- رؤية الكتاب للجذور الدينية والحداثية للاستبداد
- الثقافة الشرقية والاستبداد ودور المعارضة السياسية

- الأبعاد الإسلامية والدولية في ترسيخ الاستبداد


خالد الحروب: مشاهدي الكرام أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الكتاب خير جليس، أول الكتب التي بين أيدينا اليوم عنوانه المجتمع المدني المعولم وهو جهد جماعي موسع حرره كل من ماري كال دور وهيلمت آن هاير ومارليس إغلاسيوس، الكتاب يستعرض نظرية المجتمع المدني المعولم والتي تقول بوجود قضايا إنسانية مشتركة عابرة للحدود تشكل موضع تلاق لاهتمامات الشعوب والثقافات المختلفة بغض النظر عن الأنظمة السياسية التي تحكمها. يناقش الكتاب معالم المجتمع المدني المعولم ومدى بروزها وحقيقتها أو المبالغة فيها وذلك من ناحية نظرية ومن ناحية تطبيقية وبناء على دراسات حالات ومسائل عملية. يتضمن الكتاب أيضا عدة مساهمات من قبل باحثين عرب قدموا رؤى عربية مهمة في السياق العام لموضوع الكتاب، أما الكتاب الثاني فعنوانه اللغة والهوية في إسرائيل وهو مؤلف جماعي شارك فيه أكاديميون فلسطينيون وإسرائيليون يتناول دور اللغة العبرية في بلورة الكيان الإسرائيلي وقد قام بتحريره الباحث الفلسطيني محمد عمارة، يستعرض الكتاب آليات الصهر الهوياتي التي قامت بها اللغة العبرية وسط المهاجرين اليهود من البلدان المختلفة وكيف عملت تلك اللغة على تخليق هوية إسرائيلية مشتركة. ويأخذ حالات دراسية محددة مثل اليهود الروس واليهود الأثيوبيين ويدرس انتشار ودمج مفردات عبرية في لغاتهم وفي سياق المقارنة يبحث في النسيج اللغوي الاجتماعي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، أما الكتاب الثالث فعنوانه نظرية السلطة في الفقه الشيعي وهو من تأليف توفيق السيف وفي هذا المؤلف يؤصل الكاتب لفكرة السلطة ومرجعيتها وأصلها في الفقه الشيعي متناولا قضايا شائكة، مثل ولاية الفقيه ودور الشعب والبيعة وفكرة الحاكمية، في الكتاب يُكرس المؤلف فكرة أن الشعب هو أصل السلطة ومانحها وليس مشاركا سلبيا فيها ولا يقف محايدا إزاءها وهو لا يقبل فكرة البيعة المقصورة على عدد محدود من الناس أو فكرة أهل الحَلْ والعقد ويرى أن الانتخاب المعاصر هو الأسلوب الأنسب لاختيار الحاكم والسلطة حيث تكون السلطة موكلة من قِبل الشعب لتقوم بالحكم وهي سلطة قابلة للنقد في أي وقت وليس لها أية صفة مقدسة. أما الكتاب الذي بين أيدينا ونناقشه اليوم مع ضيوفنا في الأستوديو فعنوانه الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة وهو مؤلَّف جماعي أيضا حرره وأشرف عليه الدكتور علي خليفة الكواري الكتاب هو خلاصة أبحاث ودراسات قُدمت إلى مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية في ندوة عُقدت في مدينة أكسفورد. ويحاول أن يبحث في عمق مسألة الاستبداد وجذورها وتاريخها وتجدد ديمومتها في الحياة السياسية العربية، معي في الأستوديو لمناقشة الكتاب الدكتور يوسف الشويري الباحث في مركز الدراسات اللبنانية في جامعة أكسفورد فأهلا وسهلا به، أهلا وسهلا دكتور يوسف.

يوسف الشويري- باحث بجامعة أكسفورد: شكرا.

خالد الحروب: وكذلك أستضيف الدكتور رفيق عبد السلام الباحث في الفكر السياسي والعلاقات الدولية في جامعة وستمنستر في لندن وأحد المشاركين في الكتاب فأهلا وسهلا به أيضا.

