- تقديم الديمقراطية قبل أن تتحقق بنقد الديمقراطية
- ديمقراطية الإسلاميين وديمقراطية الليبراليين




خالد الحروب: مشاهدي الكرام مرحباً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الكتاب خير جليس نقدمها لكم من استوديوهات الجزيرة في العاصمة الفرنسية باريس, نطالع معكم اليوم أربعة كتب, ثلاثة منها نستطلعها استطلاعاً سريعاً ونقرأ أهم ما جاء فيها ثم نخصص جل وقت البرنامج للكتاب الرئيسي, أول هذه الكتب عنوانه دليل كامبرج للفلسفة العربية, هذا الكتاب مرجعي بامتياز وهو يأخذ صفة موسوعية حرره أكاديميان بريطانيان هما بيتر آدمسون وريتشارد تيلر, هذا الكتاب يتناول أهم ما جاء في الفلسفة العربية تاريخيا من ناحية الأفكار ومن ناحية الرواد الفلاسفة, يتناول في البداية أثر الفلسفة العربية أو تأثر الفلسفة العربية وإنبنائها على الفلسفة الأغريقية اليونانية إن عن طريق الترجمة أو الاقتباس, ثم أهم ما قام به الفلاسفة العرب سواء الكندي أبن عربي أبن سينا أبن رشد والفارابي وغيرهم والفلسفات التي طوروها مثل الفلسفة الأندلسية والفلسفة الإسماعيلية والصوفية, إضافة إلى ذلك وفي مرحلة تاريخية متقدمة يناقش أثر الفلسفة العربية على الفلسفة اللاتينية التي أسست للحضارة الغربية كما نراها الآن, في نهايات الكتاب يحاول أن يناقش بعض الفلسفات العربية المعاصرة وكذلك الفارسية على الرغم من قصر هذا الجزء ربما لفقر هذه الفلسفة, الكتاب الثاني عنوانه اليمن والتحولات السياسية الكبرى هموم آخر القرن كتبه الإعلامي والكاتب اليمني نصر طه مصطفي, هذا الكتاب يتناول عدد من القضايا الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة في المسار السياسي والاجتماعي والثقافي اليمني في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن, نقرأ فيه عن التحولات الديمقراطية داخل اليمن عن مأزق التعددية الحزبية مواقف الأطراف المختلفة وتحديدا يركز على موقف الإسلاميين إزاء مسألة الشورى مسألة الإبداع الفني أيضا مسألة التعددية وغير ذلك, يناقش أيضا مسائل الجنوب والوحدة اليمنية وفيما أن كانت نجحت أم مازالت في مسار التوحد والاندماج الكامل إقليميا, يناقش علاقة اليمن مع الجوار الخليجي وعلى وجه التحديد مسألة انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي وكذلك بعض المشكلات الحدودية مع السعودية مثلا أو غيرها, دوليا يركز على علاقة اليمن مع الولايات المتحدة صعوداً وهبوطاً في ضوء ما يسمى الحرب على الإرهاب والضغوطات التي تتعرض لها المنطقة إزاء هذه المسألة, ثالث الكتب التي بين أيدينا هو نص روائي بعنوان عراقي في باريس وهو الكتاب العراقي صامويل شمعون, النص هذا رغم سخريته ومرارته يصور رحلة الكاتب ومغادرته بغداد يوم كان شابا في أواخر السبعينات بهدف وحلم الوصول إلى الولايات المتحدة وهناك محاولة الانضمام إلى هوليوود وإنتاج فيلم سينمائي يصور حياة والده الكادحة, وكان يأمل أن يقوم بدور البطولة الممثل الشهير روبرت دي نيرو لكن كاتبنا ينتهي به المطاف مشردا ومتسكعا في باريس ويعيش بين محطات المترو وبين البارات وبين بيوت بعض الأصدقاء مرارة النص وربما سخريتة ربما تصف حيوات ومسارات كثير من المثقفين والكتاب العرب الذين انتهوا في الغرب وربما يراقبون أحلامهم الكبيرة تتكسر على حدة الواقع.. على حد الواقع الأليم, أما الكتاب الذي سوف نناقشه بتوسع اليوم في هذه الحلقة فعنوانه عن أية ديموقراطية يتحدثون؟ والمؤلف هو الدكتور منصف المرزوقي الناشط السياسي التونسي العربي في مجال حقوق الإنسان وفي أكثر من مجال كتب كثيرا وفي أكثر من قضية وهذا أخر كتاباته, كتب أيضا في الأدب موجودا معنا في الأستوديو وأرحب به ترحيباً شديداً, معنا أيضا في الأستوديو المؤلف والكاتب المكثر جورج طرابيشي استضيفه هنا لمناقشة الكتاب فأهلا وسهلا به كتب كثيرا في أكثر من موضوع وحول هذا الموضوع كتب كتابا معروفا عنوانه عن ثقافة الديمقراطية, الكتاب الذي بين أيدينا يتحدث عن مسألة الديمقراطية في العالم العربي الاحتمالات الآفاق المستقبل العوائق المدخلات الخارجية والتحولات الداخلية وسوى ذلك, لا أطيل في التقديم وانتقل إلى الدكتور منصف عن أية ديمقراطية يتحدثون وفي الفصل الأول تقول الديمقراطية ليست وصفة جاهزة الكل الآن يدعو إلى الديمقراطية وأنت تدعونا إلى أن نتحفظ بعض الشيء, ما الذي تقصده؟

