- ثقافة التسامح بين الراهن والتاريخي
- الآخر بين الإسلام السياسي والقوى المؤدلجة


خالد الحروب: مشاهدي الكرام مرحبا بكم، الكتب التي نناقشها اليوم تتنوع وتغطي موضوعات ثقافية وفكرية وسياسية والكتاب الذي سنتوقف عنده بالتحليل والعرض المطول يناقش مسألة التسامح في الثقافة العربية والإسلامية، على كل حال نبدأ بالكتاب الأول وعنوانه حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر وهو مؤلَّف جماعي شارك في إعداده عدد من المثقفين العرب ونقرأ فيه طروحات ونقاشات حول مصادر ومفاهيم العقلانية وحول معنى التنوير وكذلك حول التيارات العقلانية في الفكر العربي وحاصلة جهودها والسجالات الدائرة حولها ولئن عاش العرب مغامرة العقل العربي في عهدهم الإسلامي الوسيط كما يقول عبد الإله بلقزيز في تقديمه للكتاب فإن هذا العقل انزوى لقرون طويلة ولم يعاود الظهور بقوة إلا في القرن التاسع عشر وبين اجتراح عقلانية متأثرة بالغرب واستنهاض عقلانية تراثية لم تكن رحلة العقلانية العربية سهلة كما لم تكن حصيلتها باهرة بل اتسمت بالتواضع الشديد. الكتاب الثاني عنوانه الحرية والمراوغة والمساهمة في الإصلاح ونقد الدولة والسلطة وهو من تأليف الكاتب المصري نبيل عبد الفتاح، في هذا الكتاب سلسلة معمقة من المعالجات تتناول مسائل مركزية في قلب النقاش السياسي في مصر منها مسألة الدولة وتجديدها والانقسام الاجتماعي والسياسي حولها ومنها أيضا قيم النظام الجمهوري واهتزازها واستشراء الفساد على حسابها ويتوقف المؤلف ملياً عند موضوعات السياسة والنخبة وانصراف الناس عن الأحزاب السياسية وخوفهم منها ويطرح أيضا فكرة غياب الرجل الثاني في مصر ويسهب في مناقشة فكرة الإصلاح واستراتيجياته وخطاباته مضاف إلى ذلك قضية التجديد الديني والاجتهاد. أما الكتاب الثالث فعنوانه الإرهابيون والإرهاب في عالم اليوم من تأليف الأكاديمي البريطاني ديفد ويتكير أهمية الكتاب تكمن في أهمية الكاتب المعروف عنه تخصصه في هذا الموضوع ومن هنا فإن تأثير ما يكتب في الدوائر الأكاديمية على الأقل لا يستهان به غير أن الكتاب نفسه لا يرقى لمستوى التوقع فهو قراءة شبه مدرسية رتيبة لمسألة معقدة والمؤلف يختصر الطريق الشاق في التفريق بين الإرهاب والمقاوِم وبين الحركة الإرهابية والحركة المقاوِمة في عالم اليوم فيصف الجميع بأنهم إرهابيون وفي نفس الوقت لا يتعرض الكتاب لإرهاب الدول وما تقوم به ويحصر الإرهاب بما يقوم به الأفراد والمنظمات وقريبا من الإرهاب والعنف وما يولدانه من ظواهر اجتماعية وثقافية يدور موضوع الكتاب الرابع الذي نناقشه مع ضيوفنا هنا وعنوانه فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي الثقافة والدولة من تأليف الدكتور عبد الحسين شعبان، من حلف الفضول ودستور المدينة إلى العهدة العمرية إلى وثيقة فتح القسطنطينية يرصد المؤلف تاريخ وتحولات فكر وفقه التسامح العربي الإسلامي ويقارنه بالعنف والانغلاق وفكر الإقصاء السائد حاليا في مجتمعاتنا، لمناقشة الكتاب يسعدني أن استضيف المؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان الباحث والقانوني والناشط في مجال حقوق الإنسان فأهلا وسهلا به أهلا وسهلا يا دكتور.

عبد الحسين شعبان- مؤلف الكتاب: أهلا وسهلا.

