- حق العرب في نصيب فلسفي
- اختلاف الفلسفات بين الخصوصية والكونية

- موانع التفلسف العربي ومفهوم الفُتُوَّة المنتفضة

- الهوية البشرية بين الإنسانية والرجولة والمروءة


خالد الحروب: في حلقة اليوم من برنامج الكتاب خير جليس نستضيف الدكتور طه عبد الرحمن أستاذ المنطق وفلسفة اللغة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس في المغرب، الدكتور عبد الرحمن درس المنطق والفلسفة في جامعة السوربون في فرنسا وفي هذه المواضيع كتب أَزْيَد من عشرة كتب، تدور نظرياته ومحاور كتبه حول ضرورة تأسيس فلسفة عربية تنفك عن إيثار الفلسفة الغربية ومنهاجها، كتابه اليوم الحق العربي في الاختلاف الفلسفي يدور أيضا حول هذه المحاور، دكتور طه عبد الرحمن أهلا ومرحبا بك.

طه عبد الرحمن: أهلا وسهلا.



حق العرب في نصيب فلسفي

خالد الحروب: أولا العنوان الحق العربي في الاختلاف الفلسفي ما هو هذا الحق وكيف يقوم؟

طه عبد الرحمن: الحق هو ما يجب للعربي من نصيب فلسفي بحيث ينبغي لغيره أن يُقِر بخصوصية هذا النصيب الفلسفي، بمعنى آخر أن العربي يحتاج إلى الاعتراف بالحاجة إلى إيجاد فلسفة يتميز بها العربي عن غيره لا تَمَيُّز الانقطاع ولكن تَمَيُّز التكميل والإغناء.

خالد الحروب: هذا جميل لكن من الذي يمنع العربي أو أيضا ما الذي يمنعه من ممارسة هذا الحق، هذا ساحة فكر وفلسفة مفتوحة هل يمنعنا أحد؟

"
موانع التفلسف العربي التصورات السائدة حول الفلسفة، والتقديس الذي أصبحت الفلسفة موضوعا له لدى الفلاسفة بصفة عامة
"
طه عبد الرحمن: هناك موانع كثيرة التي منعت العربي من التفلسف هو أولا التصور أو التصورات السائدة حول الفلسفة، منها التصور أن الفلسفة كونية ولا يمكن أن تقوم على أساس خصوصية معينة وأن الفلسفة منهجها العقل الخالص ومنها أيضا التقديس الذي أصبحت الفلسفة موضوعا له لدى الفلاسفة بصفة عامة، بمعنى آخر أن هناك مجموعة من التصورات التي ينبغي مراجعتها حتى يمكن للمتفلسف العربي أن يخرج إلى إبداع فلسفة خاصة به لأن هذه التصورات هي تمنع من هذا الإبداع.

خالد الحروب: لكن هذه التصورات تصورات ذاتية ربما مُتخيَلة متعلقة بنا نحن متعلقة بالمتفلسف العربي أكثر مما كونها مفروضة عليه من الخارج، قارئ الكتاب يخرج بانطباع أن الفلسفة الغربية تمنعه.

طه عبد الرحمن: مثلا التصور.. ليست هي موانع ذاتية إنما موانع سائدة في الممارسة الفلسفية كما قلت لكم مثلا قولنا بأن الفلسفة هي نتاج العقل الخالص الحقيقة ليس كذلك، الفلسفة هي نتاج الإدراكات الإنسانية المختلفة سواء كانت عقلية أو خيالية أو حسية وما إلى ذلك يعني بمعنى آخر لا يتمحض العقل في الممارسة الفلسفية دائما تشوبه خيالات وتشوبه تشبيهات ومقارنات واستعارات ومجازات كل ذلك يجعل الفكر الفلسفي ليس فكرا عقلانيا خالصا هذه نقطة أولية، معنى هذا أن هذا التصور الذي يجعل الفلسفة نتاج العقل الخالص يحول دون العربي من أن ينتج فكرا له ارتباط بخياله الخاص وباستعاراته وبمجازاته وبقيمه.



