- مفهوم الأنسنة
- الأنسنة ومرحلة التخلف الإسلامي والتنوير الأوروبي

- النهضة ومدى ارتباطها بالتمسك باللاهوت والعقل


خالد الحروب: مشاهدي الكرام مرحبا بكم إلى حلقة اليوم من برنامج الكتاب خير جليس نقدمها لكم من المعهد العالمي العربي في باريس، نستعرض معكم أولا أهم ما ورد في ثلاثة كتب وصلتنا مؤخرا ثم نناقش الكتاب الرئيسي لهذه الحلقة، الكتاب الأول عنوانه حرب الولايات المتحدة الأخرى.. الاقتصاد وأسرار ماكينة الغزو وهو من تأليف الباحثين الفرنسيين ايرك دينسيه وكلود ريفيل، يستعرض الكتاب أوجه القوة الاقتصادية والتجارية الأميركية محليا وعالميا، يقول أن تحظى باهتمام أقل مما تحظى به أوجه القوة الأخرى من قبل المتابعين والقلقين من وقوع الولايات المتحدة في غواية الإمبريالية، يؤطر موقع تلك القوة في البنية الأميركية العامة ويفصل في ديناميات العلاقة بينها وبين مظاهر القوة المختلفة ثم يناقش تطبيقاتها في السياسة الخارجية كواحدة من أهم آليات السيطرة والضغط سواء عن طريق العلاقات الثنائية مع الدول أو عن طريق المؤسسات المالية والتجارية الدولية.

أما الكتاب الثاني فعنوانه تصحيح خطأ يهود وعرب في أرض إسرائيل 1936 – 1956 وهو من تأليف المؤرخ الإسرائيلي بني مورس وترجمة وتقديم أنطوان شلحت وصادر عن دار مدار في رام الله بفلسطين، يقدم الكتاب طروحات متعلقة بالتاريخ الإسرائيلي الجديد وتحديدا يحمل المنظمات الصهيونية أسباب تهجير الفلسطينيين ونشوء مشكلة اللاجئين وهذا معاكس تماما للرؤية الإسرائيلية الرسمية التي دأبت على القول بأن الهجرة الفلسطينية كانت طوعية وليست إجبارية ولكن المؤرخ يتوقف في منتصف الطريق، فرغم أنه يقر بمسؤولية الحركة الصهيونية تلك إلا أنه يقول أن ذلك لا يعني وجود برنامج مسبق معد سلفا يهدف إلى تهجير الفلسطينيين ويقول أن الأمر لم يكن سوى مجرد نتيجة طبيعية للحرب وهو الطرح الذي يرفضه المؤرخون الفلسطينيون.

الكتاب الثالث عنوانه العراقيون اليهود.. تاريخ للتهجير الجماعي وهو كتاب أيضا يندرج في سياق التهجير وهذه المرة تهجير معاكس وهو من تأليف الباحث الفلسطيني عباس شبلاق، الكتاب طبعة جديدة من جهد أكاديمي مهم أرَّخ لتهجير اليهود لقبل وبعد قيام دولة إسرائيل، فصول الكتاب تستعرض تاريخ اليهود في العراق وعمق الاندماج الثقافي واللغوي الذي سبق عملية التهجير لكن مع بروز الحركة الصهيونية توترت أوضاع اليهود العراقيون ووقعوا تحت ضغط المجتمع محليا وخارجيا ويتابع الكتاب بالتفصيل أوجه هذا الضغط والإغراءات والجهود الصهيونية التي دفعت بهم إلى الهجرة وكذلك غياب أي جهد عراقي واعي لوقف هذه الهجرة.