خالد الحروب: وكذلك يسعدني أن استضيف الزميل الأستاذ أمجد ناصر الكاتب والشاعر ونائب رئيس تحرير صحيفة القدس العربي في لندن فأهلا وسهلا به أيضا أهلا وسهلا أمجد، دكتور عبد الحسين إذا بدأنا معك بسؤال قصير لكن شامل ما الذي تقصده في التسامح ما معنى التسامح مع مَن؟ وحول ماذا؟



ثقافة التسامح بين الراهن والتاريخي

"
القبول بالحوار وبالتعايش والاعتراف بالآخر والقبول بالوسطية وبالحلول الوسط تبدو هذه المعاني في ظل سيادة الإقصاء والإلغاء والتهميش حاجة ضرورية وماسة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية
"
عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان: التسامح هو مبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان دون الحديث عن مبدأ التسامح، التسامح هو نقيض اللاتسامح نقيض التعصب والإقصاء والتهميش والإلغاء والغلو نقيض التطرف نقيض الانغلاق بمعنى من المعاني القبول بالحوار القبول بالتعايش مع الآخر الاعتراف بالآخر القبول بالوسطية وبالحلول الوسط بهذا المعنى يبدو التسامح في ظل سيادة الإقصاء والإلغاء والتهميش حاجة ضرورية وماسة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية ليس فقط على الصعيد الداخلي وإنما على صعيد العلاقات الدولية بمعنى من المعاني سيادة نهج الواحدية والإطلاقية والعولمة ومحاولة إملاء الإرادة والاستعلاء يتطلب المزيد من التمسك والاستعلاء يتطلب المزيد من التمسك بالمبادئ القانونية بمبادئ التسامح لكي نصل إلى الاعتراف على الأقل بجزء من الحقوق مواصلة في الحصول على الحقوق كاملة.

خالد الحروب: نعم أمجد ناصر أنت أيضا مهتم بالشأن العام لكن على خلفية الواقع ربما اللاتسامحي الذي نعيشه كيف ترى رهنية هذا الكتاب ما أهميته وما أهمية معالجاته؟

أمجد ناصر- كاتب وشاعر نائب رئيس تحرير صحيفة القدس العربي في لندن: أنا أظن أن الكتاب له أهمية خاصة يعني تتمثل في شقين الشق الأول هو في المساهمة التي يبدو أنها الآن تبدو نادرة وفريدة من قبل مثقفين عرب شغلوا.. اشتغلوا في الحقل العام السياسي واشتغلوا بالحقل القانوني ويعني تدرّجوا أو على الأقل مروا بمراحل فكرية مختلفة ربما قد لا يعرف البعض ولا أدري إذا كان ذلك مهما أم لا أن الدكتور عبد الحسين شعبان كان من الكوادر الرئيسية في الحركة الماركسية العربية في الستينيات والسبعينيات وأن يأتي الكتاب من شخص مرَّ في هذه المرحلة الأيديولوجية في الحياة السياسية العربية هذا الشيء مهم الشيء المهم الآخر هو أن يأتي من عراقي في هذه اللحظة الراهنة حيث يسود مبدأ اللاتسامح يسود مبدأ الإقصاء والنبذ والحوار عبر الأحزمة الناسفة والعبوات المفخخة على المستوى السياسي الانقسام الأهلي والمحاصصة الطائفية التي تنزل بالمجتمع العراقي إلى مكونات صغيرة جدا.

خالد الحروب: نعم عبد الحسين شعبان إذا سألنا بالفصل الأول هنا تتحدث عن الراهن والتاريخي في مسألة التسامح تستعرض تقريبا التسامح عند الغرب ثم قبل أن تصل به إلى الفكر العربي والإسلامي السؤال المباشر هنا هناك في الفكر التنويري الغربي هناك مقولات جميلة جدا ونظريات جميلة عن التسامح لكن دائما تقارن بالممارسة الغربية وهي ممارسة استعمارية الحرب تكاد تكون بوصلتها الوحيدة فكيف نجمع بينهما؟