رفيق عبد السلام- باحث بجامعة وستمنستر: أهلا وسهلا.



رؤية الكتاب للجذور الدينية والحداثية للاستبداد

خالد الحروب: أهلا وسهلا دكتور رفيق، دكتور يوسف إذا بدأنا معك مباشرة في الفصل الأول القسم الأول من الكتاب يحتوى على فصلين فصل حول الجذور الدينية للاستبداد وفصل حول الجذور الحداثية للاستبداد الجذور الحداثية كتبها رفيق وأنت ناقشت الجذور الأولى الجذور الدينية السؤال الأول إلى أي مدى ممكن أن نقتنع بوجود جذور دينية حقيقية للاستبداد العربي الذي عشناه ومازلنا نعيشه؟

"
كتاب الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة ينطلق من منطلق شيعي وبالتالي لا يعطي إلا لمحة مختصرة وهي فترة حكم الإمام علي وبالتالي لا تُقيِّم الفترة التاريخية الطويلة للحكم الإسلامي تقييما موضوعيا
"
يوسف الشويري

يوسف الشويري: إذا انطلقنا من نظرية الكاتب الدكتور علي الدباغ فهو ينطلق من منطلق شيعي اثني عشر وبالتالي يُقيّم التاريخ الإسلامي من زاوية معينة فيجد فيه الاستبداد ممتدا منذ وفاة النبي والخلفاء الراشدين حتى اليوم. ولا يعطي إلا لمحة مختصرة وهي فترة حكم الإمام علي وبالتالي هذه نظرة لا تُقيِّم الفترة التاريخية الطويلة للحكم الإسلامي تقييما موضوعيا.

خالد الحروب [مقاطعاً]: بسبب وجود طبعا سياق السُنة.

يوسف الشويري: بسبب وجود السياق السُني ثم محاولة إسقاط مفاهيم حديثة على التاريخ الإسلامي لأنه في ذلك الوقت لم يكن هناك حكم ديمقراطي في أي مكان من العالم، يعني وجود التسلط والاستبداد كان سمة عامة للأنظمة الموجودة في تلك الفترة عبر القارات..

خالد الحروب: وليس فقط في الحضارة العربية والإسلامية، دكتور رفيق مازالت طبعا هذه الأطروحة أن هناك كثير من النقد تعرض له قليلا هذا الفصل لكن ما نراه حاليا في الثقافة العربية السياسية تحديدا جذره الدين، هناك جذور دينية حقيقية للاستبداد وخاصة في مسألة ولي الأمر الذي تجب طاعته في كل الظروف.

رفيق عبد السلام: يعني لا شك أنه كما ذكر الدكتور الشويري أنه صاحب هذا المقال انطلق من منطلقات شيعية، يعني عبر عن الفكر السياسي الشيعي وما يتعلق بمفهوم العصمة وفي الوصية وهذه المرتكزات الأساسية التي قام عليها الفكر الشيعي. ولكن يبدو لي من التعسف ربط الظاهرة الاستبدادية بالدين عامة لأن الدين خاضع لاستراتيجيات تأويلية مختلفة، يعني كيف يتم استدعاء الدين وبأي وجه من الوجوه يتم استدعاءه؟ إذا قُصد من الدين هنا على وجه الدقة المدونة الفقهية التقليدية، المدونة الفقهية كانت في الغالب هي استجابة وتكيُّف مع تطورات ومتغيرات سياسية أكثر مما هي كانت صانعة للأوضاع السياسية التي كانت قائمة في تلك الفترة، بمعنى أن الفقهاء حاولوا التوفيق بين ما أسموه نموذج النبوة والخلافة الراشدة وبين المتغيرات السياسية الهائلة الناتجة عن التحول مما أسموه من الخلافة الراشدة إن لم نقل (كلمة غير مفهومة) إذا حاولوا تكييف الواقع السياسي والارتقاء به نسبيا إلى مستوى النموذج المثالي نموذج النبوة والخلافة الراشدة ولم يكن الفقهاء منتجون للاستبداد بأي شكل من الأشكال يعني..