والآن ننتقل معكم إلى الكتاب الرئيسي في هذه الحلقة وهو بعنوان الأنسنة والإسلام.. معارك فكرية وطروحات من تأليف البرفيسور محمد أركون صاحب المؤلفات الكثيرة التي تدور حول الأنسنة أو عن النزعات الإنسانية في الفكر الإٍسلامي، الكتاب يقول أن الأنسنة ظهرت في الأفكار الإسلامية قبل أن تظهر في أوروبا بقرون لكنها اختفت وماتت في عالم الإسلام مع أفول عصر الأنوار الإسلامي إن جازت التسمية وبروز عصر الانحطاط، أين غابت وكيف ستعود نزعات الأنسنة؟ استضيف في الأستوديو هنا في باريس لمناقشة الكتاب المؤلف البروفيسور محمد أركون محاضر التاريخ والفكر الإسلامي في جامعة السوربون في فرنسا فأهلا وسهلا به.

محمد أركون: شكرا على إعطائي هذه الفرصة لهذا الكتاب لنقدمه للمستمعين.

خالد الحروب: أهلا وسهلا فيك. كما استضيف الناقد والكاتب هاشم صالح الذي قرأ بعمق وترجم بإبداع أعمال محمد أركون إلى العربية فأهلا وسهلا به أيضا.

هاشم صالح: أهلا شكرا.



مفهوم الأنسنة

خالد الحروب: أهلا وسهلا بروفيسور أركون إذا بدأنا معك أولا حول المفهوم أحيانا ربما اللغة تبدو غريبة الأنسنة مفهوم جديد ما الذي تقصده بهذا المفهوم ولماذا ترتكز إلى أعمال المفكرين الإسلاميين في القرن الرابع والخامس الهجري كمنطلق لهذه النزعة؟

"
الأنسنة ترجمة لكلمة عربية منتشرة جدا في الأدب العربي الكلاسيكي وتعني آداب، فمثلا عندما نقول كلية الآداب المقصود بها تلك الممارسة للغة لإنتاج أدبي
"
 أركون

محمد أركون: يجب أن ننطلق من مشكلة المفاهيم، في اللغة العربية اليوم المفاهيم التي تتعلق بجميع العلوم الاجتماعية وأيضا بالفكر التاريخي والفكر الفلسفي، هذه الترجمة الأنسنة ترجمة لكلمة عربية منتشرة جدا في الأدب العربي الكلاسيكي وهو كلمة آداب الآداب كما نجد عند الكُتاب في القرن الثالث والرابع والخامس الهجري يدل على ما نلتمسه مثلا في كتاب ابن قتيبه أدب الكاتب، أدب الكاتب يدل على جميع المعلومات ويدل على ما يحيط به كل كاتب ما كان يُسمى كاتب، الكُتاب في ذاك الوقت الذين يعملون في دواوين في الخلافة يجب عليهم أن يحيطوا بجميع العلوم المتوفرة في زمانهم وهذا التعريف هو التعريف لكلمة لمفهوم (كلمة إنجليزية) باللغات الأوروبية أيضا كان يدل بعد القرن الخامس عشر والسادس عشر على الثقافة اليونانية واللاتينية القديمة التي أهتم بها الأوروبيون في هذه الفترة وسموها النزعة الأدبية إذا صح أن نستعمل هذه الكلمة على مفهومها القديم بالعربية لأن الآن عندما نقول مثلا كلية الآداب، الآداب هو تلك الممارسة للغة لإنتاج أدبي.

خالد الحروب: نعم باختصار.

محمد أركون: كالشعر والروايات وإلى آخره.

خالد الحروب: مَن هم الأعلام الأهم يعني بإيجاز ثم انتقل إلى الأستاذ هاشم مَن هم الأعلام والأسماء الأهم في القرن الرابع عشر والخامس عشر؟

محمد أركون: أسماء عديدة جدا وقدمتها في كتاب آخر.

خالد الحروب: وأيضا ذكرتهم في هذا الكتاب مرة أخرى.

محمد أركون: وصدرت في الطبعة الثالثة لكتابي الذي ترجمه هاشم بالعنوان نزعة الأنسنة في الفكر العربي في القرن الرابع الهجري ومن أبرز الأسماء التي يجب أن نذكرها ويجب أن نعتني بها وأن ندرس مؤلفات هؤلاء اليوم في مدارسنا الثانوية ولذلك كتبت هذا الكتاب هم أولا الجاحظ في القرن الثالث الهجري وأبن قتيبة ولكن كان توتر بين ابن قتيبة والجاحظ.