عبد الحسين شعبان: الشيء ينطبق أيضا على جميع المجتمعات على جميع الأفكار على جميع الفلسفات دعني أقول أن الغرب سبقنا خصوصا المسيحية في فكرة التسامح وفي فكرة إلغاء العنف وفي فكرة اللاعنف عندما دعت المسيحية إلى اللاعنف وهذا شيء تاريخي إذا أردنا أن نستعرض علاقة التسامح بالأديان فيما بعد الإسلام أيضا كان له مساهمة جليلة وسامية في موضوع التأصيل لفكرة التسامح وإن لم ترد كلمة التسامح في القرآن الكريم وإن لم ترد كلمة التنوير أيضا في القرآن الكريم إلا أن كلمة النور وردت ثلاثة وأربعين مرة على سبيل المثال ورد ما يدل على التسامح في القرآن فكرة التواصي والتآزر والتآلف والعفو وغيرها مما يدل على كلمة التسامح التي استعملها فيما بعد فرح أنطون بمعنى التساؤل، أريد أن أقول إن حلف الفضول الذي سبق الإسلام وأبقى عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بين جميع أحلاف الجاهلية وصلح الحديبية ودستور المدينة والعهدة العمرية التي أعطاها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جرى احتلال القدس عام 15 للهجرة بضمان حقوق ومصالح المسيحيين وغيرها.

خالد الحروب: هذه بالفصل القادم سوف نتوقف عندها بالتفصيل لكن دعني أسأل أمجد أيضا في نفس هذه المسألة الرأي العام العربي حتى وغير العربي دائماً ينظر إلى الغرب بنوع من التوتر والقلق وربما حتى للانشطار مصدر للتنوير لكن أيضا مصدر للحرب والتوحش أفكار ديكارت أو فولتير وكانط التي تحدث عنها الدكتور في الكتاب لا نراها في الحرب في العراق أو في أميركا اللاتينية أو حتى في التجارة والاقتصاد مع بقية دول العالم أمجد؟

أمجد ناصر: ذلك أن دائما الأفكار تسير باتجاه والسلطة والقوة تسير باتجاه آخر يعني نادرا ما تطابقت الفكرة مع السلطة الفكرة والدولة الفكرة والقوة أظن أن هذا للأسف الشديد هو دأب كثير من الفلسفات التي ظلت يعني حبيسة الكتب أو ربما تدور في إطار النخب الفكرية والسياسية ولكنها لم تتحول إلى دستور حقيقي وفعلي حتى الإسلام الفكرة الإسلامية الدين الإسلامي ربما يعني شهد تطبيقا لمبادئه في ربما الفترة الراشدية بعد ذلك لم يقتض لا الخلفاء الأمويون ولا العباسيون ولا من جاء بعدهم بالتأكيد بكل ما أنزل بالقرآن ويعني بالدين الإسلامي أو بالرسالة الإسلامية ككل ظلَّ الإسلام يعني ظل هناك من هو مُقصى داخل هذه الدولة أو داخل هذه الخلافة حتى هناك علماء تم إقصاءهم ومروا بمحن شديدة لاختلافهم مع السلطة كمحنة ابن حنبل الشهيرة هناك طبعا مفكرون كبار ومستنيرين وذو يعني أفكار مختلفة أيضا تعرضوا أيضاً للإقصاء كالمعتزلة المهم أن تاريخ حتى تاريخ إحنا العربي والإسلامي رغم أن الرسالة المحمدية موجودة ورغم أن القرآن موجود وأن مسلك الرسول موجود..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذاً علينا أن نعيش مع هذه الظاهرة الإنسانية..

أمجد ناصر [متابعاً]: ظلت يعني معايير السلطة ومعايير القوة هي للأسف التي تحكم حياة الأمم والشعوب.

