ضيف الحلقة:

د. جلال حواري

تاريخ الحلقة:

10/10/2003

- القسوة التي عاشها في طفولته
- مسيرته التعليمية في الأردن ولندن
- اكتشافاته العلمية الكيميائية
- استقراره في تورنتو
- اشتياقه لفلسطين وذكرياته هنا

د. جلال حواري: السلام عليكم. أنا الدكتور جلال عبد العزيز حواري من مواليد سباسطي -نابلس - فلسطين، ولدت سنة 1947، حالياً موجود في مونتريال في المعهد البيوتكنولوجيا (national search council) والـ National search council عمل اكتشافات مهمة جداً للإنسانية في مجال الصحة والبيئة، ومن أهم إنتاجاته (الأماراي) دواء لمرض السحايا، كمان أنتج شخصيات بجائزة نوبل أهمها (هيزبرج)، أنا بالنسبة إلي شخصياً أشتغل كرئيس قسم الكيمياء التحليلية البيئية -معهد البيوتكنولوجيا في مونتريال بالنسبة لنجاحاتنا كانت مهمة للصحة والبيئة أنا بأعتز بها وكمان بأتمنى لإخواننا المشاهدين النجاح وأهلاً وسهلاً فيكم.

القسوة التي عاشها في طفولته

المعلق: وُلد في إحدى القرى التابعة لمدينة نابلس في فلسطين، وفيها عاش حتى أتم دراسة الثانوية، حيث انتقلت عائلته إلى الأردن بعد حرب العام 67، وفي عَمَّان درس الكيمياء وتخرج من كلية العلوم بالجامعة الأردنية، ومنها نال الماجستير لينضم إلى كادر التدريس فيها ولمدة أربعة أعوام حيث سافر إلى بريطانيا للتحضير للدكتوراه في جامعة لندن، والتي عمل مدرساً فيها لمادة الكيمياء ولخمسة أعوام، سافر بعدها إلى كندا مهاجراً بعد قبول طلبه للعمل بالتدريس في المعهد الوطني الكندي للأبحاث بمقاطعة (أوتاوا) ثم لمعهد أبحاث تكنولوجيا البيئة بمونتريال حيث يتولى الآن إدارة دائرة أبحاث الكيمياء التحليلية التابعة للمعهد.

د. جلال حواري: نشأت في قرية اسمها سباسطي هي قرية عدد سكانها حسب ما بأعرف في الستينات، اللي هي الفترة اللي أنا بأتذكرها مضبوط في سباسطي 3000 نسمة تبعد حوالي 15 كيلومتر إلى شمال مدينة نابلس اللي هي من أكبر أو كبرى مدن الضفة الغربية فلسطين، سباسطي من اسمها اسم يوناني، وأخذت اسمها من أمير يوناني كان اسمه (سباسطين)، لأنه القرية هذه بالذات مرَّت بمراحل تاريخية مهمة جداً، أخذوها.. كانت مع اليونان وبعدها الرومان وبعدين الصليبيين، والإسلاميين، وحالياً البلد موجود يمكن فيها (Thousand of….) كون البلد تاريخية وفيه كان يريدها السواح من أوروبا وأميركا لأهميتها التاريخية فعمل contact أو اتصال بيني وبين العالم اللي خارج سباسطي، فيمكن هذا كان حافز من حوافز إننا نتعلم أو نشوف إنه فيه حضارات ثانية خارج قرانا الصغيرة، ويمكن عملت عندي حافز إنه الواحد يتطلع لقدام ويشوف شو فيه كمان بالنسبة لطفولتي في الواقع هي طفولة قاسية جداً ومريرة، وبأعتقد زي كثير من الناس الـ sixties والـfifties كانت الظروف صعبة جداً، طفولتي بالذات أنا كانت قاسية وممتعة، والشغلة اللي استفدت منها من القسوة إنه يمكن هي اللي وصلتني هون وهي يمكن اللي جابت طاقم (الجزيرة) يشوفني، يعني هذه فرصة سعيدة جداً إني أعكس الحياة.. الطفولة اللي عشتها أنا من.. من شغلة يعني almost عدم إلى إني أنا موجود في كندا scientest معروف وقدمت خدمات بطريقة الأبحاث اللي عملتها، فطفولتي أول إشيء بدأت بوفاة والدي 1961، يعني مش صاحي لحد الآن إنه فيه dialogue أو فيه نقاش يعني وبينه لأنه كان يشتغل في الأشغال العامة في الأردن، أعتقد قبلها كان يشتغل في حيفا وبعد الحرب في الـ47 يمكن انتقلوا وحاولوا يشتغلوا في الأشغال العامة، والرواتب قليلة جداً ما بتكفي الأسرة، فراح الكويت وتوفي في الكويت بعد سنة، فيمكن هذه عملت كثير أثر، now شو الـimpact العلمي عليَّ كان هون؟ أنا كنت صغير يعني قد إيش يمكن تلميذ أو so، فالـimpact، إذا بأتطلع على نظريات (داروين) داروين بيقول إنه مش إنه الـ(species) اللي بتعيش في البيئة مش هي Intelligent ولا هي strongest، الـ species اللي بتعمل (Spontaneous response)، للبيئة.. أو تأقلم جديد للبيئة، فيكون هو البقاء للتأقلم السريع، فيمكن هذه.. هذا.. يعني خسارتنا لأبونا في الفترة هاي بالذات عملت عندي.. خلقت عندي واقع جديد في التفكير، مع إني كنت صغير، بس أثرت.