خالد الحروب: من دون شرح لكن كأسماء.

محمد أركون: لا يتثنى الوقت لأن.. الأسماء في القرن الرابع الهجري أبو حياد التوحيدي ومسكاوي هذان الإسمان يعني هم الذين.

خالد الحروب: هم ذكرتهم في أكثر من مرة ليس في هذا لكتاب فحسب.

محمد أركون: لهم شعر ممتاز في تلك الفترة ولكن وصفت ما سميته جيل مسكاوي جيل كامل.

خالد الحروب: يعني أسأل.. جيل مسكاوي أستاذ هاشم.

محمد أركون: جيل كامل من المثقفين والعلماء.

خالد الحروب: أستاذ هاشم أنت ترجمت تقريبا أهم كتب البروفيسور أركون وتابعت إنتاجه، الآن يأتي هذا الكتاب ربما بعد ثلاثين سنة من الاهتمام في هذا الموضوع ما الذي تراه مهما وأنت كتبت أيضا عن هذا الكتاب ما الإضافة التي تراها مهمة في هذا الكتاب؟

هاشم صالح: هذا الكتاب تعميق لكل بحوثه حول مفهوم النزعة الإنسانية والعقلانية في التراث العربي الإسلامي أثناء العصر الذهبي ما نسميه بالعصر الكلاسيكي أو العصر الذهبي بما إنه أطروحته صدرت عام 1970 هذا الكتاب يصدر 2005 في 35 سنة يعني ما بين الكتاب السابق وهذا الكتاب. هذا الكتاب تعميق وإضافة ووجدت فيه إضاءات الحقيقة جديدة بالنسبة لي حسب معرفتي بفكر محمد أركون مثلا يلحق في هذا الكتاب ينص بشكل واضح على أن المجتمع الإسلامي ينبغي أن تمر بمرحلة التنوير مثلما حصل للمجتمعات الأوروبية بدءً من القرن الثامن عشر لكي نخرج من أزمتنا الحالية من أزمة الوعي الإسلامي المعاصر مع نفسه ومع الحداثة الكونية مع عالم المجتمع الدولي لابد من إضاءة تراثنا الديني بواسطة المناهج الحديثة يعني مناهج العلوم الإنسانية ينبغي تطبيقها على تراثنا العربي الإسلامي العريق لكي نفهمه بشكل جديد وبشكل يكون قادر على أن يتصالح مع الحداثة الكونية هذا شيء ينص عليه بشكل واضح إذاً التنوير سوف ندخل نحن المسلمين العرب سوف ندخل مرحلة التنوير لكي نخرج من المأزق التاريخي الذي نتخبط فيه اليوم هذه نقطة مهمة جدا وجدتها فيها..



الأنسنة ومرحلة التخلف الإسلامي والتنوير الأوروبي

خالد الحروب [مقاطعاً]: لأنها مهما جدا سوف أعود إلى النقطة الأخرى لكن دعني أسأل البروفيسور أركون عن هذه هل وصولنا أو انفكاكنا من المأزق التاريخي ومأزق التخلف الذي نعيشه يفترض علينا برؤيتك كباحث في العلوم الإنسانية أن نمر في مرحلة التنوير الأوروبي؟

"
يجب علينا التعرف على مرحلة التنوير الأوروبي لأن كثيرا من المشاكل الفكرية والقضايا التي نمارسها اليوم مرتبطة ومنبعثة من تلك الفترة
"
     أركون

محمد أركون: نعم يجب علينا أن نتعرف تاريخيا على هذه المرحلة لأن كثير من المشاكل الفكرية والقضايا التي نمارسها اليوم مرتبطة ومنبعثة من تلك الفترة ولكن أضيف ولذلك كتبت الكتابات.. أضيف أن هذه المرحلة الآن داخلة فيما يتعلق بالتاريخ ولا فيما يتعلق بممارستنا للعقل اليوم لأن عقل الأنوار اليوم أصبح لا يصلح كما كان يصلح في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين لممارسة جميع القضايا المتعلقة بالوجود الإنساني.