اختلاف الفلسفات بين الخصوصية والكونية

خالد الحروب: في الفصل الأول دكتور عبد الرحمن تتحدث عن الحوار وتقول أن الحوار هو أصل الكلام وأن الاختلاف هو أصل الحوار ثم تؤسس لتفارق واختلاف الفلسفات فلسفة عربية مثلا هندية إنجليزية فرنسية أوروبية وغير ذلك ربما يخرج القارئ بانطباع أن هذا التكريس للاختلافات المؤسس على فلسفات هو نظير يخلق لنا صدام فلسفات نظير صدام الحضارات؟

"
الفيلسوف الذي يُنْشِئ فكرا فلسفيا ينشئه من مجال تداول خاص وبقيم وغايات مخصوصة ولكن يرتقي بهذا الفكر ليجعل المجال التداولي الذي انطلق منه مفتوحا على كل المجالات
"
طه عبد الرحمن: هذا إذا كان تصور بأن الخصوصية الفلسفية تعارض الكونية الفلسفية وليس الأمر كذلك بل الخصوصية الفلسفية هي مهد الكونية الفلسفية بأي معنى هو أن الفيلسوف الذي يُنْشِئ فكرا فلسفيا ينشئه من مجال تداول خاص وينشئه بقيم مخصوصة ولغايات مخصوصة ولكن يرتقي بهذا الفكر إلى رتبة أنه يجعل تلك القيم أو يجعل ذلك المجال التداولي الذي انطلق منه مفتوحا على كل المجالات وعلى كل القيم فإذاً الحقيقة أن الفلسفة لا تصدُر إلا عن فيلسوف له موقع خاص في مجتمع خاص بقيم خاصة وبمقاصد خاصة ثم ثانيا هناك جانب آخر هو أن الخصوصية هي جسد الكونية ماذا أقصد بهذا؟ أقصد أن إذا كانت هناك كونية أو معاني كونية فلا يمكن إلا أن تلبس لباس لغة مخصوصة وتُنْطَق في مجتمع خاص وتستخدم لغايات مخصوصة، بمعنى آخر أنه لابد من لباس خصوصي للمعاني الكونية ولو وُجِدت هذه المعاني بمعنى آخر أن الكونية هي عبارة عن معاني تلبس لباس الخصوصيات المختلفة.

خالد الحروب: ربما يقول قائل إن الكونية هي الإطار الأوسع هي المآل الذي تتصاعد إليه الخصوصيات المختلفة وتأمل بالوصول إلى مشترك إنساني متجاوز للقوميات والخصوصيات الثقافية والأديان وغير ذلك؟

طه عبد الرحمن: لا أظن أنه يخفض بالعكس بل يُثْمِرها ويغنيها لأنه يخرج بها عن مقتضى ما يمكن أن نسميه بالفلسفة الواحدة بحيث تُفْرَض على جميع الأمم ثم ثانيا هذا الفرض حتى إذا كان أو حتى إذا كان هناك مشترك كوني فإن هذا المشترك الكوني لا يبلغ دائما إلا من مواقع معينة، لابد أن يكون هناك موقع فرنسي وموقع ألماني وموقع إنجليزي ليخرج هذا الكون إلى الناس، فإذاً الحقيقة الكونية ليست إلا مجموعة خصوصيات متضافرة فيما بينها كأنها عبارة عن منظورات مختلفة لشيء واحد ولكن ذلك الشيء الواحد لا يمكن أن ندركه في ذاته من حيث هو مستقل عن هذه الخصوصيات إنما ندركه دائما من خلال هذه الخصوصيات مثلا لو أخذنا مفهوم العدل، العدل يعني مفهوم كوني ولكن تصور العدل في هذا المجتمع يختلف عن تصوره في مثلا من مفهوم العدل في المجتمع الديمقراطي يختلف عن تصور العدل في المجتمع الإسلامي كما كان في أوائل صدر الإسلام مثلا.