تقديم الديمقراطية قبل أن تتحقق بنقد الديمقراطية

منصف المرزوقي- الناشط السياسي التونسي العربي في مجال حقوق الإنسان: أولا شكراً للمشاهدين الذين يستضيفونا في بيوتهم, إسمح لي أن أهدى هذا الكتاب إلى جنود الخفاء.. يعني أنت تعرف أن هناك حرب شنها الاستبداد ضد حركة التحرر العربي وفي كل ثمة بالضرورة.. يعني ضحايا وثمة سجناء حرب, وسجناء الحرب اليوم هما موجودين في السعودية عبد الله الحامد, متروك الفالح, علي الدميني, موجودين في سوريا مأمون الحمص, رياض السيف, حبيب عيسى, رؤوف عارف, دليلة, موجودين في مصر, موجودين في تونس, موجودين في كل مكان أريد أن أهدي إليهم هذا الكتاب, محمد عبو في تونس المضربين عن الطعام في.. أريد أن أهدي إليهم هذا الكتاب.

خالد الحروب: طب الآن عن الكتاب نفسه حتى.. يعني لا يظن البعض أننا نعمل حملة سياسية مع أو ضد..

"
الديمقراطية ليست هي الحل ولكنها جزء من الحل، ذلك أن فيها عيوبا وصعوبات، ويجب أن ننتبه كي لا نجرب الإخفاقات التي صاحبتنا في كل مرة أملنا فيها أن هناك حلا أو وصفة جاهزة
"
منصف المرزوقي
منصف المرزوقي: لا أبداً لأنه.. على كل حال الديمقراطية هي مسألة ثقافية فكرية وسياسية في نفس الوقت ولا يمكن أن نفصلها, الديمقراطية أنا أقول أنها ليست وصفة جاهزة لأنه أنا أخشى ما أخشاه إنه بعد قضية القومية هي الحل، الإسلام هو الحل، الوطنية هي الحل إلى آخره, فلان الفلاني هو الحل, تصبح أيضا قضية الديمقراطية هي الحل وآنذاك سيصاب الشعب العربي بخيبة أمل, الديمقراطية ليست هي الحل وإنما جزء من الحل, الديمقراطية فيها عيوب وفيها صعوبات جمة ويجب أن نكون منتبهين لها حتى لا نجرب الاخفاقات التي صاحبتنا كل مرة آملنا فيها أن هناك حل أن هناك وصفة جاهزة, أنا ديمقراطي وأؤمن بالديمقراطية وأتحدث وأنقد الديمقراطية من داخل الديمقراطية, لكن يجب أن يكون واضح للجميع أن لها مخاطر كبيرة تتهددها إبان.. يعني غرسها وخاصة إذا غرسناها ويجب أن نكون منتبهين لهذا.