خالد الحروب: لكن دكتور رفيق إذا انتقلنا إلى مرحلة أعمق من النقاش أن هذا الكلام جميل، لكن عمليا ومن ناحية تطبيقية مازال الاختلاط بين مركز رئيس الدولة أو رئيس الجمهورية أو الملك كمنصب سياسي وبين الظلال الدينية والمسؤولية الدينية لمن يقف في هذا المركز مازالت مختلطة ولم يتم توضيحها والفرز بين هذه الوظائف المختلفة وهذا يؤدي إلى توظيف الدين والاستبداد به أو الاستبداد بالناس عن طريق باسم الدين.

يوسف الشويري: يعني الدين يُوظَّف ما يُوظَّف أي شيء آخر، يعني أنت قد توظف المال وقد توظف الجيش وقد توظف إيديولوجيا معينة لخدمة أغراض معينة. والدين للأسف الشديد أصبح أداة طيعة في ظل الوضع السياسي السائد وبالتالي هناك أشخاص يريدون من الدين أن يضفي شرعية وهالة من القدسية على أنظمتهم وهناك أشخاص يريدون من الدين أن يفجر ثورة ويغير أنظمة ويحرر أرض وبالتالي كل هذا لا يعني أن الدين صفة واحدة بل الدين هو أكثر من..

خالد الحروب [مقاطعاً]: يوسف حتى ننتقل إلى الفصل الحداثي لكن هو أيضا للإنصاف أو من ناحية موضوعية وتاريخيةن أنت وأيضا رفيق ذكرت أن الفصل يتحدث عن السياق الشيعي والتجربة الشيعية والإمامة وولاية الفقيه وما قاد ذلك من استبداد بما يوحي وكأن التجربة السُنية كانت مغايرة تماما وفيها حريات وديمقراطية بين قوسين، فلذلك ربما يعني أيضا وجب لفت الانتباه إلى هذا أن التاريخ تقريبا كان متقاربا في الحالتين رفيق في الفصل الثاني الذي أنت ساهمت فيه بعنوان الجذور الحداثية للاستبداد وهنا تقول أن هناك أيضا جذور أخرى، هناك الحداثة السياسية جلبت معها أيضا استبداد من نوع خاص إلى البلدان العربية، ما هي الأطروحة الأساسية التي تقدمها في هذا الفصل؟

رفيق عبد السلام: الأطروحة الأساسية هنا في هذا الفصل هو أن هنالك نمط جديد من الاستبداد في الغالب ما يتم يعني تناسيه أو لم يَنل ما يكفي من الدراسة والبحث العلميين وربما يعود ذلك إلى مقولة أساسية شائعة في أوساط المثقفين والباحثين العرب أن الاستبداد هو منتوج الثقافة السياسية العربية أو منتوج ديني أو ما شابه ذلك، أردت أن ألفت الانتباه إلى أن هنالك ظاهرة جديدة من الاستبداد تتغذى من أدوات ومؤسسات حديثة وبالأساس مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية ثم أجهزة البيروقراطية الحديثة وتستعمل مدونة حداثية، أي تستعمل مصوغات نظرية حداثية من قبيل الدفاع عن الديمقراطية والمجتمع المدني والعقلنة وما شابه ذلك يعني وترى هذه الظاهرة خاصة أو ترصد هذه الظاهرة في الأنظمة السياسية العربية التي عرفت نوع من الانتقال السياسي بسبب تجربة التصدع الاستعماري الفرنسي.

خالد الحروب: نعم وأنت هنا تذكر التجربة التونسية نموذجا.

رفيق عبد السلام: نعم.