خالد الحروب: لو نظرنا للمسألة من زاوية أخرى لو قال أحدهم بعد أن قرأ الكتاب أن إذا وجد عندنا فلسفات مختلفة فلسفة عربية فلسفة هندية أميركا اللاتينية إلى أخره تحاول معالجة الفضاء الخاص في المجال الدولي معناته هل نحن ندفع الفلسفة باتجاه أن تكون مجرد علم اجتماع، علم الاجتماع هو الذي يحاول معالجة هذه المشكلات؟

طه عبد الرحمن: لا أظن يعني هي ليست قضية سندرس يعني الفلسفة هنا ليست علم اجتماع هو يدرس ظواهر أما الفلسفة فهي نظر مراد منه نظر شامل مراد منه التغلغل في استيعاب معنى من المعاني أو حقيقة من الحقائق فيعني المنهجان يختلفان قد يعني الانطلاق من موقع معين نسميه مجال تداولي أو مجتمع ما أو كذا لا يمنع كليا من أن يكون هذا الانطلاق متجه لمعاني يعني يتناولها الجميع ولكن كل يتناولها بأدواته الخاصة بلغته الخاصة بقيمه الخاصة كما قلت لكم بآماله الخاصة ولكل فيلسوف يعني وجهة نظره الخاصة بل أكثر من هذا لا يتجلى الاختلاف في معرفة مثلما يتجلى في الفلسفة يعني يقال بأن الفلسفة كونية ولكن حقيقة الأمر ليس في المعرفة مجال يختلف فيه الناس مثل اختلافهم في المجال الفلسفي، هذا يدل على أن الفلسفة ليست فقط فيها اختلاف بل فيها أقصى الاختلاف الذي يمكن أن يقع فيه الإنسان أو يحصل في المعرفة الإنسانية.

خالد الحروب: بعد هذا التوقف القصير سوف ننطلق إلى الفصل الرابع والخامس، مشاهدينا الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.



[فاصل إعلاني]

موانع التفلسف العربي ومفهوم الفُتُوَّة المنتفضة

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم مرة ثانية نواصل معكم مناقشة كتاب اليوم الحق العربي في الاختلاف الفلسفي للدكتور طه عبد الرحمن، دكتور طه في الفصل الرابع والخامس تتحدث عن موانع الإبداع الفلسفي وتطرح أيضا سؤال هل يمكن تصحيح ما تسميه اعوجاج الفلسفة العربية وتأخذ الفلسفة المغربية مثالا ما هي موانع التفلسف العربي؟

"
تقديس النص الفلسفي يعني المحافظة على لفظه وعلى مضمونه
"

طه عبد الرحمن: موانع التفلسف العربي يعني كثيرة هي أولا المانع الأول تقديس النص الفلسفي يعني وقع في تاريخنا أننا نقدس النص الفلسفي ما معنى تقديس النص الفلسفي؟ يعني أننا نعتبر أنه يجب علينا أن نحافظ على لفظه كله ونحافظ على مضمونه كله فهنا تقديس يعني لماذا..

خالد الحروب [مقاطعاً]: النص الفلسفي المستحدث ذاتيا أم المستورد أم المترجم؟

طه عبد الرحمن: المترجم وحتى المترجم يعني أننا حينما ننقل النص الفلسفي يجد المترجم الحاجة إلى أن يحفظ كل ألفاظ النص وأن يحفظ كل مضمون النص ونحن نعلم اختلاف اللغات فيما بيننا فاللفظ قد يوجد في لغة ولا يوجد في لغة أخرى والمعنى قد يوجد في لغة، بمعنى آخر أن هناك قداسة للنص وسبب ذلك هو أن أصل الترجمة هو ترجمة النصوص الدينية، فالفيلسوف يتصرف مع النص الفلسفي.. تَصَرُّف المترجم الفلسفي يتصرف مع النص الفلسفي تصرف المترجم الديني للنص الديني يعني نفسالتقديس وهذا مانع من الموانع نتخلص من هذا الجانب، ثم المانع الثاني هو أننا نتصور الفلسفة ولا زالت إلى يومنا هذا حتى عند بعض المؤرخين الفلسفة يتصورونها في صورة أنها معجزة، الفلسفة يعني نشأت عند اليونان في صورة معجزة كأنها نزلت..

خالد الحروب [مقاطعاً]: أنها السلطة المطلقة والقول المطلق.

