ضيف الحلقة:

د. أحمد سعيد الطيبي: طبيب وباحث أكاديمي

تاريخ الحلقة:

08/08/2003

- نشأته ورحلة الشتات التي عاشها
- رحلته العلمية والشهادات التي حصل عليها

- تخصصه في الطب الوراثي وبراعته فيه

- دوره في اكتشاف أمراض الوراثة عند العرب

- معنى الهجرة عند الدكتور أحمد الطيبي

د. أحمد الطيبي: بالرغم أنني لا أعمل في مجال السياحة ولست كذلك محافظاً للمدينة فإنني أقول لكم أن (تورنتو) مدينة جميلة، واحدة من أجمل مدن العالم، مدينة تتنوع بها الثقافات والأجناس والأديان، مدينة الاقتصاد والصناعة والثروة، مدينة مبانيها جميلة طبيعتها ساحرة، هذه المدينة لا تشعر فيها.. بها في الغربة.. بالغربة على الإطلاق، تجد الغالبية مهاجرين، الغالبية تتنوع ألوانهم وأشكالهم، بعد خمس سنوات لم أشعر بالغربة الحقيقية على الإطلاق، إنما هي غربة الوطن، غربة بلادي فقط، تورنتو أقول لكم مرة أخرى مدينة جميلة، أهلاً ومرحباً بكم.

المعلق: إلى أقصى الشمال من العالم والى الجنوب من كندا تقع تورنتو، مدينة تضم بين ظهرانيها أكبر تنوع عرقي لتشكيلة تتكون من أزيد من ثمانين جنسية مختلفة في الدين والعرق والثقافة تُكوِّن بمجموعها سكان تورنتو البالغ تعدادهم المليوني ونصف المليون نسمة يشكل المهاجرون منهم نسبة الـ 80%.

مدخلها الجنوبي يحيلك إلى نيويورك والتي تشبهها تورنتو من حيث الأهمية الاقتصادية والتجارية، غير أن الوداعة والهدوء الذي يميزها هو على طرف نقيص من ذلك، مما جعل منها مركز استقطاب سياحي متنوع الإمكانيات، وحتى بعد ظهور مرض (سارس) فيها لم يخسرها الكثير من بريقها السياحي، وفي إحدى ضواحيها الهادئة كان موعدنا مع البروفيسور والطبيب العربي أحمد سعيد الطيبي.

نشأته ورحلة الشتات التي عاشها

د. أحمد الطيبي: نشأت في أسرة تحب العلم، كان جدي الشيخ أحمد الطيبي -رحمه الله- أحد شيوخ فلسطين في منطقة يافا، قبل وفاته عام 33 أوصى أن يكون والدي شيخاً كذلك، ورصد له وقفاً حتى يمكنه أن يتم تعليمه في الأزهر الشريف فأتم والدي تعليمه في الأزهر الشريف وعندما تزوج كان نصب عينه أن يكون أولاده متعلمين، فكان تركيز كبير في الأسرة منذ أن تزوج والدي -رحمه الله أيضاً- أن نكون جميعنا متعلمين، احتُلت فلسطين عام 48 ووُلدت بعد ذلك بقليل عندما كانوا في رحلة الشتات.. بداية رحلة الشتات، بداية رحلة الشتات كانت أولاً في مصر، ثم في لبنان حيث وُلدت، ومن لبنان كان والدي وهو متعلم وهو شيخ تخرج من الأزهر يبحث عن عمل، قدم طلبات ليبحث عن العمل في عدة بلاد عربية، وكان أول بلد قد قبلته هي سوريا، بعد أن وُلدت مباشرة ذهب والدي ووالدتي وأنا، حيث أنا أول الأبناء إلى سوريا، كان والدي يحدثني آنذاك أنه لا.. لم يكن لديه بضع قروش حتى ليمكنه ليحضر لي الحليب، عندما عمل في سوريا أخذته الأقدار ليعمل في مدينة حماة، مدينة حماة مدينة تبعد بضع عشرات من الكيلومترات من مدينة دمشق وهذه المدينة هي مدينة أهلها طيبون وهي مدينة تتسم يعني بغزارة الريف فعمل في الريف آنذاك وجاء في مدرسة تقرب من حماة بضعة كيلومترات، في هذه القرية التي عمل بها والدي لم يكن هناك من الحياة الحديثة شيء، كانت بيتنا من طين، لم يكن في المدينة إلا دكان صغير كنت أتذكر كيف.. كيف أذهب إلى هذا الدكان لأحضر بعض الحلوى، كانوا يذبحون يعني الخراف مرة في الأسبوع أو ربما مرة في الشهر، كان.. كان لدينا فانوس صغير كنت بدأت المدرسة في ذلك الوقت تقريباً في حوالي عام 55 عندما كنت في الصف الأول.