خالد الحروب: سوف نأتي إلى هذا يعني في دقيقة بعد أن أسأل يوسف ما رأيك في هذا التحليل أن الحداثة السياسية أصبحت هي أيضا عربياً مصدر من مصادر الاستبداد؟

يوسف الشويري: يعني أنا حقيقة وجدت فصل الأخ رفيق ممتع وجيد ولكنه أتعبني، بمعنى أنني لم أستطع أتمسك برأي معين أستطيع أن أخرج به من نقاشه حول التسلط الحداثي، يعني هو يحاول أن يقدم شيئا جديدا لأن الوضع العربي وضع معقد جدا وبالتالي أعتقد أنه لم يتمكن حتى الآن من الخروج بنظرية متكاملة حول الاستبداد وليس هذا عجزا.

خالد الحروب: الاستبداد الحداثي.

يوسف الشويري: ولكن في نفس الوقت هو يريد أن يقول كما قال الآن أن الحضارة العربية والثقافة الإسلامية تلام بأنها تفرز للاستبداد وهو يريد أن يظهر أن الاستبداد قد يأتي من الثقافة الغربية. وأعتقد الآن أننا بحاجة إلى مندمج جديد على الطريقة الهيغيلية ليس في هذه النظرية صحيحة ولا هذه النظرية صحيحة.

خالد الحروب: نعم إذا سألنا رفيق يعني أنت تقول طبعا أن الدولة العربية الحديثة استوردت من الحداثة القوة والباطش والآلة البوليسية والأمنية غير ذلك وقمعت الناس وتحكمت في مصائرهم لكن ربما يقول قائل أن هذا التطبيق الأقصى أو التطبيق البشع للحداثة السياسية بمفاهيمها المختلفة كما أن هناك تطبيقات سيئة مثلا للدين أو لأية نظرية جميلة فقد يخرج القارئ أن هجومك على الحداثة السياسية ومفرداتها الديمقراطية وسوى ذلك وليس على التطبيق.

رفيق عبد السلام: نعم أُثيرَ هذا النقاش وأنت أستاذ خالد كنت أثرت هذه النقطة بالذات أتذكر في ندوة أكسفورد، ما أردت قوله في هذه الورقة بشيء من الاختصار لم أرد إدانة الحداثة والحداثيين على وجه الإطلاق، ليس هذا موضوع الأطروحة ولا غاية الأطروحة، بل ما كل ما في الأمر أردت أن ألفت الانتباه إلى أن الحداثة يمكن أن تخضع لتوظيفات سياسية معينة وتتحول إلى نمط استبدادي، مَن يدعي مثلا أن الأنظمة الشيوعية السابقة لم تكن حداثية وربما مكثفة الحداثية سواء كان ذلك من جهة أدواتها السياسية، الأدوات السياسية العنفية الحديثة التي تستعملها أو إيديولوجيا حداثية الهتلرية والنازية والفاشية أيضا هي إيديولوجيات حداثية وكانت تعسفية وهذا ما نراه واقعا في العالم العربي تحولت الحداثة إلى مدونة إكراهية ومسوغ لممارسة العنف السياسي المنظم من طرف الدولة الحديثة وقلت هذه الظاهرة لا تُعمَّم على جميع الحالة العربية أنا أردت أن أركز الضوء على حالة أو عينة من عينات الاستبداد العربي..

خالد الحروب: سوف نسأل عنها يوسف الحالة المعينة اللي هي الحالة التونسية، لكن بعد هذا التوقف القصير مشاهدي الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.

[فاصل إعلاني]

خالد الحروب: مرحبا بكم ثانية، نواصل معكم نقاش كتاب اليوم الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، يوسف الشويري توقفنا عند النموذج الذي استخدمه رفيق عبد السلام إزاء استخدام الأحداث السياسية كآلية من آليات الاستبداد وهو تونس لأنه ليس القصد هو التركيز على تونس بقدر ما هو المفارقة أن هناك حديث عن إيران مثلا عن طالبان عن أنواع من الاستبداد الديني مثلا أو التقليدي القبلي، مثل مثلا دول الخليج الآن هناك الحالة الحداثية مثلا الممثلة في تونس ما رأيك في تحليله لانطباق هذا النموذج على الحالة التونسية؟