طه عبد الرحمن [متابعاً]: لا يعني أن العقل كأن العقل الخالص وُلِدَ عند اليونان دفعة واحدة بحيث لا زلنا إلى يومنا هذا هذا الفكر يقال لازلنا نقول المعجزة اليونانية بصدد الفلسفة وحتى في الإطار الإسلامي لما أردنا أن ننقل الفلسفة خلقنا إطارا إعجازيا وهذا الإطار الإعجازي هو أن الخليفة المأمون رأى رؤيا منامية شهد فيها أرسطو وما إلى ذلك يعني، ثم أكثر من هذا حتى داخل الممارسة الإسلامية للفلسفة العربية كنا نتصور دائما أن الفلاسفة في رتبة الأنبياء وربما أحيانا فوق الأنبياء يعني هناك قداسة إضفاء صبغة دينية على الفلسفة نفسها على النص الفلسفي وعلى صاحب النص الفلسفي.

خالد الحروب: تنطلق من هذا النقد الموانع إلى محاولة إبداع مفاهيم جديدة وفي الفصل السادس تطرح مفهوم جديد كنموذج لإبداع ورؤية فلسفية لبعض المفاهيم التي ترى أنها لم تُعَالَج فلسفيا من زاوية عربية وهنا تقول القوة المنتفضة كنموذج..

طه عبد الرحمن [مقاطعاَ]: الفُتُوَّة..

خالد الحروب [متابعاً]: كيف نُقَيِّم فلسفة عربية بمفهوم الفُتُوَّة المنتفضة عفوا الفُتُوَّة المنتفضة نموذجا، ماذا تقصد بهذا المفهوم ما هي الفُتُوَّة المنتفضة؟

طه عبد الرحمن: أنا مرادي في إطار الفلسفة العربية هو الاشتغال بمفاهيم لها أسباب في مجالنا التداولي ولكن ليست لها أسباب في مجالات تداولية أخرى غير العربية من هذه المفاهيم مثلا مفهوم الانتفاضة مفهوم التبعية مفهوم التطبيع يعني وهناك مفاهيم كثيرة مفهوم الظلم يعني هذه مفاهيم يحتاج الفيلسوف المتفلسف العربي أن يخلق حولها خطابا استدلاليا فلسفيا يميزه عن الخطابات الأخرى التي نجدها لماذا؟ لأن هذه مفاهيم موجودة ووُلِدَت داخلها، فالعربي إلى حد الآن لا يجرؤ على أن يخلق هذا الخطاب الاستدلالي الفلسفي حول مفاهيم لم يقم غيره من فلاسفة الغرب مثلا فيتفلسف حولها بحيث يمكن أن تكون مثلا للعربي فلسفة خاصة.

خالد الحروب: هل هذه مفاهيم فلسفية يمكن النظر إليها فلسفيا أم أنها مثل التطبيع والانتفاضة قد يقول قائل هذه مفاهيم سياسية ومتغيرة وسريعة الإيقاع وليست فلسفية؟

طه عبد الرحمن: لا هو كل مفهوم يمكن أن يكون موضع تفلسف، فلو أخذنا مثلا مفهوم السياسة نفسه، مفهوم السياسة يمكن السياسة نفسها يمكن تكون موضوع التفلسف، التفلسف هو نظر في جميع المفاهيم والحقائق الممكنة نظرة تختلف عن نظرة العالِم مثلا، فهذه التطبيع هو مفهوم طبعا سياسي ولكن ممكن أن يرتقي به الفيلسوف إلى رتبة مفهوم فلسفي.