المعلق: وُلِدَ الدكتور أحمد سعيد الطيبي مع بداية رحلة الشتات الفلسطيني، وقد كُتبت عليه الهجرة قدراً عاشه منذ ولادته بلبنان، ثم انتقاله إلى سوريا فالكويت التي أتم فيها تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم سافر إلى مصر لدراسة الطب بجامعة القاهرة، ثم عاد بعدها إلى الكويت ليرحل عنها إلى أيرلندا، ثم بريطانيا فالولايات المتحدة، ثم كندا، رحلة في دنيا الله ابتدأها كغرسة خير شاءت لها الأقدار أن تعيش العمر ارتحالاً دونما أن تستقر على أرض تحتضن جذرها الذي اعتاد التنقل مجبراً غير مخير، جذر كلما امتد بأرضٍ دفعه الطموح والفضول لتحصيل العلم إلى الهجرة إلى أرضٍ أخرى.

د. أحمد الطيبي: عندما ذهبنا إلى الكويت كان الوضع ليس بأفضل بكثير، كان ذلك عام 56 أو 57، لم يكن لدينا في القرية كهرباء، كنت أصحو من النوم لأضيء القنديل وذلك هذا قنديل الجاز لأبدأ بالقراءة بدراسة دروسي أو أبدأ بالرسم أحياناً، نمت لدي موهبة الرسم وصُقلت في.. في المدرسة، المدرسة في الكويت كان لديها إمكانيات أفضل قليلاً من تلك الموجودة في سوريا، كان لدينا الألوان وكان لدينا الأوراق، وكنا.. وكان لدينا حصة الرسم.. وكان المدرس يشرف علينا فنمت هذه الموهبة عندي قليلاً، لم.. الحر في الكويت لم يجعلنا نستطيع أن نلهو كثيراً في خارج المنزل، كان لهونا أغلب الأحيان في داخل المنزل حيث الظلال، لم يكن لدينا مكيِّف ولم يكن لدينا مراوح، في.. في هذه.. في هذه البلد كان.. أذكر إنه لأنه والدي كان مدرس كان.. كنا.. كنا نذهب إلى المدرسة وكانوا يعرضوا فيلم أسبوعي أذكر إنه أحيانا كانوا أغلب الأفلام تكون أفلام عربية لم يعني كان في الخيال أن يكون هنالك سينما، كانوا يعرضون على.. على بروجيكتور خاص أفلام أسبوعية ويأتوا بها فكانت العائلات تجتمع، وكان هذا أيضاً شيء كنا يعني نتوق إليه كل أسبوع، الحياة كانت بسيطة ولكنها ممتعة، عندما نرى الأطفال الآن يلهون بالألعاب المعقَّدة والكمبيوتر نتذكر أحياناً عندما كنا نصنع الألعاب من الأسلاك ونصنع السيارات من الأسلاك، ولكن نشعر بالسعادة إنها كانت سعادة طبيعية، كنا يعني لم.. لم.. لم تكن الحياة معقَّدة، هذه السعادة بقيت معنا في حتى الآن نتذكرها لا نأسف أننا لم نعش في هذا الوقت في طفولتنا.

المعلق: في سن المراهقة عاش صراع الاختيار ما بين الرسم والشعر اللذان أحبهما وما بين دراسة الطب تحقيقاً لرغبة والده وضرورات الحياة الصعبة التي عاشها في صغره، فكان الطب الخيار الجذري الذي عاشه طالباً بكلية الطب في القاهرة، ومصر تعيش أجواء حرب النكسة ورغم ذلك أتم الدراسة، ومع السنة الأولى لتخرُجه من الجامعة كانت مصر تستعد لحرب عام 73، فعاد إلى الكويت ليعمل طبيباً متدرِّبا في مستشفى آل صباح للأطفال، وبعد حصوله على مواد التخصص في طب الأطفال، سافر إلى دبلن لينال من جامعتها شهادة الدبلوم في تخصص طب الأطفال، وبعدها إلى جامعة لندن لينال الماجستير في الطب الوراثي ثم الدكتواره.