خالد الحروب: دكتور منصف دعني أسألك هنا في هذه المسألة.. يعني منهج الكتاب, المشكلة ربما إذا قرأ قارئ ما هذا الكتاب, كأنها الديمقراطية متحققة وأنها الآن في موضع الانتقاض ويجب أن ننقضها, الديمقراطية غير متحققة في واقعنا العربي, لذلك ربما يقول القائل هذا ترف أن ننقضها قبل أن تأتي؟

منصف المرزوقي: لا أبداً, أنا بالنسبة لي القضية هي الآن أربح معركة القلوب والعقول لأجل إنه الناس تقبل بالديمقراطية, لأنها تعرف إنه.. يعني الناس كلها متفقة إلى إن وضع الأمة الآن مأساة الأمة ناجم عن نظامها السياسي المريض المُمْرِض الذي هو الاستبداد, والآن إحنا دخلنا في قضية الخيار, ما الخيار؟ هناك اليوم خيارين, إما الاستبداد.. يعني تجدد الاستبداد في ثوب الإسلام السياسي أو شكل أو من آخر الديمقراطية, أنا الآن أفكر في هذه الديمقراطية لإقناع الناس بأنها هي الحل لأنه أي حل آخر استبدادي سيعيدنا إلى نقطة الانطلاق, لأنه القضية ليس في الأيدلوجيا, وليست في الأشخاص مهما كانت الأشخاص مهما كانت الأيدلوجيا إذا كان النظام مستبداً فهو مصيبة, إذاً يجب أن نقنع الناس بضرورة إنهم يختاروا الديمقراطية لكن هذا يجب أن يفسر لهم الديمقراطية الحقيقية.

خالد الحروب: نعم نسأل الأستاذ جورج حول هذا المنهج تقديم الديمقراطية قبل أن تتحقق بنقد الديمقراطية؟

"
عدو الديمقراطية المعلن والمكشوف هو تصوير الديمقراطية على أنها الخلاص، وكبرى المشكلات في العالم العربي أننا اختصرنا الديمقراطية إلى أحد مظاهرها وهو صندوق الاقتراع
"
جورج طرابيشي
جورج طرابيشي- مؤلف وكاتب: أعتقد أن هذا ضروري جداً, حتى لا نقع في الأوهام ثم نبكي مصير الديمقراطية كما بكينا مصير الوحدة وبكينا مصير الاشتراكية, أعتقد أن الخطر الكبير الذي يتهدد الديمقراطية اليوم في العالم العربي علاوة على الاستبداد الذي هو عدوها الطبيعي المعلن المكشوف هو تصوير الديمقراطية على إنها أيدلوجية خلاصية, الديمقراطية ليست خلاصاً, الديمقراطية تأتي مع الخلاص, ولن تأتي هي المخلصة فقط, لأن الديمقراطية بحد ذاتها تحمل معها مشاكلها, وأعتقد أن كبرى مشكلاتها في العالم العربي أننا اختصرنا الديمقراطية إلى أحد مظاهرها فقط وهو صندوق الاقتراع, ليست الديمقراطية فقط صندوق الاقتراع, ليست هي مجرد آلية الديمقراطية أيضاً ثقافة، ثقافة الديمقراطية لا تقل أهمية عن آليتها, إذا حدث انفصال بين ثقافة الديمقراطية وآلية الديكتاتورية.. وآلية الديمقراطية فقد تُوَلِد استبداداً جديداً, وللتاريخ لم نتكلم عن التاريخ يكفي نأخذ المثال الألماني, عن طريق صناديق الاقتراع جاء هيتلر إلى الحكم, ومشروع هيتلر هذا يمكن يأتي عن أي طريق صناديق اقتراع جديدة, إذا كانت صناديق الاقتراع تعتمد فقط على آلية الديمقراطية وتؤسس لما قد يسميه بعض الباحثين بديكتاتورية العدد, لأنه بدون ثقافة.. الديمقراطية تقوم على حرية الرأي, في حين التصويت قد يكون جماعيا.

