سطح القمر

- أمنياته للعالم العربي ومصر

فاروق الباز
د. فاروق الباز: فيه ناس كتير تقول لي إن أنت عندك ثقة بالنفس عالية جداً. أنا بأقول إن ده سببه إن أنا لا أتكلم ولا أفعل شيء إلا إذا تعلمت عنه كثيراً، يعني الثقة بالنفس دي بتأتي من المعرفة.

المعلقة: دكتور فاروق الباز الجيولوجي المصري الشهير وصاحب ألقاب عديدة منها: "سيد القمر والمريخ وكوكبنا الأرض". عمل مستشاراً لرؤساء دول وشيوخ، وكان من أول العلماء الذين أدركوا أهمية استكشاف الصحراء بعد أن ساهم عمله الرائد في دراسة الصور القمرية في إنجاح أول هبوط للإنسان على سطح القمر.

مشواره بدأ من قرية صغيرة في مصر، قرية الزقازيق حيث ولد من أب كان أول من تعلم من قريته في الأزهر، ومن أم يعتبرها مثالاً للذكاء الفطري الذي اقتاد به في أخذ أهم القرارات في حياته.

دراسته وسفره إلى أميركا

د. فاروق الباز: والدي -الله يرحمه- كان يقول: "الواد فاروق ده واد ذكي قوي". كنت أنا وأنا صغير أو في المدرسة الثانوية كان أملي إن أنا أدخل كلية الطب وأبقى جراح متميز، وأبقى جراح في المخ، حاجة -يعني- تبقى متقدمة للغاية. لما خلصت الثانوية العامة المواد بتاعتي.. المجموع الكلي ما سمح ليش إن أنا أدخل كلية الطب، ودية كانت صدمة في حياتي، سمح لي إن أنا أدخل إما كلية العلوم أو كلية طب الأسنان، فرحت على كلية العلوم في جامعة عين شمس لأنها قريبة مننا، يعني ما كانش عندي الفلوس -يعني- النص قرش نركب مواصلة ممكن الواحد يمشيها في ساعة كده أو ساعة ونص. فالمهم رحت على كلية العلوم وقلت عندهم أيه؟ فقالوا لي إحنا هنا بندرس لكل واحد، أول ما تدخل لازم تأخد تختار مواد الرياضيات والكيميا والجيولوجيا.. الكيمياء، والطبيعة، والأحياء، والجيولوجيا. فأنا قلت الجيولوجيا ديه أيه؟! كنت لسه ما سمعتش كلمة "جيولوجيا" خالص، قال لي: جيولوجيا دي بتاع الناس اللي بيروحوا الجبل بيأخذوا عينات من الصخور، قلت. أيوه أنا عايز ده!! لأني من أيام الكشافة أنا كنت بأجمع الصخور، بأجمع عينات وقلت أنا عايز أخذ الجيولوجيا وأخذ معها كيميا وطبيعة وأحياء وكذا.. فالهم ده كان بدأ المشوار بتاع الجيولوجيا الأول.

المعلقة: بعد أن حصل فاروق على شهادة البكالوريوس من جامعة عين شمس التحق بمجموعة من خمسة جيولوجيين مصريين في بعثة منحته شهادة الدكتوراه من أميركا.
حلم عظيم كان يراود الجيولوجي الشاب، فقد جال العالم كله، زار أهم المناجم، وجمع آلاف العينات ليعود بها إلى مصر مسلحاً بمعرفته الواسعة وجميع الأجهزة اللازمة لإنشاء معهد جيولوجي ينافس أشهر المعاهد العالمية، ولم يكن ليقبل بأقل من ذلك.

