ضيف الحلقة:

د. ريمون قبشي: محام وأستاذ جامعي

تاريخ الحلقة:

15/11/2002

- أسباب هجرة ريمون قبشي من لبنان إلى فنزويلا
- انتماؤه للوطن اللبناني وكيفية تربية أولاده

- عمله في الدفاع عن الجالية العربية والقضايا العربية

- علاقته بالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز

- رؤية قبشي لدوافع وحقيقة الهجرة العربية وحلولها

د. ريمون قبشي: أنا ذرة من تراب أبعدها القدر عن بلاد الأورجوان ليقذفها بعيداً إلى عالم مجهول. شظية أرزة رمتها أعاصير الفتنة على الطرف النائي من بحر الظلمات. شاب طامح ضاق به مرقد العنز، فرُحَّل مهاجراً مجتمع الانتحار الجماعي بعد أن لفظه الوطن بعيداً عن بلاد (أدونيس) وديار (قدموس) إنسان عصفت به لواعج الحرية والانعتاق فرُحِّل، فلجأ إلى أرضٍ واعدة تؤمِّن له الحياة، ثم لقمة العيش.

أنا عربي من لبنان، ودَّعتُ الجبل الأشم لأتغرب بالجسد لا بالروح، بالجغرافيا لا بالقلب، بالجسم لا بالفكر، بالمكان لا بالوجدان، لأصبح فنزويلياً يعشق لبنان ويؤمن بالعروبة، أو لأبقى لبنانياً جاعلاً من فنزويلاً وطناً ثانياً ونهائياً.

المعلق: فنزويلاً واحدة دول قارة أميركا اللاتينية المطلة على الساحل الجنوبي للبحر الكاريبي. بلاد ذات طبيعة خلابة، تتعد فيها صور الجغرافيا ما بين سواحل رملية وجبال شاهقة، وسهول تتخللها مياه عذبة ووديان. بلد يبلغ عدد سكانه قرابة العشرين مليون نسمة، تختلط أعراقهم وأنسابهم بمزيجٍ أسيوي، أفريقي، وأوروبي يشكل بنية شعب فنزويلا، عاصمتها (كراكاس) جاءها ضيفنا ريمون قبشي وهو في عمر الفتوة، جار عليه الوطن فولَّى وجهه صوب المغترب.

