ضيوف الحلقة: إبراهيم النشاشيبي: فنان وأديب فلسطيني
تاريخ الحلقة: 12/12/2003

- القدس في وجدان الفنان إبراهيم النشاشيبي
- مراحل حياته وتنقله بين البلدان
- تحوله للرسم وتركه المحاماة
- أهمية الفن عند إبراهيم النشاشيبي

إبراهيم النشاشيبي: السلام عليكم> أنا حظي حلو كثير، إنه أنا وُلدت في القدس، هناك قلبي، عقلي، روحي نمت وترعرعت في جو يعني أغنى من هيك لا يمكن الإنسان يتصوره، وحظي كمان حلو إنه أعيش في مدينة جميلة طقسها بيشبه القدس، روحها بتشبه القدس، وأنا في كل يوم بأفيق وأنا بأفكر في وطني وبأعيش بقية يومي وبأفكر في المجتمع الجديد اللي أنا عايش فيه، فبالنسبة لإلي بأعيش حياتين، حياة روحية مرتبطة وملتصقة مع القدس، وحياة جسدية عم بتعيش الحياة اليومية اللي هي الإنسان العادي بيعيشها كل يوم، أنا كثير سعيد إنه أُتيحت لي الفرصة إنه أكون معكم وأتحدث معكم، هيك بأحس إنه أنا ما انفصلت عن أبناء وطني وعن بلدي، هون سان دييجو –زي ما قلت- هي عبارة عن نتيجة الحضارة اللي أسستها وبنتها الثقافة العربية والإسلامية.

أهلاً وسهلاً فيكم، ولنبدأ المشوار.

المعلق: ما بين القدس وسان دييجو رحلة امتدت لأكثر من عشرين عاماً قضاها الأستاذ إبراهيم النشاشيبي متنقلاً بين ست محطات، ابتدأها بالأردن حيث أتم دراسته الثانوية بثانوية رغدان بعمَّان، ثم يوغسلافيا ليدرس الطب الذي لم يرق له، ثم بيروت ليدرس الحقوق، وبعد نيله شهادة الليسانس سافر إلى الإسكندرية بمصر لإتمام دراساته العليا في القانون، وعاد من هناك إلى الأردن ليسافر إلى الكويت، وبعد ثمانية أعوام قضاها بالعمل هناك انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل مديراً لفرع إحدى شركات التأمين حتى العام 87 العام الذي سافر فيه إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث طاب له المقام في مدينة سان دييجو منذ العام 88 وإلى اليوم.

القدس في وجدان الفنان إبراهيم النشاشيبي

إبراهيم النشاشيبي: القدس بالنسبة لإلي –زي ما قلت- هي مش مدينة، هي أم، فعلشان هيك كنت أحب أتعرف على أمي، فكنت أمشي في كل شوارع البلد القديمة، وأعرفها حجر حجر، يعني هلا أنا بأقدر أرسم لك إياها حجر حجر كنت أنا أجي في الليل متأخر أشوف في الاحجار تبعة القدس عيون الناس اللي إجوا عاشوا قبلنا، كنت أشوفها كلها عيون شرقية وعيون عربية، فكانت دائماً القدس مرسومة في ذهني على إنها الناس اللي بيعيشوا فيها ما بيموتوا، بيتنُّهم موجودين في احجارها وفي أبنيتها، أماكن أخرى كانت تؤثر فيَّ الأماكن الدينية، تصور إنك أنت كطفل عندك الحظ بأنك تروح على المسجد الأقصى وتمشي فيه، لا.. يعني مافيش حدا بيقدر يفهم السر والسحر اللي بتشعر فيه بمجرد أنك تدخل أبواب المسجد الأقصى، تصبح إنسان آخر، يعني أنت تحب نفسك وكأنك لأول مرة بتحب نفسك، كطفل كنت أفكر شو بأقدر أعمل للقدس؟

القدس حبيبتي، القدس أمي، وكانت هذه الأسئلة ما حداش من عمري يقدر يحل لي إياها، فكنت أحب أكون مع الكبار أسمع منهم الأخبار، لأني كنت أحس إن هم اللي بيقدروا يحددوا لي الإجابات اللي أنا بأحتاجها، من شان أفهم علاقتي مع القدس، علاقتي مع فلسطين، علاقتي مع الوطن، ليش ما عندنا وطن؟ كل هاي الأمور كنت أروح آخدها من الكبار.