المعلق: ما بين اليتم المبكر والفقر وعوز الحاجة وقساوة الظروف عاش الدكتور جلال حواري طفولته وصباه وأولى سني شبابه، ففي العاشرة من عمره توفي والده الذي كان يشتغل عاملاً في الكويت، وبوفاته كان على التلميذ جلال حواري أن يواصل الدراسة إلى جانب العمل مع والدته لتأمين لقمة العيش واستمرار حياة العائلة، وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات التي عاشها في مقتبل حياته كدرس حياة قاسٍ تعلم منه الكثير وأعطاه الدافع لمواصلة دربه لتحصيل العلم بعزيمة وهمة أوصلته إلى أن يكون عالماً يشار إليه بالبنان، وتلميذاً للحياة ومتعلماً منها لدرس استفاد منه الكثير.

مسيرته التعليمية في الأردن ولندن

د. جلال حواري: في الواقع حياتي العلمية حياة طويلة استمرت من تقريباً 30 سنة، ولازالت مستمرة، لأن الحياة نفسها مدرسة بتعمل وبتتعلم، بتدرِّس وبتدرس، فأنا القرية اللي نشأت فيها طفولتي وبديت فيها حياتي هي قرية من قرى نابلس في فلسطين الضفة الغربية حالياً، وفيه معلمين هناك أثروا في حياتنا كثير، والظروف اللي مرينا فيها إحنا في.. في.. في البلاد، الأشياء اللي كان الأهل يعملوها كمان في المطبخ هي أشياء علمية في الواقع هسه أنا بأطلع عليها حالياً وبأشوفها إنها كيمياء معقدة، هي اللي يمكن أعطتني حافز إني استمر في تعليم الكيمياء، فمثلاً لما كانت والدي.. والدتي اللي يعني لا تقرأ ولا تكتب وتعمل صابون في البيت أحسن من الصابون اللي كنا نشتريه من الـ commercial Places من الأشياء التجارية، فما كانت تعمل يعني تمزج الأشياء بنسب متساوية وتعطي صابون كانت يعني الفرق في.. في الوقت اللي بتستغرقه الصابون تبعنا حتى يخلصوا صابون اللي نشتريه يمكن كانت عشرة إلى واحد، فهذه واحدة، فأنا درست ها المرحلة في سباسطي الابتدائية، وبعدين انتقلنا على منطقة اللي هي المدينة، لأنه المدرسة الابتدائية بعدين تروح على المدرسة الثانوية في نابلس، خلصت المدرسة الثانوية Chemistry، متخصص علمي في الصلاحية، وبعدها انتقلنا على.. في الـ 67 على الأردن، وين أنا عملت علوم، وكمان تخصصت في الكيمياء، فبدينا يعني من أيام الدراسة الثانوية لحتى الجامعية، بعدها طبعاً حسب الظروف المادية ما نقدرش نوفي التعليم، فقطعنا شوية على أساس إنه الواحد يقدر يوفر فلوس، ويطلع على الجامعة في أوروبا يتعلم، فخططنا على أربع خمس سنين، والحمد لله رب العالمين، نزلت كويس، اتصلنا مع إخواننا وشجعونا على الدراسة، وساهموا بالدعم كمان، فطلعنا من الجامعة الأردنية من عمان على لندن، والتحقنا في جامعة لندن، هناك كان فيه أول مرحلة تطور كبيرة في حياتي اللي هي في جامعة لندن، لما أنا حصلت على منحة من جامعة لندن من شان أعمل الدكتوراه في مجال الكيمياء العضوية، واتوفقت يعني أخذت الدكتوراه بخلال 3 سنين، بس اللي عملت منشورات حوالي 16 publications وكانت هذه يعني زي ما قلت هي (Corner stone) هي حجر الزاوية اللي عمل نقطة تحوُّل في حياتي من طفولة قاسية إلى تعلُّم بالتدريج، إلى وصولي إلى لندن وإبداعي في مجال الكيمياء هناك، وأخذي منحة من جامعة لندن هذا ساعد كثير، وأعطاني self promotion يعني أعطاني دفع للأمام، فالجامعة والبروفيسور تبعي يعني حبوا الإنتاج تبعي وساعدوني، واشتغلت كمان بعدهم سنتين، وكان هي عملية (..) مع البروفيسور تبعي اللي أعطاني الدكتوراه إنه أنا أصل كندا.

