ضيف الحلقة:

د. مصطفى الهلالي: أستاذ جراحة المسالك البولية

تاريخ الحلقة:

29/08/2003

- ذكريات مصطفى الهلالي في صعيد مصر
- دخوله كلية الطب وتخصصه في جراحة المسالك البولية

- أهم أبحاثه واكتشافاته في مجال جراحة المسالك البولية

- معنى الهجرة عند البروفيسور مصطفى الهلالي

د. مصطفى الهلالي: من أهم الجوائز اللي أنا حصلت عليها في حياتي كانت أولاً وسام الاستحقاق اللي الرئيس أنور السادات منحه ليَّ سنة 1980، ودا هو كان بعد ما أنا غايب عن مصر من سنة 65، فيعني 15 سنة بعد سفري، ودا هو كان نتيجة إن.. حتى ولو إني ما رجعتش بعد ما.. ما سافرت لمدة سنة، ودا هي كان ممكن تبقى نقطة سوداء في حياتي إن أنا استمريت بمحاولات عديدة إن أنا أمرن دكاترة مصريين معايا زي ما قلت كأني بأدفع الدين اللي عليَّ.

المعلق: ومع أن البروفيسور مصطفى الهلالي يتوقف وباعتزازٍ كبيرٍ عند هذا التكريم الذي منحه إياه الرئيس أنور السادات، غير أنه يتجاوز بتواضعه الجم سجلاً من التكريم والأوسمة التي حازها تقديراً لكفاءته المهنية وجهده العلمي، فبالإضافة إلى 24 تكريماً عالي المستوى كانت كندا قد منحته في العام 2001 وسام الدولة من الدرجة الأولى وهو أرفع وسام تمنحه الدولة الكندية لمواطنيها، ومن قبل ذلك كان طلابه من جراحي مصر قد منحوه لقب الرئاسة الفخرية لجمعية الجراحة المصرية مع وسامها الذهبي إضافة إلى العديد من أشهر جمعيات الجراحين في العالم التي منحته شهادات التكريم إكباراً لدوره.

ذكريات مصطفى الهلالي في صعيد مصر

د.مصطفى الهلالي: من ناحية ذكريات الطفولة يعني تبدأ في أيام ما كنت في أسيوط، في هذه الفترة كان سني حوالي 6، 7 سنوات، والكلام دا هو كان قبل السد العالي، فكانت أسيوط لسه برضو فيها مزارع كثير وكان أثناء الفيضان المية تنزل في.. في هذه المزارع وكان البيوت بتاعتنا في وسط المزارع فكان في وقت من الأوقات مثلاً الجنينة اللي هي جنب.. جنب البيت تبقى فيها مية بحيث إن إحنا ناخد مركب فلوكة ونروح نتفسح مثلاً بالليل، كان مثلاً ممكن تخرج من شباك أوضة وعلى المركب مثلاً، فدي كانت ذكريات (جميلة) لأنه طبعاً بعد السد العالي كل دا بِطل وكل المناطق اللي هي الزراعية دلوقتي في أسيوط أصبحت مباني عالية وجامعة وخلافه، في هذه الفترة أنا كنت.. كنا.. كنت أنا ووالدي ووالدتي وأخويا كنا عايشين في شارع اسمه شركة (أولتا)، وشركة (أولتا) لغاية دلوقتي لسه موجودة برضو في أسيوط بس أصبحت طبعاً متغيرة كثير يعني، آخر مرة شفتها من قيمة سنتين.. ثلاثة ما عرفتهاش، وكان عايش معانا في نفس الوقت المرحوم جدي اللي هو أبو بابا، وكان هو يعني عاش طول عمره في أسيوط وكان له قصص وحكايات كثير جداً فهو كان.. لما كان معانا كان أُصيب بالشلل، لكن كان فيه فترات من الفترات بيبقى هو يعني صاحي وكويس ونقعد أنا وهو على البلكونة ويحكي لي قصص أيام شبابه وأيام إزاي صرف أغلب ثروته على استكشافات في الصحراء الغربية، كان بيروح يدوَّر على ألماظ، أياميها، كان أياميها فيه بدل ما.. فيه الواحد بيدور على دهب في كاليفورنيا كانوا بيدوروا على حجر في صحراء بحيث إنك لو تكسر الحجر تلاقي داخله ألماظ دا طبعاً كان حلم يعني ما.. ما حدش شاف ألماظ، لكن بالطريقة دا هي هو صرف أغلب ثروته على إن هو بيتتبع هذا الحلم، ومن ضمن الحاجات اللي كان بيحكيها لي إن هو كان بيخرج مثلاً في رحلات طويلة في الصحراء مع طبعاً كل الحراس وخلافه، وكان بيجي لهم ساعات بالليل ناس يجوا يزوروهم، فمن ضمن الزوار كان واحد من أشهر المجرمين في هذا الوقت اللي هو كان الخُط والخُط جه مثلاً قعد عندهم يومين وجدي استضافه وأصبحوا أصدقاء يعني يمكن يتكلموا مع بعض ويحكوا قصص، فدي من ضمن الحاجات اللي الواحد ما بيقدرش ينساها طبعاً.