د. فاروق الباز: لما رجعت على مصر بكل هذا لحماس بكل هذا التخطيط قيل لي إن أنا مفروض أروح أدرس كيميا في المعهد العالي بالسويس، وأنا ما أعرفش المعهد العالي بالسويس ده أيه، أو الغرض منه أيه، وأنا معايا دكتوراه في الجيولوجيا، أروح أدرس كيميا إزاي؟! فأنا قلت للراجل: أنا معايا دكتوراه في الجيولوجيا أدرس كيميا إزاي أنا؟! قال لي: ما أنت مكتوب كده إن أنت واخد بكالوريوس كيميا جيولوجيا، قلت له: أيوه، أنا واخد بكالوريوس كيميا وجيولوجيا ده كان 8 سنوات قبل كده، إحنا.. النهارده بعد 8 سنوات تخصصت في الجيولوجيا. قال لي: يعني يا سيدي مش هتعرف تفتح كتاب وتقرأ chapter بـ chapter وتدرسه؟ قلت له: أنت كنت عايز أي واحد يفتح أي كتاب ويفتح ويقرأه ويدرسه للعيال جيب أي واحد من الشارع بتجيب واحد دكتوراه في الجيولوجيا ليه؟! المهم أنا كنت فاكر إن لا يمكن -يعني- إن الحكومة بتعمل كده، وخصوصاً عشان في ذلك الوقت كان فيه مبدأ الحكومة بتتكلم عليه، وكان بيتكتب في الأهرام والأخبار مانشيت كده كبير "الرجل المناسب في المكان المناسب"!! [ها.. ها.. ها] المهم قلت.. حاولت أكلم ناس ما حدش يرد عليه حاولت أكلم ما عرفتش، رحت الوزارة أقول لهم يا أخوانا كذا ما حدش.. يقول لي: لأهم ده كده.. واسمك مكتوب في الورقة دي وأنت تروح أنت مع خمسة تانيين مكتوبين كده في الورقة واسمك هناك حتروح آه هادرس كيميا إزاي؟! أنا أروح للوزير، لو الوزير فهمني أدرس كيميا ليه أروح تاني يوم، أروح للوزير وأقعد في المكتب عنده ما يرضاش يقابلني، كل يوم أروح ما يرضاش يقابلني، رحت 3 أشهر أروح من 9 الصبح لحد 2.5 قاعد في المكتب من بره وهو يطلع ويخرج وما يرضاش يقابلني 3 أشهر ومدير المكتب بتاعه أصعب عليه يقول لي: يا بني روح جيب كارت من حد، أقول له: ما عنديش كارت من حد، يا بني ما واسطة ما عنديش واسطة.

أصعب عليهم مرة يجيبوا لي شاي، مرة يدوني سيجارة، مرة كذا.. كل يوم، 3 أشهر، وبعدين رحت قلت.. الوزير مش راضي يقابلني، كان فيه وكيل وزير، قال لي: الوزير مش راضي يقابلك.. مش راضي يقابلك عشان أنت.. رافض تستلم العمل، ما تروح يا فاروق استلم العمل وتعالى على طول، وأنا بعدها بأسبوع أنا هأخذك هو لأنه كان وكيل وزارة وهأدخلك للوزير على طول. قلت والله أعملها الحكاية ديه، ليه؟ لأن كانت مراتي كانت حامل وكانت النمرة (2) في الطريق.

رحت خدتها ورحنا على السويس وكان معانا البنت الصغيرة وطلعت أنا في الدور التاني بتاع المعهد ده معهد حاجة كده مكان خربان، المعهد ده اتقفل
-على فكرة- بعدها بسنتين ولا كانت له لازمة حتى، وطلعت في الدور التاني عشان أستلم العمل، وقعدت أملى الورق يمكن نص ساعة أو ساعة ونزلت. وأنا نازل من على السلم قابلت واحد صاحبي كان معيد معايا كان معيد في.. في الفيزيا أما أنا كنت معيد في الجيولوجيا في جامعة أسيوط زمان قبلها بـ 8 سنين، قال لي: أيه يا فاروق أنت جيت ليه؟ إحنا عارفينك مطلع روحهم في الوزارة، جدع أنت..، أنت جيت هنا ليه؟