خالد الحروب: دعني أسأل دكتور عبد الحسين شعبان هنا في الفصل الثالث تتحدث عن الدين والتسامح تتحدث عن اللاعنف والتسامح في المسيحية وأشرت إليها قبل قليل ثم تتحدث عن أيضا معنى وجوهرية التسامح في الدين الإسلامي لكن أيضا تصل هنا إلى التردي الراهن وهنا في الصفحة أعتقد 85 كما أخذت أنا ملاحظة تقول إن الخطاب الإسلامي أو الإسلاموي السائد حاليا وبخاصة من جانب الإسلام السياسي يقف عائقا أمام مبادئ التسامح والحداثة والثقافة السياسية التي ظلت طاغية وهي ثقافة الإقصاء والعزل والاستئصال مصحوبة بالتحريم والتجريم ماذا تقصد؟

عبد الحسين شعبان: أقصد أولا أن هناك فارق كبير بين يعني كمقدمة لهذه الفكرة بين ما هو ثقافي وبين ما هو سياسي بين ما هو نظري وبين ما هو تطبيقي وممارساتي وعملي سواء بالنسبة للغرب هناك فارق بين الغرب السياسي والغرب الثقافي الغرب الثقافي الذي أمدّنا بالكثير بأفكار التنوير بأفكار الحرية بأفكار حقوق الإنسان بأفكار الديمقراطية الذي أضاف كثيرا للفكر ووقف إلى جانب قضايانا بما فيها القضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام وهناك الغرب السياسي الذي لديه مصالح ويحاول أن يملي إرادته على شعوب وبلدان هذه المنطقة وخصوصا بالسنوات الأخيرة عندما استهدف الإسلام كدين بهذا المعنى وجد عدوا جديدا بعد انهيار الشيوعية بالإسلام واتخذ من محاربته على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي سواء أفكار فوكوياما أو أفكار صامويل هنتنغتون أو حتى بيان المثقفين الستين الأميركان بعد أحداث 11 أيلول الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة من جهة أخرى هناك نقص وخلل في الفكر العربي الإسلامي خصوصا بما هو سائد بما هو راهن بما هو متطرف ومتعصب ومنغلق وبما هو يمتاز بالغلو والتحريم والتجريم والتأثيم من جانب حركات وتيارات تجد في الآخر شراً مطلقا تجد في الآخر عدوا لابد من إلغائه أو إقصائه هنا أمام نحن أمام مظهرين خطيرين من جانب أول الغرب ينظر إلى العرب والمسلمين كلهم باعتبارهم يمثلون عمامة بن لادن وحركة طالبان وتنظيم القاعدة والإرهابيين المتطرفين الذين نراهم ومن جهة ثانية ينظر بعض العرب والمسلمين والتيارات الإسلامية إلى الغرب انطلاقا من كراهية مسبقة..

خالد الحروب: أو كأنهم كلهم جورج بوش..

عبد الحسين شعبان: غرب فوبيا أشبه بغرب فوبيا..

خالد الحروب: دعنا نتوقف دقائق لحظات بسيطة ثم أسأل أمجد أيضا حول نفس هذا المفهوم لأنه مهم ويعنينا نحن الآن في الثقافة العربية والإسلامية، مشاهدي الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.



[فاصل إعلاني]

الآخر بين الإسلام السياسي والقوى المؤدلجة

خالد الحروب: مشاهدي الكرام مرحبا بكم ثانية نواصل معكم نقاش كتاب اليوم فقه التسامح في الفكر العربي والإسلامي للدكتور عبد الحسين شعبان، أمجد توقفنا عند الوضع في داخل المجتمعات الإسلامية داخلنا نحن الآن المشكلة ليست فقط في غياب مدرسة التسامح كما يقول هنا الدكتور في هذا الفصل إزاء الآخر أيضا حتى إزاء المحلي إزاء المواطن في نفس الدولة نفسها هناك دعوات لا تسامح مفرطة ضد المختلف معك عقائديا المختلف معك فكريا وسياسيا ما تعليقك على فصل الدكتور عبد الحسين شعبان انطلاقا أيضا من واقعنا؟

"
هناك مجتمعات عربية كثيرة مهددة ربما بالتفجير الداخلي بسبب قضايا لم تواجهها ولم تأخذها بعين الاعتبار مثل قضية الأقليات لذلك التسامح برأيي ينبغي أن ينصب داخل الحيز العربي
"
     أمجد ناصر