الهوية البشرية بين الإنسانية والرجولة والمروءة

خالد الحروب: نعم، تقول هنا في الفصول الأخيرة أعتقد صفحة 131 تناقش الهوية البشرية وتقول أنت ضد المنطق الذي يُعَرِّف الهوية البشرية بالعقل أنها مُفارِقَة للحيوان مثلا بالعقل والعقلانية وتقول أن السؤال المحدد للهوية البشرية هو كيف أكون على خُلًقْ ماذا تقصد بذلك وربما البعض يقول هذا فيه لا موضوعية غير موضوعي معيار غير موضوعي ومنحاز فيه انحيازات أخلاقية؟

"
المفهوم الأخلاقي السائد جزء من الصفات في إطار صفات تختلف يعني غير أخلاقية، بينما في نظري عبارة عن كل الصفات التي تجعل الإنسان إنسانا
"
طه عبد الرحمن: أولا أظن هذا الحكم يعني يَصِح لو أن مفهومي للأخلاقية هو المفهوم السائد لأن المفهوم الأخلاقي السائد هو أن الأخلاق عبارة عن جزء من الصفات في إطار صفات بتختلف يعني غير أخلاقية بينما في نظري الأخلاق هي عبارة عن كل الصفات التي تجعل الإنسان إنسانا بحيث يمكن أن نقول هذا إنسان حتى العقل هو فعل أخلاقي بمعنى آخر أن كل ما يجعل الإنسان يحقق إنسانيته يعتبر فعلا أخلاقيا، فإذاً ينبغي تحديد هوية الإنسان من خلال هذا الفعل الذي يحقق له إنسانيته وهذا الفعل الذي يحقق له إنسانيته هو الفعل الخُلُقي، فطبعا يقول الفعل العقلي أنا أقول حتى الحيوان عنده جزء من العقل ولكن الحيوان ليست عنده أخلاق فالذي يُمَيِّز الأخلاقية هو أنها تجعل الإنسان إنسانا أو يحقق كمال الإنسانية أو يرتقي في مراتب الإنسانية.

خالد الحروب: انطلاقا من هذا التعريف الأخلاقي للهوية البشرية تشرح في الفصل السادس والسابع هنا أنها مرتبطة بثلاث دلالات؛ الدلالة الإنسانية والرجولة والمروءة ثم تُرَفِّعها إلى الفُتُوَّة، كيف هذا السلم الترقي هذه من مرحلة إلى أخرى وما الذي تقصد بهذه الدلالات؟

طه عبد الرحمن: أولا هذا نموذج من النماذج التي يمكن أن نقول إنها تفلسف عربي، فإذا نظرنا إلى مثلا مفهوم الإنسان والرجل والمرء هذه المفاهيم الثلاثة قَلَّما نجد لها نظيرا في لغات أخرى وهذه المفاهيم هي رُتَب في تحقيق خُلُقِيَّة الإنسان فالإنسان هو باب الدخول على الأخلاق، مفهوم الإنسان في التراث العربي والمرء أو الرجل هو تَقَدُّم بهذه الخُلُقِيَّة تََقَدُّم نحو الأفضل والمروءة هي كمال هذا التقدم، يعني كمال الرجولة بمعنى أنه الرجولة هي كمال الإنسانية والمروءة هي كمال الرجولة والفُتُوَّة هي الوصول إلى نهاية التَخَلُّق الإنساني وهي التي أسميتها بالفُتُوَّة.

خالد الحروب: هذا يطرح مسألتين مسألة ربما فرعية ومسألة أهم، المسألة ليست فرعية الحقيقة حتى هذه المسألة مهمة ربما يقول قائل إن الرجولة والمروءة والفُتُوَّة كلها تعابير ذات مدلولات ذكورية، أنت تتحدث عن الرجال لو كان هناك أي أطروحة أنثوية تقول لك أين النساء؟

طه عبد الرحمن: أولا النساء يعني في من هذا من حيث هذا الترتيب النساء لها رتبة المروءة فلا ننسى بأن المرأة هي مشتقة من لفظ يعني نفس الاشتقاق الموجود للفظ المرء، بمعنى آخر أن المرأة في التصور الإسلامي هي رتبة أخلاقية فوق الرجولة، بمعنى آخر أن هذا الترتيب يجعل للمرأة رتبة أخلاقية وهي رتبة المروءة، بمعنى آخر أن ترتيبي لا يُخْرِج المرأة على الإطلاق بل يجعل لها صفةً لا نجد لها نظيرا مثلا في اللغة الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية وهي أن المرأة في الممارسة الثقافية العربية هي إنسان خُلُقي وأخلاقي وينبغي أن تكون النظرة إليه نظرة أخلاقية أساسا، يعني المرأة هي تحقق درجة أخلاقية عليا تفوق درجة الرجولة.