خالد الحروب: نعم دعنا ننتقل إلى.. نبقى في الكتاب الموضوع مغري جداً طبعاً, موضوع الديمقراطية له أول وليس له أخر, في الفصل هنا الفصل الثاني في مقدمة الكتاب تتحدث عن جذور الاستبداد, دكتور منصف هل.. وتشير تقريباً.. تكاد تتفق مع المستشرقين أن جذور الاستبداد العربي ثقافية, موجود عندك في صفحة 123 هناك جذور ثقافية لاستبددنا العربي والمناخ الثقافي والبنية الثقافية العربية تكاد تُوَلِد هذا الاستبداد؟

منصف المرزوقي: أنا أريد أن أنبه الناس إلى أنه القضية الثقافية قضية عامة, يعني الناس تنسى أنه الديمقراطية حوربت في الغرب حرب لا هوادة فيها.. يعني قرن كامل حتى استطاعت أن.. يعني تثبت في الغرب, نحن ننسى أنه مثلا أكبر الديكتاتوريات كانت ديكتاتوريات غربية, الدكتاتورية النازية, الدكتاتورية الفاشية في إيطاليا, الديكتاتورية.. نحن ننسى أن الهند كانت بلد ديمقراطي قبل أن تكون إسبانيا والبرتغال بحيث العنصر الثقافي.. يعني هو قضية عامة وليس فقط قضية خاصة بالعالم العربي, إنه كل المجتمعات فيها نزعة حول الاستبداد, فيها أب مستبد, فيها عائلة مستبدة, فيها تركيبة اقتصادية مستبدة, ونحن الشعوب العربية لا نختلف في هذا, القضية إنه هذا المجتمع الاستبدادي وَلَّدَ نظاماً استبدادياً, والنظام الاستبدادي كرس الاستبداد العائلي والثقافي إلى آخره وأصبحنا ندور في حلقة مفرغة, كيف نخرج من هذه الحلقة المفرغة إلى الديمقراطية؟ يجب أن نكسر الحلقة المفرغة في مكان ما, التغيرات الاجتماعية بدأت الآن تحرر المرأة, إرتفاع مستوى التعليم إرتفاع مستوى إرادة المشاركة, يعني كل التغيرات الاجتماعية بدأت تغير البنية الاجتماعية, القضية إنه البنية الفوقية اللي هي البنية السياسية لم تتغير بحيث نحن الآن مجتمع بدأ يتغير ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً ويرنوا نحو الديمقراطية وفي الواجهة عندنا نظام سياسي متكلس.

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم إذا سألنا.

منصف المرزوقي [متابعاً]: عفواً.. وإذا كسرنا النظام السياسي المتكلس فإن سرعة التغيرات الديمقراطية الثقافية في صلب الحياة ستكون أسرع.

خالد الحروب: رأيك أستاذ جورج بهذا التحليل, وأربط أيضاً بالمداخلة اللي قلتها قبل قليل إنه أخذ من الديمقراطية مظهرها الاقتراعي الانتخابي أو حتى بشكل عام المظهر السياسي بينما الديمقراطية الثقافية إن شئت أو الاجتماعية في البُنا التحتية هذه كأنها تهمل؟

جورج طرابيشي: سأضرب لك مثالا واحداً, عندما جرت الانتخابات في الجزائر في المرحلة الأولى وتبين فيها فوز جبهة الإنقاذ الإسلامي, فطبعاً وقع إنقلاب في الجزائر حقيقي وكانت كارثة كبيرة حدثت في الجزائر لإيقاف العملية الانتخابية, هذا جانب.. الجانب السياسي, ولكن هناك جانب آخر هو الجانب الثقافي لأني أذكر إنه يوم إعلان النتائج.. يوم يمكن كان يوم أحد على ما أعتقد, بلحاج نائب رئيس جبهة الإنقاذ قال بالحرف الواحد لما سُأل ما تقييمك, يقال هذا يوم عرس الديمقراطية وهذا يوم مأتمها, فأنا فوراً.. يعني إنتصبت أذني هكذا ماذا يريد أن يقول, فقال نعم هذا يوم عرس الديمقراطية لأنها يعني طريق صناديق الاقتراع وصلنا إلى الحكم فهذا عرس لنا ولها, ولكن أقول سيكون هذا يوم مأتمها لأننا مجرد أن نستلم الحكم سنقضي عليها لأن هذه قيمة مستوردة وليست من قيمنا الإسلامية التقليدية, هذا بالحرف الواحد سمعته, فعندما تقول هكذا هي الديمقراطية مجرد صندوق الاقتراع ثم تصادرها المبدأ الأساسي للديمقراطية هو الحق في تداول السلطة وأن تترك الباب مفتوح لما بعدك في انتخابات, أما أن تأتي وأقول سألغيها من الآن فأقول ها هنا تدخل ثقافة الديمقراطية في تضاد مع آلية الديمقراطية, وهذا الإحراج أعتقد ما زال قائم إلى اليوم, وأسوأ ما في هذا الإحراج إن الأنظمة الاستبدادية القائمة تستغله بدورها لتمنع الآلية الديمقراطية فنقع في حلقة مفرغة مرهبة.