أمجد ناصر: أنا أظن يعني أن أهمية أي نقاش الآن في الحياة العربية في موضوع التسامح والآخر الأنا والآخر ينبغي بالدرجة الأولى أن تنصب على الأنا لأن الآخر لنا مشكلة معه ولكن هذا موضوع آخر المشكلة الرئيسية هي في الأنا داخل هذه الأنا هناك أنوات وداخل الأنا هناك آخر أيضاً عندما نتحدث عن آخر هناك آخر مطلق وهناك آخر نسبي دعنا نتحدث عن آخر النسبي الآخر الذي هو فيه داخل الذات، أنا أظن أن واحدة من أكبر مشاكل الحياة السياسية والفكرية والثقافية العربية في عدم الاعتراف بهذا الآخر النسبي المختلف معه سواء مختلف معه على مستوى الرأي السياسي مختلف معه في المذهب الديني مختلف معه في الإثنية أو العرق نحن للأسف الشديد لا ننظر إلى المختلف معنا نفس النظرة إلى المتماثل معنا هناك بالتأكيد واحدة من أكبر مشاكل الحياة التي واجهت الحياة العربية هي والتي ستبرز الآن هي مشكلة الأقليات مشكلة الأقليات لم يتم التعامل معها واعتبارها قضية مهمة باعتبار أن الأكثرية هي التي توجد وتسوس ورأيها هو الذي يسود الآن هناك مجتمعات عربية كثيرة مهددة ربما بالتفجير الداخلي بسبب قضايا لم تواجهها ولم تأخذها بعين الاعتبار مثل قضية الأقليات هناك في مصر هناك في العراق هناك في لبنان في سوريا في كثير من المناطق العربية هذه المشكلة تبرز الآن على شكل مشكلة سياسية أحيانا متفجرة فالتسامح برأيي أنا ينبغي أن ينصب بالأساس فكرة نقاش التسامح الآن عربيا ينبغي أن يكون داخل الحيز العربي قبل أن ننتقل إلى فكرة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: دعني أسأل..

أمجد ناصر [متابعاً]: الآخر والنقاش مع الآخر في فكرة التسامح..

خالد الحروب: مرة أخرى أسأل عبد الحسين شعبان يعني حديثاً صدرت أيضا بعض الفتاوى وفيما يتعلق بالتسامح أريد أن أسمع رأيك فيها انطلاقا من حديثك عن اللاعنف في المسيحية واللاعنف في الإسلام والتسامح بين الدينين فتاوى تقول بتحريم قول كل عام وأنتم بخير مثلاً للمسيحيين العرب يعني هؤلاء مسيحيين عرب من داخل فضاء الأنا الذي تحدّث عنه أمجد وهؤلاء مواطنين في نفس المجتمعات والدول هذه فتخيل يعني إلى أي مدى كيف يمكن أن نزرع ثقافة تسامح في أجواء كلها مشحونة بالنبذ والتعصب؟

عبد الحسين شعبان: لعل الأسباب الرئيسية لكتابة هذا الكتاب هو سيادة هذا النوع من اللاتسامح من الإقصاء من الإلغاء أنا أعتقد أن خصوصا لأسباب فكرية وثقافية ولأسباب الوضع الاقتصادي الذي وصلت إليه هذه المجتمعات العربية ونكوص الحركة اليسارية والحركة القومية عموما بدأ توجه تدريجي باتجاه الإسلام السياسي وتدريجيا هذا الإسلام السياسي انغلق على نفسه فأخذ ينظر للآخر نظرة الغائية إقصائية بهذا المعنى..

خالد الحروب: لكن أيضا إذا سمحت والله دكتور مع المداخلة قصيرة لكن أحيانا الفتاوى هذه يعني تأتي من مصادر غير مسيّسة بالأصل يعني لا يمكن احتسابها على الإسلام السياسي يعني أحيانا من مثلا تيارات سلفية أو شيخ مثلا عنده مذهب معين في النظر إلى أمور فقهية..

