ضيوف الحلقة:

ماهر حتحوت: داعية وطبيب

تاريخ الحلقة:

31/10/2003

- نشأة ماهر حتحوت في القاهرة وتأثير والدته على توجهه الدراسي
- دراسته للطب وسفره إلى أميركا

- اشتغاله بالعمل الدعوي والإسلامي في أميركا

- معنى الهجرة عند الدكتور ماهر حتحوت

د. ماهر حتحوت: أهلاً بكم ومرحباً إلى الساحل الغربي من أميركا، وفرصة للقاء أناس من ريحة الحبايب، ولعلنا نحملكم السلام إلى أهلي وعشيرتي وأبناء جلدتي الذين أفتقدهم كثيراً، وبلاغ السلام بعض اللقاء فهي من الفرص السعيدة أن أتواصل وأن أشعر أنني أسمع الناس فيكم، وربما يسمعوني عن طريقكم، فلعلها فاتحة تخفف من لواعج شوق طويل استمر لسنوات طويلة، والحقيقة أنني سعدت عندما علمت أنني سأحدث أبناء بلدي العربي العام، ولعلهم يعلمون أننا نشعر بهم وأرجو أن يشعروا بنا، وأحسب أننا امتداد لهم هنا كما أنهم امتداد لنا هناك، وكما قال الشاعر: "كلنا في الهم شرق"، نحن الآن كلنا في الهم شرق وغرب.

المعلق: وما بين الشرق والغرب وبين الهُنا الحاضر والذكريات الهُناك ثمة رحلة شوطها دروب توزعت محطات عمره درجة درجة، رقياً بمدرجة السنون وصولاً لحياد الفكر وطمأنينة نفس أدركت كنهها وغايتها في الوجود، عجيب هو الإنسان حين لا يدرك قيمة العمر وهو يتسرب كحبَّات الرمل من بين الأصابع، مع أن كل صور الحياة فيما حولنا تذكِّره بأن العمر بعض يمر ودونما أن ندري مع كل شمس تغيب، يذهب بعضنا ولا يعود، فما أقرب الطفولة؟ وما أبعد اليوم عن البارحة، وحده الشيب يذكرنا بأن ما عشناه حقيقة تركت أوار بياضها علامة لا تقبل التشكيك، حين يؤكدها ضيف (..) برؤوسنا ودونما استئذان.

نشأة ماهر حتحوت في القاهرة وتأثير والدته على توجهه الدراسي

د. ماهر حتحوت: وُلدت في مدينة القاهرة وإن كانت العائلة من أصول ريفية من بلدة شبين الكوم، كان والدي -رحمه الله- مدرساً للغة الإنجليزية، ولكنه كان من المغرمين باللغة العربية، وكان شاعراً مُجيداً وقد أثرى حياتي بما سمعت منه من شعر ومن أدب ومن توجيه لغوي على وجه العموم، وأمي -رحمها الله- كانت امرأة من الريف، ولكنها كانت سابقةً لعصرها وكانت من أوائل نساء مصر اللائي خرجن في مظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي في ثورة عام 1919، حيث كان خروج المرأة في الريف خصوصاً ليس مألوفاً.

نشأت إذن على سماع القصائد وعلى سماع قصص ثورة 1919، وعلى سماع أخبار أمي وكيف تصادمت مع تقاليد العائلة التي لم تكن تبيح مثل هذا النوع من النشاط، الواقع أننا نشأنا في حي المنيرة وهو حي طريف يتوسط بين حي جاردن سيتي الأرستقراطي وحي السيدة زينب الشعبي، فكان بالفعل من أحياء الوسط، وكان هذا الحي زاخراً بالمدارس والكليات والمعاهد من دار العلوم إلى كلية التجارة إلى كلية الطب إلى المدارس الثانوية الابتدائية إلى المعهد الفرنسي إلى آخره، فهو بطبيعته حيٌّ مائجٌ بالأفكار وبأنماط الحياة المختلفة.