خالد الحروب: سوف ننتقل إلى مضمون الديمقراطية سواء كان إسلامي أو لبرالي أو غيره بعد هذا الفاصل القصير، مشاهدي الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.

[فاصل إعلاني]

ديمقراطية الإسلاميين وديمقراطية الليبراليين



خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحباً بكم مرة ثانية, نواصل معكم مطالعة كتاب اليوم عن أيَّة ديمقراطية يتحدثون للدكتور منصف المرزوقي, دكتور منصف هنا تتحدث في فصلين تقريباً متلاحقين عن رؤيتك للديمقراطية إزاء الإسلاميين وإزاء الليبرالية أيضاً, وتقول أن الليبرالية متوحشة وأن الإسلاميون إلى حد ما خطر من داخل الديمقراطية إذا طبقوا كامل البرنامج الإسلامي كأنهم يوؤدونها كما تفضلت أستاذ جورج وتورد هنا حوار مع إسلامي مستنير يقول لك عندما نفوز بالانتخابات نطبق البرنامج الإسلامي عملياً بما يقضي على خيارات وهي احتمالات تعددية داخل المناخ الديمقراطي.

"
الانتخابات يجب أن ترتكز على أربع قوائم الحريات الفردية والحريات العامة واستقلال القضاء والتداول على السلطة
"
المرزوقي
منصف المرزوقي: هي الغلطة الكبيرة اللي يرتكبها الكثير من الناس منهم الإسلاميين وحتى الديمقراطيين لأنهم يتصورون أن الديمقراطية قضية الانتخابات العددية فقط, لا الانتخابات أنا دائما أشبهها بهذه الطاولة التي يجب أن ترتكز على أربع قوائم.. أربعة أرجل, الحريات الفردية الحريات العامة استقلال القضاء والتداول على السلطة, بحيث هذه الطاولة لا يمكن أن تكون موجودة ومستقيمة أن لم تتواجد القوائم الأربعة, إذا أنت جئت تقولي لا إحنا باسم الحقيقة العددية سنلغي استقلال القضاء وسنلغي الحريات العامة وسنلغي كذلك ماذا سيبقى منها، ستبقى الطاولة عرجاء موجودة.. يعني تصبح غير ديمقراطية, الديمقراطية ليست سيادة العدد الديمقراطية هي سيادة المبادئ الديمقراطية اللي هي الحرية للجميع اللي هي الحرمة الجسدية اللي هي المساواة اللي.. يعني هذه هي الديمقراطية بحيث يخطئ من يتصور أنه إذا جاء بالانتخابات العددية يستطيع أن يلغي بقية قوائم اللعبة، اللعبة متكاملة فيها التداول على السلطة وفيها الحريات, ولهذا لا يمكن لأي إنسان يعتبر نفسه ديمقراطي أنه يقول أن أنا إذا جاءتني القوائم الانتخابية لأنه في الواقع إرادة الشعب لا تعبر عنها القوائم الانتخابية.

خالد الحروب:دعني أدخل إذا سمحت دكتور منصف وأسأل أيضا الأستاذ جورج, هذه المسألة خلافية عند الإسلاميين وأقولك هذا رأي الشعب، الشعب انتخبنا غالبية ونحن دخلنا البرلمان يريد منا أن نغير القوانين ونلغي مثلا نلغي الفصل بين السلطات هذا رأي الشعب, الذي أنت تقول فيه هذه الفصل بين السلطات مبادئ الأحداث السياسية مبادئ ليبرالية.

منصف المرزوقي: لا, شوف.. عفواً..

خالد الحروب: لا, آخذ تعليق الأستاذ جورج ثم أرجع لك حتى اربطه بسؤال الليبرالية.