خالد الحروب: بروفيسور أركون فرق بين التعرف أن تقول علينا أن نتعرف على هذه المرحلة أو مثلا يقول البعض علينا أن نمر بما يماثلها بما يناظرها؟

محمد أركون: لا يمكننا أن نمر على تلك المرحلة كما مرت عليها أوروبا الأمم الأوروبية لهذا لا يمكن..

هاشم صالح: بدون تطابق ما فيش تطابق.

خالد الحروب: ما فيه تطابق.

محمد أركون: ولا أقصد ذلك أقصد فقط أن نواصل الفكر مثلا لنعيد النظر على.. في فترة النهضة.. النهضة في القرن التاسع عشر كان المثقفون العرب يهتمون كثيرا بعقل الأنوار واستعملوا وسائل عقل النوار..

خالد الحروب: دعني إذا سمحت لي أوقفك شوي لأنه سوف أنت تحدثت عن الدور المثقف في الفكر الإسلامي وسوف نأتي لأنه هذا شيء مهم جدا لكن دعني لأننا قطعنا على الأستاذ هاشم في الملاحظة الثانية إزاء أهمية هذا الكتاب إذا سمحت أستاذ هاشم كنت تتحدث..

هاشم صالح: يعني الإضاءة الثانية وجدت عدة إضاءات في هذا الكتاب الإضاءة الثانية الأستاذ أركون يقيم موازنة مقارنة بين وتحدَّث عنها قبل قليل بين النزعة الإنسانية عند العرب عند كبار المفكرين والكتاب والأدباء العرب والنزعة الإنسانية عند كبار الأدباء، أوروبا في عصر النهضة في القرن السادس عشر ويقول يضيف بأن في كلتا الحالتين لم تحصل قطيعة من اللاهوت الديني على الرغم من الفهم العقلاني للدين عند مستويين عند التوحيدي عند.. مثلا بعصر النهضة حصل فهم عقلاني فهم أكثر تنويري أكثر نقدي للتراث الديني ولكن لم تحصل قطيعة في كلتا الفترة لا عندنا ولا عندهم مع اللاهوت الديني، متى حدثت القطيعة؟ في عصر التنوير بالضبط وأنت تقول ذلك عصر التنوير هو وحده كان قادر في أوروبا في القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر على أن يعطي للعقل استقلالية كاملة، العقل البشري الآن أصبح مستقلا تماما عن اللاهوت الديني استقلال ذاتي ولم تعد الفلسفة خادمة للاهوت.

خالد الحروب: سوف نسأل البروفيسور أركون حول مدى انطباعك هذا على السيرورة الإسلامية والفكر الإسلامي لكن بعد هذا التوقف القصير، مشاهدي الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.

[فاصل إعلاني]

خالد الحروب: مشاهدي الكرام مرحبا بكم. مرة ثانية نواصل معكم نقاش كتاب اليوم الأنسنة والإسلام للبروفيسور محمد أركون، بروفيسور أركون كنا نتحدث حول مدى انطباق سيرورة الانقطاع بين العقل وفكر اللاهوت كما حدثت في الفكر الغربي على نظيرتها في الفكر الإسلامي ما رأيك؟

محمد أركون: يجب أن نرى أن في تاريخ الفكر الإسلامي وقعت قطيعة لا بالتيار الإنساني فقط بعد القرن الحادي عشر ولكن هذه القطيعة نجدها أيضا فيما يتعلق بما كان يُسمى العلوم الدينية، مثلا الفكر اللاهوتي الذي كان يُسمى بعلم الكلام إنقطع بعد القرن الثاني عشر والثالث عشر وإلى الآن لا نجد في الفكر الإسلامي المعاصر اعتناء بهذا الفكر اللاهوتي الذي كان يستعمل وسائل العقل النقدي التي كانوا يستمدونها من الفلسفة في القرون الوسطى أما اليوم..