أسباب هجرة ريمون قبشي من لبنان إلى فنزويلا

د. ريمون قبشي: أنا ولدت في لبنان في زغرتا بلبنان الشمال في 4 أيلول عام 1941، ربيت وترعرت في البلدة زغرتا، ودرست في مدارسها إلى عمر 16 سنة عندما أخذت (البريفيه) باللغتين العربية والفرنسية. في أوائل عام 1958 سجنت بشكل تعسفي من قبل حكومة كميل شمعون مع ألفين من الزغرتاويين، وكانت جريمتنا الوحيدة إننا ننتمي إلى ها البلدة هايدي اللي أعطت لبنان رجال فكر، رجال دين، رجال وطنية، ولكن عام 1958 كانت البلدة منقسمة كما انقسم لبنان بعد ذلك إبان الحرب الأهلية الأولى في القرن العشرين، التي هبت في.. عصفت بلبنان، ودامت عدة أشهر إلى أن انتهت الحرب بوصول فؤاد شهاب إلى سدة الحكم، ونزول القوات الأميركية على الأرض اللبنانية بعد أن قامت ثورة أطاحت بالعهد الملكي في.. في العراق، كذلك نزلت القوات الإنجليزية في الأردن، انشطرت زغرتا إلى فئتين، وانشطر لبنان إلى فئتين، فاللي ما كان بده يقاتل، وأنا من الشباب اللي ما كانوا بدهم يقاتلوا، كان أمامنا الاغتراب، ما كان فيه أمامنا إلا الاغتراب، تغربت عن زغرتا، وأميت فنزويلا باعتبار إنه كان عندي أخين، وكان عندي كتير من عائلة قبشي سبقوني إلى فنزويلا، لسوء الحظ وصلت إلى فنزويلا يوم 23 يناير عام 1958 في نفس اليوم الذي سقطت فيه الحكومة الفنزويلية، حكومة الديكتاتور السابق (بيريس هيمنيس)، فطبعاً خفت، أنا ولد ابن 16 سنة، ما بأتكلم الأسبانية، لغتي كانت اللغة العربية، واللغة الفرنسية ما كانت تنفعني في الشارع الفنزويلي، وصلت المطار ما كان فيه حد فيه استقبالي، فكنت أقول لنفسي إني ما رضيت إني أموت بلبنان بين أهلي وما بين عشيرتي في وطني، فجيت بدي أموت على رصيف وما حداً هيعرف فيَّ. الحمد لله نجوت. إذا تحدثنا عن غربتنا، الغربة مو ممكن أبداً تكون سهلة، يعني ممكن اعتبار إنه الاغتراب بحد ذاته مأساة، بصرف النظر إذا كان المغترب تكرَّم أو جنى على أي مغترب، إذا كان الأحوال صارت جيدة -وأعني بالأحوال الأحوال المادية والاقتصادية اللي هي أساس الاغتراب، أو سبب الاغتراب، ما هيك- أو كانت الأحوال سيئة، فالغربة بحد ذاتها هي مأساة، أن تترك أهلك، وطنك، أن تترك ذكرياتك، طفولتك، شبابك، الأهل، المدرسة، كل ها الأشياء هايدا بتخليك دائماً إنك تعيش في دوامة من المأساة، وبتشعر دائماً بإنه فرحك وسعادتك ونجاحاتك في المغتربات تبقى ناقصة، لأنك.. لأنه ها النجاحات ما حققتها أنت حيث ولدت، حيث ترعرعت، حيث أقمت العلاقات الحميمية مع الجيران، مع الأهل، وخاصة في مغتربات، فقصتي أنا، أنا جئت المغتربات. أو جئت المغترب الفنزويلي كان سبقني إلى هذا المغترب خيين محسن وروبير، فللوهلة الأولى لم أشعر بميل نحو التجارة، والمغترب أصلاً يتعاطى التجارة، لأنه يريد الكسب السريع للعودة إلى الوطن، لا يهتم بالزراعة، لا يهتم بالدراسة، لأن الزراعة أو الدراسة تأخذ منه وقت طويلة للكسب والعودة إلى الوطن، العودة إلى الأهل، العودة إلى العشيرة، إلى المنطقة اللي بينتمي إليها، فأنا لم أشعر بميل نحو التجارة، على الرغم من أنني تعاطيت التجارة، ولكن دون رغبة، فكنت منذ وصولي تواق إلى متابعة الدرس.

انتماؤه للوطن اللبناني وكيفية تربية أولاده

المعلق: هو الوطن، قدرٌ تحمله معك، شئت أم تغافلت، يحزنك حزنه، وتفرح حين يلاقي سمعك ذكر اسمه، بعيداً كنت أم قريباً يبقى كلك أنت، وتبقى أنت جزءاً منه، بمقدار ما تحتاجه حين تعبس الغربة، أو تهديك فرحها المجامل، انتماؤك إليه هو عنوانك حيث ذهبت، وحين تضيق بك البسيطة أمانة صدق تؤديها إلى أبنائك شعوراً وتربية، كي ترى فيهم بلادك التي جارت عليك، لتكتب من خلالهم حكاية محبة لصفحات تؤلف تأريخك الشخصي.

د. ريمون قبشي: الحمد لله، على الرغم من أنه زوجتي فنزويلية، وبإني أنا لم أتخلَّ عن عاداتي العربية ومشاربي العربية، ومحبتي لكل ما هو عربي، لغة وحضارة وعادات وموسيقى وطعام وشراب، فلقد مَضِي على زواجنا 31 سنة، الحمد لله نحن في تفاهم تام، ربينا أطفالنا على العادات الطيبة.

وأسميت أولادي: جمال تيمناً بجمال عبد الناصر، الذي أعتبره أكبر شخصية عربية فرزته.. فرزه التاريخ العربي منذ الخلفاء الراشدين إلى اليوم.

وبنتي الثانية أسميتها جميلة، تيمناً باسم والدتي من جهة، التي كان اسمها جميلة -الله يرحمها- وبجميلة أبوحيرد البطلة الجزائرية، مثال للمرأة العربية المناضلة.

وياسمين بنتي الصغيرة تيمناً بطالبة فلسطينية.. تظاهرن الطالبات الفلسطينيات عام 1979 في نفس الأسبوع اللي ولدت فيه بنتي، واستشهد.. استشهدت طفلة فلسطينية اسمها ياسمين، فأسميتها ياسمين تيمناً بهذه الشهيدة الفلسطينية.