جورج طرابيشي: ها هنا تقع القضية قضية مسميات, هل تسمي صندوق الاقتراع فقط هو الديمقراطية؟ فأعتقد أنا كما ضربت المثل النازي, فهل نقول الحكم النازي حكم ديمقراطي لأن جاء عن طريق الانتخابات؟ أنا أعتقد هذا ضرب من الجنون التاريخي, فالإشْكَال الكبير هو تسمون الديمقراطية بما ليس باسمها, فأنا.. من حق الإسلاميين أو أي فئة أخرى أن تصل إلى الحكم بشرطين أساسيين, إذا اقترح.. أرادوا الشعب.. أرادهم الشعب أن يحكموا فليحكموا بشرطين, أولا أن يحكموا السلطة.. أن يسيطروا على السلطة لا على الدولة لأنك إذا سيطرت على الدولة معناها ألغيت ما بعدك, وثانيا أن يقروا الحق الديمقراطي في أن يترك المجال تداول السلطة مفتوح, أما أن تأتي باسم الديمقراطية لتوقف عمل الديمقراطية فلا تختلف إطلاقا عن المستبد الذي يوقف العملية الديمقراطية سلفاً بحجة من سيأتون غير ديمقراطيين, فأنا لا أرهن الديمقراطية بنتائج الاقتراع ولكن لا اكتفي بصناديق الاقتراع.

خالد الحروب: أي نعم واضح أستاذ جورج, مع الدكتور منصف الآن هناك تحفظك واضح على هذه المسألة يجب أن يكون هنالك حدود.

منصف المرزوقي: طبعاً.

خالد الحروب: حدود لأي إجراء يعتمد على العدد.

منصف المرزوقي: احترام الحريات واحترام استقلال القضاء.

خالد الحروب: أي نعم, الآن في أحد الفصول تتحدث عن الليبرالية المتوحشة وتفضل بينها وبين الديمقراطية تقول أنه ليس بالضرورة أن يكون الحل الديمقراطي حل ليبرالي أو مضمونه ليبرالية, الآن المشكل أنه لا نريده ليبرالياً, نتحفظ عليه إسلامياً, إذاً ما هو اللُحْمَة؟ ما هي المضمون الداخلي في داخل الديمقراطية؟

منصف المرزوقي: الديمقراطية يجب أن نفهمها كأساس ضمان حريات الفرد, أنه حرية الرأي حرية التعبير حرية الفكر هذه هي الدعامة الأولى, الدعامة الثانية هي الحريات الجماعية.

خالد الحروب [مقاطعاً]: قد يقول قائل هذه مرتكزات ليبرالية وهذه معاني ليبرالية.

منصف المرزوقي [متابعاً]: لا أنا جايك, الدعامة الثانية هي الحرية حرية الانتخاب, حرية العمل النقابي إلى آخره هذه الحريات العامة, ثم استقلال القضاء اللي هو شيء رئيسي لأنه لا يمكن أن تكون القاضي الخصم والحكم, ثم التداول السلمي على السلطة, هذه الأربعة القوائم للديمقراطية, وهذه قوائم الديمقراطية يجب أن تفصل عن ثلاث أشياء, أولا يجب أن تفصل عن الدين لأن الديمقراطية ليست لا معادية للدين ولا مع الدين الديمقراطية هي محايدة دينياً ولهذا أنا ضد..

خالد الحروب: والشيء الثاني.

منصف المرزوقي: جامحة مع الإسلام أو جامحة ضد الإسلام, ضد أنه الديمقراطية تقول لاكئية أو لاتكون هذا غلط أو أنها تكون إسلامية أو لا تكون هذا غلط, الديمقراطية هي شيء تقني بحت, فصلها عن الليبرالية هذا شيء ضروري لأنه الليبرالية ما هي؟ الليبرالية هي الحرية في المجال الاقتصادي، الحرية في المجال الاقتصادي هي دائماً تؤدي دائما وأبدا إلى فوز الأقلية على الأغلبية, أنها تعمق الفقر أنها تعمق الخصاصة إلى آخره, والأقلية التي لها الإمكانيات المادية يمكن أن تستخدم الديمقراطية لأن هي لها الإعلام.

خالد الحروب: والشيء الثالث.

منصف المرزوقي: الشيء الثالث هو يجب فصل الديمقراطية عن الغرب, لأنه يجب أن نفهم أن الديمقراطية وقعت لها مصائب كبيرة في الغرب من جملتها ما قاله الأخ, وإنه حًوربَت وإنه الفاشية والنازية كانت.. يعني الغرب حارب الديمقراطية أكثر مما حاربناه نحن, وانتصرت الديمقراطية وانتصارها يمكن أن يكون انتصار مطلق يجب أن نفصل الديمقراطية عن الغرب.