عبد الحسين شعبان: جزء من خانة الإسلام السياسية ولكن أريد أن أقول إن ما ينطبق على الإسلام السياسي السلفي بين قوسين وينطبق على الماركسية السلفية ينطبق على الأفكار القومية التقليدية السلفية أيضا بهذا المعنى أن هناك نوع من اعتماد الأنا وإقصاء الآخر هذا الآخر قريب منك وفي بيتك اللي في داخلك أيضا بهذا المعنى يتم الإقصاء وإلغاء المسيحية علما أن المسيحية العربية قدت خدمات جليلة للثقافة العربية والإسلامية وكانت تعيش في إطار المحيط العربي والإسلامي تاريخيا وراهنا أيضا من ناحية أخرى ما حصل من انتكاسات على مستوى الأفكار اليسارية والقومية مثلما أشرت أدى فيما أدى إليه إلى حالة تراجع فضلاً عن ذلك ما حصل من انكسار للمشروع اليساري والقومي على المستوى العربي وعلى المستوى العالمي.

خالد الحروب: طيب نسأل أمجد في الفصل الرابع هنا الدكتور عبد الحسين يسرد لنا من التاريخ أمثلة مشرقة في التسامح من العهد النبوي إلى الراشدي إلى الآن والفرق بينها وبين ما نعيشه الآن فرق جلي وكبير كما لا يخفى على أحد، إذا أردنا أن نسير مع هذا مع ما ذكره الدكتور عبد الحسين هنا ما المشكلة أين الخلل أين الفجوة الكبيرة؟ ولماذا حصلت بين ما كان وما صار ويُفترض أن نكون قد بنينا على ما كان؟

أمجد ناصر: هو الفرق على ما أظن وأظن أن هذا ألمح إليه المطران جورج خضر في المقدمة البديعة والشاعرية والعميقة والمتأملة التي يضمها الكتاب هو الفرق بين الإيمان على ما أظن وبين الأيديولوجيا يعني عندما يتحول الإيمان أو يتحول الفكرة إلى أيديولوجيا هي تنغلق على نفسها ولا تعود قادرة على الحياة وعلى الحيوية يعني كل مقومات الحيوية والحراك في هذه الفكرة تموت يعني تتحول إلى شيء مسمط وثابت وغير قابل للتطور أنا أظن إنه واحدة من مشاكل الفكر العربي والإسلامي هي في غياب الاجتهاد لم يعن كباب أقفل منذ ربما مطلع العصر العباسي وتركت يعني تُرِكَ الدين وترك النص المقدس لِفقط أفكار بسيطة حرفية يعني تطبيقات بسيطة وحرفية وغير مجتهِدة غير مبدِعة غير قادرة على النظر لهذه الفكرة لفكرة المقدس أو فكرة الدين باعتبارها أيضاً فكرة تاريخية باعتبارها أنها تعايش التاريخ وتتطور مع التاريخ وتتواءم ينبغي أو ينبغي أن تتواءم مع التاريخ الإيمان هو شيء غير تاريخي ولكن الدين بما هو تعاليم وشرع وقوانين ومواضعات هو شيء تاريخي.

خالد الحروب: لكن أيضاً أمجد وأسأل عبد الحسين شعبان حول هذه النقطة كثير من الطروحات تقول أيضاً الضغوطات الخارجية المرحلة السياسية المنحطة التي نعيشها هزيمتنا أمام الآخر هذا أيضاً انعكست على الثقافة وعلى قدر من التوتر الداخلي والخوف حتى من الاجتهاد والخوف من الابتكار؟

عبد الحسين شعبان: نعم هذا جانب من الجوانب ولكن الجوانب الأخرى وهو تحدث عنها أيضاً الأستاذ أمجد وتناولها الكتاب بهذا المعنى هو هناك هروب إلى الماضي هناك ماضوية سواء بالأمس إلى الإيجابية والآن إلى السلبية واستخدام القرآن الكريم الذي هو حمّال أوجه بهذا المعنى لتوظيفه لأهداف سياسية مثلاً هناك آيات الإشماح وآيات السيف دائماً يجري اللجوء إلى آيات السيف وإهمال آيات الإشماح ثم هناك إشكالية بحكم ما حصل من تطور في الدولة العصرية إشكالية المواطنة إشكالية مبدأ المساواة كيف النظر إلى قضية المرأة قضية..