أولادي بأغذي فيهم الفكرة بأنهم فنزويليون، ولكن بأغذي فيهم أيضاً محبتهم إلى لبنان، إيمانهم بالعروبة كوطن والدهم، وكوطن أجدادهم، بس مش على فكرة العودة إلى لبنان أو العيش في لبنان. أنا لي نظرة أساساً حول الموضوع هذا بالذات، بتلاقي اليهودي في العالم، وأسوأ ما يمكنك أن تفعله إنك أنت تتشبه بأعداءك، بتشوف اليهود يتبوأ أهم المراكز في أي مجتمع، في أي بلد متواجد فيه، ولكن إيمانه دائماً في إسرائيل في نجمة داوود، ما هيك، أما العربي لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بالنادر، ليش؟ لأنه الأبوين بيريدوا دايماً إن يشجعوا أولادهم، يغرِّسوا في أولادهم، يرسخوا في أولادهم الفكرة بأنك أنت لبناني، أنت سوري، أنت فلسطيني، أنت مصري، أنت.. أنت جزائري، جيد، إذا بدك تأخذها من وجهة نظر معنية جيد، ولكن إذا بدك تأخذها من وجهة نظر انخراطه في المجتمع اللي هو موجود فيه -ما هيك- حتى لخدمة قضيته هتكون محدودة، لأنه تصرفه بإنه غريب في المجتمع اللي عم بيعيش فيه عم بيحد من طموحاته، عم بيحد من إمكاناته، وبالتالي عم بنحد.. نحن عم نساعده إنه يحد من الفرص اللي ممكن إنه يساعد في قضيته عن طريق الانخراط -ما هيك- بالمجتمع اللي عايش فيه.

عمله في الدفاع عن الجالية العربية والقضايا العربية

المعلق: مع بدء مشوار غربته بدأ يتحسس ملامح واقع المغترب، فتكونت مفاهيمه حول القضية العربية، والتي حددت انتماءه القومي، فمضى يبحث في السبل التي توصل صوته للتعبير عن عروبته، بما يحفظ أصالة الانتماء، فلنرى من المنابر التي أتاحتها الغربة مدافعاً عن حقوقية وعدالة قضايانا العربية، فعرف طريقه وواصله بمبدأ ثابت ويقين راسخ، أوصله إلى ما يريده من نتائج، على صعيد رفاهية الحياة وشرف المنزلة وسمو المبدأ بعلو همة.

د. ريمون قبشي: لما كنت صغير الوالدة -الله يرحمها- كانت تقول لي.. دايماً بتريدني إني أكون طبيب، لأنه كانت تقول بإنه عندي ملامح أو بعض العناصر اللي ممكن كانت تساعدني على إني أعمل طبيب، لما جيت فنزويلا عام 1958 فكان هناك بعض المشاكل تواجه أبناء الجاليات عامة، والجالية العربية بشكل خاص اللبناني والسوري والفلسطيني، فوجدت أنا إنه من الضرورة أن أدرس المحاماة، شعرت بإنه أمامي عمل إنساني اجتماعي وطني أن أدرس المحاماة لأرفع الضيم عن أبناء الجالية العربية، وهكذا درست المحاماة، وبالنسبة إلي أنا كان شيء جديد، ما ننسى إنه أنا ثقافتي الأساسية ثقافة عربية، وإلى حد ما فرنسية، والدراسة في فنزويلا تتعلق بقوانين فنزويلية، قوانين غربية إلى حد ما، وأنا ابن الحضارة العربية الإسلامية، عندما درست في لبنان وأخذت البريفيه، فأنا ما زلت أعتبر نفسي بإني أنا حصيلة كمسيحي لبناني عربي أشعر بأنني أنا نتاج حضاري عربي إسلامي، فطبعاً المحاماة في فنزويلا تختلف إلى حد ما عن درس المحاماة في لبنان أو في أي بلد عربي، فطبعاً بدأت من.. من الصفر، ولكن الحمد لله لم أتخرج محامياً فقط، أنا في الوقت الحاضر أستاذ في الجامعة، وأستاذ في كلية العلوم الدراسات العليا في وزارة الخارجية أدرس قانون.. القانون الدستوري، والقانون الإداري والقانون الدولي، والحمد لله الأمور ماشية.