دخوله كلية الطب وتخصصه في جراحة المسالك البولية

المعلق: بالصعيد الأوسط من مصر في محافظة أسيوط كانت ولادته ونشأته حتى أتم التوجيهية والتحق بالكلية الأميركية الثانوية بالقاهرة، وتخرج منها بتفوق، كان دافعه الالتحاق بالجامعة لدراسة الحقوق على ما درجت عليه العائلة التي عُرفت باشتغالها بالسياسة والمحاماة، غير أن رغبتها ألحَّت عليه في تغيير توجهه نحو دراسة الطب لكسر القاعدة، فالتحق بكلية الطب بجامعة القاهرة وعن غير ما رغبة كاملة تخرج منها طبيباً بتسلسل كان الخامس على دفعته، وحالت رغبة أساتذته دون تخصصه في الأمراض النسائية والتوليد ليختار مجبراً جراحة المسالك البولية ليلمع فيما بعد كواحد من أعلام هذا التخصص.

د.مصطفى الهلالي: من ضمن الحاجات اللي برضو غيرت كل مجرى حياتي هو اختيار الكلية اللي أنا هأخش فيها، ففي سنة 52 وأنا بأقرر هأروح فين من ناحية الجامعة، أول حاجة جت في دماغي إن زي بقية العيلة عندنا إن أنا أخش وأبقى محامي، فوالدي ما كانش عايز إن أنا أبقى محامي، كان بيحاول يقنعني إن أنا أخش كلية الطب، ودي لها قصة أخرى وهو إن والدي كان المفروض إن هو يبقى دكتور، ووالده ووالدته قرروا إنهم يضحوا ويبعثوه إنجلترا يتعلم عشان يبقى دكتور، ليه؟ لأن في عيلة الهلالي ما كانش فيه أي دكتور، وكانوا عايزين واحد من العيلة يبقى دكتور، فراح إنجلترا ودخل أول سنة طب وما حبهاش إطلاقاً، فدخل الامتحان بعد أول سنة سقط بجدارة، وغيَّر من بقى من ناحية إن هو يبقى دكتور إنه دخل في كلية التجارة، وأخذ دبلوم التجارة ورجع مصر، وهمَّ كل أهله فاكرين إنه هيرجع دكتور، رجع قال لهم: لأ، أنا مش دكتور، معايا شهادة لكن مش هي دكتور، هأبقى محاسب، ودخل فعلاً في مكتب المحاسبة، وبعدين بقى مدير مصلحة الضرايب في أسيوط وفي القاهرة بعد كده، فدي من ضمن القصص اللي هي كان بيحاول بقى إنه يقنعني بنفس الطريقة اللي هو ما.. ما عرفش إنه يعملها، فقال: لأ، أنت لازم تبقى دكتور، قلت له: لأ، أنا عايز أبقى محامي، فعشان يحسم في هذا، قال لي: طب نروح لعمك ونسأله، فعمي اللي هو يبقى ابن عم والدي يعني أحمد نجيب الهلالي كان رئيس وزراء في هذه.. في هذه الفترة، فقال نروح نسأله، ونشوف هو هيقول لك أيه، فرُحت قابلت عمي، وكان طبعاً لي احترام.. له احترام كبير عندي، فبأقول له إن أنا عايز أبقى محامي، قال: طبعاً لو أنت عايز تبقى محامي ده كويس، وتبقى تأخذ مكتبي، لأن أنا عندي مكتب محاماة كبير وخلافه، وتبقى تشتغل فيه، لكن أنصحك إنك تبقى دكتور، وبعدين لو أنت عايز تبقى محامي ممكن برضو تأخذ شهادة ثانية للمحاماة وتبقى.. ليه؟ لأن فيه جزء من المحاماة دلوقتي بيعتمد كثير على معلومات الطب وخلافه، فأقنعني بهذه الطريقة، فقررت إن أنا أخش كلية الطب، ودخلت فعلاً كلية الطب، وكلية الطب في مصر كانت لغاية دلوقتي برضو لسه أطول من غيرها يعني كانت ست سنين ونص، فكان.. كانت سفر طويل وإرهاق وخلافه، وبعد ما تخرجت من كلية الطب، وكان تقديري في هذا الوقت الخامس على دفعتي، وبالطريقة دا هي كان ممكن إن أنا أطلب أي نيابة، والنيابة هي اللي بتؤدي إلى التخصص اللي أنا عايزها، فقررت إن أنا هأبقى دكتور أمراض نساء، فدخلت الامتياز وبأعمل كل (Rotations) يعني اللي هي الدورات في مختلف الأقسام علشان إن أنا آخذ نيابة أمراض نساء، وبما إن أنا الخامس على دفعتي أنا ممكن اختار زي ما أنا عايز، فبالصدفة في هذه.. في هذه الدفعة كان فيه ثلاثة من زملائي أولاد أطباء ورؤساء أقسام في قسم أمراض النساء، وكانوا عايزين هم الثلاثة يبقوا دكاترة أمراض نساء زي أبهاتهم، لكن أنا طبعاً كنت هألغي واحد منهم، ليه؟ لأن أنا قبلهم من ناحية الترتيب، ولو أنا اخترت كده يبقى الثالث فيهم مش هيخش، فأستاذ أمراض نساء أمراضيأمرنسبكنمشتيجه وقال لي: لو أنت عايز إن التقرير بتاعك بتاع أمراض النسا يبقى كويس عشان تأخذ النيابة اللي أنت عايزها لازم توعد أنك ما تخشش أمراض نساء، فده كان زي (blackmail) يعني أنك يا إما تاخذ كده، يا إما تأخذ كده، فطبعاً قررت إن أنا آخذها من قاصرها وبلاش أمراض نساء على الأقل أبقى أخصائي لأن.. ممكن يدوني صفر في.. في.. في الدورة ده هي، وخلاص أفقد بقى أي حق في النيابة، فأيه كان الاختيار الثاني؟ هو جراحة المسالك البولية.

المعلق: في العام 1959 تخرج الدكتور الهلالي من جامعة القاهرة وحتى العام 63 كان قد أتم (الماجستير) وشهادتي دبلوم الجراحة ودبلوم جراحة المسالك البولية لينضم إلى هيئة التدريس بكلية طب القاهرة لثلاثة أعوام، سافر بعدها إلى كندا متمتعاً بإجازة علمية ليستكمل بحوثه في التخصص بجامعة (ماكجِّيل)، ومع نهاية العام فصلته جامعة القاهرة ليجد نفسه مجبراً على استكمال بحوثه التي نال عنها شهادة الدكتوراه ليعمل في التدريس بجامعة شيربروك حتى نال درجة الأستاذية، منحته في العام 97 درجة (Amirsits prophesier) بروفيسور، وهي أعلى درجة علمية في تسلسل درجات الهرم الأكاديمي.

د.مصطفى الهلالي: بعد ما خلصت الدكتوراه في سنة 69 اتعينت أستاذ مساعد في جامعة (شيربورك) اللي هي حوالي 80 % من.. من المنطقة، وقعدت هناك حوالي 14 سنة تقريباً، في خلال الـ14 سنة دولا همَّ استمرينا نعمل أبحاث، ووصلت إن أنا بقيت أستاذ ورئيس قسم جراحة المسالك البولية هناك، وجيت (مونتريال) عشان أبقى رئيس القسم سنة 82، فيه بعد كده هو من سنة 82 إلى النهارده أنا رئيس قسم جراحة المسالك البولية في جامعة ماكجيل، ودا هي عندنا أربع مستشفيات: الرويال فيكتوريا، المونتريال جينرال، (المستشفى الإسرائيلي)، ومستشفى أطفال، وعندنا في كل مستشفى جراحين مسالك بولية تحت إدارتي وتحت مباشرتي، حوالي.. عندنا حوالي 20 جراح مسالك بولية زائد سبعة علماء في.. في المعامل اللي هي بتعمل أبحاث.