يوسف الشويري: والله هو يعني يفرق بين التحديث والحداثة والتحديث بمعنى (Modernization) هو مجرد محاولة خلق مؤسسات وهياكل حديثة في الدولة وفي المجتمع لتصريف شؤون المواطنين ولخدمة المجتمع أما الحداثة فهي أوسع من التحديث ولا أعتقد أن تونس دخلت فعلا جميع مظاهر وأدوات ومضامين الحداثة. وبالتالي من الظلم القول أن الحداثة هي التي أتت بالاستبداد في تونس، بل على العكس من ذلك أعتقد أن نقصان الحداثة في تونس هو الذي أدى إلى الاستبداد وبالتالي العقل الديكتاتوري الذي يريد أن يفرض رؤية معينة ويقرر سلفا ما يجب أن يكون حديثا وما يجب أن لا يكون حديثا.



الثقافة الشرقية والاستبداد ودور المعارضة السياسية

خالد الحروب: إذا انتقلنا إلى قسم آخر من الكتاب رفيق هنا تقريبا ثلاثة فصول وراء بعضها البعض تتحدث عن الثقافة والاستبداد والمقولة الأساسية هنا ربما جزء منها استشراقي أن الثقافة الشرقية هي حاضنة للاستبداد بالتعريف ما هي ما هو رأيك في هذه الفصول الثلاثة أولا؟

"
لا توجد ثقافة نمطية وموحدة فالثقافة خاضعة لإستراتيجيات وأشكال استدعاء مختلفة، تكون  استبدادية إذا كان أهلها يريدون أن يُحيوا منها الأبعاد الاستبدادية وتكون منفتحة إذا تم إحياء الأبعاد المنفتحة والديناميكية والمتحركة في هذه الثقافة
"
رفيق عبد السلام

رفيق عبد السلام: يعني هذه مقولة كما ذكرت رائجة في وسط قطاع واسع من المثقفين والباحثين بأن الاستبداد السياسي العربي الذي يُطبق على العرب أنفاسهم هو منتوج ثقافة سياسة مشوهة ومريضة وبالتالي يكفي أن يتم تصويب هذه الثقافة حتى تكون الأوضاع السياسية العربية بخير وعافية وأوضاع الحريات يعني على أحسن ما يكون، أنا أقول أن لا توجد ثقافة نمطية وموحدة، الثقافة خاضعة لاستراتيجيات وأشكال استدعاء مختلفة، تكون هذه الثقافة استبدادية إذا كان أهلها يريدون أن يستخرجوا منها أو يُحيوا منها الأبعاد الاستبدادية وتكون ثقافة منفتحة إذا راهن أهلها على إحياء الأبعاد المنفتحة والديناميكية والمتحركة في هذه الثقافة، ثم المسألة نسبية لا أتصور أن الثقافة السياسية العربية على هذه الدرجة من الرداءة ومن هذه الشناعات، لا أتصور أن الثقافة السياسية في الكونغو أو في البرازيل أو في أي بلد آخر من العالم أكثر أرقى من الثقافة السياسية في العراق..

خالد الحروب [ٍمقاطعاً]: يعني كونها مثلا في مناطق أخرى من العالم ثقافة ربما تنطوي على بعض بذور الاستبداد لا يبرر وجودها في الثقافة العربية لكن..

رفيق عبد السلام: آه صحيح.

خالد الحروب: إذا سألت يوسف هناك مثلا إسماعيل الربيعي هنا في الفصل الذي يتحدث في الثقافة والاستبداد مفارقات القوى والعنف والشقاق يتحدث عن ثقافة التخوين وثقافة المؤامرة وثقافة الأحادية الاتجاه باعتبار كلها تُرسخ على وجود نمط واحد وهذا النمط يوفر بيئة مستجيبة لنمو الاستبداد.