اكتشافاته العلمية الكيميائية

المعلق: من خلال عمله بالتدريس بجامعة لندن بدأ الدكتور جلال حواري أول مشوراه مع البحوث في مجال تخصصه، إذ تقدم خلال الخمسة أعوام التي قضاها هناك بستة عشر ورقة عمل بحثية نوقشت من خلال الجامعة، وكانت هذه البداية التي فتحت له الباب لنقاش كبار أساتذة الكيمياء ومدخلاً للتعارف العلمي مع كادر البحث بالمعهد الوطني الكندي للأبحاث العلمية، الذي كان التحاقه به أول أسباب هجرته إلى كندا، حيث سجَّل أول براءة اختراع له باكتشاف طريقة كيميائية جديدة للكشف عن المركبات السامة في التربة، ليدخل بعد هذا الاكتشاف إلى مسار علمي جديد باكتشافه بكتيريا خاصة لمعالجة التلوث البيئي بدلاً عن الطرق الكيميائية الصناعية.

د. جلال حواري: بعد الشغل في معهد الكيمياء في (..أوتاوا) انتقلت على معهد جديد كمان تابع للمعهد كندا للأبحاث الوطنية اللي هو اسمه معهد الأبحاث البيوتكنيك أو الـ research institute biotechnology هون عاد بدأ عندي تحول كبير في مجال الأبحاث، إنه أنا كيميائي بدل ما أستعمل الدورق في عمل الكيمياء فصرنا عاد نستعمل البكتيريا، إنه كيف البكتيريا تقدر تعمل الشغل اللي بدنا إياه إحنا، لأنه هون عاد لما حكينا قبل شوية عن.. عن أوتاوا.. أوتاوا هون كان شغلي صار في البيئة، فلما انتقلت على مونتريال على المعهد الجديد المعهد البيوتكنولوجي، فعاد صرت أشتغل في مجال البيوتكنولوجيا.

الطريقة اللي بنستعملها هون إنه بنجيب بكتيريا من مصادر متعددة من.. من التربة أو من الترسبات اللي موجودة في قاع المحيطات، فعندنا هسه محطتين واحدة في (هاواي) وواحدة في (هاليفاكس) بالتعامل طبعاً مع الحكومة الكندية والحكومة الأميركية، إنه نجيب بكتيريا من أعماق البحار هذه، لأنه هذه المنطقتين -هاواي، وهاليفاكس- شهدت مناطق ملاحية ضخمة، وفيها تلوث كثير، فبنجيب بكتيريا على أساس إن هاي البكتيريا بتكون مكيفة، تعيش في مناطق ملوثة، فبنعزلها وبنستعملها إحنا في المختبر، بنشوف قدرتها على إنها تزيل أو تفكك مركبات سامة موجودة، فحصلنا على بكتيريا..، قسم من البكتيريا اللي حصلنا عليها منشورة تحت أسماءنا وأسماء (..)، هاي البكتيريا قادرة إنها تزيل بعض الملوثات السامة والسرطانية بالتربة وفي، القاع اللي في المية، فهذا اكتشاف عظيم اكتشاف كويس.