جامعة ماكجيل من ضمن الجامعات القديمة جداً في أميركا الشمالية، بنرجع 150، 200 سنة كانت واحدة من عشر جامعات اللي هم كانوا بيسموا بالإنجليزي (أيفيليج) أيفيليج يعني الجامعات المميزة مثلاً، واستمرت في خلال المائة سنة الماضية إنها تتميز وتكبر وتمنح فرص تعليمية في.. مش بس في أميركا الشمالية، بس في جميع أنحاء العالم، ومش بس في الطب، بس برضو في فروع أخرى زي العلاقات الخارجية، زي الآداب والمحاماة وخلافه.

الجامعة.. كلية الطب من ضمن عشر كليات طب في.. في كندا، ومن ناحية كمية الأبحاث اللي بتتعمل في كلية الطب في جامعة ماكجيل إحنا من.. إحنا وتورنتو دايماً جامعة تورنتو وجامعة ماكجيل بيتنافسوا مين اللي أخذ كم مليون دولار أكتر من التانية في الأبحاث في السنة دي، فيا إما نمرة واحد يا إما نمرة 2، بص لكمية الطلبة مثلاً، إحنا الطلبة اللي بندخلهم عندنا في السنة في كلية الطب هنا هو حوالي 120 طالب هيزيدوا لـ160 اللي هو أقصى حد، لما نتخيل 160 طالب في 4 سنوات يعني كل اللي عندنا 600 طالب في كلية الطب، فيه 3 آلاف أستاذ بيعلموا، فدا هي بتدي لك فكرة عن كمية الاستثمار اللي الجامعة بتعمله عشان خاطر توفر التعليم الكامل للطلبة، ولذلك لما الطالب يتخرج من جامعة ماكجيل هو ما فيش حد بيسقط يعني اللي يبقى من النادر إن واحد من الطلبة ما بيخلصش لأنه يا إما مثلاً وجد إنه عايز يختار حاجة تانية، لكن الطالب اللي بيخش كلية الطب دايماً بيتخرج.

أهم أبحاثه واكتشافاته في مجال جراحة المسالك البولية

المعلق: منذ وصوله إلى كندا وحتى اليوم وعلى مدى ثمانية وثلاثين عاماً ركز البروفيسور مصطفى الهلالي جُلَّ اهتمامه على علاج أورام غدة البروستاتا حتى صار يُعرف كواحد من أربعة أمهر جراحين في العالم من المتخصصين في استئصال غدة البروستاتا المصابة بالسرطان بطريقة وأسلوب جراحي غير تقليدي باستخدام تقنية الليزر، وقد كان للبروفيسور الهلالي فضل اكتشاف جهاز جديد ينظم عمل العضلات المسؤولة عن إفراغ المثانة في حالات الإصابة بالشلل وغياب الوعي لفترات طويلة، ويُعد هذا الجهاز ثمرة للخبرة المتراكمة للدكتور الهلالي الذي أنفق عشرين عاماً من عمره على تجربته حتى دخل حيز الاستخدام الطبي.