رحلته العلمية والشهادات التي حصل عليها

د. أحمد الطيبي: وفي عام 90 ذهبت إلى أميركا بعد. بعد حصولي على جائزة الكويت للتقدم العلمي، حيث كنا نود أن نقضي ذلك الصيف في أميركا، وحصلت الحرب حرب الخليج من دون أن يتوقع أحد، قد تركنا بيتنا في الكويت، تركت كل ما لديَّ في الكويت ولم نستطع أن نعود، حيث بقيت حالة الحرب فترة طويلة كما تعلمون، فكان عليَّ أن أبدأ من جديد للبحث عن عمل، كانت مؤهلاتي تؤهلني أن أعمل في العالم العربي أو أوروبا في.. في بريطانيا، ولكن لا تؤهليني أن أعمل في أميركا، فبدأت البحث عن عمل، وذهبت لأن أكون متدرباً في جامعة (ييل) في الولايات المتحدة في (كنكيتا).

في ذلك الحين كانت شقيقتي في الكويت طلبت منها أن تأتي لي بكل ما هو ثمين أو كل ما هو يعز عليَّ كصوري صور العائلة، شهاداتي.. ما غلا ثمنه وخف حمله of course، ولكن جاءت لي ببعض الأشياء ولم تستطع أن تأتي بكل شيء، تركت كل شيء وجاءتني ببعض الشهادات، لم تأتِ لي بشهادة بكالوريوس الطب، لأني حصلت على عدة شهادات بعدها، فقالت: ما.. ماذا تهم هذه الدرجة؟

المهم بدأت قصتي في أميركا كمتدرب، وأنهيت تدريبي بعد ثلاث سنوات في جامعة (ييل) حيث عملت في جامعة (ماجيل) في (مونتريال)، في ماجيل كانت الحياة الآن أفضل حالاً، أصبحت الآن طبيب لي وضعي الخاص، أصبحنا نستطيع أن نعيش كمستوى جيد كما كنا نعيش منذ أيام ما كنا بالكويت في الفترة الأولى كانت هنالك صعوبة، لأنني كنت متدرب كانت.. كان راتبي لا يستطيع أن يفي باحتياجات الأسرة، ولديَّ أربعة من الأطفال، بعد ذلك الحين بعد مضي خمس سنوات في.. في ماجيل وهي -كما تعلمون- موجودة في مقاطعة فرنسية، كان من المطلوب مني أن أتعلم الفرنسية، ولكني لم أكن أجيد الفرنسية حتى بعد خمس سنوات، فبالآخر قررت أن أذهب إلى تورنتو حيث أنها مقاطعة إنجليزية وليس لديَّ ذلك الضغط الشديد لأن أتعلم لغة تعبت كثيراً في تعلُّمها ولم أستطع، في.. في.. في تورنتو -كما تعلمون- عملت أو يعني عينت كأستاذ بروفيسور في مجال الوراثة الطبية والتشوهات، وأصبحت رئيساً لقسم الوراثة والتشوهات في مستشفى الأطفال في تونتو في الوقت الحالي.

تخصصه في الطب الوراثي وبراعته فيه

المعلق: خلال عشرين عاماً من تخصصه في مجال الطب الوراثي والأمراض ذات المنشأ الجيني، اكتشف البروفيسور أحمد سعيد الطيبي خمسة وثلاثين متلازم جيني ذات صلة عميقة في تهيئة الاستعداد الوراثي للأمراض ذات المنشأ الجيني، وسميت العديد من هذه المتلازمات الجينية باسمه، ولما للطب الوراثي أبحاثه التي أصبحت من أهم أسباب علاج الكثير من الأمراض الوراثية، والكشف عن مسبباتها، وتكريماً للجهد البحثي الطويل الذي قدمه البروفيسور أحمد سعيد الطيبي حاز العديد من الجوائز، كان من أهمها جائزة التقدم العلمي من دولة الكويت في العام 90، وجائزة المؤسسة الأوروبية للعلوم للعام 2001.

د. أحمد الطيبي: بالرغم أن اختياري لمجال طب الوراثة كان نتيجة صدفة، لكن استمراري به كانت نتيجة قناعة كبيرة، شعرت أنا بالعالم العربي هناك كثير من الأمراض الوراثية، الكثير من أمراض الصفة المتنحية، التي هي نتاج لوفرة أو كثرة زواج الأقارب في العالم العربي، شعرت أن هنالك لابد من شيء أن.. أن نفعله لمحاولة تخفيض مستوى التشوهات والوراثة، كنا نقرأ في الكتب أن لليهود أمراضاً كنا نقرأ في الكتب أن للفنلنديين أمراضاً، لم يكن أحد يعير العرب أي اهتمام، نحن نعلم أن العرب لديهم الكثير من المشاكل التي لم يظهرها أحد على السطح، أنا سعيد الآن عندما أعود بالذاكرة لقراري واستمراري في هذا المجال حتى الآن، سعيد أنني اخترت هذا المجال لأنني استطعت -وبحمد الله وبعونه- أن أتمكن من عمل شيء في ذلك المجال.