كنت محظوظ كثير إنه فيه إلي عمة اسمها ثريا، هذه هي اللي دخلتني على العالم كثير ومازالت، هي رحلت –الله يرحمها- ولكن مازالت تؤثر علي حتى في عمري هذا، عمتي ثريا كانت تحس بأنه أنا شوي منزوي ما بألعبش مع كثير أطفال، وكانت تسألني أيش مالك؟ ليش أنت يعني ما بتلعب مع ولاد عمك مع الأطفال، مع الجيران؟

قلت لها: أنا خايف أموت، ومش عارف أنا أسئلة كثيرة في حياتي معذبتني، فهي قالت لي (أوف) هذه شغلة سهلة، بدكش تموت؟ قلت لها لأ بديش أموت، أنا كطفل فكرت إنه بدها تعطيني شيء أشربه أو آكله أكسير الحياة وما أمتش، فقالت لي اسمع إذا أنت عملت أشي كويس لوطنك وللدنيا وللإنسانية وللبشرية الناس راح تحبك، وراح يحطوك في التاريخ، ولن تموت أبداً، فهذه فكرة يعني كثير حلوة، بس ما قالت ليش هي شو اللي لازم أعمله، فقعدت أفكر وتنَّت هذا السؤال داير في راسي.

المعلق: قد تخطئ الذاكرة أو قد يُزوَّر التاريخ غير أن للأماكن ذاكرة مهما غُيبِّت معالمها تبقى حجارتها شاهداً على تاريخها، تاريخ يستحيل شراء ذمته وعلى مر أعوام عمره استقرت القدس في نفسه كسؤال كبير لا يشبع من إجابة، سؤال ظل يكبر في داخله ويكبر معه كرفيق عمر، وكلما زاد اتساع البعد والمسافة بين إبراهيم النشاشيبي وبين القدس كان تعلقه بالقدس المدينة يزداد قرباً وحميمية مع الأيام ومع القدس فلا عجب، فنفحة بركاتها منة من الله عليها وعلى ما حولها نعمة باقية ما دامت الأيام.

مراحل حياته وتنقله بين البلدان

إبراهيم النشاشيبي: المهم في فترة بعد التوجيهي، بيجي أنت أولاً لا تختار ما تدرس، يعني أنا ما كنت أعرف شو اللي بدي أعمله، فبتيجي بتتذكر إنه طول عمرك بيقولوا لك مثلاً أمي بتقول لي أنت دكتور وأبوي بيقول لي أنت محامي، فحبيت إنه أبلش أرضي أمي، فسافرنا على يوغسلافيا على أساس إنه أدرس طب، وقعدت في يوغسلافيا سنة، لكن بعد فترة اكتشفت إنه أنا بأقدرش أكون طبيب، يعني أنا إذا بأدخل المستشفى أزور المريض بيحطوني جنبه، لا أستطيع أن أتعامل مع الدم، فقلت يمكن أبوي معه حق، يمكن أنا محامي، فانتقلت.. اتصلت في الوالد، وقلت له أنا راجع بدي أرجع وبدي أدرس محاماة، من يوغسلافيا إلى بيروت، وأبوي حقق اللي بده اياه ودرست المحاماة، بيروت يعني.. أو لبنان بشكل عام أعتقد إنه كان إله أكبر تأثير عليَّ فحبيته، حبيت بيروت كثير، بيروت علَّمتني الحب، علمتني الحياة، علمتني الشعر، علمتني الأدب، علمتني الثقافة، فيروز، وديع الصافي، الجبل، كل هاي الأشياء كانت مهمة كثير في حياتي، ولما حبيت كتبت:

وكأن القمر قد انتصف

نصف يسكن وجهك

ونصف يطل على القدس

أنتِ والقدس توأم حبي

أنتِ والقدس توأم حبي

كان عندي دايماً الإحساس بأنه أنا ما بأقدرش أحب مدينة أخرى وعالم آخر إلا القدس، بس لبنان غيَّر لي هذا التفكير، يعني الشعر والأدب وأنا عشت في لبنان من 68 لـ73، هاي الفترة اللي كانت لبنان أجمل المدن وأقوى ثقافة وحضارة، وشيء غير عادي يعني، ولبنان خلاَّني أحب إني أرسم، الجاليريز Galleries اللي موجودة في لبنان، مستوى الفن شيء راقي جداً، كنت أنا من أنا صغير بأعرف إنه أنا بأعرف أرسم، هذه المعلومات إنه أعرف أرسم.. أعرف أكتب موسيقى، هاي المعلومات الموجودة معي من أنا صغير، عمري ما رسمت، بس كنت بأعرف إنه أنا بأقدر إنه أرسم، من فين هذه أجتني؟ لا أدري.

طبعاً وأنا كنت صغير حاولت الرسم، بس بتعرف واحد من كبار العيلة إجا يزورنا فأخذت رسمة كنت واخدها من مجلة لأم كلثوم رحت فرجيته إياها، فقال لي: شو أنت بتضحك عليَّ، أنت شفيتها شف هذه، أنت ما رسمتهاش، وبعدين وقفت إني أرسم، لا لبنان عاود أحيا هذا الموضوع في.. في داخلي، فيوم طلع ديوان جديد لمحمود درويش، رحت أشتريه في جيبتي ما فيه مصاري كثير، يا دوب حق الكتاب، دخلت على المكتبة، وتعرف في بيروت أو في الشرق الأوسط بشكل عام المكتبات برضو بتبيع أدوات رسم، شيء في داخلي خلاني أبطَّل أشتري كتاب محمود درويش وأروح أشتري ورق وألوان وفرشاية، رجعت على البيت، فزوجتي قالت لي.. كنت متزوج مع إنه 21 سنة يعني، على كلام أبوي إنه أنا جبت شهادتين، شهادة الجامعة وشهادة الزواج مع بعض، هاي شطارة، فاللي حصل إنه قالت لي: إيش هادول؟ قلت لها: دُولا ألوان وفرشاة وبدي أرسم، قالت لي: أنت ما بتعرفش ترسم، قلت لها: أنا أعرف إنه أنا بأعرفش، بس في داخلي بأعرف إنه بأعرف، وعملت أول لوحة.

[فاصل إعلاني]

تحوله للرسم وتركه المحاماة

المعلق: ومع أول لوحة وأولى ضربات الفرشاة وبعد ثمانية وثلاثين عاماً اكتشف إبراهيم النشاشيبي صوته الداخلي وصورة الفنان الساكن فيه، وتلمَّس بدايات الطريق للتعارف مع ذاته الفنانة، وعبر الألوان ومساحاتها على رقعة اللوحات عاش التآلف فيما بينه وبين الفنان الذي بداخله ليبدأ رحلته مع الفرشاة والألوان مبتعداً عن مهنته في المحاماة إلى رحاب الفن الذي وجد فيه لغةً للتعبير التي استطاعت بألوانها ومفردات الصمت في ثناياها أن تقرِّبه من أول الطريق للإجابة على السؤال الذي حمله على مدى سنوات، ذلك السؤال عن القدس وعلاقة العشق التي تربطه بها.