د.مصطفى الهلالي: من ضمن الحاجات التانية يعني اللي أنا فخور بها إن ولو إني كنت قربت على سن التقاعد ولكن حصل تطورات في علاج تضخم البروستاتا بالليزر، ودا هو كان عملية كانت وصفت من 2 أطباء جراحين مسالك بولية من نيوزيلندا وهم اتنين أصدقاء ورحت قعدت معاهم فترة وتعلمت هذه العملية، الكلام دا هو دلوقتي من 5 سنين تقريباً، في هذا الوقت أنا كنت وصلت 60 سنة، فكان ده يعني تقريباً سن التقاعد، ولكن ما حدش تاني كان عايز يمضي الوقت اللي محتاج للتدريب فأنا رحت وتعلمت هذه الطريقة، ومن.. من.. من سنة ما رجعت اللي هو كانت سنة 98 بعد التدريب بدأنا إن إحنا ندخل هذه العملية هنا عندنا في المستشفى وأصبحنا واحد من 3 أو 4 Centers في العالم اللي ممكن نقول إنها بتعمل هذه العملية بطريقة كويسة وبطريقة تسمح إن إحنا نعمل أي حجم من أحجام البروستاتا وفيه مرضى حالتهم الصحية بتكون لا تسمح بإنهم يأخدوا عملية أخرى، وفي خلال الخمس سنين دولا هم عملية الليزر دا هي إحنا بنعملها دلوقتي يومياً بحيث إن أنا عندي حوالي 600، 620 مريض اتعملوا بهذه الطريقة والعملية اللي أنت شوفتها النهارده الصبح كانت واحدة من العمليات دا هي، دا مريض سنه 75 سنة ما يستحملش إن يتعمل له عملية بطريقة الفتح، وكان عنده بروستاتة تقريباً بحجم البرتقانة وعملناها عن طريق المجرى الطبيعي، والمريض يروح بكرة من غير قسطرة ويرجع لحالته الطبيعية، فدا تَغيُّر جذري وإحنا بنعلمها دلوقتي لكل النواب بتوعنا بحيث إنهم لما يتخرجوا يقدروا يستعملوا هذه الطريقة اللي هي هتبقى بديلة للعلاج البروستاتا تضخم البروستاتا الحميد مش في حالات السرطان، دي في حالات التضخم الحميد اللي هي ممكن تتعمل عن طريق المجرى الطبيعي.

معنى الهجرة عند البروفيسور مصطفى الهلالي

المعلق: نهرٌ هي الحياة وماءٌ جار إن سال طاب وفي توقفه تبدُّلٌ للصفات، نهرٌ ماءه نحن البشر وقليل منا من يستحيل إلى روافد تغني مجراه، نهرٌ ضفته الأولى بدايات وحشد من المتفرجين وعلى الضفة الأخرى قد يكون الحلم بتحقق الذات وفهمها على الوجه الذي ينبغي، ووصول ليس يدركه غير الذي بدأ الرحلة إلى داخله عميقاً في قراءة نفسه قراءة بعدها يسهل فهم الحياة، وسر جريان النهر وزهوة الماء والطير، وسر خلق البشر ليعرف عندها الإنسان طريق الوصول إلى ما هو ميسَّر له بقناعة ورضا وقبول.

د.مصطفى الهلالي: قرار الهجرة من أصعب القرارات اللي ممكن الواحد يأخذها، ليه؟ لأنها ما هياش إنك أنت مسافر فسحة أو رايح بعثة أو مهمة دراسية هتمضي فيها سنة أو اثنين وترجع، ده قرار بأنك بتقطع طريق العودة وبتختار مكان جديد علشان تعيش فيه، وده كان من.. من أصعب القرارات اللي الواحد كان ممكن يأخذها، ليه؟ لأن في هذه الفترة لما أخذت أنا هذا القرار وده هو كان في تقريباً حوالي سنة 67 كان الدخول والخروج من مصر ما كانش بالسهل، فحتى الزيارات كانت مش.. بتبقى صعبة وبما أن.. بما أن الهجرة ما كانتش معمولة من.. من مصر، فكانت معمولة هنا في كندا، فكانت هتؤدي إلى انقطاع في مقدرتي على إني أسافر.

الحاجات الأساسية اللي هي بتخلي الواحد يتألم من الهجرة وهي: أولاً: إن هو بيفقد أصدقاؤه.

ثانياً: بيفقد اتصاله بعيلته، بالعادات والقيم المختلفة اللي الواحد واخد عليها.