أذكر وأنا طفلٌ صغير وكنت تحت إدارة عائلية صارمة تريد أن تربينا تربية مستقيمة صحيحة ملتزمة إلى آخره، ولكن كان فيَّ نزوع إلى.. إلى الشارع، أول صدام لي مع السلطة كان مع.. بسبب بائع قصب.. قصب السكر كان بائعاً ورحت لأشتري عود قصب فجاء شرطي الدورية وقرر أن يقبض على هذا الرجل لأنه.. لأنه يبيع لا أكثر، وطبعاً كانت المفهوم أنه يريد أن يعطيه الرجل شيئاً من المال ليطلق سراحه، كنت طفلاً لم أتجاوز ربما السابعة أو الثامنة، فتصديت لهذا الشرطي وقلت له لِمَ تريد أن توقف هذا الرجل ولم يخالف قانوناً، وكانت هذه اللغة بنسبة لطفل متقدمة، فقال لي: هذا ليس من شأنك، قلت له: من شأني طبعاً لأنني أريد أن أشتري القصب، فصفعني على وجهي صفعة لا أنساها، الواقع أنها أغلب الظن أو ظُنَّ في ذلك الوقت أنها قد تكون أحدثت ثقباً في غشاء الأذن الداخلية، طبعاً حاولت أن أتشاجر مع هذا الشرطي ولكن كان طويلاً قوياً، ذهبت إلى البيت في حالة بكاء شديد وانتفضت العائلة انتفاضة صارمة، وذهب الأمر إلى المحافظ، وأصبحت في بؤرة الحديث في هذا الحي الشعبي.

المعلق: قليلات هن الأمهات اللاتي يتركن الأثر العقلي في نفوس الأبناء وفي الغالب العام تقترن صورة الأم بخزين الوجدان والعاطفة ومع أن تأثره بشخصية والده واشتغاله بشؤون اللغة العربية واللسانيات وكتابة الشعر، غير أن حكمة والدته لعبت دوراً أساسياً في تصوير توجهاته الدراسية والمهنية نحو دراسة الطب في جامعة القاهرة وبعد سفره إلى الولايات المتحدة عمل في تخصص أمراض القلب، وافتتح عيادته الخاصة بمدينة (دوارتِكِ) بكاليفورنيا، ثم اشتغل بالتدريس بجامعة (لوناليندا) بدرجة أستاذ مساعد.

د. ماهر حتحوت: تحدد مساري العلمي بعد حيرة شديدة، لأنني بطبيعة هذه النشأة كانت اهتماماتي أدبية، وتصورت أنني سأتجه إلى كليات الآداب، وأردت أن أتجه لكلية الآداب قسم اللغة العربية بالذات ولكن أقنعتني أمي أن الآداب تبع رأيها في ذلك الوقت، وكانت امرأة حكيمة رغم أنها لم تكن واسعة الدرجات العلمية أو أي شيء، قالت لي: إن الأدب تستطيع أن تُحصِّله على أي الأحوال، ولكن المهنة هذا شيء آخر، ونصحتني دائماً أن أتجه اتجاهاً علمياً، ولكنني رفضت ذلك، وكنت أتصور دائماً أن الكاتب هو الذي سيغير الأمة، ليس الطبيب وليس.. ولا حتى المحامي، وكنت أعتقد أن القضية المصرية خاسرة، لأنها قضية يترافع فيها محامون، لأن كل الوزراء والقادة في ذلك الوقت كانوا من خريجي كلية الحقوق، فقلت إنني سأتجه للآداب على أية حال، ولكن حدث حادث مهم، قرأت كتاباً اسمه "آثرت الحرية"، كان الكتاب مكتوب بواسطة رجل روسي خرج على الشيوعية، وكتب هذا الكتاب لينتقد النظام الشيوعي، وكان كتاباً ضخماً، عكفت على قراءته، وأذكر أنني قرأته في ثلاثة أيام، بصرف النظر عن الأفكار التي كانت فيه، ولكنه فتح ذهني لأهمية التصنيع والهندسة، بعقلية اليافع في هذا الوقت، قلت: خلاص انتهى الموضوع، إذن سأصير مهندساً، وفاجأت والدتي بأنني سأدخل شعبة رياضة كان في أيامنا شعبة آداب، علوم، رياضة، لأنني أريد أن أدخل كلية الهندسة، فطبعاً هذه كانت كارثة، لأنني لم أرسب في حياتي في مادة إلا الرسم، ولم أكن ضعيفاً في مادة إلا الرياضيات، فنصحتني أمي نصيحة جيدة، قالت لي: اذهب وعش أياماً مع ابن خالتك، وكان في السنة النهائية في كلية الهندسة، وانظر ماذا يفعل، وسترى بنفسك إن كان هذا ما يصلح لك، طبعاً كان يحضر ما يسمونه المشروع، ويرسم، ويعرق، ويغضب، ويعيد لأنه اختلف في ملليمتر، و.. فطبعاً تبينت إنني يعني من الراسبين لا محالة، فرجعت البيت وقلت: لا، إنني أريد أن اتجه اتجاهاً علمياً، وسأدخل كلية الطب.