في السابق أسست أول إذاعة عربية في فنزويلا، دامت ما يناهز الـ 30 سنة، كذلك أسست أول صحيفة عربية في فنزويلا، الإذاعة كان اسمها "صوت العرب"، والصحيفة كان اسمها "الصحافة العربية" عاشت خمس سنوات، كذلك أسست مع بعض الإخوان الفنزويليين الذين يؤمنون بكفاح العالم الثالث، وبنضالات شعوب العالم الثالث، وخاصة الشعب العربي، أسست جريدة اسمها "الفنزويلي الجديد" طبعاً ككل الأشياء الملتزمة مصيرها دائماً الموت.. الموت البطيء في مجتمع كالمجتمع اللي.. اللي إحنا بنعيش فيه مجتمع عدائي كما قلت، مجتمع يلاحق أصحاب.. أصحاب العقائد، وأصحاب المبادئ، كان علينا أن نتوقف إن كان في الإذاعة أو في الصحافة.. عملت أيضاً في.. في الأونسكو في برنامج كان اسمه تأثير الحضارة العربية على.. عفواً، "تأثير الحضارة العربية الإسلامية على أميركا اللاتينية عبر أسبانيا والبرتغال"، وأنا كنت المسؤول عن هذا البرنامج، وقد شارك فيه أكثر من 50 باحث وعالم من العالم، ومن بعض الدول العربية، لسوء الحظ بأن الدول العربية المعنية أصلا بالمغتربين في أميركا اللاتينية، وأخص بالذكر لبنان وسوريا وفلسطين لم يشاركوا في هذا.. في هذا البرنامج للأونسكو.

[فاصل إعلاني]

د. ريمون قبشي: صدر عن البرنامج هذا ثلاث مجلدات مهمة جداً، مراجع للوجود المهجري العربي في القارة الأميركية، ولتأثير الحضارة العربية الإسلامية على القارة الأميركية، أخص بالذكر من هذا التأثير خمسة آلاف كلمة -من أصل 40 ألف اللغة الأسبانية- من أصل عربي، يعني تقريباً 15% من اللغة الأسبانية.. التي نتداولها في فنزويلا وفي القارة الأميركية، علاوة على إسبانيا 15% من هذه اللغة هي من أصل عربي، نحن نقول الزيت و الزيتون والقطران والقنطرة والفارس، وإلى آخر ذلك، كما لو أننا نتكلم عربياً أو أسبانياً.

علاقته بالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز

المعلق: بعد أكثر من 40 عاماً قضاها محاولاً إيصال الفكرة الحقوقية العربية، وقضاياها العادلة، ومن منطلق عربي قومي، وأستاذ متخصص في مادة القانون الدولي، مهدت له الأقدار للقاء رجل يشاركه الأفكار، فكانا على موعد لبدء الرحلة.

د. ريمون قبشي: تعرَّفت على الرئيس (تشافيز) عندما كان مرشحاً لرئاسة الجمهورية، طبعاً كما تعلمون بأنه الرئيس تشافيز قبل 4 شباط عام 1992 لم يكن إنساناً معروفاً لدى غالبية الفنزوليين، كان أحد الضباط المغمورين الذين لا يُعرف شيء عنهم، ولكن عندما ترشح للانتخابات وأصبح يطرح أموراً مهمة جداً، أموراً بما يتعلق بالاقتصاد الفنزويلي، بالسياسة الاجتماعية، بالسياسة الخارجية، فوجدت هناك تقارب واسع بين ما يطرحه هو، وما أؤمن به أنا، لا بل إلى حدٍ ما شعرت بأنه ناصر جديد، وبكل إخلاص في.. في عملي اليومي مع الرئيس تشافيز أشعر إلى حد ما بأنني أتعامل مع ناصر وُلد في مكان وزمان آخر غير المكان والزمان الذي ولد فيه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فتعرفت عن طريق صديق على المرشح تشافيز، أكرر بسبب هذا التلاقي الفكري ما بين.. ما بين ما كان يقوله هو، وما أشعر به أنا، وما آمنت به طيلة حياتي، ومنذ ذلك الحين.. ومنذ ذلك الحين.. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل معه مستشاراً للشؤون العربية، وأعمل معه أيضاً مترجماً باللغة العربية، وقد أسهمت إلى حدٍ ما في إقامة المؤتمر الثاني لمنظمة الدول المصدرة للنفط - أوبك.