خالد الحروب: سؤال للأستاذ جورج فيما يتعلق بتلازم الديمقراطية والليبرالية أو انفصالهما, هل هذا التوصيف الذي وصفه الدكتور منصف في الكتاب أن الليبرالية اقتصاداً.. يعني ليس تفسيراً

جورج طرابيشي: أنا أعتقد هذه نقطة الخلاف الرئيسية بيني وبين الدكتور منصف, فأنا أعتقد أنه ليس هذا المجال وليس هذا الوقت للدخول في حرب ضد الليبرالية, لأنك تستطيع أن تكون ليبرالياً وديمقراطياً وتستطيع أن تكون ديمقراطياً بدون أن تكف.. بدون أن تكون بالضرورة ليبرالياً بالمعنى الاقتصادي لدى الكلمة, ولكن أعتقد أنه فتح جبهة ضد الليبرالية الآن لا يخدم الفكر الديمقراطية, لأن أعتقد أن ما نحتاجه أن نفهم أيضاً حقيقة الليبرالية فهي ليست فقط حرية اقتصادية مُوَلِدة للامساواة بل هي أيضا حرية سياسية, دائماً ما ترتبط حرية الاقتصاد بحرية السياسة والعكس بالعكس, بالنسبة لي شخصياً أنا لست ليبرالياً بالمعنى المتداول ولكن أخشى كثيرا من..

خالد الحروب [مقاطعاَ]: بالمعنى الاقتصادي المتوحش.

جورج طرابيشي [متابعاً]: من بعبعة أنها تحويلها إلى بعبع, أيضاً أعتقد قد تكون هذه ترتد بالتأثير السالب على الديمقراطية, وهنا نقطة خلاف أخرى مع الدكتور منصف, وهي موقفه من العولمة ما يسميه العولمة المتوحشة, أنا أعتقد أنه باسم الديمقراطية في كتابه يفتح جبهات كثيرة, الحرب ضد الليبراليين, الحرب ضد العولمة, أنا شخصيا مثلا أنا مع العولمة حتى ولو كانت ظالمة لأني أعتقد أنها الفرصة الوحيدة للشعوب المتخلفة شعوب العالم الثالث التي استعصى عليها دخول المعادلة للتقدم ووضع حد للتخلف قد تكون هذه فرصتها التاريخية لكي تتقدم, وما يحدث اليوم في الصين هو أكبر دليل على أنه يمكن تكون العولمة مدخل للعالم الثالث لكي يدخل للعالم الثاني وللعالم الأول, فبدون أن أدافع على العولمة أقول ليس من الضروري أن نربط الديمقراطية بمحاربة العولمة وإلا نثقل كتف الديمقراطية بعبء ثقيل جديد.

خالد الحروب: دكتور منصف حول الليبرالية والعولمة والدمقرطة لكن بإيجاز شديد يعني الملاحظات التي تفضل فيها الأستاذ جورج حتى ننتقل لمحور.

منصف المرزوقي: أنا أخشى ما أخشاه أنه في بلد عربي مثلاً ما تكون هناك ديمقراطية تمثيلية برلمانية إشهارية إلى آخره, وهذه يعني الديمقراطية تغطي على الفوارق الطبقية على فقر شديد.. يعني تكون من نتائج الليبرالية التي أسميها الليبرالية المتوحشة وهذا هو النموذج الأميركي, في هذه الحالة فإن الطبقات الفقيرة ستتمرد على هذه الديمقراطية الموجودة في الطبقات العليا والتي تعتبرها لا تتماشى مع حاجاتها الاقتصادية والاجتماعية, فأنا أريد أن أربط الحاجات الاقتصادية والاجتماعية مع الحاجات السياسية.

خالد الحروب: دكتور منصف يعني ملاحظتي مثلا وأنا أقرأ استنتاجاتك عن النظام الأميركي طبعاً والتوحش الرأسمالي فيه ربما الكثير أتفق معك فيها, لكن ليست هي النموذج الليبرالي الوحيد, يعني الدول الإسكندنافية أوروبا الغربية هذه دول أيضا ليبرالية وديمقراطية فمضمونها من الداخل مضمون ليبرالي, وليس فقط مضمونا اقتصاديا.