[فاصل إعلاني]

دراسته للطب وسفره إلى أميركا

المعلق: وبعد هذا التذبذب في اختيار التخصص الدراسي اتخذ الدكتور ماهر حتحوت قراره الأخير وعن قناعة بدراسة الطب، فالتحق بكلية الطب -جامعة القاهرة، وخلال فترة الدراسة بالجامعة تعرض للسجن خلال مرحلة الحكم الناصري نتيجة لنشاطه الإسلامي السياسي، وانقطع عن الدراسة لفترة ثم عاد لاستكمالها حتى تخرج في العام 60، وعمل في مجال الطب بمستشفيات القاهرة لفترة عشرة أعوام، غادر بعدها مصر إلى الولايات المتحدة طمعاً في ممارسة مهامه الدعوية، التي ابتدأت باهتماماته بالشؤون العامة خلال أوائل الثمانينيات التي شهدت تفتُّح أولى نظرات التحسس من الجالية العربية المسلمة في الولايات المتحدة، واستمر الدكتور ماهر حتحوت في اشتغاله بهذا الجانب حتى تفرغ له تفرُّغاً كاملاً بعد تركه لمهنة الطب.

د. ماهر حتحوت: اتجهت اتجاهاً علمياً، واخترت كلية الطب، ودخلت كلية الطب، وكانت هذه طبعاً مرحلة غنية جداً في حياتي غناءً علمياً وغناءً فكرياً، ومرحلة نشطة على وجه العموم، أنا هأدخل إعدادي طب، وهذه سنة أنا.. أنا بأتحدث عن جامعة القاهرة نقضيها في كلية العلوم، ندرس العلوم البحتة في هذه السنة، وكانت سنة زاخرة بالنشاط، لأن كانت تحوُّل مصر بعد الثورة إلى اتجاه سياسي غير ديمقراطي، وكانت الجامعة ضمن القوى الرئيسية التي تصدت لمنع هذا التحوُّل دون جدوى، وقد كنت من.. من الناشطين جداً في.. في الجامعة على حساب الدراسة، وانقطعت عن الدراسة لأسباب قهرية لفترة، ثم عدت واستأنفت بعد ذلك، وفي هذه الأثناء التقيت زوجتي كطلبة في.. في الكلية، وتعارفنا ثم تآلفنا، ثم تحاببنا، ثم تواعدنا على الزواج، وتزوجنا وأنجبنا، وصرنا جداً وجدة والحمد لله، كانت زوجتي طالبة متفوقة جداً بالنسبة لي، لم أكن متفوقاً في كلية الطب إلا في المرحلة الأخيرة، في المرحلة الأولى استهلكني النشاط العام وصرفنى عن الدراسة المكثفة، ولكنه لم يصرفني أبداً عن القراءة، أثرت فَّي شخصية أستاذٍ معين هو الدكتور أنور المفتي -عليه رحمة الله- وأنا أعتقد أن أنور المفتي من أعظم الشخصيات التي أنجبت مصر في العصر الحديث وشاهدت فيه إمكانية أن يكون الإنسان عالماً في العلم البحت، متقناً للمهنة، واسع الأفق في العلوم الأخرى، فكان أنور المفتي أستاذ أمراض باطنة، وكان أحسن واحد في مصر يفهم في الطب.. الطب النفسي وفي علم النفس، وكان على خلق رفيع، لم أرَ انساناً يعامل المرضى بهذا الاحترام والتبجيل وهؤلاء مرضى فقراء، مرضى مستشفى القصر العيني، العلاج المجاني، فكنت أرى فيه شيئاً عظيماً، وكان كريماً، فإذا استُدعي لقريب أحد الطلبة في البيت لأنه مريض، لا يأخذ أجراً من.. من.. من جميع طلاب كلية الطب، رغم أنه كان أشهر باطني في مصر، وكان الطبيب الخاص لعبد الناصر طبعاً -بعد.. كما علمنا بعد ذلك- وتوفي -رحمه الله- بعد تخرجي، ولكنني تتلمذت عليه، وتتلمذت في الدراسات العليا عليه كذلك، وأخذت تدريبي في قسمه، وأعتقد أن أنور المفتي أحدث في نفسي شيئاً كبيراً، لأنه أراني أن.. لم يكن أنور المفتي رجل سياسة، ولم يكن يتحدث في السياسة، ولم يكن متديناً بالمعني المفهوم للتدين، ولكنه كان مثالاً لما يمكن أن ينتجه الإيمان في الإنسان الصالح.