خالد الحروب: تعرف هذه الإشكاليات أريد أن تلقي الضوء عليها من خلال سؤالي حول دستور المدينة وأنت ذكرت هنا وقلت فيما أذكر أنه أول عهد مدني في تاريخ الإسلام أنه هذا عهد مدني توافقي..

عبد الحسين شعبان: أسس للدولة العصرية..

خالد الحروب: وأسس للدولة العصرية..

عبد الحسين شعبان: أسس لمبادئ دستور..

خالد الحروب: ما هي أهمية هذا الدستور؟

عبد الحسين شعبان: أهمية هذا الدستور أولاً أعترف بالآخر..

خالد الحروب: الآخر غير المسلم..

عبد الحسين شعبان: الآخر غير المسلم وبالطبع الآخر المسلم أيضاً يعني هناك سواء بين القبائل وبين أهل مكة وأهل المدينة بين الأنصار والمهاجرين هناك اختلافات نوع من الاختلافات الاعتراف بالآخر هذه قضية جوهرية، اثنين أقام دستور المدينة مبادئ المساواة ثم وضع معايير لتكريم الآخر بهذا المعنى أكرمكم عند الله أتقاكم هذه يعني كل من قدم عملاً كل من ساهم في خدمة الآخر بهذا المعنى قدّم مبادئ يمكن الاستعانة عليها يعني عليها في الدولة العصرية للأسف الشديد بعض الإسلاميين أو الذين يستخدمون الإسلاملوجيا يستخدمون تعاليم الإسلام ولكن تصب ضد الإسلام فيما بعد يحولوه إلى أيديولوجيا..

خالد الحروب: لكن أيضاً أسأل أمجد ليس فقط للإنصاف الموضوعي والتاريخي غير الإسلاميين أيضاً أظهروا قدر كبير من اللاتسامح والتعصب وسوى ذلك في التسيس العربي والفكر العربي في القرن العشرين أمجد يعني من تاريخ فرح أنطون والأفكار الجميلة التي جاء فيها حول التسامح إلى الآن حكم اليساريون والإسلاميون والقوميون والبعثيون وكل تقريباً كلنا في اللاتسامح؟

أمجد ناصر: يعني للإنصاف علينا أن نقول إننا ضحايا الإقصاء والتهميش والقمع والقتل في العالم العربي وقعت على أيدي قوى ليست لها علاقة بالإسلام السياسي على أيدي قوى ذات طبيعة أيديولوجية محددة سواء كانت هذه الأيديولوجيا ناصرية أو بعثية أو قومية عربية فضفاضة المهم أن لا ينسب لا يمكن أن ننسب أن كل الإقصاء والتهميش ورفض الآخر هو فقط في الحياة العربية المعاصرة الآن هو ثمرة وجود الإسلاميين فيها في الواقع الإسلاميين لم يحكموا حتى الآن هم طبعاً يمارسون هذا الإقصاء في داخل الشارع ولكن السلطة العربية التي استندت إلى أيديولوجيا محددة سواء كانت هذه الأيديولوجيا قومية يسارية أو قومية فضفاضة كالقومية في عهد عبد الناصر أظن أنها تركت ضحايا أكبر بكثير مما تركوا الإسلاميون الذين يعني لا شك انهم يتحملون الآن قدر كبير من فكرة الإقصاء وفكرة التهميش وفكرة الواحدية كما أشار الدكتور عبد الحسين.

خالد الحروب: شكراً أمجد وشكراً دكتور عبد الحسين وبأمل أن يصبح التسامح ثقافة وليس ضعفاً كما يكرر الدكتور عبد الحسين شعبان في الكتاب أشكره على وجوده معنا اليوم لمناقشة كتابه فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي الثقافة والدولة وأشكر ضيفنا الأستاذ أمجد ناصر نائب رئيس تحرير صحيفة القدس العربي في لندن وأشكركم مشاهدينا الكرام على متابعتكم لنا ولكم من معد البرنامج الزميل عبد المعطي جعبة ومني خالد الحروب أجمل تحية وإلى اللقاء.