قلت له: أنا عشان الدكتور فلان الفلاني قال لي: روح استلم العمل وتعالى أنا هأدخلك للوزير.. أنا هأدخلك للوزير ونحل المشكلة على طول.. قال لي: آه يا بطل، الكلام ده نفسه حصل لي أنا من سنتين، أنا واخد دكتوراه في الهندسة النووية وأنا هنا دلوقتي من روسيا من جامعة موسكو، وأنا دلوقتي بأدرس صوت وضوء، أنا باجي هنا غصب عني عشان استلمت العمل، أنت طول ما أنت مش مستلم العمل ما عندهمش، يوم ما تستلم العمل يقدروا يجيبوك بالبوليس، يجيبوك هنا زي ما بيجيبوني، بيغصبوا عليَّ أنا جابوا عساكر البوليس بتجيبني من البيت، لما يرعبوا أمي يجيبوها هنا عشان آجي هنا عشان أدرس صوت وضوء، أنا بقالي سنتين، أنا كرهت نفسي، أنا كرهت البلد، أنت باصص على إنسان مهلهل، أنت باصص.. وابتدأ يهتز ويعرق، أنا بقيت خايف هيموت، قعدت جنبه أهديه لما هدي قعدنا نتكلم شوية وأقول له: ربنا يسهل كذا.. كذا، وأنا هأروح أكلم الراجل وأعمل كذا.

المهم خلصت أنا الكلام معاه لما هدي قعدت معاه يجي ساعة، وطلعت تاني على الراجل اللي أنا استلمت معاه العمل، وقلت له: أنا فيه الورق اللي أنا استلمت به العمل؟ والنبي عايز أغير فيه حاجة كده، قال لي: أيه؟

قلت له: بس أغير حاجة، وريهوني، اداني الورق رحت مقطعة وقلت له: أنت لا شوفتني ولا أنا شوفتك!!

المعلقة: يومها يمشي فاروق إلى جامعته القديمة وقد أضناه التعب، الحل لا يأتي إلا بعد سنة كاملة عندما يغادر بصحبة زوجته إلى أميركا بشكل سري ودون أن يخبر أحداً من عائلته نظراً للظروف السياسية السائدة في مصر آنذاك.

د. فاروق الباز: أنا وصلت أميركا في ديسمبر 66، وابتديت عشان أدور على عمل في.. من البداية من يناير 67 في الجامعات اللي أنا أعرفهم، الناس اللي يعرفوني الأساتذة، فاتضح إن كل الجامعات في الأماكن اللي أنا أعرفها مش عايزين حد جديد، كلهم أجروا ناس من أول العام الدراسي، ما فيش حد بيؤجر من نص العام الدراسي، فبديت أقدم طلبات عمل في الشركات، بديت أكتب وأكتب جوابات وأبعت جوابات من كل فج عميق، المهم قعدنا نبعت أما بعت 120 طلب!!

عمله في وكالة ناسا

المعلقة: جواب رقم (121) يبعثه الدكتور فاروق رداً على إعلان للمحطة الفضائية (ناسا)، إذ كانوا يبحثون عن خبراء جيولوجيين مختصين بدراسة القمر، لم يكن التخصص مجاله، لكن الحاجة للوظيفة لم تترك أمامه الخيار، ودهشته كانت كبيرة عندما جاء الرد بالإيجاب وبعرض فوري لاستلام العمل.

[فاصل إعلاني]

د. فاروق الباز: رحت وبعد.. قعدت أقرأ هم بيعملوا أيه وعايزين أيه والناس عايزين أيه، وبعدين واحد كان بيشتغل في واحد جيولوجي في نفس المجموعة اللي أنا فيها وقال لي: الشغلة دي زي الزفت إحنا بنقرأ تقارير.. بنقرأ تقارير وبنيجي بنلخصها ونديها للرؤساء، نقرأ تقارير ونلخصها ونديها للرؤساء، اللي إحنا فيها دياً، شغلة زي الزفت وخلاص أنا عايز أمشي من هنا وكذا كذا.