اشتغاله بالعمل الدعوي والإسلامي في أميركا

المعلق: في العام 1988 ساهم الدكتور ماهر حتحوت في تأسيس جمعية الحوار الإسلامي الكاثوليكي، وأسندت إليه العمل كمستشار أول للمؤتمر الإسلامي للشؤون العامة، وهو عضو في المؤتمر السلمي للسياسات الخارجية، وهو الناطق الرسمي باسم المركز الإسلامي في جنوب كاليفورنيا، ولقد انحصرت كل اهتماماته بالمحافل التي يمكن من خلالها تقديم صورة مشرقة للدين الإسلامي عبر محاضرات وندوات ولقاءات خاصة وعامة، ولقد سافر للعديد من دول العالم للمشاركة في الندوات حول الأديان ممثلاً عن الجالية العربية المسلمة في جنوب كاليفورنيا، وللدكتور حتحوت مؤلفات عديدة خصها للتعريف بالدين الإسلامي وحقوق الإنسان، ومفهوم الديمقراطية برؤية إسلامية موفقة ومستنيرة.

د. ماهر حتحوت: فمنذ مجيئي وأنا منشغل بالعمل الإسلامي، ولكن تزايد وتسارع هذا النتاج في كاليفورنيا، فأنا حضرت إلى لوس أنجلوس لأنني علمت أن المجال هنا خصب، وأن هناك حاجة إلى زخم معين من العمل الإسلامي، وبدأنا في هذا المركز، وكان المركز مؤسساً من قبل، ولكن بدأت رؤية واضحة للمركز وهي أن الإسلام في أميركا يجب أن يكون هوية إسلامية أميركية، كما أن هناك هوية إسلامية مصرية أو هوية إسلامية هندية، فهي لابد أن تكون هناك هوية إسلامية أميركية، وتوجهت أداءات المركز إلى هذا الاتجاه، فأصبح من أهم الأشياء أن يستطيع المركز أن يتحاور مع القطاعات المختلفة في المجتمع الأميركي، وأن يشارك ثقافياً وحضارياً في مشروعات الثقافة والحضارة في أميركا، وأن يتواصل مع قادة الأديان الأخرى المسيحية واليهودية وحتى البوذية والهندوسية إلى آخره في حوار المقصد منه لا أن نقنع بعضنا البعض بتغيير الدين أو ما شابه ذلك، ولكن أن نعرف الحقيقة، لأن معرفة الحقيقة هي الخطوة الأولى تجاه الإنجاز الحقيقي، وتجاه الترسيخ للقيم الدينية في مجتمعٍ ما، وحرصنا كذلك أن توجد آلية للتواصل مع الأجيال الجديدة، فاهتممنا جداً بصغار السن وبالشباب اهتماماً خاصاً، ويندرج هذا في كل نشاطات المركز، اهتممنا جداً بإعطاء المرأة المسلمة حقها ومكانها اللائق، لا أن نتحدث دائماً عن كيف كرَّم الإسلام المرأة بينما المسلمون لا يكرِّمونها، وعن دور المرأة الرئيسي بينما نرى المرأة مغيبة من المساجد ومن المؤسسات، نحى هذا المركز منحى مختلفاً تماماً، وأصبحت المشاركة الكاملة موجودة، لما تعددت الأنشطة كان لابد من النشاط السياسي، فُرِضَ هذا علينا في الواقع بحكم طبيعة الإسلام أولاً، بحكم طبيعة الأرض التي نعمل عليها ثانياً، ثم بحكم تسارع الأحداث خاصة من بعد الثورة الإيرانية ثم الانتفاضة الفلسطينية، وعملية أخذ الرهائن، وعملية الهجوم البشع في الإعلام على الإسلام، وجدنا أن النشاط السياسي والإعلامي يصبح جزءاً لا يمكن الإستغناء عنه في هذا المجال.