إبراهيم النشاشيبي: الفن كان هو الحقيقة في الـ88، وكان عبارة عن تحوُّل جذري في حياتي، يعني بالتحديد يمكن أكثر هدية عطاني إياها الله، الحمد لله، لأنها عرَّفتني مين أنا، وفتحت آفاق كثيرة، يعني كنت أفكر حالي إنه أنا سعيد، أما السعادة من بعد الفن فلا حدود لها، لأنه بتعطيك المجال بأنك تتكلم شو اللي بتحس به، شو اللي بتحاول تحكيه، ووجودي في أميركا أو هذه الهدية المهمة إنه أنا بأتكلم مع الشعب الأميركي والشعوب الأخرى اللي لما بأسافر وبأعمل مَعَارِض، يعني لما أنا بآجي في سنة الـ88 وفوراً بأقرر أعمل أول معرض، كان فبراير/شباط 89، لما آجوا بعثنا دعوات، بعثنا ( Press release) للصحف والتليفزيون والإذاعات، وإجوا.. وإجوا، وشافوا هذا المعرض، وكان نجاح غير عادي، أنا شخصياً ما كنتش متوقعه، وكان فيه خوف يعني كيف بدهم يتلقى المجتمع الأميركي والصحافة والإعلام لمعرض لواحد فلسطيني، واسم المعرض: "من القدس إلى العالم"، وكان نجاح غير عادي، وبدأت الصحافة تكتب والمجلات تكتب، وأجاني الـ (Critics) النقاد، أجاني واحد قال لي: فيه شغلتين بدي أفهمهم، هل أنت هذا الأعمال الموجودة أنت بتقول ما عمركش رسمت أو ما درستش الفن، هاي الأعمال الموجودة هل هي أعمال فنان واحد أم أعمال خمسين فنان موجود في شخص واحد؟

والشغلة الثانية: أنت كيف بتيجي بتستعمل أول معرض لإلك أصعب المواد اللي هي المائي، الدهان المائي، قلت له: الحمد لله ما حداش حكي لي هذا الكلام من قبل، وإلا ما.. ما كنتش عملته، أنا بالنسبة لإلي يعني بنشتري للأطفال ألوان مائية، وتصور إنه بالنسبة لإله كان وكأني أنا دارس الألوان المائية وأعملها طول عمري، فبعديها أصبح الفن هو الشغلة الوحيدة اللي أنا يعني بأعيش فيها، وبأشرب فيها، بآكل فيها، يعني أنا عادة أرسم من ست ساعات لعشر ساعات في اليوم، وأنا بأسوق بأشوف اللوحات في راسي بأحضر فيها، في كل مرحلة وأنا يعني بآكل بأشرب أصبح الفن هو الشغلة الوحيدة اللي أنا يعني أحيا لإلها، ومرة سألت حالي: لو أنا جيت يوم من الأيام قررت بأنه أنا بدي أتوقف عن الفن هل أستطيع؟ اكتشفت إنه لا يمكن أنا أستطيع أن أتوقف عن الفن، الأيام اللي أنا ما بأقدرش أرسم فيها رأساً بأحس إنه أنا مكتئب وقرفان من الدنيا، فبأروح ركض وبأبلش لوحة جديدة.

أهمية الفن عند إبراهيم النشاشيبي

هلا أهمية الفن من الناحية لإلي فيه أهمية إنه أنا تعطي لي سعادة وفرح، بس الأهمية اللي أكثر منها عم بأحكي قصتي.. قصتي كفلسطيني، قصتي كقدسي، قصتي كإنسان.

هذا جزء من الجاليري اللي مخصص لإلي، زي ما أنا لما تكون فرحان بأقول هذا مخصص لبرهوم، ففي هاي الصورة طبعاً ما بدهاش حكي، يعني برهوم قدام القدس حبيبته، يعني بتعبر لحالها عن المشاعر، يعني هذه بتخليني أفرح أبكي أحزن، كثير أنا يعني بس بدي آخذ نفحة روحانية بأطلع على صور القدس وكأني معها.