الاختراع الثالث والمهم اللي أثر كثير في المجال الصناعي هو مجال البترول، فتمكنت إني أطور طريقة إن نكشف المركبات المعزية للبترول في التربة، لأنه كثير فيه مشاكل هون في الدول الصناعية، إنه خاصة من البترول، لأن أكبر ملوث للطبيعة هي المركبات اللي بتيجي من البترول، لأن فيش دولة في العالم ما بتستعملش بترول، فموجودة وين ما كان، فالمشكلة هون المشرِّعين.. المشرِّعون الحكوميون بدهم يعرفوا أنه المواد هذه الموجودة مثلاً في مناطق ملوثة هي من البترول أم لأ، فالطرق اللي كانت موجودة زمان كانت تقيس أي إشي التربة، يستعملوا أشعة تحت حمراء، ويقسوا روابط محددة زي كربون هيدروجين، فهون أنا اطلعت كربون هيدروجين موجود وين ما كان والـ(Soil) غني في المواد العضوية، يعني أبو العلاء المعري بيقول:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
هذا كلام سليم، صحيح 100% لأن التربة فيها مواد عضوية وهاي المواد العضوية بتتكون من..، مش ورق الشجر لما بينزل وبيعمل decomposition في التربة ولأجسادنا والحيوانات الثانية اللي بتروح، كل هذا سرها عملية decomposition والمواد اللي إلها هذا بتصير تندمج مع التربة، فهون أنا الطريقة اللي عملتها إنه نبتدع طريقة إنه نقول هذا المرض كان جاي من بترول أم من المواد العضوية الموجودة أصلاً في تلك التربة، فهذا الطريقة لاقت ترحيب من الجاليات العلمية، وبيستعملوه قسم من المشرعين الحكوميين في تحديد نوع التلوث في التربة.
المعلق: من فلسطين إلى الأردن فبريطانيا فكندا، رحلة أمدها امتد لثلاثة وثلاثين عاماً قضاها الدكتور جلال حواري متنقلاً بين بلدان عديدة، زارها طالباً ومعلماً وسائحاً متعلماً، ينهل من العلم في ترحاله، ويتعلم من الحياة درس الكد والصبر حتى حطَّ برحاله بمدينة (تورنتو) حيث طاب له المقام، كوطنٍ بديل عن فلسطين التي غادرها مرغماً، مدينة اختارها لجمالها واختارته لعلمه، مرحبة به وبأسرته في مجتمعها الذي يعد الأول في العالم احتراما للخصوصيات الإثنية، عاش الغربة منذ أفاق على الدنيا غريباً لم يكن يعرف ما خلف حدود قريته، لتنتهي به أقداره إلى أبعد نقطة جغرافية عن وطنه فلسطين.

استقراره في تورنتو

د. جلال حواري: مونتريال هي في الواقع معروفة بإنها عاصمة عالمية لاحترام الإثنيات، أنا زرت مدن كثيرة بما فيهم لندن وعشت في لندن، زرت برلين، باريس، نيويورك، واشنطن، مدن كثيرة في كندا، بالشرق الأوسط ففي الواقع مونتريال إلها طابع خاص، طابع وجودي جغرافي، سياحي، ثقافي، تكنولوجي، فالمدينة هذه في الواقع أنا وقعت في حب لهذه المدينة، وأشتغل فعلاً من حب لأنه المدينة حلوة، ويمكن اختصاصي في البيئة طلع الأخير، هو لصالح مدينة مونتريال لأن المدينة نظيفة، شعبها مؤدب، شعبها بيحب للسياحة وبيحاول يسهل أمور الناس اللي بتيجي وتختار مونتريال كمدينة سكن إلها.