الآن عملي في الجامعة ينحصر في ثلاثة أقسام، أولاً: كطبيب فأنا أمارس عملي كأستشاري وأقوم بفحص المرضى وبالتشخيص، والمرضى الذي أقوم فحص.. الذين أقوم بفحصهم هم مرضى محولين من مناطق مختلفة من كندا ومن الولايات المتحدة الأميركية ومن بقاع العالم.

الشيء الثاني في عملي: هو البحث وذلك.. وهو البحث السريري أو البحث الذي يعتمد على الفحوص الإكلينيكية، وبالتالي الفحوص الجزيئية، نحن نحاول أن نفحص أو نجد الجينات المسببة للمرض، وقد بالفعل قمنا بإيجاد بعض الجينات نتيجة دراسة حالات كثيرة من العالم العربي، خصوصاً من قطر ومن المملكة العربية السعودية، وتمكنَّا -بحمد الله- من تحديد ملامح المرض، ومن تحديد الجينات المسببة للمرض، وكذلك التغيرات الجينية المصاحبة لهذه الأمراض.

الجزء الثالث من عملي: هو التدريس في جامعة تورنتو، نحن نقوم بتدريس مادة علم الوراثة في أولاً كلية الطب، ثانيا في مجال الماجستير، ماجستير الإرشاد الوراثي وذلك في القسم لدينا، وكذلك نقوم بتدريس علم الوراثة أو طب الوراثة للأطباء المتخصصين في طب الأطفال وطب الوراثة، والذين ينتمون إلى برامج تدريبية تابعة (American board)، وتابعة للبورد الكندي وتابعة أيضا (Royal college of physician) يعني اللي هي الزمالة الكندية في طب الأطفال وطب الوراثة.

المعلق: خلال حياته العملية كطبيبٍ وأستاذٍ جامعي نشر البروفيسور أحمد سعيد الطيبي أكثر من 200 ورقة علمية نشرت في أهم الدوريات الطبية العالمية وكان لكتابه البحثي الذي ألَّفه عن الأمراض الجينية عند العرب الدور العظيم في رصد أهم الأمراض الوراثية في المجتمعات العربية، من خلال هذا الكتاب المرجعي، وقد شارك البروفيسور بتأليف عدة كتب عالمية الصنع في مجال طب الأطفال والوراثة.

دوره في اكتشاف أمراض الوراثة عند العرب

د. أحمد الطيبي: كتاب أمراض الوراثة عند العرب الذي قمت بتحريره، كان نقطة تحول كبيرة في فهم العالم لأمراض الوراثة عند العرب، كان أيضاً نقطة تحول كبيرة في جذب الاهتمام في مجال علم الوراثة عند أيضاً المهتمين في علم الوراثة بالعالم العربي، على إثره بعد تكوين القاعدة المعلوماتية لأمراض العرب الوراثية، أيضاً الاهتمام أصبح كبيراً، في هذه الأثناء قمنا بتأسيس بالتعاون مع بعض المهتمين في مجال الوراثة عند العرب، بتأسيس الجمعية الأميركية الشرق أوسطية لأطباء الوراثة، أو المهتمين بالوراثة في العالم العربي وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وهذا.. هذه الجمعية -وهي جمعية أميركية- قامت بالاهتمام بأيضاً إنشاء.. عمل مؤتمرات متخصصة في هذا المجال، الكتاب الذي قمنا بتأليفه كان له أثر كبير أيضاً في هذا المجال أيضاً كان مرجع في كل هذه المؤتمرات التي قمنا بها، الآن عندما أفكر ماذا.. لماذا قمنا بذلك؟ نرى النتائج.. نتائج الاهتمام بالأمراض الوراثية عند العرب، لأن العالم أصبح الآن يفهم بعض الشيء مشاكلنا، أصبحوا يهتموا بدرجة أكبر بمرضانا، وبأمراضنا، أصبح الآن حتى كمان في مجال البحث العلمي، أصبح العرب هم أيضاً مصدر معلومات للعالم في مجال طب الوراثة على وجه العموم.

معنى الهجرة عند الدكتور أحمد الطيبي

بالنسبة لي الهجرة كانت قدر، لم يكن لي مفر من أن.. إلا من أن أهاجر، كان ذلك خارج عن إرادتي ولكنني استفدت بالهجرة استفدت وصنعت حاضري ومستقبلي إن شاء الله.