يوسف الشويري: هو للأسف الشديد هذا الفصل يسلط الأضواء على أشياء مهمة موجودة في الواقع العربي، بمعنى أن الأنظمة قد شوهت الثقافة وحولتها إلى ثقافة رسمية كما حولت الدين إلى دين رسمي وجعلت الدين جزء من ثقافتها الرسمية وبالتالي التخوين والتشويه وخلق الأشباح الوهمية ونظرية المؤامرة ونظرية الحفاظ على التراث في وجه الأجانب وعدم تبني الديمقراطية لأنها قد تأتي بالإسلاميين ِإلى السلطة وكل هذه المبررات التي أوجدتها السلطة لها علاقة حقيقة بالثقافة الشعبية، يعني أنا أرفض أن نحول التحليل من تحليل الثقافة السياسية إلى تحليل على المستوى الشعبي على المستوى الجماهيري.

خالد الحروب: لكن على المستوى الشعبي والاجتماعي يوسف أيضا رفيق هناك طبعا مقولات أن المجتمع العربي مجتمع أبوي وأن هذه الأبوية تترسخ من البيت إلى المدرسة إلى المؤسسة إلى الجامعة صعودا إلى أعلى قمة الهرم السياسي وأن هذا النمط الأبوي المسيطر هو مبني على الطاعة وعلى الاستبداد وعلى أنواع مختلفة من الاستبداد مهما كانت قوية أو خفيفة.

رفيق عبد السلام: لا شك أن هنالك سلبيات في مجتمعاتنا العربية بما في ذلك ما أسميته بالثقافة الأبوية ولكن لا نستطيع أن نطلق حكم عام أو حكم بالإعدام على الثقافة العربية الإسلامية. وما أدراك أنه في مجتمعات آسيا البعيدة مثلا مَن يقول أن اليابان مثلا لا توجد فيها ثقافة أبوية اليابان ربما ثقافتها الأبوية أشد من الثقافة العربية الإسلامية ولكن مع ذلك تطورت المؤسسات السياسية الديمقراطية في اليابان، ثم ما علاقة الديمقراطية بالثقافة أنا أقول أن الديمقراطية هي أدوات إجرائية لتنظيم الشأن السياسي وبالتالي إذا وُجدت هذه المؤسسات السياسية ستُفعِّل الثقافة وتُفعِّل العناصر الإيجابية من هذه الثقافة بما يستجيب لحاجيات هذه المؤسسات السياسية..

خالد الحروب: على كل حال هذا ربما سؤال خطير ما علاقة الديمقراطية بالثقافة؟

رفيق عبد السلام: يعني أنا أميل إلى هذه الأطروحات أنا أميل..

خالد الحروب: ربما أن الديمقراطية مجرد إجراءات لأنها تحتاج كثيرون قد يقولون لك أنك تحتاج إلى ثقافة ديمقراطية كي تسند الإجراءات الديمقراطية التي لم تتغير.

رفيق عبد السلام: يعني المشكلة لو قبلنا هذه المقولة سنقع في مطبات كثيرة، النظام السياسي العربي يتذرع في إلغاء أو تعليق المسار الديمقراطي أو الانتقال الديمقراطي في العالم العربي بحجة أن لا توجد ثقافة سياسية ديمقراطية في المنطقة أولا أو أن هنالك قوى سياسية تهدد المسار الديمقراطي..

خالد الحروب: على كل حال حتى لا نخرج عن سياق الكتاب دكتور يوسف هنا في أحد في الفصل الرابع عشر يتحدث خليل العناني عن دور المعارضة السياسية في ترسيخ الاستبداد وهو ربما عنوان مفاجئ أن المعارضة تريد التخلص من الاستبداد بينما هي تخدمه بشكل آخر. وتقول هي تعززه عن طريق أن تقبل بدور ديكوري في العملية الاستبدادية بشكل عام أو عن طريق أن تكون عاجزة هي عن أن تكون بديلا للوضع القائم.

يوسف الشويري: يعني هو هذا فصل طريف ويأتي بجديد بمعنى أنه يعالج الاستبداد في المعارضة ويقرر أكثر من ذلك أن المعارضة ساهمت في تعزيز الاستبداد والانطباع السائد أن المعارضة تحارب الاستبداد. وهناك مظاهرات في مصر واعتصامات وحركة كفاية الآن أصبحت حركة شعبية وبالتالي من الصعب إعطاء حكم نهائي على المعارضة بأنها تساهم في تعزيز الاستبداد. ولكن الشيء الذي يمكن قوله هنا أن المعارضة تبنت وسائل السلطة في علاقاتها الداخلية وفيما بينها، أي أنه لا توجد ديمقراطية داخل كل حزب معارض ولا توجد علاقات ديمقراطية بين أحزاب المعارضة ككل.