فبالنسبة لمونتريال في الواقع هو عمرها كمدينة صغيرة بالنسبة للمدن الثانية فإذا على شمالي أنا هنا هذا النهر (سان لورين) اللي بدأت فيه المدينة مونتريال، (....) 1535، ووصل المنطقة هذه ومنها بدأت اسم مدينة مونتريال، وكل إنسان بيجي على مونتريال في الواقع بيحبها، وفيها معالم سياحية ممتازة.. خاصة في فصل الصيف، لأنه قصير ففي عندهم نشاطات متعددة، خاصة في مركز البلد تحت اللي هو تحتي بالذات شارع سانت كاترين الشوارع اللي في دياله، مثلاً الشارع سانت كاترين حالياً موجود فيه اللي هو عملية التسويق خارج.. خارج المحلات، فما.. المحلات التجارية اللي على سانت كاترين تطلع بضاعتها على الشارع والناس بتعمل Shopping في الشارع، بيسموه بالإنجليزي
Out window.. Out door shopping هذا أحد الأشياء اللي معروفة فيها مونتريال، والأشياء الثانية كمان حالياً في الشارع اللي مجاور إلهم فيه festival ثاني اللي هو مشان الضحك فاللي زيي بيشتغلوا وبيتعب مرة بيحاول ينزل.. ينبسط ويرتاح ويتفرج ويشوف الناس كيف بتفكر وكيف.. يعني بتخلق طريقة للضحك وطريقة إنها بتبسط حالها، فمونتريال كمدينة سياحية معروفة وأهم إشي معروف فيه في الواقع للسائح من بره اللي هو الأكل يعني عندهم الـ fresh cuisine والأكل اللي بيجي من العرقيات المتعددة في مونتريال إشي بيعتز فيه السائح في مونتريال وباكتشافه، فمونتريال هي بالواقع إذا بدي أسميها أنا هي مجتمع قوس قزحي أو مجتمع الـ(rainbow society) فأنا مبسوط ويمكن الشيء اللي استفدته إنه أنا وُفقت في اختيار مدينة مونتريال أعيش فيها.

اشتياقه لفلسطين وذكرياته هناك

المعلق: وطن يولد فيه دونما خيار وأرض نحيا عليها لحينٍ مجبرين أو مخيرين نرحل عنها ونبعد وكأننا كلما مضى بنا العمر انقضاءً نوغل في اشتياقنا للذكريات التي أسست لأسباب التعلق بها والحنين إليها، موطن أول فقراً كان أو جنة من جنان الأرض، كلما استوقد شيء رأس ابيضت معه ذكريات الحنين نصوعاً وتوقداً، كلما بعدت عنه المسافة وأخذتنا خطى الأيام ودولتها بعيداً، تأصل فينا الحنين مع دروس الحياة المستفادة وكأننا عندما نرحل عنها إننا نرحل لنتعلم الحنين إليها.

د. جلال حواري: من أحد المشاكل اللي أنا كمهاجر إلى كندا واجهتني في الواقع هو انسلاخي الجسدي عن بلادي، يعني بأقدر أحكي مثلاً مع الناس اللي هناك واللي بأعرفهم، بس زي ما بيقول المثل "الحكي مش مثل الشوف" فأنا طلعت يعني تقريباً أقل من عشرين سنة من فلسطين من مناطق نابلس سباسطي، فطلعت بلهجة لغوية وبعدها والتقاليد لسه مزروعة فيَّ، فالناس اللي بأحكي معها لسه في مخيلتي ولسه ذاكرتي معهم باستمرار، مضبوط بأحكي معهم أسبوعياً، بس ما.. ما بتضبط فالبعد المسافي.. البعد الجغرافي فعلاً هو خالق لي مشاكل عاطفية أنا كإنسان ويمكن أثَّر على.. كمان على العائلة هنا، فأنا بأعطيك يعني مثال حي حالياً فهسه المدام.. الزوجة وبنتها بيزورون في البلاد.. فلسطين أمهم، بس ابني كمان معي، ليش؟ لأنه واقع العمل ما بيسمح لنا إننا نروح كلنا مع بعض، فهون كمان هاي التضحية إنه الإنسان إذا انخرط في العمل لازم يخلص في عمله وينتمي إله ويعمل تضحيات، فهذه أحد التضحيات اللي بتشوفوها إنه كمرات كعائلة واحدة ما بنقدر نتصرف.