فسكت وأنا لسه -يعني- لسه واصل، فالمهم قلت أنا أقرأ التقارير زي ما بيقولوا فين التقارير بتاعتك وأنا أقرأ لك أنا ألخص لك أنا.

إداني شوية منهم عشان أقراهم لقيتهم حاجة تقارير بديت أقرأ ولخصت وإديت له. المهم سمعت منه إن الجيولوجيين هيعملوا اجتماع.. الجيولوجيين بتوع (الناسا) كلهم هيعملوا اجتماع في واحد من مراكز (ناسا) فقلت له: ممكن أروح؟ قال لي: آه، روح أنت، أنا مش عايز أروح.

قلت له: أروح مكانه يعني، رحت فكان 3 أيام الاجتماع، لقيت القصة كلها إن الجيولوجيين بتوع ناسا دول اللي هم كان عندهم 25 جيولوجي.. فاهمين الدنيا كانوا بيشتغلوا على حكاية القمر دي بقالهم من سنة 60، يعني بقالهم سبع سنين فاهمين القصة ومعظمهم واخدين.. واخدين دكتوراه في الحكاية دي فلقيت إنهم كل واحد منهم بيقف بيتكلم على فوهة أو جبل أو حاجة منخفضة على سطح القمر، أو قبة من (التضاريس) وينزل يقعد، كل واحد ياخد ساعة يتكلم على حاجة ما، أول يوم كده مشي كله من 9 لـ 5، تاني يوم من نفس القصة، تالت يوم نفس القصة، في تالت يوم أنا قاعد معايا راجل أنا ما بقيتش عارف ما بقيتش عارف راسي من رجليه في الكلام اللي بقولوه ده، يعني مش فاهم القصة مش عارف أربطها، فقلت أنا أسأل حد يمكن عندهم كتاب أو بحث أو حاجة.. عمل تقسيم عشان أفهم هم بيتكلموا على أيه، فراجل عجوز كان جنبي، قلت يمكن ده راجل طيب إكمنه [لأنه] عجوز هيسمع يفهمني يعني قلت له: فيه كتاب أو مجلة أو مقالة عن كل أنواع التضاريس في القمر ومكانها؟

قال لي: يعني أيه؟ قلت له: يعني تقسيم لتضاريس القمر وموجودة فين. قال لي: ما إحنا عارفين هم أيه وهم فين، قلت أخرس، هم عارفين أنا لازم أعرف.
المعلقة: تجنباً للإحراج ورغبة منه في المعرفة يتوجه الدكتور فاروق إلى المكتبة على أمل أن يجد هناك أجوبة على تساؤلاته.

د. فارق الباز: رحت دخلت الباب، فتحوا لي الباب وادوني مفتاح، لقيت صور متكومة في النص وعليها تراب وبلاوي، رحت للراجل بتاع المكتبة قلت له: عايزين ننضف الصور دي، أنا عايز ترابيزات عشان نرتبها، عشان نحطها كل.. الصور متاخدة من أمتى وأي يوم، قال لي: ما.. على مين.. على طول. خدت الصور دي كله قعدت أنضف في التراب اللي عليها وأرتبها وأحط الأرقام أحطها بالأرقام بتاعتها كلها، ورتبتهم وجبتهم خد مني الحكاية دية حوالي 3 أيام كاملة بس أرتب الصور، من 9 الصبح لـ 6 بالليل، وبعدين خدت الصور دي كلها، قعدت آخدها واحدة.. واحدة أبص هي فيها أيه وآخد كارت كده صغير 3×5 بوصة واكتب الرقم بتاع الصورة وفيها أيه وأحطها، وآخذ التانية أحطها. بعضهم خد بسيط يمكن ياخد مني 5، 6 دقايق وبعضهم يمكن ياخد ساعة على ما أفسرها وأشوف فيها أيه وكذا كذا.

المهم.. الصور دي كلها واحدة.. واحدة ودي كانت جميع الصور اللي خدوها للقمر من محطة قمرية قبل الرواد سنة 65 و66، كان فيه 4322 صورة فكان عملت لنفسي 4322 ورقة عن الصور دي.