وكل الحاجات دا هيَّ من الصعوبة إن الواحد يتأقلم عليها بسرعة، فأول حاجة بتحصل إن الواحد بيحس بوحدة، بيحس إن هو منقطع عن أهله وعن أصحابه، بيحس إن ما فيش نفس الارتباطات اللي.. اللي بين الناس وبعضها، ليه؟ لأن العادات عندنا في مصر مثلاً لو أنت مريض لازم أهلك ييجوا يسألوا عليك، لازم كل واحد يكلِّمك في التليفون، هنا هوا لو أنت مريض هم خايفين يضايقوك فتبقى قاعد لوحدك مثلاً يومين تلاتة في البيت ما حدش.. التليفون ما بيضربش، ودا كان من ضمن الحاجات اللي في الأول كانت بتؤثر على الواحد كتير، يعني أعطي لك فكرة مثلاً كنت مريض أخيراً من قيمة كم سنة والتليفونات اللي كانت بتجيني كانت بتجيني من مصر أكثر ما كانت بتجيني من أولادي هنا في كندا، يعني بنتي في مصر أو أخويا في مصر بيتكلم كل يوم مرتين، أولادي هنا هو بيقول لك ما دام ما فيش أخبار يبقى ما فيش أخبار وحشة، فدي.. دي من الحاجات اللي هو العوايد اللي بتؤثر شوية في الواحد.

من ضمن الحاجات يعني عشان أدي لك فكرة برضو إن الهجرة إزاي بتكون صعبة بعد ما المرحومة والدتي توفت ووالدي كان عايش لوحده في مصر تقريباً وكان بيجي يزورنا وخلافه وكان يعني حالته الصحية ابتدت تحتاج إلى عناية أكتر وأقنعناه إن هو يقبل إن هو يهاجر لكندا، وفعلاً عملنا كل الورق وحصل له موافقته وكل حاجة وبيوم ما.. هو قبلها بيومين تلاتة قبل السفر وكانت شنطه كلها جاهزة و.. الباسبور بتاعه جاهز وخلافه القدر حقق إن ربنا برحمته.. لأنه توفى في هذا اليوم، ليه؟ لأنه يمكن ما كانش عايز أنه يتوفى ببلد غربة وكان عايز يندفن في بلده، زي ما كلنا إحنا هنا وإحنا مهاجرين، برضو الواحد بيعيش بره، لكن لو.. لما العمر بينتهي، ومن ضمن الإرشادات اللي الواحد بيقولها للأولاد إن أنا عايز أندفن في بلدي، فدي من ضمن الحاجات العاطفية، يعني الواحد ما يقدرش يتغير عليها، مهما كانت المعيشة سهلة أو رغدة أو إن كل حاجة متوفرة أو خلافه.

يعني الغربة لها ناحيتين ناحية اللي هي الألم من ناحية فقد الأهل والأصحاب وخلافه وطبعاً مميزات أخرى اللي هي الإنجازات وطريقة المعيشة وخلافه، اللي بتغري الإنسان إنه يهاجر.

المعلق: كل صمت في الحياة يوحي بمكنونه من تجارب وليس كل الصمت صمت، فهناك صمتٌ عن تجربة هو في أصله صمتٌ حكيم، وثمة صمتاً على تجربة يشبه سلوكاً عاماً وهناك صمت الصمم، فهل يلام الطير إذا ما اشتهى انفراد العزف خارج السرب شدواً من غير أذى؟ وهل يُلام الغيم إذا ما جاد فوق ماء المحيط؟ فلماذا يُلام العقل إذن عندما يستبد احتراماً لكرامته فيرحل صوب ما يحققها قصداً ومطلب، حكمة متى سيدركها سراة القوم ليوقفوا هجرة هذه العقول؟

د.مصطفى الهلالي: السؤال الأخير اللي الواحد يسأله لنفسه: هل لو عجلة الزمن رجعت لسنة 65 وهي السنة اللي أنا جيت فيها لكندا أو سنة 67 السنة اللي أنا قررت إن أنا أطلب الهجرة فيها، هل كنت أغير أي شيء، والإجابة على هذا السؤال سهلة بالنسبة لي، ليه؟ لأني في خلال الـ38 سنة اللي ماضية أنا حققت كل ما يمكن إن أنا أطلبه إن أنا أحققه في حياتي من الناحية العلمية أو من الناحية العائلية أو من الناحية العاطفية أو من الناحية الاجتماعية، فهذا الشعور بيخلي الواحد حاسس إن هو عمل.. أخذ القرار الصحيح وإنه في حياته أدى اللي هو عايز يعمله وأدى خدماته للمجتمع وخدماته للطب وخدماته لزملائه ودا هي أهم حاجة الواحد هيتقاعد بها إن هو ما كانش ممكن يعمل أكثر من كده، ودا شعور جميل جداً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.