الشغلة الأخرى اللي واجهتني مشكلة هي اللغة، أنا.. أنا من اللي بيآمنوا مضبوط إنه حتى تزرع عادات وتقاليد في أجيالك، في الأولاد، ففي اللغة أساسية، فحتى فهم العادات والتقاليد العربية هم بيفهموا لغة العربية، فكونهم ولدوا هون، الولد ولد في بريطانيا، والبنت ولدت في كندا، وجينا في ..Early في أوائل الثمانينات على مونتريال، فما كانش فيه مدارس عربية بالشكل اللي هي حالياً موجودة في.. فتغلبنا فعلاً ندور لهم على مدارس عربية، ولقينا مدرسة بعد.. بعد 87 إنه نعطيهم ساعات محددة بس يوم السبت، طبعاً هذا فيه بحر من culture هو مش culture.. مش الـ culture تبعك صعب جداً، لأنك تزرع اللغة فيهم من شان أنت تنقل إلهم العادات والتقاليد اللي ربيت فيها.

فأحد المشاكل اللي بتواجهني كمان كمهاجر، بعدي الجسدي عن البلاد، هو إنه مرات بتصير حالات طوارئ، إن لازم تستلزم وجودي هناك، بس ما بأقدر أعملها، فالوالدة توفت قبل 3 سنين، للأسف الشديد ما قدرت أروح أشوف جنازة الوالدة، فهذا خسارة كتير.

فبعدين الأشياء الثانية اللي فعلاً المهاجر بيخسرها في هاي البلاد هو الشمس، هو إحنا موجودين حالياً فعلاً في منطقة مشمسة، والشمس مشرقة والسماء زرقاء، وورانا ميه وروابي أخضر، هناك بنعيش في July.. في شهر آب، ففيه الشتاء قارس جداً في كندا، يستمر يعني 8 أشهر بسهولة، الشمس بتكون قليلة جداً، وإحنا.. إحنا ما بننتمي إلى إشي اسمه المجموعة الشمسية، فالشمس هي عنصر أساسي في حياتنا، بتؤثر على سلوكنا الإنساني، الفلسفي، النفسي، حتى على طريقة أكلنا، وبالطبع الشمس مهمة جداً في تركيبنا ونمونا.

المعلق: ويبقى السؤال ملحاحاً في كل مرة ودونما من مجيب، لماذا كندا؟ ليأتي الجواب في ختام المطاف مناظرةً لنقيض الشبه فيما بينها وبين بلادنا العربية، فهنا أرض تتعطش للدفء، وهناك بلاد تغسلها الشمس على مدار السنة، وهنا خضرة رداءٌ غريب يغزوها لأسابيع قليلة، وهناك صحراء تزحف كل يوم نحو ضفاف المدن، وهنا عشرات اللغات والألسن، وهناك عراقة تتغرب، ولسان واحد وإخوة دم، وهنا الماء وفير يعادل وفرة النفط في بلاد العرب، وهنا بلاد قامت عمادها واستطالت بناء على أكتاف عقول مهاجرة، وهناك بلاد تفرِّخ العقول لتسلمها لطريق المهاجر في بلاد الدنيا.

د. جلال حواري: أنا بأعتز في النجاحات اللي حققتها في غربتي في مونتريال في كندا، فاختراعاتي والاكتشافات العلمية والبحوث العلمية اللي نشرتها في البيئة والحفاظ على البيئة، أصبحت تحمل اسم إلي في العالم، وكثير من الاتصالات بتجيني، الاستشارات في البيئة، فأنا أعتز بهذا الإنجاز، وهذا هو يعني ربح بسيط يمكن الإنسان اطلع عليه من قسوة الغربة لما بيكون بيبعد عن بلاده وعن أحبابه وعن أهله، فأنا بأتمنى إنه هذه الاكتشافات البيئية ستؤدي يوماً إلى.. أو ستفيد الإنسانية، وتفيد السلام العالمي أيضاً، فبأعزي نجاحي إلى عائلتي، زوجتي حكمة وأولادي، وأنا أشعر إني وفقت في هجرتي، وأتمنى للجميع التوفيق، وشكراً.