جهوده ودوره في هبوط أول إنسان على سطح القمر

المعلقة: لثلاثة أشهر كاملة يصب الدكتور فاروق جميع طاقاته على دراسة الصور المنتقاة لينتهي بنتيجة مذهلة: خريطة لسطح القمر و 16 موقعاً أساسياً لهبوط السفينة، اكتشاف يضعه فوراً على قائمة المتحدثين في الاجتماع الدوري.

د. فاروق الباز: في الاجتماع اللي بعده على طول زي ما الناس بتقوم بتقف ساعة وتدي القصة بتاعتها، فأنا وقفت وخدت البتاعة بتاعتي والصور وقعدت أقول لهم القصة بتاعتي دي، عجبتهم القصة في الكلام وأخذ الكلام ورايح وجاي وبدؤوا يسألوني أسئلة، الأسئلة خدت لها كمان ربع ساعة زيادة عن الوقت، في وسط الأسئلة، الراجل العجوز اللي كان قاعد جنبي المرة اللي قبلها قام وقف، وقال: أنا عايز أقول لكم إن الراجل الصغير اللي واقف قدامكم ده -مش عارف اسمي حتى بعد ما قدموني.. لما كنا هنا المرة اللي فاتت سألني: هل فيه كتاب أو بحث فيه تضاريس.. تقسيم لتضاريس القمر ومكانها؟ وأنا قلت له: إحنا عارفين هم أيه وهم فين، بس أنا عايز أشكره على الملأ عشان هو فهمني إن إحنا لا كنا عارفين هم أيه ولا هم فين.. وراح قاعد.

المعلقة: خلال فترة قصيرة يتحول دكتور فاروق من مجرد موظف مجهول إلى سكرتير لجنة اختيار مواقع الهبوط على سطح القمر، ثم وبدفعة أخرى من حماسه العلمي إلى رئيس لفريق تدريب رواد الفضاء في العلوم والتقاط الصور، بعد أن صب جهده لإقناعهم بضرورة جلب عينات من سطح القمر إلى ارتقاء بمهمة (أبوللو) من سباق سياسي بحت غايته الاستجابة إلى أمر رئيس الدولة إلى رحلة استكشاف علمية.

د. فاروق الباز: أهم شيء في مشروع أبوللو هو إن كانت مجموعة صغيرة جداً من الناس اللي مسؤولة عن كل شيء، بس بالنسبة لهم كان أبوللو حياتهم، إحنا كنا نقول: أبوللو هو الملك، أبوللو ملكنا لا.. لا يعلو عليه أحد ولا يأتي قبله شيء. فكان فيه ولاء رهيب وكانت الناس كلها بتشتغل يعني إما كنا نفكر في عملنا كنا نفكر إن إحنا محظوظين للغاية إن إحنا سمح لنا إن إحنا نشارك بهذا الجهد، لأن إحنا بنعمل حاجة بتحقق حلم الإنسان، من يوم أن خلق الإنسان على الأرض ينظر إلى القمر بانبهار ويتعجب، ويتفكر، وإحنا الآن فينا، في إيدنا فرصة إن إحنا نوصل الإنسانية كلها إلى القمر لنتعجب سوياً.

في أول هبوط على سطح القمر كان هناك -ليس فيه من شك- رعب كبير جداً بالنسبة إلنا إحنا شخصياً، أولاً كان عندنا صداقات مع رواد الفضاء، ثانياً: إحنا كنا عارفين إن إحنا عملنا تفسير لكل ما رأيناه في الصور على سطح القمر نتيجة لخبرتنا بسطح الأرض، فهل ياترى كل شيء هيبقى تمام يعني.