خالد الحروب [مقاطعاً]: لدعم الطروحات الدينية المنطق وعلم الكلام.

محمد أركون: اليوم لا نجد إلا خطاب يتعلق بالفقه بالفتاوى بالشريعة كما نسميها.

خالد الحروب: ويعتمد على النقد.

محمد أركون: وليس هناك اعتناء باللاهوت كممارسة فكرية نقدية للقضايا الدينية بصفة خاصة فما نجد ذلك في الفكر المسيحي وفي الفكر اليهودي.

خالد الحروب: هذا مهم لكن مازال السؤال..

محمد أركون [مقاطعاً]: هذا يتعلق بالموقف الأنسني كموقف فكري مش فلسفي فقط لأن الفكر الأنسني يحيط بجميع العلوم لا يهمش علم ولا يعرض عن علم ويختار علم آخر بل يعتني بجميع العلوم والمعاجم المتوفرة في عصر من العصور مثلا عندما نقرأ تفسير فقرة المرازي نجد هذه النزعة الإنسنية التي تعتني بجميع الانتاجات الآتية من الفكر البشري هذا هو معنى الموقف الأنسني.

خالد الحروب: بروفسيور لو أذكر دعنا ننتقل قريبا إلى هذا العصر الحديث حتى أيضا هذا المفاهيم النقدية ننزلها على أرض الواقع ونرى بعض الأمثلة، أستاذ هاشم يذكر أركون في الكتاب أن تمظهرات الأنسنة في نصف القرن الأخير مثلا في الفكر العربي كان بعضها مثلا طه حسين بعض الأصوات وفي مقابلها تعرض طه حسين لهجوم عنيف من بعض الأصوات النقلية والتقليدية.

هاشم صالح: طبعا.

خالد الحروب: ما تقييمك لهذا التوصيف لإسقاط هذا المفاهيم على بعض الشواهد مدى دقته؟

هاشم صالح: طبعا الأستاذ أركون أختص بتاريخ الفكر الإسلامي كله منذ البداية وحتى اليوم وذلك بقسمه لعدة مراحل، أصلا العصر الكلاسيكي عصر الأنسنة والتيار العقلاني والفلسفي بعدين عصر بيسميه السكالوستيكي عصر الانحطاط بنسميه إحنا بالكتب المدرسية العربية وبعد عصر الانحطاط الطويل النوم الطويل على التاريخ يجي عصر النهضة القرن التاسع عشر نابليون، محمد علي وبعد إذاً مرحلة رابعة هي مرحلة بعد عصر النهضة أو العصر الليبرالي العربي أغلق بالفترة القومية الناصرية إلى آخره واحد وسبعين وبعدين الآن دخلنا بعصر السبعين كما تقسم بحسب تقسيمات تاريخ الفكر العربي..

خالد الحروب: الحركات الإسلامية.

هاشم صالح: دخلنا بالمرحلة الأصولية من تاريخنا أنا الحقيقة أحب أن أضيف نقطة شوف إضاءة جديدة في كتاب محمد أركون هي تخص يقول أن المسيحية الأوروبية كاثوليكية كانت أم بروتستانتية هي وحدها التي بذلت جهودا للتصالح مع الحداثة مع التنوير ومع قيم العصور الحديثة وهذا..

محمد أركون [مقاطعاً]: وهذا بذلوا هذا الجهد مؤخرا..

هاشم صالح: مؤخرا.

محمد أركون: لأنهم كانوا أيضا يضادوا التيار الحداثة..

هاشم صالح [مقاطعاً]: يعرقلون الحداثة بعد معرقلات طويلة غاليليو وغير غاليليو..

محمد أركون [مقاطعاً]: وحتى في القرن التاسع عشر..