خالد الحروب: نعم إلى أي مدى تقول هذه الأطروحة، أطروحة الكاتب رفيق؟

رفيق عبد السلام: يعني رغم أن هذا الفصل فيه جهد ولكن يبدو لي يحتاج إلى بعض من التنسيب يعني لا ننتظر أن تكون معارضة بخير وعافية في ظل منتظم سياسي متأزم ومختنق، لا أحد يقول أن الحياة السياسية في مصر سليمة هنالك حكم استبدادي سيطر على الفضاءات العامة، على مؤسسات المجتمع المدني وضمن هذه المعادلة تتحرك المعارضة وطبيعي جدا أن تُصاب بكثير من الأمراض والسلبيات التي تتعلق بالمنتظم السياسي. ولكن أقول مع ذلك الصورة ليست سلبية وقاطبة اليوم هنالك حركية في المجتمع السياسي المصري.

خالد الحروب: ربما ينتظر القارئ أن يتطرق الكاتب مثلا إلى آليات الاستبداد داخل المعارضة نفسها يعني داخل الأحزاب نفسها الأحزاب المعارضة نفسها، رؤساء الأحزاب والقادة ينافسون القادة والملوك والرؤساء في الفترات الزمنية التي مازالوا مستمرين فيها في قيادة أحزابهم.

رفيق عبد السلام: آه هذه المسألة ربما موجودة كثير أو قليل منها موجود وهذا ربما ناتج على التأزم في الحياة السياسية والجمود السياسي فالنخبة السياسية سواء كانت رسمية في مؤسسات الحكم أو النخبة غير السمية داخل المنتظم السياسي أصيبت بالجمود.



الأبعاد الإسلامية والدولية في ترسيخ الاستبداد

خالد الحروب: نعم دعنا ننتقل رفيق إلى فصل يتحدث عن الدين والسياسة أية علاقة؟ تجربة حركة العدل والإحسان في المغرب وهو فصل مثير كتبه محمد همام وفي هذا الفصل يقول الكاتب إن البنية الداخلية.. المنهج الذي تقوم عليه هذه الحركة كنموذج للحركات الدينية يقوم على ترسيخ الاستبداد والتماهي مع شخصية الزعيم القائد.

يوسف الشويري: حقيقة أنا استفدت كثيرا من هذا الفصل، بمعنى أن لأول مرة يسلط الضوء على الفكر الداخلي للحركة الإسلامية في المغرب وخاصة فكر الشيخ ياسين وبما يؤمن به وتبنيه الكامل للصوفية بمعنى أن هناك قطبا وهناك مريدا والمريد يتبع القطب ولا يناقش ما يقوله القطب، لأنه حقيقة مازال يتبنى النظرة التقليدية التي نشأت عبرها الحركة الصوفية في التاريخ الإسلامي والقطب..

خالد الحروب [مقاطعاً]: ولكن يضيف إليها التطبيق السياسي لأنها الآن حركة سياسية.

يوسف الشويري [متابعاً]: والآن أيوه ويطبقها على أمير الجماعة، فأمير الجماعة هو بمثابة القطب عند الحركة الصوفية الطريقة الصوفية وهذه قد يبالغ محمد همام بعض الشيء فيما يقوله، بمعنى أنه ينسب إلى الشيخ ياسين صفة استبدادية مطلقة وقد يكون الشيخ على المستوى الشخصي رجل له علاقات طيبة وهادئ ومتفهم وموضوعي.