هون.. هون أنا يعني طول عمري وأنا صغير معجب بالفنان الراحل كرم مطاوع، بيعجبني كثير بأحسه يعني أستاذ فيلسوف، وبتمر الأيام وبنلتقي وبنصبح أصدقاء، وبنقضِّي أجمل أسبوعين مع بعض، نسهر هون في سان دييجو للساعة واحدة ونص، تنتين ونص، ثلاثة ونص نقرأ شعر، على كل هو سجَّل إحدى أشعاري بصوته، طبعاً هذا فخر عظيم.

عندنا هون مثلاً في المرحلة اللي هي وضع حجر الأساس للمتحف العالمي للسلام في بيت لحم وهذا كان الموضوع مهم جداً لإلي في مساهمتي في بناء الدولة الفلسطينية.

هوني هنا طبعاً مع محمد علي وهون مع جلالة الملك النور، وهوني يعني هذه كان إلها أهمية كبيرة في حياتي الفنية اللي هي دعوة من اليونسكو لعمل معرض في جامعة موسكو، هون مفتي روسيا موجود في المعرض، وكان الموضوع على أساس إنه تأثير الفن الإسلامي على ألواني أو على لوحاتي.

المعلق: ومع صحبة الألوان انطلق الفنان إبراهيم النشاشيبي ليعبر وبطريقة غير تلك التي كان تعودها من قبل ومن خلال نتاجه من اللوحات الفنية راح يكتب سيرته الذاتية على طريقته الخاصة للتعريف بنفسه وبالقدس في مجتمع المهجر بأميركا والعالم، وبهذا التحول لأسلوب الحياة الذي قاده للشهرة والتآلف مع النفس والذي أتاح له مساحة أكبر من حرية التعبير عن قضية شعبه.

إبراهيم النشاشيبي: الفكرة إن هذا كل هذا أولاً النجمة الكنعانية اللي ولدت في فلسطين ومنها إجت الأشكال الهندسية الأخرى، كل طابق فيه 16 حائط وكل حائط تكون عبارة عن جدارية موزاييك معمولة من فنان يختلف، يشكل دول مختلفة من دول العالم، 64 دولة مفروض مشتركة من دول العالم، وانتقل هذا بصورة سريعة الرئيس عرفات شجعني عليه، طلب مني الحضور لغزة، رحت لهناك وبلشنا في العمل الجدي وبلشنا في إنه نعمل البناء، واللي حصل إنه كلنا بنعرف الحقيقة إن أي مشروع في فلسطين صعب، صعب، ولذلك أنا أنتظر اللحظة اللي أقدر إني أعيد مساهمتي لبلدي، لشعبي في فلسطين.

المعلق: ما بين حدود الإبصار وتبصُّر القلب ثمة حدوداً واختلافاً في السبق وفي المسافة وعمق دقائق الأشياء، وثمة فرقاً كبيراً في تفاصيل الرحلة عبر المكان وتنقلات الجسد ضمن حدود الفيزياء وبين الرحلة إلى الداخل لاكتشاف النفس والتصالح معها، ولوجٌ عبر ثغرة معها تتحطم كل القوانين، وقفزٌ فوق طبيعة الأشياء ووهم البصرِ واشتراطاته، رحلة لذة تجعل الألوان غير ما نراها عليه، ربما قد تكون سبباً إلى اكتشاف الذات أو وهم عقلٍ نحياه ابتعاداً عن الواقع، تفسيره العجز والتسليم.

إبراهيم النشاشيبي: وكان الرسم هو المدخل الحقيقي لإلي في المجتمع الأميركي، وما أخذش وقت طويل، بسرعة المجتمع الأميركي أخذني وبدأت فعلاً أحس بإنه أنا أصبحت مواطن أميركي، الدول اللي أنا عشت فيها طول عمرها كنت مقيم أحتاج إلى تجديد الإقامة تبعته، أميركا ما أشعرتني هذا الشعور، أشعرتني بأنه أنا مواطن أميركي، إذا بدي أطالب في حقوقي بأقدر أني أطالب فيها، ولكن أصبح بالنسبة لإلي.. مسألة روحانية مختلفة إنه كيف أنا بلدي بدأت أحب أميركا وبدأت أحب سان دييجو والقدس فصرت أحس وكأنه أنا عم بأخون القدس، بعدين اكتشفت جواب فلسفي لإلها، قلت: للروح بيت واحد هو القدس وللجسد بيوت كثيرة، ولما الواحد بيخسر وطنه كل بلاد العالم تتساوى بالنسبة لإله، ولكن الحنين إلى الوطن لا يمكن أن يتوقف.