هاشم صالح [مقاطعاً]: حتى في القرن التاسع عشر داروا بالعمل ضجة بأصول المسيحيين جنوا حتى ضد النقد التاريخي مش ضد الاكتشافات العلمية دارون وغاليليو ضد النقد التاريخي تطبيقه على التوراة والإنجيل المعارضة..

خالد الحروب: لنتوقف هنا حتى نضعها بوضوح.

محمد أركون: فيما يتعلق بطه حسين..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذا سمحت.

محمد أركون: اذكر مثل واحد للقراء ليدركوا ماذا أريد أن أعبر عنه..

خالد الحروب: تفضل.

محمد أركون: في السبعينات صدر كتاب بالقاهرة لأنور الجندي عنوانه طه حسين في ميزان الإسلام، شتان بين ما كتبه طه حسين وما قام به من معارك من أجل الإنسنة بالمفهوم الذي ذكرته الكلاسيكي في الفكر العربي والكلاسيكي في الفكر..

هاشم صالح: الأوروبي.

محمد أركون: الأوروبي شتان بين هذا الدور الجليل الذي قام به طه حسين وما ترجمه وفهمه أو لم يفهمه أنور الجندي في هذا الكتاب..

خالد الحروب [مقاطعاً]: امتداد إذا سمحت بروفسيور..

محمد أركون: وهذا الكتاب قدم للقراء للشبان في السبعينات وزرت جامعة القاهرة في ذاك الوقت مع صديقي حسن حنفي وذكرته ووجدت الطلبة يقبلون على هذا الكتاب ويقرأونه كمرجعية..

خالد الحروب [مقاطعاً]: استنادا إلى ما قام به طه حسين ورد أنور الجندي عليه وامتدادا إلى الفصل الرابع تناقش موقف المثقف في الفكر الإسلامي عموما ولفت انتباهي أيضا أنك ناقشت أحد الكتب التي ناقشناها في هذا البرنامج قبل ثلاث أو أربع أسابيع حول الفكر الإسلامي في القرن العشرين لسها الفاروقي وبشير نافع وذكرت أن هناك قدر من الاعتذارية عند بعض المفكرين الإسلاميين.

محمد أركون: صحيح.

خالد الحروب: في النظر إلى الفكر التقليدي.

محمد أركون: صحيح.. صحيح.

خالد الحروب: وضِّح لنا ما أردت في الكتاب بشكل أوسع؟

محمد أركون: نعم هذا الكتاب صدر حديثا بالإنجليزية وأعرف فاروقي والتقينا مرارا والذين ساهموا في هذا الكتاب لا يزالون متشبثين بالنزعة الإصلاحية السلفية وتفكيرهم محاط بالوسائل التفكيرية التي يستعملها أصحاب هذه النزعة السلفية بينما يجب علينا أن ندرج هذا الفترة الفكرية للفكر الإسلامي في التاريخ تنسب إلى التاريخ ولا يمكن أن نستعمل الوسائل الفكرية التي كان يستعملها حتى محمد عبده نفسه لندرج اليوم مكانة الإسلام والفكر الإسلامي في التيارات الفكرية التي يجب أن نتم بها.

خالد الحروب: نعم أستاذ هاشم حول مسألة دور المثقف سواء بدأ معنا محمد أركون في الكتاب تقريبا من ابن تيمية وما قبله وصولا إلى طه حسين ومرحلة الحركات الإسلامية المعاصرة، الآن ما تقييمك لتحليله لموقف المثقف الإسلامي هل هو بتلك المركزية؟