خالد الحروب: لكن المهم آثاره المهم هو السطوة الروحية التي بالتالي جميع الأفراد ينساقون ويتماهون مع ما يقول، توفيق في هذا الفصل طبعا هناك تخوف كبير أي شخص يقرأ هذا الفصل، لكن المريح فيه أنه أحيانا يقتبس بعض المقولات اللي قادة إسلاميين آخرين مثل الشيخ راشد الغنوشي، تقريبا يتناقض في كثير من المقولات التي أشار إليها يوسف، إلى أي مدى أولا ما هي قراءتك لهذا الفصل وإلى أي مدى ينطبق على بقية فصائل التيار الإسلامي؟

رفيق عبد السلام: يعني لا شك أن هنالك بعض المناحي التي التقطها الكاتب صحيحة كثيرا أو قليلا يعني وأخطر ما في الأمر هو أن جماعة العدل والإحسان أدخلت البعد الصوفي في حقل العمل السياسي يعني الانتقال بالمفاهيم والتراتبية الصوفية إلى مجال الحقل السياسي والذي هو حقل بالغ التركيب والتعقيد لأنه مجال السياسة لا يقوم على مفهوم الطاعة بين الشيخ والمريد بل يقوم على آلية التداول الحواري للتقليل أكثر ما يمكن من السلبيات لأن مجال السياسة هو مجال ترجيح بين المصالح والمفاسد لترفيع أكثر ما يمكن من المصالح والتقليل من المفاسد والآلية في ذلك تتأسس على الحوار التداولي ولا تقوم على آلية الطاعة. ولكن يبدو لي الحركية ظاهرة جديدة وهي في طور الديناميكية والحركية ومن خلال متابعتي لا أدّعي بأنني متابع بدقة شديدة إلى جماعة العدل والإحسان ولكن أرى أنها خاصة في السنوات الأخيرة قد شهدت نوع من الحركية الداخلية والقول بأنها حركة تخضع بالكامل إلى زعيم ملهِم وشيخ ومريد فيها شيء من المبالغة، هنالك مؤسسات سياسية وآلية حوارية داخل هذه الحركة مع تأثيرات صوفية لا يمكن إنكارها لأن الشيخ أحمد عبد السلام ياسين هو خلفيته خطيرة لا شك في ذلك.

خالد الحروب: نعم إذا سمحت لي نختم أينعم، نختم بالفصل الأخير يتحدث عن الأبعاد الدولية والخارجية للاستبداد لتصنيع الاستبداد المحلي والكاتب هنا ناصر محمد عارف يقول أن القوى الخارجية هي تقريبا التي خلقت مفهوم الدولة العربية وأن هذا المفهوم دخيل على الثقافة السياسية العربية وبه جاء الاستبداد وبه ومعه جاء الاستبداد واستمر، فالاستبداد عمليا من الخارج.

يوسف الشويري: أعتقد أن هذا الفصل كما الفصول الأخرى، يعني هناك خيط متواصل عبر هذا الكتاب أولا يتهم الخارج بكل ما حل بنا من مصائب ويبرئ ذمتنا من كل شيء الثقافة والجماهير وحتى بعض الأحزاب وأعتقد أن هذه الصفة العامة للكتاب قد تطغى عليه وتعطي انطباعا خاطئا حول ماهية الاستبداد وخصائصه في الوضع العربي.. صحيح أن الخارج له تأثير وتأثير كبير ولكن نحن في الداخل نتحمل المسؤولية..

خالد الحروب: شكرا.

يوسف الشويري: ونحن يجب علينا أن نقر بذلك.

خالد الحروب: شكرا يوسف وشكرا لكم مشاهدي الكرام وقد كنا معكم في نقاش كتاب الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة الذي هو حصيلة جهد جماعي حرره وأشرف عليه الدكتور علي الكواري. وشاركنا في مناقشة الكتاب هنا في الاستديو الدكتور يوسف الشويري الباحث في مركز الدراسات اللبنانية في جامعة أكسفورد، فشكرا جزيلا له شكرا دكتور يوسف. وأشكر كذلك الدكتور رفيق عبد السلام الباحث في الفكر السياسي والعلاقات الدولية في جماعة وستمنستر بلندن فشكرا له أيضا وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل تحية ودمتم بألف خير.