خالد الحروب: المسألة الثانية التي يطرحها هذا الترتيب هذا الترقي هل نحن أمام مفهوم داروينية أخلاقية أن الإنسان.. تنتقل من الإنسان إلى الرجل إلى المرء إلى الفتى؟

طه عبد الرحمن: لا ليس الأمر كذلك لأن ليس هذا ترتيب زمني، هذا ترتيب أفعال تتفاوت فيما بينها يعني قد آتي فعلا يجعلني في رتبة إنسان بالمفهوم الذي حددته وفعلا آتي به أحيانا يجعلني في رتبة الفُتُوَّة وأحيانا.. فهي أفعال قد تكون متزامنة وليست لها تطور زمني أو أن الإنسان مثلا يتطور في حياته من رتبة الإنسان إلى رتبة الرجل إلى رتبة المرء إلى رتبة الفتى ليس الأمر كذلك إنما هي أفعال كل فعل يحقق درجة من الأخلاقية وحين ذاك يُصنَف في إحدى هذه الرتب.

خالد الحروب: في الخاتمة دكتور طه عبد الرحمن تقول نحو درء الشبهة الكبرى وهذه الشبهة هي عند الحديث عن حق عربي في التفلسف العربي في التفلسف في الفلسفة بشكل عام هذا قد يثير بعض الأسئلة أنك تتجاوز المرجعية الإسلامية، بعض الناس قد يقولون هذا فكر قومي يريد أن يخلق فلسفة عربية على حساب فلسفة إسلامية وأنت كيف درأت هذه الشبهة؟

طه عبد الرحمن: أولا الشبهة درأتها أولا أنه لا كونية.. المنطلق الأول لا كونية بغير خصوصية لابد أن يتكلم الإنسان لغة معينة، ليست هناك لغة يتكلمها الجميع ويحيا معانيها الجميع وتنعكس في حياة الناس جميعا يعني لابد من لغة معينة فإذاً لا كونية بغير خصوصية، ثانيا أنه في الإطار يعني الإسلامي يعني إذا نحن طالعنا وتدبرنا الآيات القرآنية تدبرا حقيقيا سنجد أن لكل قوم نبي والنبي يتكلم لسان هذا القوم وإن أُرسِل إلى الناس كافة ولو يُرسَل إلى الناس كافة فهو لا يتكلم لسان قوم مخصوص، مثلا لو فرضنا الإسلام هو يعتبر أنه دين كافة الناس فيعني اللغة العربية هي لغة خاصة ولكن متوجهة في خطابها إلى الناس كافة، فإذاً القومي عندي هنا القومي عندي ليس هو القوماني يعني أن هناك عناصر مُمَيِّزَة لشعب ما تجعله يقطع صلاته أو يتميز بحيث تنقطع صلاته بالشعوب الأخرى ليس الأمر كذلك، ليست هناك أي مميزات تاريخية ولا أية مميزات يعني أخرى جنس من جنس أو العرق أو ما إلى ذلك إنما كل ما هنالك هو أن اللغة نحتاجها في تبليغ هذه الفلسفة والفلسفة لغة فإذاً لابد أن نلجأ إلى لغة مخصوصة في إطار قومي حينما أتكلم قومي هنا هو أنه ما هي الفلسفة التي يمكن أن تُوَلِّدها الإمكانات التعبيرية والبلاغية والتبليغية للغة العربية؟ هذا كل ما أقول يعني بمعنى آخر أن الفلسفة خطاب لغوي وهذا الخطاب اللغوي لابد أن يحصل نظيره في الممارسة العربية.

خالد الحروب: دكتور طه عبد الرحمن شكرا جزيلا لك، مشاهدينا الكرام شكرا جزيلا لكم أيضا على مرافقتكم لنا كتاب اليوم الذي كان الحق العربي في الاختلاف الفلسفي من تأليف الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن أستاذ المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس بالرباط وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل هذه تحية من فريق البرنامج ومن مُعِد البرنامج عبد المعطي الجعبة ومِنِّي خالد الحروب ودمتم بألف خير.