منصف المرزوقي: أنت ذكرت البلدان الإسكندنافية, البلدان الإسكندنافية حافظت على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي القصة شو هو, القصة أنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول لك فيه جملة من الحقوق السياسية اللي هي الفصل 18 و19 هذه الحقوق الديمقراطية لكن في نفس الوقت هناك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي لا يجب أن تنسى, أنا أريد أن أربط الديمقراطية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة, وأريد أن أربط الديمقراطية بالتحرر العربي من جهة أخرى, لا يجب أن تكون الديمقراطية معزولة عن التقدم الاقتصادي والاجتماعي أو عن القضايا وهموم الأمة.

خالد الحروب: نعم أريد أن أنتقل إلى محور آخر فيما تبقى من وقت البرنامج, هل ستجهض الديمقراطية مشروع وحدة الأمة؟ هذا عنوان أحد الفصول, أستاذ جورج إذا أتحنا الديمقراطية والتصويت, ربما الأقليات الأكراد الأمازيغ في دول المغرب العربي إلى آخره تختار خيارات غير خيار الوحدة العربية؟

"
يجب الربط بين ثقافة الديمقراطية والآلية الديمقراطية، ولو طبقنا الآلية وحدها فقد تتحول الديمقراطية إلى ديمقراطية إثنية أو طائفية
"
طرابيشي
جورج طرابيشي: نعم أعتقد ها هنا نعود إلى المشكلة نفسها مشكلة الفصل بين ثقافة الديمقراطية وآلية الديمقراطية, إذا طبقت الآلية وحدها فقد تحول الديمقراطية إلى ديمقراطية إثنية أو إلى ديمقراطية طائفية أو إلى ديمقراطية سنية أو شيعية, كما مشرح العراق اليوم, المهم أن نربط أو نؤكد على هذا الربط بين ثقافة الديمقراطية والآلية الديمقراطية بحيث نتفادى مطبات الديمقراطية, لأنه بالفعل للديمقراطية مطبات خطيرة إذا انفصلت عن ثقافتها, وأعتقد ينطبق ذلك على ما قد نسميه وحدة الأمة مع أنه هذا التعبير لم يعد ذا مدلول حقيقي في المرحلة الراهنة, ماذا نقصد بالأمة أصلاً الأمة مشتتة؟ هل نقصد فيها الأمة العربية؟ هل نقصد.. وهي فكرة أصبحت مرفوضة, أعتقد سؤال كبير.

خالد الحروب: نعم, بإيجاز شديد دكتور منصف تتحدث عن العوائق الثقافية والعقل المستبد والعقل الديمقراطي والعقل السياسي المتوحش وتتحدث عن الديمقراطي والإنسان الاستبدادي, كيف ينتقل الإنسان هنا في المنطقة العربية من الإنسان الاستبدادي إلى الديمقراطي؟

منصف المرزوقي: هو بصدد الانتقال اليوم بفضل الإعلام, بفضل ارتفاع التعليم, بفضل إرادة المشاركة, بفضل الفساد المستشري, ويعني انهيار صورة الاستبداد السياسية إلى آخره, هو بصدد الانتقال شيء فشيء لكن هذه العملية هذه يمكن.. يعني يمكن أن تتوقف يمكن أن تتراجع يمكن أن.. يعني نواكبها وهذا دور المثقف من جهة ودور رجال السياسة من جهة أخرى, أنه قوى البناء والتشييد اللي هي موجودة في داخل مجتمعنا يجب أن يواكبها حتى ننتقل من مصيبة الاستبداد إلى نعمة الديمقراطية,

خالد الحروب: شكراً جزيلاً وشكراً لكم ومشاهدي الكرام شكرا لكم أيضاً, كنتم معنا في نقاش كتاب عن أية ديمقراطية يتحدثون من تأليف الدكتور منصف المرزوقي الناشط السياسي والحقوقي في مجال حقوق الإنسان والدفاع عنه في العالم العربي والمقيم في المنافي وكذلك فأشكره على وجوده معنا في الإستوديو, أشكر كذلك الأستاذ والمؤلف المفكر السوري جورج طرابيشي على وجوده معنا, وإلى أن نلتقي معكم الأسبوع المقبل مع كتاب جديد دمتم بألف خير.