هاي اللوحة رسمتها قبل ثلاث سنين، وكان السبب إنه حسيت بعد رجوعي من القدس إنه أنا ارتبطت أكثر من قبل بالقدس، فحسيت إني أنا ما بدي أترك القدس، فلقيت إنه فيه فرق بين إنه تحيا الروح وتحيا الجسد، أنا ممكن إن أعمل كل الأعمال اللي الإنسان بيعملها، بس أنا بحاجة إلى إنه ارتبط في القدس مع أكلي، مع شربي، مع (فيقي) مع نومي، فهذه اللوحة بتعطيني الإحساس بإنه هذه المرأة الأم القدس اللي هي عمرها آلاف السنين، هذه مش جديدة إجت على المنطقة، آلاف السنين، بس فيها تحدي وفيها نظرات أمل>

إذا بتطلَّع على إيدها بتلاقي إيدها بتمثل العمر، وإذا بتطلع على وجهها وعلى عينيها ونظرتها بتلاقي فيها تحدي، فيها صمود، فيها قوة، فيها عنفوان، فيها رحمة، فيها حب، فهذه اللوحة حطيتها على باب مدخل غرفة النوم، من شان أشوفها وأنا الصبح وأقول لها صباح الخير حبيبتي القدس، صباح الخير يا أمي، وفي الليل أقول لها تصبحي على خير يا أمي، أنا راح أشوفك كل يوم، وراح تعيشي معي، لآخر يوم في حياتي ومش راح أخليكي تموتي، راح أخليكي مزروعة في ولادي وبناتي والتلاميذ تبعوني والناس اللي بيشوفوا لوحاتي، الشعب فين ما بأروح في اليابان، في روسيا، حتى في القاهرة، حتى في لبنان، كلهم يتعايشوا أحاسيسي وبيعرفوا حبي للقدس، كان يسمونني أنا في المدرسة إنه أنا حامل القدس على كتافي. القدس حبيبتي ألف مرة.

المعلق: وهمٌ يُغيِّبنا وندريه بأنه وهم، في غدٍ سوف نستجديه أن يَمُنَّ علينا ببعض فسحة من حضور لحفلة إغواء الحياة وبهرجات ألوانها، لنعدو ونعدو هرباً لا إلى ما نريد، بل نحو وهمٍ جديد يخدر فينا حقيقة ما تتوق إليه النفس وتعجز عن الوصول إليه، لنقدم للغريم ودونما وعي دليل الإدانة الشاهد على عجزنا، آهٍ يا زمن الخنا حسبك أن صيَّرت النفوس مرآةً للغير الذي لا يشبهنا لتُصيِّر الأوطان لوحات على الجدران ومهرجانات خطابة.

إبراهيم النشاشبي: بأتمنى.. بأتمنى كل المساوئ اللي عم بيعيشها العالم إنها تنتهي، وأنا بأشكركم كثير على اللحظات الحلوة اللي أنا استمتعت فيها وخليني أقول لكم إنه أنا فعلاً معكم.

فلسطين ويبلج من خلف التلال قمر

الأرض تصبح خضراء

وينبت من جديد كل الزهور

يد قوية تمتد نحو القمر العالي كثيراً

حمامة بيضاء تحط على سور القدس

شكراً، وأنتم أحبائي، وكل سنة وأنت سالمين، وكمان مرة القدس حبيبتي.