هاشم صالح: طبعا هذا تقييم أنا ترجمتها نسخة أو بدائية من هذا النص وسعته أعتقد فيما بعد أنا أتصور تقدير تاريخي عميق وناضج ككل الدراسات التي قدمها محمد أركون يعني على ربع قرن وأنا أترجم وأشرح وأعلق وأجد أنضج محاولة في رأيي هذا رأيي لا أفرضه على أحد، أنضج محاولة في تشخيص هموم الفكر العربي الإسلامي وفي حل عقده إضاءة لم يسبق لها مثيل في رأيي الشخصي على هذا.. لهذا التراث الآن 14 قرن إضاءة تستخدم كل العلوم الإنسانية علم الاجتماع علم التاريخ علم الإنسانيات لإضاءة النص الإسلامي القديم أو الأول أو المتوسط أو الحديث يعني أنا أجد أن نشر هذا الفكر في العالم العربي الإسلامي هو وحده القادر على إنقاذ الموقف في اللحظة الراهنة بمعنى أن الخطاب الأصولي الذي يتمتع بمشروعية تقليدية وعصور الانحطاط وراءه تدعمه هذا فكر جديد ليس وراءه عصور تدعمه ولكنه وحده القادر على أن ينقذ الموقف وأن يقف في مجابهة الفكر التقليدي الأصولي.



النهضة ومدى ارتباطها بالتمسك باللاهوت والعقل

خالد الحروب: أستاذ أركون بإيجاز حول رسالة الكتاب ذكر هاشم صالح في مقالة كتبها حول الكتاب أن الإضافة إحدى الإضافات الأساسية ضرورة الدخول في مرحلة التنوير ثم إلى آخره، السؤال هل من المفروض علينا أن ننقطع عما هو لاهوتي وعقلاني حتى ننهض؟ بوضوح.

محمد أركون: بوضوح بالقدر الممكن نعم ألححت في الكتاب أيضا على المناهج التي يجب أن نعتمدها لنقرأ الكتب التي تصدر الآن في.. بالغرب بمثل أميركا في أوروبا المكتوبة باللغات الأوروبية والتي تدل على نقلة مهمة جدا مما كان عليه ما كنا نسميه الاستشراق وهذا ما يعالجه الفصل الأخير من الكتاب كيف نقرأ تلك الكتب لنستفيد منها؟ لأنها أولا تعالج موضوعات إسلامية وثانيا تلقي ضوء جديد على تفسيرنا وعلى تفهمنا وتفهيمنا وتدريسنا للفكر الإسلامي هذه النقطة مهمة جدا.

خالد الحروب [مقاطعاً]: وتقود..

محمد أركون: لأنه تساعدنا أن نتخلى الآن من ذاك النقد العقيم الذي هو جدل أكثر مما هو نقد فكري لما كنا نسميه ونشكو منه الاستشراق المرحلة الاستشراقية ماتت.

خالد الحروب: أسأل الأستاذ هاشم حول نفس السؤال هذا من قراءاتك والتقدم الفكري والإضافات المختلفة لمسار محمد أركون كيف تقرأ في الكتاب الأخير؟ مسألة انقطاع اللاهوت عن العقلانية مثلا.

هاشم صالح: لا انقطاع اللاهوت لا يعني القضاء على اللاهوت هو لا يعني القضاء، يعني عقلنة فهم عقلاني اللاهوت، اللاهوت في أوروبا مر بأربع ثورات ثورة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر لوثر (كلمة غير مفهومة) ثورة اللاهوت التنوير في القرن الثامن عشر اللاهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر والعشرين..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إسلاميا.

محمد أركون: والآن يتحدثون عن لاهوت ما بعد الحداثة يعني هم يتحدثون عن لاهوت ما بعد الحداثة ونحن لا نزال في لاهوت القرون الوسطى أنا لست ضد علم اللاهوت ولكن مع التطوير علم اللاهوت.

خالد الحروب: نعم الحقيقة شكرا جزيلا شكرا لكما. ومشاهدي الكرام أشكركم أيضا على مرافقتكم لنا وبإسمكم أشكر ضيفينا البروفيسور محمد أركون مؤلف كتاب الإسلام ونزعة الأنسنة وكذلك المدرس مدرس الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي في السوربون هنا في باريس وأشكر كذلك الأستاذ هاشم صالح الكاتب والناقد والمقيم في فرنسا وأشكر المسؤولين هنا في معهد العالم العربي في باريس الذين رحبوا بنا لتسجيل هذه الحلقة وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل، إلى اللقاء.