المعلق: ويمر العمر ليبقى ما نخلفه من ورائنا هو معنانا وحقيقة ما كنا عليه، زورقٌ يمضي بنا أو نحن من نمضي به في حياة كل ما يمر بنا فيها يمسي ضفافاً لا تمت إلينا بأي انتماء، ولا هوية سوى تلك المساحة من الذكريات التي بها نفاخر في عراكنا مع الحياة لنعطيها المعنى من خلال الحيز الذي يشغله إبداع فكرتنا.

د. أحمد الطيبي: كفلسطيني أنا في هجرة دائمة منذ أن ولدت، بدأنا حياتنا في -كما أسلفت- في سوريا، كانت هنالك صعوبة في العمل، وعمل والدي ثم ذهبنا إلى الكويت، عملنا ولكن لم نشعر بالاستقرار، كان علينا أن نحصل على الإقامات بكل سنة وكل.. أو كل بضع سنوات، الحياة في العالم العربي تختلف عنها في العالم الغربي، لم يكن هنالك فروق كبيرة بيننا وبين المواطنين في البلاد التي كنا نعمل بها أو كان والدي يعمل بها أو حتى عملت بها بعد ذلك، ونشأ أولادي ونشأت عائلتي هناك، لم يكن هنالك اختلافات في.. في اللغة أو في العادات أو في الدين اختلافات حتى تذكر، كنا نعيش حياتنا ولكننا كنا نشعر أننا دائماً مهددين إما أن نترك وظائفنا أو مصادر رزقنا في تلك البلدان، لم يكن.. كانت الهوية مشكلة، كان.. لم يكن لدينا جوازات سفر، كانت.. التنقل بين البلدان كان أكبر مشكلة، الحصول على تأشيرات الدخول كان صعباً في أغلب الأحيان، حتى عندما مثلاً فكرت أن أتعلم كان عليَّ يعني عبء كبير أن أحصل على تأشيرات دخول مثلاً في بريطانيا وفي أميركا، وفي معظم مناطق العالم التي يمكن أن يحصل بها الواحد على تعليم جيد، كما تعلمون الأمور تمر كذلك ويمضي عمر الإنسان وهو في هجرة دائمة، لم.. أذكر أنني لم أشعر فعلاً بالاستقرار لفترة طويلة، كنا.. كنا.. كنا نشعر أننا نعيش، كنا نعيش حياة طبيعية أحياناً، ولكن عندما يأتي مثلاً وقت تجديد مثلاً الإقامة أو تجديد عقد العمل أو.. كنا نشعر دائماً بالتهديد.

المعلق: أرض هنا أو هناك وكل بقعة تحت سقف عقولنا أرض ويبقى في سويداء القلب أرض ربما تخيلتها أو روت لك الجدات عن جغرافية حزنها المستديم، أو تطالعك الجرائد كل يوم وهي تروي الحكاية عن وطن انعطف التأريخ على حده وعلى رجع قصته الطويلة ستطوى آخر صفحات البداية والنهاية لكل تاريخ البشر.

د. أحمد الطيبي: الهجرة بالنسبة لي.. لنا هي الحياة كما أسلفت: نحن مهاجرين منذ أن ولدت أنا، أذكر أنني قد قلت قصيدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً كان أيامها عمري حوالي 22 سنة قلت بها:

حينما أصحو من النوم أنام

لا أفكر أين أقبع

إنني أدري ولكن لا أفكر

إنني أحيا بمصر

بينما أهلي هنالك يكدحون

وبقدر الكد يجنون الرغيف

والصحاري أصبحت في رأيهم فرش وثير

إنهم كانوا هنالك في بلادي يحرثون

في ربوع السهل حيث البرتقال

في شطوط البحر في كل الجبال

حين قال ابن يهوذا

إنهم لا يفلحون

إنهم أرض وشعب من تراب أو رمال

وتناثرنا سريعاً كالخراف

وتجمعنا ضعاف

ثم صرنا لقماً في بطن حوت

كلنا لا نتفوه

نحن في المغنى سكوت

أيه.. أي دنيا هذه نحن بها

هي يلعن الخادم فيها سيده

ويناديه جبان

والنساء المسبيات

لا تقولوا إنهم من آل بيتي

لا تلوموني سريعاً

ولتمت أفكاركم

إنني أحيا بمصر

ولماذا جئتها؟

إنني كنت قديماً لا أفكر

ثم أصبحت رويداً دون فكرة

لست أدري ما إذا كنت أصلي

أو أغني أو أصفِّر

إنني أعلم أن الكون دائر

والليالي هكذا تمضي سريعاً

إن عمري قد يقارب ربع قرن

دونما ألقى هوية