أول ما (نيل أرمسترونج) بص وشاف إن هو نازل لقى نفسه لو ساب السفينة تنزل كما هي هتنزل في النص فوهة، نتيجة لارتطام النيازك والشهب والفوهة دي مليانة جلاميد من الصخور تبقى مصيبة، يعني ممكن السفينة تنقلب أو ما تهبطش خالص، فهو بدل ما إنه يخليها تمشي زي ما هي راحة في سكتها أخذ في إيده العملية وقعد يبعدها ونزل وإحنا عارفين إنه عنده كمية محدودة جداً من الوقود فهو زميله قعد يحكي له، يقول له: الوقود اللي فاضل كذا، ويقول له كام ثانية فاضلة، الوقود اللي فاضل كذا وكام ثانية وإحنا قلب.. كل قلوبنا بقت هتتوقف، ليه؟ لأن إحنا عارفين إن هو الوقت بتاعه محدود، ولو كان وقفت السفينة والوقود

وخلص وهو لسه عالي هتتدش والاتنين يروحوا، الاتنين يموتوا، ونزل السفينة بفن رهيب وفاضلة فيها 6 ثواني وقود.

المعلقة: "خطوة بسيطة لإنسان وقفزة عظيمة للإنسانية". كانت هذه هي أول كلمة قالها (نيل أرمسترونج) عندما خطا خطوته الأولى على سطح القمر وقد حمل معه صفحة من القرآن الكريم تكريماً للأستاذة، الرحلة توجت بالنجاح، وتلتها رحلات أخرى عمل فيها دكتور فاروق على تدريب الرواد في مجال الجيولوجيا وعلى توسيع قاموسهم العربي، حتى أن استطاع (الفريد وردن) في رحلة (أبوللو 15) أن يرسل من القمر تحية كاملة باللغة العربية حين قال.

د. فاروق الباز: مرحباً أهل الأرض، من عندنا إليكم سلام.

أمنياته للعالم العربي ومصر

المعلقة: بعد انفصال يدوم ست سنوات يعود الابن الضال إلى وطنه العربي في رحلة حول دول الخليج مبعوثاً من الحكومة الأميركية، شهرته تسبقه بسنوات فيحل ضيفاً على رؤساء دول وشيوخ، ويعمل فيها بعد مستشاراً علمياً لأنور السادات. لكنه اليوم يختار الحياة في أميركا، حيث يرأس مركز أبحاث الفضاء في جامعة (بوسطن) ويقوم بدراسة الصحراء بهدف اكتشاف إمكانات المياه الجوفية مستعيناً بصور الأقمار الصناعية وزياراته العديدة لصحاري العالم. تركيزه على الصحراء العربية (…) حنينه لمصر، ومحاضراته المتكررة في الدول العربية قد وفرت له جسراً بين العرب.

د. فاروق الباز: شعرت إن الله -سبحانه وتعالى- إداني حياة يعني بدعة، أنا عشت حياة وشفت حاجات في حياتي أنا يعني ممكن 20 واحد ما يشوفوهاش، فتعرضت لحاجات عظيمة جداً وزرت العالم وشوفت الدنيا، وشوفت الفضاء كله وشوفت.. شوفت، القمر في عيون الرواد، بعد ده كله علاقاتي مع الناس كلها في رؤساء الدول في كل مكان وزمان.. شاعر إن أنا أخذت الكتير جداً في حياتي، والجيولوجيا دفعت لي.. ادتني كتير، فأنا لازم أرد الدين، أرد الدين أولاً للجيولوجيا لعلمي، وأرد الدين لبلدي مصر، وأرد الدين للشعب اللي أنا منه في العالم العربي.