رؤية قبشي لدوافع وحقيقة الهجرة العربية وحلولها

المعلق: حين يكون الإنسان في قلب المعمعة يصعب عليه تحديد مجرياتها بدقة وموضوعية، غير أن المهاجر الذي يحملها معه، ويضيق المنظار في تحليلها، فتتسع الرؤية ليرى كثيراً من التفصيلات التي كانت غائبة عنه وهو في وطنه، ولريمون قبشي رؤية تحليلية لدوافع وحقيقة الهجرة العربية وحلولها.

د. ريمون قبشي: الدوائر اللي احتكرت الحكم في بلداننا طيلة العقود السابقة أوحت إلنا بإنه الهجرة وترك البلاد سببه حب الإنسان العربي للمخاطر وللمغامرة، أكثر من ذلك هيأوا لنا بإنه بنسافر، بنهاجر لأننا أحفاد الفينيقيين، أحفاد العرب اللي كل عمرهم كانوا يحبوا السفر، ويحبوا الهجرة، ويحبوا استعمار مناطق في بحر.. في حوض البحر الأبيض المتوسط، هذا كلام كذب، هذا تجني على الحقيقة وعلى الواقع العربي. سبب المهاجرة لدى الإنسان العربي هو واقعه الأليم، المعاناة يا اللي.. يا اللي بيقاسي منها في وطننا العربي، خاصة في المشرق العربي، فالحكومات المتتالية، حكومات الاستزلام، حكومات القبلية، حكومات الفئات الإقطاعية السياسية والزراعية، والدينية حتى من جهة، والتواجد الصهيوني العنصري الاستعماري على أرضنا العربية حدا بالمواطن العربي إنه يهاجر، إنه يسافر، الوضع الاقتصادي في بلداننا والوضع السياسي، كبت الحريات، كل هايدي من الأسباب اللي فرضت علينا الهجرة. ما هو شرط إنه المهاجر سافر لأنه جده فينيقي، ما نحن من 2000 سنة مثلاً إلى.. إلى القرن التاسع عشر ما كانت هناك هجرة، أين كان حبنا للمغامرة وللمخاطرة؟

أين كان انتماءنا الفينيقي أو انتماءنا العربي اللي كان يساعدنا على إنا نحب إنا نستعمر مناطق أخرى، أو نهاجر إلى بلدان أخرى؟ ما كانت موجودة.

بدأت الهجرة بالقرن التاسع عشر، واستمرت في القرن العشرين، وبعدها اليوم في القرن الواحد والعشرين، وسببها الأساسي هو واقع موضوعي فرضته الأوضاع القاسية التي تظلم المواطن العربي، تظلمه سياسياً بكبت الحريات، بعدم إعطاء المواطن حق التنفس الديمقراطي.

المشاكل الدينية التي تعصف بالمجتمع العربي، المشاكل الاجتماعية، كل هايدي كانت أسباب موضوعية لواقع ذاتي عشناه في وطننا العربي، وبعدنا بنعيشه في غالبية أقطارنا العربية حدت بنا للسفر.

لازم حكوماتنا العربية إذا كانت رايدة من المغترب أن يعود إلى وطنه، أن يعود إلى عشيرته، إلى منطقته أن يستثمر في البلد اللي شافه يعيش، خلق، ولد، إذا أرادت منه إنه ها الخبرة اللي اكتسبها بتلقيحه بحضارات جديدة، بعلوم، بفنون جديدة إنه يستثمرها في الوطن الأم، عليها أن تعيد النظر في سياستها نحو المغترب، والمغترب أساساً مش دولار فقط، مش إنسان مستثمر، هذا مواطن، عليه كل واجبات المواطنية، ولكن أيضاً له كل حقوق المواطنية، المواطنية الحقة، مش المواطنية اللي بعض الحكومات العربية اللي تفرضها على سكانها، الطاعة والانتخاب كل خمس سنوات حتى الحاكم بأمره تتوفر إليه 95 أو 99% من الأصوات، لأ، حقوق سليمة، حقوق ديمقراطية -ما هيك- مثلما عم بنتنعم فيها بالمغتربات علينا أن نتنعم فيها بالوطن الأم.