المعلق: وتبقى الحقيقة شمساً لا تحجبها كل مساءات الدهور، هو الإسلام دينٌ دعواه الحق، ودربه السبيل إلى الحقيقة، ومن غير كثير الكلام أو جعجعة المنابر، دينٌ كل مَنْ دان به وجبت عليه الدعوة إليه، لكل من ألقى السمع وهو شهيد، فكرة بتعبير بسيط قد توقظ في نفس ما عرفت طريقها إلى الله، ثورة من الشوق إليه، ويبقى الدعاة على قدر ما يُسِّروا، أشبه بالغمام الذي وظيفته المطر حتى وإن هطلت فوق البحر المحيط، فمن يدري لعل قطرة صدق كفيلة بغسل أُجاج بحر إذا ما آزرتها البركة.

أحد أصدقاء ماهر حتحوت: أود أن أضرب مثلاً فنحن مرتبطون بجذورنا ولكن الثمرة ليس عليها أن تبقى بجانب جذرها، علاقتنا بأوطاننا الأصلية علاقة السهم بالقوس، ينزع القوس فيلقي بالسهم بعيداً بعيداً لأن الغاية بعيدة، ولا أرى تعارضاً ولا تناقضاً أبداً بين ولائي لجذوري وبين رسالتي في الحياة خاصة وأننا ندرك أن لأميركا أثرها الضخم على العالم وهناك من اكتشفوا هذا قبلنا، فركزوا على أميركا فنفوذهم الذي بنوه في أميركا أفادهم في العالم كله، وأحسب تذكرة بالحديث "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ألا وهي القلب" ففي العالم مضغة كذلك دولة إذا صلحت صلح العالم وهي أميركا.

د. ماهر حتحوت: أنا شخصياً إبَّان صباي الأول لم أكن أتصور إنني سأترك وطني، ولم يخطر ببالي وحتى عندما شببت وأردت أن.. التجوال والسياحة لم تخطر أميركا في حسباني على الإطلاق، ولكن هو مزيج من تداعي الأحداث في الوطن ذاته ثم من بروز الساحة الأميركية كساحة -كما قلت- تعطي مساحة معينة وتستوعب المهاجر ثم تداعي الأحداث بالنسبة للعرب والإسلام والمسلمين والدور الرئيسي الذي سواء شئنا أو لم نشأ، أميركا -كما قال أخي- دولة مؤثرة جداً، وإغفالها من الحسبان أو اتخاذ موقف الرفض المطلق، لا أحسب أنه يعود بخير، لأن الحقائق حقائق، ونحن المفروض أن نتعامل مع الحقائق لا مع الأوهام، ولا مع الشعارات، فالحقيقة أن أميركا تقود العالم إلى خير أو إلى شر، لعلنا نستطيع أن نساهم في وضع خريطة للطريق -على سوء سمعة هذا التعبير- ولكن ربما جهد مقل يطرح فيه الله بركة.

معنى الهجرة عند الدكتور ماهر حتحوت

المعلق: ألا يا حبذا صفعة الظالم عندما تشعل في العقل نور السبيل إلى الله، وما أجمل الصمت، حين يضيف للقلب آلافاً من العيون الحكيمة كي ترى ما في النفس من عسل المروءة التي يحرم مها الظالمون، والعين إذا ما وعت دربها تنطوي أمامها الآفاق قرباً ويُستعذب المسير حين تكون الخطى قرباً إلى الله وصولاً إلى معيته، فيكون للنصر معناه الذي يفهم بالروح لا بالعقل، وبالنقل عن الأوَّلين لا بفوهة المدافع.

د. ماهر حتحوت: نحن لم نهاجر مجذوبين إلى هنا ولكن مدفوعين من هناك، قد قال الأب شنودة: إن مصر ليست وطناً نعيش فيه ولكنه وطن يعيش فينا.

وإننا نهاجر حيث نستطيع أن نكسر حواجز الصمت ولقد قلت في الماضي: لغة الصمت.

مَنْ منكم يفهم لغة الصمت

كي أسمعه ألف قصيدة

خالية من نبرات الصوت

أحرفها جمر التنهيدة

مُنْ قال بأن الشعر كلام

الشعر شعور وجداني

يسكب في شريان الحرف

فالأحرف نور نوراني

والكلمة دنيا من أحلام

لا يكبحها سور الخوف

فلئن قهر الخوف الكلمة

فلنتحصن خلف الصمت

فلنخلع عن ألسننا الصوت

ولنترنم دون كلام

ولنتصافح دون سلام

فالكلمة إن تسلبها الصدق

تحكم فيها بالإعدام

فلنتكلم ولنتكلم

والسلام عليكم ورحمة الله