كان واحد من الآمال بتاعتي طول عمري وأنا بأشتغل في الصحاري إن إحنا نعمل معهد للأبحاث الصحراء العربية، وياما تكلمت في الحكاية دي مع.. في مصر، في الأردن، في الإمارات، في قطر، في السعودية، في ليبيا، في المغرب ياما أنا قلت محاضرات، وياما أنا قلت إن إحنا.. أنادي بإنشائها، ليه؟ لأن عارف إن إحنا لم ندرس الصحراء كجيولوجيين لأن باقي العالم لم يدرس الصحراء، فإحنا إذا انتظرنا إن العالم هو يدرس الصحراء لنا مش.. هننتظر لآلاف السنيين. طبعاً في العالم العربي أنا بأحزن لما باشوف الدول العربية أولاً مفككة، العراك السياسي ما بينهم، اللبخ الإداري اللي موجود، و.. أو الخيبة الإدارية والسياسية والكذا، طبعاً الواحد بيتأثر، لأن أنا كواحد بأبص على العالم العربي من منظار بعيد.. من الفضاء بأجد إنه ليس هناك حقيقة سبب وجيه أن يكون العالم العربي أو الدول العربية منحطة بهذا الوضع، أو يعني في قاع الدول النامية، يعني مفيش في العالم العربي من أوله لآخره رئيس دولة يفهم حقيقةً ما هو العلم وكيف يفيدنا العلم؟ كيف يفيد الصناعة؟ وكيف يفيد التنمية؟ وكيف يفيد الناس؟

معظم الناس تفتكر إن العلم والمعرفة والأبحاث العلمية دي رفاهية، بعض الناس يقولوا لك: لماذا نوضع فلوس في معهد مثل هذا؟ هيطلع لنا أيه؟ أنا لما آجي أرد على السؤال ده أرد عليه عمداً من غير.. ما يكملش، أقول: للمعرفة. العالم العربي وصل إلى الذروة في قديم الزمن لأنهم كانوا يهتموا بالمعرفة، بس عشان نعرف، بس، مش عشان استفيد أو أجيب فلوس أو أجيب قروش أو.. أو دولارات، عشان أعرف، إن ما كانش أنا عندي الحس بإن المعرفة مهمة السلام عليكم، هنفضل خربان، أو أنا شعرت، عندي حس أن المعرفة في حد ذاتها -وإن لم يكن فيها أي فائدة- مهمة يبقى أنا هأوصل إلى أعلى الدرجات.

ابتدينا دراسة الصحراء ابتديت أشعر بالحنين لبلادنا، فالرحلات الجيولوجية للصحاري يعني طمأنت هذا الحنين الأجيال اللي قبلنا لما جت هنا بقى يحاولوا يخفوا إنهم عرب، وحتى لما يُسألوا أمال منين يعني واحد مثلاً يقول: من لبنان، أو يقول من سوريا، وما يقولش كلمة "عربي" خالص ولا ينطقها عشان متخوفين إنهم مش هيعرفوا يعيشوا مع الناس دي، لأن الناس دي كلها يعني متماشية مع إسرائيل وكلمة عربي دياً معناها إنك زي الزفت، فكانوا بيتخوفوا منها. إنما الجيل بتاعنا لما جينا هنا ما كانش فيه أنا.. فينا أي واحد ناوي يعيش هنا خالص، إحنا جايين نتعلم ونرجع أنا ما كانش فيه أي فكر عندي إن أنا هأعيش في أميركا إطلاقاً، وأنا خلصت الدكتوراه وتزوجت من زوجتي الأميركية وقلت لها: إحنا رايحيين على مصر وهنعيش هناك طول عمرنا.

الهجرة فرضت علي، يعني أنا لم.. يعني ما كنتش عندي فكرة الهجرة أو ما كنتش بأخطط له إطلاقاً، كان عندي مأزق، وكان الهجرة مخرج من مأزق ما كانتش مخطط.

ذكرياتي للفترة ليه أليمة؟ بس لإن أنا ما عملتش اللي أنا كنت عايز أعمله لمصر، يعني أنا لم.. لم أتأثر يعني دي ما أثرتش على.. على حبي للبلد وحبي للناس وحبي لـ.. وولائي للبلد وللعرب أو كذا، كان ممكن جداً يعني أقول: دا هم اللي طردوني، هم علموا كذا، يلعن أبوهم. ممكن، بس لا.. لا ما أثرش أنا في خالص أثر في فقط لا غير لأن أنا لم أفعل ما كنت متصوراً أن أفعله لمصر في مصر.